الأستاذ الهذيلي منصر

هناك جانب فلكلوري وشعبي في الاِحتفال بالمولد النّبوي. هذا الجانب أو البعد ليس سيّئا في المطلق ولا يستهان به لجانب الذّهن وتركيب المخيال. كثيرون يتمثّلون المقدّس ويفهمون العلاقة به بألسنتهم وتعبيريتهم ومستوياتهم الذّهنية. لماذا نستهين بالبسيط إذا كان صادقا وجوهريا؟ الأمّهات والجدّات فهمن المولد أطباق أكل وحلوى وتبريكات وبخور. الأجداد والآباء فهموا المولد أهازيج ومدائح وأذكارا وتبرّكا بمقامات الصّالحين. لا خلل في هذه الطّقوس أو الأشكال فبفضلها وعلى مدى قرون متّصلة اِستمرّت شرائح واسعة على الإيمان وعلى الأمل بالإيمان.

هناك أشكال عالمة مثقّفة مركّبة ولعلّها أنفع وأمتن وهذه الأخيرة ليست متاحة على نطاق واسع. إذا غابت لا بأس من أشكال دونها معقوليّة وأثرا ومتانة تركيب. ثمّ إنّ العالمين القوّالين المسلّحين بالسّجع يسقطون في كثير من التكلّف ويفتنهم لحن الأشداق فيتيهون وليس مضمونا بالمرّة أنّهم يصادفون المعنى ويذوقون الإحساس. بلوغ المعنى والترقّي إلى الإحساس مناطان حيويان مركزيان عندما يتعلّق الأمر بالإيمانيات. الإيمان تجربة فوق اللّغة وبعد العقل. قد يبارك الله في عصيدة ولا يبارك في تفسير قرآن. الأمر يتعلّق بالصّدق.

اِمرأة تعدّ عصيدة حبّا صادقا في رسول الله وفرحا به ودارس إسلام يفسّر القرآن ليظفر ببعض شهرة، أيّهما يكون إلى الله أقرب وأيّهما يكون محبّا لرسوله؟ أشهد أنّني حصلت على معارف محترمة في الدّين ولكنّني أشهد لجدّتي الأمّية بأنّها كانت، رحمها الله، أصدق إيمانا وأصفى تسليما وأبلغ أملا في الله وأبعد اِنتظارا لرحمته. هنا بيت القصيد حسبما صرت أفهم. العبرة بمنسوب الصّدق وعمق التخلّل لا بقول أو بشكل يتشكّلان طقوسية. لا مهرب من الطّقوس ولكنّ قيمتها لا تكمن فيها بقدر ما تكمن في كمّ وكيف المعنى الحاملة له بما يصل موضوع الدّين بذات المتديّن. وعليه يكون الدّين جوهرا ومناطا تمرينا على الصّدق وليس ذلك بالهيّن ولا هو بالبسيط.

الدّين لا يفعل إلاّ إذا تخلّل المتديّن بمعنى سكنه. المسار الّذي يذهب بالمسافة وينفي الحواجز ويدخل في التجلّي مسار عسير ومضنٍ. من لم يقطع هذا المسار المسير ويدفع فيه ما يلزم من أثمان وينفق له ما يطلب من مهور لا يرقى ولا يتقدّم وإن ظهر له أو فهم العكس. الإيمان الإيمان ضفّة بعيدة. لا هو عطاء بالميلاد ولا هو ميراث موهوب. من يفهم الأمر هكذا يجني ربحا وفيرا وينفع غيره كثيرا. على الأقلّ لا يتحوّل بسرعة البرق قاضيا يستسهل الحكم على الخلق فيدخل جلّهم في النّار ويتكرّم على بعضهم القليل فيدخلهم الجنّة ويكون هو طبعا أوّل الدّاخلين. أين يذهب فقه الحلال والحرام بأصحابه؟ وأين تقود الشّريعية الصّارمة؟ إلى أين تأخذ التشكّلات الجمعية والحزبية المتديّنة أصحابها؟ الى أين يقصد ملتهم كتب الدّين؟ تأخذ إلى ما ذكرت هنا وإن بشكل كاريكاتوري.

الحلّ؟ الحلّ في مستوى أوّل أن نعرّف ونعرّي هذا الخلل مقدّمة لإيجاد حلول لا خلاص دينيا وثقافيّا إلاّ بها وعبرها. تجد شابّا في طور التّكوين يتملّكه شغف مسيطر بالدّين يحوّله بوقت قياسيّ إلى فقيه وبعد ذلك بأقلّ من القليل إلى أمير جهاد يفتي بقطع الرّقاب. هذا لم يتشكّل بين عشيّة وضحاها بل أخذ وقتا ليتشكّل ويتركّب وصولا إلى التعتّق وأقصد التكلّس.

كلّ هذا باِسم الأصول أو البدايات الأولى. لهذا تعرّف هذه التوجّهات أصوليّات دينية أو مذهبية. الأصل الأصل ليس تاريخ المسلمين المرير والأصل الأصل ليس صراع مذاهب وطوائف وليس جدل الفقهاء وما ترتّب عن هذا الكمّ الصّدامي الكثيف. الأصل الأصل لحظة محمّدية فارقة اِنبثق عنها معنى نادر عزيز فتح على رؤية جديدة للعالم والوجود وحدّد للإنسان رسالة سامية مانعة لسفك الدّماء وللإفساد في الأرض. أعتقد أنّ السّلفيات والأصوليات والأرثدوكسيات اِقتاتت جميعها من تغييب اللّحظة المحمدية المقصود. هو تغييب مقصود ومجرم وهو بحساب المعنى كارثة تخبّطنا فيه ونتخبّط الآن أكثر. تعريفا لهذه اللّحظة ومن بعيد أقول: هي لحظة روحيّة أوّلا وبداية ومنطلقا. لا هي فلسفيّة فلم يكن الرّسول مريد سقراط أو إفلاطون ولا هي لحظة سياسيّة فلم يكن الرّسول حفيد اِمبراطور. هي لحظة روحيّة معنويّة فتحت العين على سعة غيب وحرّرت من ضيق أرض وشهادة وذلك معنى أنّه رحمة ومعنى أنّه إمام ثورة أنطولوجية متكاملة.

أفهم اِستذكار مولده الشّريف والاِحتفال به فرصة ثمينة لاِستعادة لحظته المجيدة ومزيد الحفر في الرّوح.