أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / العدالة تسير على أكتاف الفقراء

العدالة تسير على أكتاف الفقراء

Spread the love

 

الأستاذ المهدي زقروبة

بعد أن وضعت غزوة ليلة البارحة أوزارها وتمّت الاِجتماعات والبيانات وبين التّنديد والتّأييد أردت أن أوضّح ما يلي في خصوص الملفّ وخفاياه ونبيّن ذلك من خلال:

أوّلا: دور المحامي وواجباته عند تكليفه بملفّ قضيّة 

تمّ تكليفي رفقة زميل آخر لنيابة المحتفظ به عامر بلعزي وعند التوجّه لمقرّ فرقة الشّرطة العدلية بحمّام الأنف للاِطّلاع على الملفّ وحضور سماع المنوّب تمّ إعلامنا أنّه وقع سماعه ليلا وتمسّك بالإنكار في خصوص واقعة السّرقة.
وتمّ إعلامنا أنّه قام بالاِعتداء على نفسه فطلبت رفقة زميلى مقابلته وتمّ ذلك، فتفاجأنا بآثار عنف على أجزاء مختلفة من جسده، وصرّح المنوّب أنّه تعرّض لشتّى أنواع العنف.

عند دخولنا لمهنة المحاماة أقسمنا يمينا أن نقوم بأعمالنا في مهنة المحاماة بأمانة وشرف. والأمانة تفرض علينا أن نقوم بأعمالنا طبق ما يمليه علينا القانون.
قمنا بإيداع شكاية جزائية في التّعذيب ضدّ كلّ من سيقع الكشف عنه طبق أحكام الفصل 101 مكرّر الّذي ينصّ على أنّه يعاقب بالسّجن مدّة 8 أعوام الموظّف العمومي أو شبهه الّذي يخضع شخصا للتّعذيب وذلك حال مباشرته لوظيفه أو بمناسبة مباشرته له.
ويقصد بالتّعذيب كلّ فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديّا كان أو عقليا يلحق عمدا بشخص ما يقصد الحصول منه أو من غيره على معلومات أو اِعتراف أو معاقبته على فعل اِرتكبه أو يشتبه في أنّه اِرتكبه هو أو غيره.

النّيابة العمومية بالمحكمة الاِبتدائية ببن عروس أذنت بإحالة المحضر المتعلّق بالسّرقة على أنظار الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية وعهدتهم بالشّكاية المتعلّقة بشبهة التّعذيب مع الأذن بعرض المنوّب على الطّبيب الشّرعي لتحديد إن وجد الاِعتداء.
الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية أتّمت البحث مع المنوّب في خصوص موضوع السّرقة والّذي تمسّك فيه بالإنكار.
أمّا في خصوص موضوع شبهة التّعذيب وبعد عرض المنوّب على الطّبيب الشّرعي وعند اِستدعاء الدّفاع للحضور معه لسماعه في الموضوع تمسّكنا بكون الجهة المتعهّدة بالبحث غير محايدة بسبب الاِنتماء لنفس السّلك، وفي نفس المواضيع المشابهة لهذه الحالة يتمّ تعهيد مركزية الحرس الوطني بالعوينة ممّا أثار حفيظة الأمنيّين المتواجدين وتعرّضنا لاِستفزاز من طرف إطارين أمنيين اِبنهما موقوف مع المنوّب في قضيّة الحقّ العامّ.

التّقرير الطبّي جاء صادما للجميع، وتمّ سماع خمسة أمنيين تمّ الاِحتفاظ بثلاثة وإبقاء اِثنين بحالة تقديم، وبإجراء المكافحة القانونية بحشر مجموعة وعرضها على المنوّب تعرّف على ثلاثة منهم وأعطى بكلّ دقّة ما فعلوا، وفي خصوص رئيس المركز وأحد الأعوان أكّد أنّهما حاضرين للواقعة ولم يعتديا عليه.

يوم الإثنين توجّهت للمحكمة لأداء واجبي ومعرفة مآل المحضرين والحضور مع المنوّب لأتفاجأ بتوجّه عنصرين أمنيين عند دخولي للمحكمة بالسبّ والشّتم والتّهديد والوعيد بعد سماعي لكلمات تنعش مستمعها من قاموس خاصّ جدّا، والمؤلم في الأمر والدتي الّتي ذكرت في هذا الموضع وهي الأمّ العظيمة الّتى شقيت وتعبت لتربيتنا ليأتي من يسبذها هكذا وكأنّنا اِقترفنا جرما خطيرا بتقديمنا لهذه الشّكاية.

وتمّ بثّ الأكاذيب والأراجيف على أساس أنّه لا يوجد أيّ ضرر تعرّض له المنوّب وأنّه إرهابي مشارك في اِغتيال الشّهيدين وتحرّكت الأذرع الإعلامية لتغطية ذلك. وقد تأكّدت من الزّميل أنّ المنوّب لم يقع إحالته مطلقا في ملفّ الشّهيدين شكري بلعيد والحاج محمّد البراهمي.

ثانيا: دور القضاء في حماية الحقوق

القضاء آخر الضّمانات المكفولة للمواطنين. فهو يمحّص ويدقّق في مدى اِحترام الإجراءات الّتى تهدف إلى إرساء واِحترام شروط المحاكمة العادلة لكلّ النّاس على حدّ سواء لأنّنا في دولة تحكمها قوانين ولسنا نعيش في قبائل التّوتسي.

وما حصل يوم أمس في بهو المحكمة الاِبتدائية بن عروس يجعل القضاء أمام اِمتحان عسير في تطبيق القانون على الجميع وفشل في ذلك حيث لم يستطع الدّفاع عن حرمة المحكمة المنتهكة. فقاضي التّحقيق يستنطق في الأمنيين تحت أزندة الأسلحة الّتى تزيّن باحات المحكمة. وحدّثني زميل بأنّ قاضي التّحقيق مضطرب ومرتبك إلى أبعد حدّ وكان بين الفينة والأخرى يطمئنّ لاباس لاباس يردّد هذه العبارات مرّات عديدة.

ونعذره في ذلك لأنّه مسلّط عليه ضغط رهيب ويحقّق تحت وطأة السّلاح.
سأنشر تقرير الطبّ الشّرعي وهذا دليل قاطع لا يرقى إليه الشكّ عن التّعذيب الفظيع الّذي تسلّط على المنوّب 28 مكانا من جسده وأكثر يحمل آثار التّعنيف والتّعذيب.
من يبرّر التّعذيب ويسكت عليه هو مشارك في الجريمة.

وفى الأخير رسالة للجميع أنّ المحامي عندما يقوم بواجبه محترما اليمين الّذي أدّاه يؤدّي واجبه طبق القانون ليس عدوّا لأيّ جهة والقضاء هو الجهة الوحيدة للفصل بين النّاس لإقامة العدل المنشود.

لمن لا يعلم لن يزيدنا هذا الاِعتداء إلاّ قوّة وعزيمة. وأنّ المحاماة التّونسية ستبقى عصيّة حرّة أبيّة لن يخيفها أيّ شيء منتصرة لمبادئها وقيمها.

من يتمسّك بسرّية التّحقيق أقول له لو تسلّط عليك ما تسلّط على المنوّب من اِفتراء وكذب واِعتداء فظيع فأبسط الأشياء أن نبيّن على هذا الفضاء الأزرق بعد الرّواية الّتى سمعنا رواية من سمعتم عنه ونزيد يقينا أنّ… العدالة تسير على أكتاف الفقراء.