أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / المتابع لمسيرة أردوغان وميوله الاِستعراضيّة سيتوقّع بأنّه جهّز نفسه لعرض اِستعراضيّ شيّق مليء بالتّفاصيل والمعلومات المثيرة والقويّة..

المتابع لمسيرة أردوغان وميوله الاِستعراضيّة سيتوقّع بأنّه جهّز نفسه لعرض اِستعراضيّ شيّق مليء بالتّفاصيل والمعلومات المثيرة والقويّة..

Spread the love

الأستاذ عبد اللطيف دربالة

لماذا اِعتمدت تركيا لعبة “سريّة البحث الجنائي وعلنيّة التّسريبات الصّحفيّةّ” في جريمة الاِغتيال السّياسي للصّحفي جمال خاشقجي..؟؟!!

كيف تلاعبت تركيا بأعصاب السّعوديّين وجعلتهم يعترفون أخيرا بقتل خاشقجي فعلا داخل القنصليّة السّعوديّة على أيدي ضبّاط أمن ومخابرات وعسكريّين سعوديّين.. قبل حتّى أن تعلن تركيا نفسها ورسميّا نتيجة التّحقيق الجنائي بتأكيد قتل خاشقجي فعلا؟؟!!

أين جثّة خاشقجي؟
ومن هو أعلى مسؤول سعودي أعطى الأمر باِغتيال الصّحفي المعارض؟
هل يحمل تصريح أردوغان غدا الثّلاثاء حول نتيجة التّحقيق الأجوبة يقينا عن هذه الأسئلة الحاسمة؟

الأرجح على الظنّ بحسب ما توفّر من معطيات ومعلومات وتسريبات.. أنّ السلط التركيّة أدركت منذ الساعات الأولى لإبلاغ خطيبة الصحفي المعارض جمال خاشقجي عن إختفائه داخل مقرّ القنصليّة السعوديّة بإسطنبول.. أنّه قتل داخل مقرّ القنصليّة.. وأنّ المخابرات التركيّة كانت تتجسّس بطبيعتها على مقرّ القنصليّة.. على الأقلّ عبر الميكروفونات.. إن لم يكن عبر الكاميرات.. وهو ما مكّنها من الاطّلاع بدقّة ويقين.. وبعد ساعات فقط.. على ما دار في السفارة وما حصل لخاشقجي..
إلاّ أنّ هذه المعلومات الإستخباراتيّة لتركيا لم يكن يمكنها إستغلالها على حالتها.. وتعذّر عليها أن تعلن للعالم فورا أنّها تملك أدلّة إستخباراتيّة تجسّسية على جريمة إغتيال الصحفي المعارض..
أوّلا لأنّ ذلك سيشكّل إعترافا صريحا وعلنيّا فاضحا من الدولة التركيّة بأنّها تمارس التجسّس على مقرّات البعثات الدبلوماسية الأجنبيّة ببلادها.. ولئن كانت جميع البلدان في الحقيقة تفعل ذلك في بعضها البعض. . لكنّ الإعلان الصريح عن الأمر أو كشفه يسبّب دائما غضبا واحتجاجات وأزمات ديبلوماسية وسياسيّة..
وثانيا لكون إقرار وتأكيد تركيا بتجسّسها على قنصليّة السعوديّة.. سيجعل باقي سفارات وقنصليّات الدول الأجنبيّة تقوم بحملة كبرى لإعادة مراقبة وكشف وتطهير مقرّاتها من معدّات التجسّس التركيّة فيها.. ممّا سيسبّب بالتأكيد خسارة إستخباراتيّة كبرى لتركيا وهدم شبكات تنصّت ربّما قضت سنينا طويلة في إنشائها وزرعها بطرق خفيّة..!!!

لذا حاولت السّلط التركيّة في الأثناء البحث عن وسيلة تسوّق بها تلك التسجيلات.. مثل المزاعم بأنّ ساعة “آبل” للخاشقجي سجّلت كلّ شيء.. وهو ما شكّك فيه خبراء التكنولوجيا.. خاصّة بالنظر لمواصفات شبكة الهاتف الجوّال الحاليّة في تركيا المختلفة عن نظيرتها الأمريكيّة..!!!

لهذا السّبب عملت تركيا في المقابل على تجميع ملفّ جنائي قويّ يكون كافيا لتوجيه الاتّهامات بالقتل ليس لفريق من 15 أو 20 شخصا فقط حضروا إلى أسطنبول على عجل لتصفية معارض سعودي لنظام بلاده.. وإنّما توجيه اتّهامات بالقتل لدولة بأكملها هي المملكة العربيّة السعوديّة..
وتسعى تركيا لأن تكون أدلّة الإدانة كافية و”مقنعة” للعالم أجمع على حدّ تعبير رئيس تركيا أردوغان في أحد تصريحاته الأولى عن الحادثة.. أي ضمنيّا مقنعة للأنظمة الغربيّة خاصّة التي يحتاج لها للضغط على المملكة بشكل يحقّق معه النظام التركي فوائد سياسيّة.. باعتبار الخلاف والصراع المفتوح والمكتوم بينها وبين السعوديّة.. وباعتبار الجريمة تمّت على أراضيها..
في جرائم القتل خصوصا فإنّ الشبهات والقرائن مهما كانت قويّة لا تكفي لإدانة شخص بالقتل..
بل حتّى إعتراف الشخص نفسه بارتكاب جريمة قتل.. لا يعدّ كافيا في القانون الجنائي لإدانته إن لم يثبت بالدّليل القاطع إرتكابه فعلا لها..!!
فالأدلّة على إرتكاب متّهم لجريمة قتل يجب أن تكون قاطعة وحاسمة.. ويجب بالضّرورة كشف طريقة القتل على وجه الدقّة.. وإيجاد جثّة القتيل.. وإلاّ عدّت الجريمة إخفاء أو خطفا لا قتلا.. ويجب أيضا عرض الجثّة على الطبّ الشرعي لمطابقتها مع طريقة القتل المفترضة.. وضبط أداة الجريمة.. وإثبات وجود المتّهم بالقتل في مكان الجريمة عبر عدّة طرق مؤكّدة من بينها شهود العيان أو تسجيلات الفيديو أو حتّى آثاره البيولوجيّة مع تطوّر إمكانيّة ضبط البصمات الجينيّة للشخص..

لذلك بدأت السلطات التركيّة عمليّة بحث وتحقيق واسعة ودقيقة ودؤوبة لما تعتبره “جريمة دولة”.. تشارك فيها السلط القضائيّة والأمنيّة وأجهزة الإستخبارات..
بالتوازي مع ذلك بدأت تركيا مبكّرا حربها السياسيّة على النظام السعودي..
وفي غياب أخبار رسميّة تخصّ التحقيق الذي أبقته تركيا قصدا سريّا ومكتوما.. عمد النظام التركي في المقابل إلى طريقة التسريبات الصحفيّة.. عبر سياسة “القطرة قطرة”..
فتارة تصدر معلومات منسوبة لمصادر أمنيّة تركيّة رفيعة دون ذكر أسمائها.. وتارة عن مصادر سياسيّة أو حزبيّة أو قضائيّة أو ديبلوماسيّة.. ومرّة تكون التسريبات في شكل لقطات فيديو لكاميرا مراقبة أو صور.. ومرّة تكون في شكل رسم لخطّ سير سيّارات ديبلوماسيّة تابعة للقنصليّة السعوديّة يوم الجريمة أو معلومات تقنيّة دقيقة..
ولو أرادت السلطات التركيّة منع تلك التسريبات لفعلت.. لأنّ القوانين في كلّ دول العالم تمنع حتّى الإعلام من تسريب معلومات التحقيقات القضائيّة.. حتّى لا تؤثّر على البحث الجنائي.. ولا تفيد مرتكب الجريمة في طمس أدلّتها أو التهرّب منها..
لكنّ الحكومة التركيّة على ما يفهم بوضوح.. كانت هي “مايسترو” تلك التسريبات الصحفيّة بالتوزاي مع تصريحاتها الرسميّة الشحيحة جدّا والمقتضبة حول تفاصيل التحقيق..
والمؤكّد بأنّ الحكومة التركيّة سعت من خلال هذه السياسة وهذه الخطّة إلى تحقيق جملة من الأهداف الرئيسيّة:

1 ـ بداية إحراج النظام السعودي أمام العالم بأنّه متورّط في قتل صحفي معارض له.. وذلك بطريقة غادرة بمقرّ قنصليّة بلاده بدولة أجنبيّة.. دخلها آمنا مطمئنّا..
2 ـ إرباك النظام السّعودي بفعل سريّة التحقيق من جهة أولى والجهل بما يتوفّر لدى السلطات التركيّة من معلومات حول جريمة الإغتيال السياسي.. ومن جهة ثانية بفعل نوعيّة ومحتوى التسريبات المتواترة في كلّ مرّة.. في محاولة لدفع النظام السعودي على ما يبدو للتصرّف بطريقة متوتّرة ومضطربة ومتسرّعة وطائشة مرّة بعد أخرى لمحاولة إخفاء أدلّة الجريمة وسدّ الثغرات.. بطريقة قد تزيد على العكس في كشف أدلّة وعناصر الجريمة..
3 ـ دفع النظام السعودي للخروج من حالة الصّمت والإنكار التي انتهجها في السّاعات والأيّام الأولى للجريمة..
فبعد أن أنكرت السعوديّة وجود جمال خاشقجي في القنصليّة.. وصرّح وليّ العهد محمّد بن سلمان بنفسه في حديث صحفي مع “بلومبرغ” الأمريكيّة بعد يومين بأنّ جمال خاشقجي غادر القنصليّة السعوديّة بعد فترة زمنيّة بسيطة من دخوله.. وأنّه يمكن لمن يشاء دخول القنصليّة وتفتيشها.. بدأت المملكة تزعم تحرّيها بدورها في اختفاء مواطنها بإسطنبول.. ثمّ تراجعت السعوديّة تماما بعد نحو أسبوعين.. وصدرت بيانات رسميّة بعد منتصف اللّيل من يوم العطلة الأسبوعيّة الجمعة الفارط تعلن مقتل خاشقجي بالسفارة بالفعل.. لكن “إثر شجار” مع أشخاص أرسلوا لـ”مفاوضته” من أجل إقناعه بالرّجوع إلى المملكة.. وصدرت أوامر ملكيّة بزعم التحقيق مع المسؤولين عن القتل.. وخرجت أخبار عن إيقافهم رهن التحقيق..
ثمّ عمدت السعوديّة وعبر تسريب صحفي بدورها منسوبا إلى مسؤول سعودي رفيع.. إلى نشر تفاصيل جديدة في الرواية الرسميّة حول كيفيّة تنفيذ القتل (بكتم أنفاس جمال حتّى الموت لمنعه من الصياح).. ومحاولة طمس الجريمة (تسليم الجثّة لمتعاون محلّي مقيم بتركيا).. ومغالطة القيادة السياسيّة من طرف القتلة (إصدار تقريرات مغلوطة عن العمليّة تدّعي السماح لجمال بمغادرة القنصليّة)..
4 ـ المحافظة على إستمرار الإهتمام الإعلامي الدولي بقضيّة خاشقجي طيلة فترة التحقيق السريّة.. والتي كان واضحا من البداية أنّها ستحتاج لعدّة أسابيع.. ربّما يخفت فيها إهتمام العالم بالجريمة.. لولا أنّ النظام التركي أدار خطّة لا شكّ أنّها مدروسة بعناية لتصاعد التسريبات المثيرة والمتنوّعة والصّادمة.. ممّا أشعل زخمّ ذلك الإهتمام الإعلامي والسياسي أكثر وجعله متزايدا ومتواترا.. حتّى برغم صمت السّلط الرسميّة التركيّة عن التصريحات الإعلاميّة في تفاصيل الموضوع..
5 ـ ممارسة الضغط الإعلامي والسياسي على النظام السعودي عبر التسريبات بغرض إجباره أخيرا عن التخلّي عن الحصانة الديبلوماسيّة لمقرّ القنصليّة ومنزل القنصل.. والسّماح للسّلط التركيّة القضائيّة بتفتيشها.. وهو ما حصل فعلا في الأخير بحضور عشرات الأفراد من فرق البحث الجنائي التركي المختصّين في شتّى المجالات.. وقضاء ساعات طويلة للتدقيق والتفتيش بمقرّات البعثات الديبلوماسيّة السعوديّة.. وما كان ذلك ممكنا طبقا لاتّفاقيّات فيانا حول حصانة المقرّات الديبلوماسيّة دون موافقة المملكة.. وهو ما سمح بالتأكيد للسّلط التركيّة بالعثور على أدلّة جنائيّة ثمينة ودامغة..
6 ـ تعمّد تسريب المعلومات عن التحقيق التركي وما توفّر من أدلّة وتسجيلات بطريقة “القطرة قطرة”.. جعل النظام السعودي يقيس في كلّ مرّة حجم وسقف المعلومات التركيّة المتوفّرة ويصدر إعترافات على القياس تتوافق معها.. قبل أن تفاجئه تسريبات إضافيّة جديدة بدرجة أعلى من المعلومات.. يضطرّ معها السعوديّون للتراجع وتغيير روايتهم الرسميّة في كلّ مرّة.. وهو ما أظهر كذبهم وزيف تصريحاتهم.. وورّطهم بذلك في شبهة إرتكاب الجريمة بأمر من أعلى مستوى في نفس تلك السّلطة التي تصدر بيانات التوضيح الخاطئة..!!
7 ـ زيادة الضغط الدولي ولا سيما الأمريكي والغربي على النّظام السّعودي بشكل يضيّق الخناق عليه..
وطوال إنغماس تركيا في التحقيقات دون إعلان أيّ نتائج رسميّة.. فقد تتالت بالفعل.. ومع كلّ حزمة تسريبات جديدة.. مطالبات الحكومات الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة والألمانيّة وحتّى الأمم المتحّدة وغيرهم.. للسعوديّين بتقديم توضيحات كافية وإجابات صادقة في ما يخصّ مقتل خاشقجي..
وهو ما حصل ودفع السّلط السعوديّة في النهاية إلى التسليم والإعتراف بمقتل خاشقجي داخل سفارتها.. رغم أنّ السّلط التركيّة الرسميّة لم تصدر حتّى اليوم أيّ تصريح رسميّ يقطع بموت الخاشقجي يقينا..
8 ـ ترك الحبل على الغارب للإعلام السعودي في البداية.. والإعلام الموالي له والمموّل من قبله مثل الإعلام المصري.. لمجاراة نظام المملكة في الإنكار.. والتمسّك ببراءة السعوديّة تماما من قتل جمال خاشقجي بمقرّ قنصليّتها في تركيا بعد أن دخلها آمنا على نفسه.. والتأكيد على أنّه غادر المقرّ.. وأنّ جهة أخرى قد تكون لها مصلحة في إتّهام المملكة بالجريمة قد تكون هي التي اختطفت أو قتلت الصحفي السعودي المعارض..وإتّهام هذا الإعلام المخابرات التركيّة بتدبير وفبركة الحادث والإعلام القطري بتنظيم حملة إعلاميّة كاذبة وفجّة لتشويه خصيمتهم السعوديّة..
ثمّ ومع تراجع النظام السعودي وإعترافه بقتل الخاشقجي داخل القنصليّة فعلا وعلى أيدي قتلة سعوديّين من أعلى المسؤولين في أجهزة المخابرات والأمن والجيش في المملكة.. ولو مع التمسّك بكونهم مارقين تجاوزوا صلاحيّاتهم ولم يعلموا القيادة بالجريمة.. وجد الإعلام السعودي والموالي له أنفسهم جميعا في “تسلّل” مريع..!!
ويكون بذلك الأسلوب التركي قد أفقد الأذرع الإعلاميّة السعوديّة مصداقيّتها تماما أمام مواطنيها أنفسهم.. وأمام الشعوب العربيّة.. وأمام العالم.. بما يجعل من الصّعب الثقة في أخبارهم وتصريحاتهم بعد ذلك.. ومنهم رموزا وشخصيّات إعلاميّة كبيرة.. ووسائل إعلام ضخمة..

حتّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه الذي يتمتّع بعلاقات وثيقة جدّا بالنّظام السعودي الحالي.. وترتبط عائلته.. ولا سيما زوج إبنته جاريد كوشنر.. بعلاقة تحالف شخصي ومالي وسياسي مع وليّ العهد الشابّ محمّد بن سلمان.. وجد نفسه يقع بدوره في الفخّ التركي للعبة “سريّة التحقيقات وعلنيّة التسريبات”.. !!
فقد أخذ ترامب يتراوح بطريقة مدهشة بين إعلان عدم تصديق تورّط النظام السعودي في إغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي يتكلّم الأنجليزيّة بطلاقة ويكتب في كبرى الصحف الأمريكيّة وينزل ضيفا دائما على كبرى القنوات التلفزيّة الأمريكيّة.. ومطالبته السعوديّة بتوضيحات للغرض.. وبين تهديده بعقوبات قاسية ضدّها إن ثبت تورّطها.. ثمّ تراجعه للتعبير عن قناعته بصدق الملك ووليّ العهد اللّذان أكّدا له عدم علمهما بالجريمة وحرصهما على محاسبة مرتكبيها.. قبل أن يصعّد ترامب من جديد بالقّول بأنّ الرواية السعوديّة الرسميّة غير كافية.. وبأنّه يمكن التفكير في عقوبات أخرى على السعوديّة غير منع صفقات الأسلحة..!!
وهو ما جعل مسؤولين أمريكيّين وأعضاء بارزين في الكونغرس وفي الحزبين الجمهوري والدّيمقراطي ومدراء سابقين للمخابرات الأمريكيّة إضافة إلى أغلب وسائل الإعلام.. تتساءل عن مدى جديّة الرئيس الأمريكي في محاسبة النظام السعودي.. وما إذا كانت علاقته الماليّة بالملك ووليّ العهد السعودي تجعل “أقوى رجل في العالم” يمكن أن يصدّق فعلا روايات رسميّة سعوديّة “غير مقنعة”.. بل وتتضارب مع تسريبات متزايدة بدأت تخرج في الولايات المتحدّة عن تقارير مخابراتيّة أمريكيّة أبلغت إلى الرئيس ترامب نفسه.. وتتّهم النظام السعودي في أعلى مستوى بالتورّط في إرتكاب جريمة الإغتيال السياسي للصحفي خاشقجي..؟؟
ـ
بعض الملاحظين.. وأمام طول الصّمت الرّسمي التركي عن إعلان النتيجة النهائيّة للتحقيق في جريمة إغتيال الخاشقجي.. وحصول عدّة إتّصالات هاتفيّة معلنة بين الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وبين ملك السعوديّة سلمان بن عبد العزيز.. وبين أردوغان وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. والزيارة المستعجلة بمطار العاصمة أنقرة لوزير الخارجيّة الأمريكي لمقابلة أردوغان مباشرة بعد مجيئه من السعوديّة بعد أن قابل الملك سلمان وابنه محمّد وليّ العهد.. وتزامن ذلك مع الإفراج عن القسّ الأمريكي الموقوف في تركيا منذ أشهر طويلة على خلفيّة إتّهامات بالتجسّس.. وعودة الحرارة فجأة للعلاقات التركيّة الأمريكيّة.. بالتزامن مع إستماتة ترامب في الدّفاع عن النّظام السعودي.. بعض الملاحظين شكّكوا أمام كلّ ذلك في مدى مصداقيّة مآل الأبحاث والتحقيقات التركيّة في جريمة إغتيال خاشقجي.. وتحدّثوا عن صفقة قد يكون أردوغان أبرمها.. مقابل الصّمت.. أو على الأقلّ مقابل تمييع القضيّة والتخلّي عن تقديم الأدلّة الحاسمة التي يمكن أن تفيد تورّط النّظام السعودي مباشرة وفي أعلى مستوى في الأمر بالجريمة والإشراف على تنظيمها وتنفيذها..
غير أنّه.. وبقطع النّظر عن إمكانيّة تمسّك أردوغان بقيم الخير والحقّ والعدالة والقانون في هذه القضيّة من عدمه.. وحتّى من باب الحديث عن المصالح العليا لتركيا وأردوغان وعن الصفقات.. فإنّ حجم الخلاف السياسي الإستراتيجي بين النظام السعودي الحالي ممثّلا خصوصا في وليّ العهد محمّد بن سلمان.. وبين النظام التركي الحالي ممثّلا في رجب الطيّب أردوغان.. يجعل تنفيذ مثل هذه الصفقة أمرا مستبعدا للغاية..
فأردوغان وسلمان حاولا بمجرّد وراثة سلمان لعرش المملكة أن ينعشا العلاقات التركيّة السعوديّة.. وقد تبادلا معا الزيارات الرسميّة الوديّة إلى أنقرة والرياض.. وكانت التصريحات توحي ببداية عهد صداقة متجدّدة وقويّة.. لكنّ صعود محمّد بن سلمان المفاجئة برغم صغر سنّه إلى ولاية العهد.. وسيطرته السّريعة على مفاصل الحكم وسلطة القرار في المملكة.. وتحوّله إلى الرجل القويّ فيها والحاكم الفعليّ.. شكّلت بداية مرحلة تصادم جديدة مع تركيا لم تفلح على ما يبدو جميع المحاولات لرأب الصّدع في إصلاحها.. وظهر جليّا أنّ للشابّ بن سلمان خطّا سياسيّا وطريقة تفكير تختلف تماما عن خطّ وطريق أردوغان.. وأنّ مصالح البلدين أصبحت متنافرة ومتناقضة.. بل ومتنافسة ومتصارعة..
لذلك فإنّ نظرة أردوغان إلى محمّد بن سلمان سلبيّة للغاية.. (أيّا كان منهما على صواب وعلى حقّ).. وهو يدرك أنّ مستقبل العلاقات التركيّة السعوديّة في ظلّ حكم محمّد بن سلمان عندما يصبح ملكا.. لن تكون على الأرجح إيجابيّة أو مثمرة.. وأنّ حظوظ الصّراع بينهما متصاعدة وغالبة.. والحال أنّ نقاط التماس كثيرة جدّا بينهما.. ممّا ينبأ بأزمات كثيرة وكبيرة وطاحنة بينهما مستقبلا..
وبالنّظر إلى الثقل الإستراتيجي للملكة السعوديّة.. وموقعها.. وثرائها بالنّفط وتأثيرها على أسعار البترول بالأسواق العالميّة.. وبالتالي ثقلها البالغ في الإقتصاد الدولي..
وبالنّظر إلى ما تمتلكه السعوديّة من سيولة ماليّة هائلة وقدرة على الدّفع.. تمكنّها من أن تشتري الكثير.. بما في ذلك شراء حتّى الدّعم الأعمى لرئيس أمريكي مثل دونالد ترامب..
فإنّ الرئيس التركي رجب الطيّب أردوغان يعرف ويدرك تماما بأنّ السعوديّة تحت حكم محمّد بن سلمان ستتحوّل إلى خطر إستراتيجي عظيم يهدّد المصالح التركيّة العليا الإقليميّة والدوليّة..
لذا فإنّه لا يوجد على الأغلب أيّ إغراء مالي أو سياسيّ.. وما من صفقة يمكن أن يبرمها رجب طيّب أردوغان أكبر وأعظم في نظره من محاولة إزاحة شاب السعوديّة القويّ الأمير محمّد بن سلمان عن الحكم.. وربّما يعتقد أردوغان بأنّه لن تتاح له فرصة مماثلة أفضل من هذه الفرصة التي جاءته حتّى مكتبه في قصره السلطاني بأنقرة.. وهي الإغتيال السياسي لجمال خاشقجي.. والإهتمام البالغ للعالم بها.. وإمتلاك أردوغان لأغلب أوراقها هو شخصيّا..
وهو ما سيجعل أيّ صفقة مهما كبرت وغلت لن تحقّق لتركيا إلاّ فوائد آنيّة لا غير.. في حين سيبقى الخطر الإستراتيجي وفق الرؤية التركيّة ماثلا لثلاثين او أربعين عاما قادمة متوقّعة من حكم وليّ العهد السعودي الشّاب محمّد بن سلمان البالغ من العمر 33 سنة فقط.. إن نجح فعلا في وراثة الحكم عن والده..
على عكس ذلك يوجد رأي آخر يقول بأنّه لا يمكن لتركيا في كلّ الحالات إثبات أنّ أمر إغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي جاء من أعلى هرم السلطة بالمملكة.. أي الملك أو ابنه وليّ العهد.. وأنّه حتّى على فرض إثبات علاقة وليّ العهد بالجريمة بالنّظر إلى كون عدد من القائمين بها هم من المقرّبين منه والمنتمين لفريق عمله.. فإنّه قد لا يؤدّي بالضّرورة إلى عزل محمّد بن سلمان عن ولاية العهد.. وأنّ محاولة تركيا القيام بذلك باستغلال قضيّة خاشقجي ثمّ فشلها.. سيجعل من محمّد بن سلمان عدوّا أبديّا لها في العقود القادمة.. ولن يغفر لها ذلك أبدا عندما يصبح ملكا..
ويعتقد أصحاب هذا الرّأي بأنّه من مصلحة تركيا والحالة تلك مسك العصا من الوسط بكشف الجريمة فعلا.. لكن مع الوقوف عند حدّ معيّن دون محاولة توريط بن سلمان نفسه.. وهو ما يمكن أن يجعل هذا الأخير ممتنّا للرئيس التركي في ذلك.. ويرون أنّ هذه النقطة تحديدا هي التي يمكن أن تكون جوهر “الصفقة” بين البلدين.. خاصّة وأنّ الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يمكن أن يثمّن هذه الحركة من أردوغان مع حليفه السعودي.. وأن يغدق عليه بامتيازات وتنازلات أخرى عديدة في المقابل.. خاصّة في الملفّ السوري.. ويمكن أن يطلق يد تركيا في محيطها الإقليمي.. ويقوّي موقفها اتّجاه الإتّحاد الأوروبّي..
فكيف سيدير أردوغان الموقف في نهاية الأمر.. وهو الذي قال.. هو وأعضاء بارزين من حكومته.. بأنّهم سيضعون كلّ الحقائق المتوفّرة لديهم في ملفّ جمال خاشقجي أمام كلّ العالم بشفافيّة مطلقة..؟؟

يوم أمس الأحد أعلن الرئيس التركي بنفسه رسميّا بأنّه سيدلي بالمعلومات كاملة في ما يخصّ إغتيال جمال خاشقجي يوم الثلاثاء القادم.. أي يوم غد..
واليوم الإثنين أُعلِن في تركيا بأنّ الإجتماع الدوري للحكومة التركيّة برئاسة أردوغان سيتناول قضيّة خاشقجي بالنقاش.. بما قد يفيد بداية تحضير حكومة أردوغان للخطوات اللاّحقة لإعلان نتيجة البحث الجنائي غدا.. مثل الموقف من العلاقات مع السعوديّة.. والآثار المتوقّعة في السياسة الدوليّة للإعلان.. وتأثير ذلك على تركيا.. وكيفيّة إدارة الأزمة.. وخصوصا كيفيّة إدارة المسار القضائي للقضيّة.. مثل طلب سماع أو محاكمة المسؤولين السعوديّين عن القتل بتركيا.. وغيره الكثير..
وبدا لافتا بأنّ تصريح أردوغان أمس جاء فيه بأنّه سيقدّم تفاصيل مخالفة لمقتل خاشقجي.. في إشارة واضحة إلى أنّه سيقدّم رواية مختلفة تماما عن الرواية الرسميّة التي أطلقها النظام السعودي مؤخّرا..
وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى قوّة وحجيّة الأدلّة والمعلومات التي تمكّنت سلط التحقيق التركيّة من التوصّل إليها في الأخير.. وما إذا كانت قادرة فعلا على توجيه تهمة القتل إلى النظام السعودي في أعلى مستوياته.. أم ستحصر محدوديّة تلك الأدلّة التهمة حصرا في أعضاء فريق الإغتيال الذين جاؤوا إلى إسطنبول وغادروها في يوم تصفية خاشقجي بالقنصيّلة.. أو رّبما تلقي بظلال التورّط المباشر فيها فقط إلى بعض المسؤولين الأعلى منهم في أجهزة الدولة والأمن والمخابرات والجيش السعوديّة..؟؟

إنّ فوات ثلاثة أسابيع بالتمام والكمال على إغتيال الصحفي المعارض خاشقجي في سفارة بلاده بإسطنبول.. وإعلان رئيس تركيا أخيرا عن عزمه التحدّث شخصيّا في الموضوع وكشفه التفاصيل.. يوحي بأنّ عناصر الملفّ قد اكتملت في جزئها الرئيسي.. وأنّ ما لدى تركيا من معلومات ستكون على الأغلب ذات أهميّة كبرى.. وإلاّ لكان أردوغان ترك الأمر للمدّعي العام التركي.. أو في أحسن الحالات لوزير العدل أو وزير الداخليّة.. وعقدوا ندوة صحفيّة دوليّة في الموضوع تتناول المعطيات الفنيّة والقانونيّة والقضائيّة للجريمة..
لكنّ المتابع لمسيرة أردوغان وميوله الاِستعراضيّة سيتوقّع بأنّه جهّز نفسه لعرض اِستعراضيّ شيّق مليء بالتّفاصيل والمعلومات المثيرة والقويّة.. خاصّة وأنّه يدرك تماما بأنّ العالم سيتابع بتشويق بالغ خطابه الموعود.. وما سيقوله.. وسيقيّم قوّة المعلومات التي قد يدلي بها..
وإنّ أردوغان لن يجازف بأن يكون ما اختار أن يقدّمه شخصيّا وبنفسه أقلّ من مستوى رئيس مثله ينظر إلى نفسه بالكثير من الثقة والإعتداد بالنّفس..!!!

من المرجّح جدّا أن تصدر السلطات التركيّة أيضا ولاحقا بعد تصريحات رئيسها أردوغان.. مادّة إعلاميّة في شكل شريط فيديو توثيقي مثلا.. قد يتضمّن الكثير من تفاصيل عمليّة الإغتيال خاصّة مع توفّر مادّة مرئيّة.. وذلك بطريقة شبيهة بالفيديو التوثيقي الذي قدّمته شرطة دبيّ إبّان إغتيال محمّد المبحوح أحد قادة جماعة عزّ الدين القسّام الفلسطينيّة المقاومة للإحتلال الصهيوني والذي اغتالته المخابرات الإسرائيليّة في دبيّ.. وقد قدّمت سلطات دبيّ والإمارات حينها جميع صور المشاركين في العمليّة ولقطات فيديو حيّة من كاميرات المراقبة لنشاطهم وتحرّكاتهم.. منذ دخولهم المطار وحتّى خروجهم منه.. بما ساهم في كشف وفضح الجريمة وسبّب أزمات ديبلوماسيّة دوليّة للإسرائيليّين..

يحدث كلّ ذلك ولا تزال قطعة رئيسيّة في البحث الجنائي مفقودة.. وهي جثّة القتيل جمال خاشقجي..!!
وهو ما يحمل على الإعتقاد بأنّ قرار تركيا.. وأخيرا.. بالإعلان للعالم غدا الثلاثاء عن نتائج التحقيق الجنائي في اغتيال الخاشقجي.. يفترض معه إمّا أنّ تركيا وضعت في النهاية يدها فعلا على جثّة جمال أو أجزاء منها.. أو أنّها عرفت على وجه الدقّة مصيرها وما إذا كان وقع تهريب كامل الجثّة أو أجزاء منها إلى خارج تركيا.. أم وقع إتلافها أو دفنها أو إخفائها في تركيا..

كما يدرك أردوغان بأنّ دخوله في صراع مباشر بتوجيه تهمة القتل إلى النظام السعودي رأسا .. حتّى في شخص وليّ العهد محمّد بن سلمان فقط دونا عن والده الملك سلمان.. هو بمثابة إعلان حرب شرسة وباهظة التكاليف على دولة كبرى في حجم السعوديّة.. طالما لم يمتلك أدلّة وحججا قويّة ومقنعة ودامغة وحاسمة على أيّ إتّهام في ذلك الإتّجاه..!!

فهل يملك الرئيس التركي أردوغان اليوم فعلا معرفة بمصير جثّة الخاشقجي يقينا..؟؟
وهل يملك الرئيس التركي الآن أدلّة فعليّة عن أعلى مسؤول سعودي أعطى الأمر بقتل الصحفي السعودي المعارض ووجّه فريق الإغتيال لتنفيذ عمليّة التصفية في القنصليّة؟؟