شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | المثقّف العربي “الحداثوي” وأزمة الدّونية..

المثقّف العربي “الحداثوي” وأزمة الدّونية..

image_pdfimage_print
Facebook 12 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

المفكّر العربي المأسوف على تسيّسه برهان غليون وفي كتابه المتميّز الصّادر منذ عقود “مجتمع النّخبة” يفرد فصلين في نقد التيّارين الأصلاني والعصراني في الفكر العربي المعاصر.

في نقد تيّار التّحديثيّين يتّخذ برهان غليون كتاب نقد الفكر الدّيني للمفكّر صادق جلال العضم أنموذجا. يستخلص غليون أنّ هزيمة 67 تدفع المثقّف العربي إلى اِستخلاص بسيط يتحوّل فيه المفكّر إلى قاض يحاكم الشّعب ودينه وثقافته وعاداته باِعتبارهم هم المسؤولون عن الهزيمة، وبذلك تنجو “النّخبة” السّياسية والفكرية والعسكرية من كلّ محاكمة. ذلك الشّعب نفسه ودينه وثقافته وعاداته كانت في سياقات أخرى عوامل اِنتصار على الاِستعمار القديم لكنّها تصبح بجرّة قلم نخبويّة هي سبب الهزيمة حين تنكسر دولة نخبة الاِستقلال الوطنية أمام الاِستعمار الجديد فيصبح العيب في الشّعوب وأديانها وثقافتها.

الخلاصة الضّحلة للأصلانيّة السّلفوية أمام الهزيمة كانت برأي عابد الجابري هي أنّه “لا يصلح آخر هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوّلها” أمّا خلاصة العصرانية الخائبة أمام الآخر المنتصر فهي الوجه الآخر للضّحالة “لا يصلح آخر هذه الأمّة إلاّ باِستئصال كلّ ما يجعل منها أمّة فكرا ودينا ولغة وعادات وتقاليد وفي كلمة هويّة وخصوصيّة.

من المفارقات الجميلة أنّ صادق جلال العضم نفسه هذا الّذي اِتّخذه غليون أنموذج العصرانية التّائهة هو من سيكتب في أواخر حياته سنوات الألفين كتابا في نقد الاِستشراق “العربي” وفيه مقالة رائعة عن “الآيات الشّيطانية” للرّوائي من أصل مسلم سلمان رشدي، وهو الكتاب الّذي اُعتبر وقتها تهجّما على القرآن وتبخيسا له وأصدر على إثره الخميني فتواه بإهدار دمه. صادق جلال العضم الّذي أكّد على اِحترامه لحرّية الإبداع نقد في نفس الوقت كيفيّة تحوّل المسلم المغترب المنكسر أمام الآخر إلى مدمّر لذاته ومبخس لهويّته وتراثه وكأنّ الحداثة والكونية عنده هي الذّوبان في الآخر بعد قتل الأنا وكأنّ الآخر هو مقياس الحقيقة.

موقف جلال العضم هذا أغضب منه المفكّر الماركسي المتحوّل في آخر حياته إلى العلمانيّة اللّيبيرالوية جورج طرابيشي الّذي لم يكن قادرا على تصوّر حداثة ودخول إلى الكونيّة إلاّ بتماثل تامّ مع لائكية غرباوية يعقوبية بائسة تستأصل الشّعوب العربية من أديانها وثقافتها لتلقي بها في قلب الحداثة عارية كما ولدتها أمّها حضارة الرّجل الأبيض.

تلك أفكار وتصوّرات نستحضرها ونحن نرى بؤس بعض أدعياء حداثة ممسوخة لدى عرب ونشطاء لا يرون مقاومة للإرهاب والتخلّف إلاّ بسلخ شعوبنا من ذواتها… لكنّ المفزع أنّها قد تسلخ لكنّ الجلد الآخر لن يركب على لحمها الأحمر فتبقى جثّة هائمة في العراء مثل هنديّ أحمر يتحدّث عنه درويش في طباقه الشّعري مع إدوارد سعيد حين يقول له لا تصدّق حصان حداثتهم…

Facebook 12 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail
%d مدونون معجبون بهذه: