أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الصّبيانية السّياسية في خطاب حزب النّداء

الصّبيانية السّياسية في خطاب حزب النّداء

Spread the love

 

الأستاذ طه البعزاوي

تابعت الحوار السّياسي بين رئيس مجلس شورى النّهضة السيّد عبد الكريم الهاروني، والنّاطق الرّسمي باِسم حزب نداء تونس السيّد المنجي الحرباوي الّذي بثّته قناة الجزيرة في حصادها مساء الإثنين 16 جويلية 2018 وأداره الإعلامي عبد الصّمد ناصر لمناقشة الخلاف الدّائر في حزب “النّداء” بعد الجلسة الّتي ترأسها رئيس الدّولة في ذات اليوم لمناقشة المشكل السّياسي في تونس على خلفيّة سعي “النّداء” للإطاحة برئيس حكومته دون أن يجد الدّعم من شريكه في الحكم حزب النّهضة.

وقد وجدت أنّ خطاب النّاطق باِسم حزب النّداء، خطاب مثير وعجيب لما فيه من اِستخفاف بوعي النّاس واِستغباء إلى درجة أنّ المرء يتساءل هل هو مقتنع بما يقول أم لا؟ وهل هو ناطق باِسم الحزب الحاكم الّذي اِختار رئيس الحكومة من بين قياداته أم هو ناطق باِسم حزب معارض مثل الجبهة الشّعبية.

فقد أنكر السيّد الحرباوي تماما وجود أزمة في حزب النّداء مُرجعا ما يحدث فيه من “تجاذبات” إلى تغلغل الحزب في العمق الشّعبي وإلى أنّ الحزب حزب كبير وعمره صغير لذلك لم يمتلك الحزب بعدُ جهازا تنظيميا يحمي الحزب من الاِنفلاتات على خلاف حزب النّهضة الّذي عمره 40 سنةـ على حدّ قوله ـ وهي سفسطة لا يقبلها أيّ متابع للشّأن السّياسي التّونسي!

 ذلك أنّ حزب النّداء لم يتأسّس على برنامج أو مبدإ، وإنّما برنامجه الوحيد كان قائما على منطق “نحن” في مقابر “الآخرين” أي تأسيس حالة من الاِستقطاب الثّنائي في مواجهة حزب النّهضة تَجْمَعُ الغاضبين منه والرّافضين لأدائه والطّامعين في إزالته من المشهد السّياسي برمّته، ويكون وعاء لشتات المنظومة القديمة ولوبياتها. ولذلك بمجرّد تأسيس الحزب عادت “ماكينة” “التجمّع” المنحلّ للحركة، ومثل ما يقول المثل الشّعبي “كيف صيّحت عرفت أمّاتها”، ذلك هو التّفسير المقنّع لشعبيّة “النّداء” وفوزه في اِنتخابات 2014.

كلّ النّاس تعرف أنّ “النّداء” اِمتداد “للتّجمّع”، أو هو  “التّجمّع” في ثوب جديد، وزاد تماهي “النّداء” مع “التّجمع” بعد اِنسحاب أغلب الشقّ اليساري منه متمثّلا في “مرزوق” وغيره من الرّموز المؤسّسة للحزب.

فالنّاطق باِسم “النّداء” عليه القبول بأنّ حزبه  قد دخل مرحلة الشّيخوخة  أو أنّ حزب النّهضة كذلك حزب ناشئ عمره لا يتجاوز عمر اِنتظامه القانوني بعد ما تعرّض له من حملات اِستئصال متكرّرة كما أنّ النّشاط السّياسي القانوني غير النّشاط الحركي السّري أو المَهجري.

وإذا ركّزنا على أهمّ محطّتين في أزمة حزب النّداء يمكن القول بأنّ المحطّة الأولى تتمثّل في اِنشقاق “مرزوق” وجماعته وهو اِنشقاق دافعه الأساسي الرّغبة الذّاتية في اِستئصال حزب النّهضة بدل مشاركتها في الحكم وهي الرّغبة الّتي وافقت “أجندات” خارجية هدفها الأساسي وأد كلّ ما له علاقة بالتّغيير النّاتج عن الثّورة خاصّة إذا كان من يتصدّر المشهد من ذوي الخلفية الإسلامية، دون أن نلغي الطّموحات السّياسية “المزروبة” لرموز هذا الشقّ.

وأمّا المحطّة الثّانية فهي الخلاف بين المدير التّنفيذي للحزب حافظ قايد السّبسي ورئيس الحكومة يوسف الشّاهد القيادي في نفس الحزب، والظّاهر أنّ الخلاف بينهما أساسه على الصّلوحيات والنّفوذ في مؤسّسات الدّولة والحزب، وكذلك التّنافس عمّن يكون في خلافة الرّئيس الباجي كمرشّح للحزب في الاِنتخابات الرّئاسية، خاصّة وأنّ حافظ يتعامل مع الحزب بمنطق “الوَرْثة الشّرعية” عن والده “المستقيل” منه ظاهرا بعد تولّي الرّئاسة.

ولذلك فإنّ المقدّمة “الجوربية”ـ الصّالحة لكلّ خطاب معارض للحكومةـ  الّتي شنّف بها السيّد الحرباوي آذاننا هي مجرّد اِستخفاف بالعقول حين يتحدّث على أنّ “النّداء” يطالب اِنطلاقا من مسؤوليته الوطنية بإسقاط حكومة “الشّاهد” لأنّها سبب الفشل وسبب اِنقطاع المياه والكهرباء، وسبب البطالة، وسبب فقدان الدّواء والحليب وسبب يأس الشّباب الّذي ألقى بنفسه في البحر! وكأنّ هذه المظاهر جديدة لم تعرفها الحكومات المتعاقبة بعد الثّورة أو قبلها. وكأنّ السيّد الحرباوي كان يتوقّع زوالها بتعيين “الشّاهد” وأنّ خيبة الأمل هي الدّافع للمطالبة بإزالته، وكأنّه لا يتوقّع أن يستمرّ الأمر بعد حكومة “الشّاهد” إذا لم تتغيّر العقلية العامّة لمن هم في الحكم ومن هم في المعارضة والمجتمع المدني!… وكأنّه لا يعرف أنّ مشكل تونس أكبر بكثير من حكومة تتولّى وأخرى تُعزل!

هي مغالطات ما كنّا لنصنّفها كذلك لو أنّها صدرت من النّاطق باِسم الجبهة الشّعبية أو أحد رموز المعارضة الآخرين لأنّه معارض وذلك دوره أو ما يتوقّع منه! ولكن أن تأتي هذه المقدّمة التّمهيدية لتبرير المطالبة بإسقاط حكومة “الشّاهد” من النّاطق باِسم حزبه الّذي اِختاره وقدمه لرئاسة الحكومة، ومن الحزب الّذي “تغوّل” على أهمّ المناصب في الدّولة حيث اِستحوذ على الرّئاسات الثّلاث (رئاسة الدّولة، رئاسة الحكومة، رئاسة مجلس النوّاب) رغم أنّ حجمه الاِنتخابي قبل أن يحصل فيه ما حصل من اِنشقاقات لا يسمح له بذلك، فما بالك بعد أن أصبح الحزب الثّاني؟!

“النّداء” الّذي “بشّر” النّاخبين في حملته الاِنتخابية أنّ له من الكفاءات ما يسيّر أربع دول يصل به الحال إلى التّآمر على حكومته والتّحريض ضدّها بدل أن يعترف بالفشل وينسبه لنفسه فالحكومة حكومته!

ليس هذا دفاعا بأيّ حال من الأحوال على حكومة “الشاهد” الّتي لها مثل الحكومات الّتي سبقتها بعض النّجاحات وكثير من الإخفاقات، وإنّما هو تبيين للمنطق المقلوب على رأسه وكشف للمغالطات والمنطق التّآمري. ولا هو دفاع عن النّهضة ومواقفها وتوافقاتها، ولكن غريب كيف يعتبر السيّد الحرباوي أنّ موقف النّهضة الرّافض ـ حالياـ لسحب الثّقة من حكومة “الشّاهد” بأنّ النّهضة لا تريد من ذلك اِستقرار البلاد وإنّما تريد اِستقرار حزبها وأعضائها دون أن يوضّح دعواه ليفهم المتابعون من محدودي الفهم أمثالي كيف تحفظ النّهضة اِستقرارها واِستقرار أعضائها حين تتمسّك “بالشّاهد”! لأنّ الظّاهر أنّ  المصلحة “الشّخصية” للنّهضة في عكس ذلك تماما أي في مجاراة أهواء الرّئيس وحزبه، ولكن لأنّ الأمر بلغ درجة العبث الصّبياني فإنّ النّهضة اِختارت المصلحة الوطنية وما يقنع ناخبيها.

ذلك أنّ تغيير الحكومات بهذه السّرعةـ مهما كان فشلهاـ لا يمكن أن يكون فيه مصلحة راجحة.

والمنطق يفترض لو أنّ أيّ حزب آخر معارض أو شريك في الحكم أصبح له الكتلة الأكبر في البرلمان لاِستغلّ الفرصة لإسقاط الحكومة من أجل أن يكلّف بتشكيل الّتي تعقبها!

والأصل أنّه إذا أطيح بهذه الحكومة أن تكلّف النّهضة بتشكيل الحكومة الجديدة لأنّها الحزب الّذي له الكتلة الأكبر في مجلس النوّاب، وهو طبعا ما لا يتوقّعه النّاطق باِسم النّداء والنّدائيون عموما وبالأكيد ما لا تريده النّهضة لأنّه يذكّرها بالهرسلة المكثّفة الّتي تعرّضت لها خلال مرحلة حكم التّرويكا عقب اِنتخابات سنة 2011.

إذا كانت الخلافات داخل الأحزاب أمرا متوقّعا أو مفهوما عند تقاطع الأطماع وتضارب المصالح فإنّه ليس مفهوما أن يكيد المتخالفون بعضهم لبعض، خاصّة إذا كان في ذلك الكيد إضرار بالمصلحة العامّة وليس فيه نفع لأحد. كما لا يفهم أن يلبس النّاطق باِسم الحزب الحاكم جبّة النّاطق باِسم حزب معارض وأن يجمع الأحلاف ليسقط حكومته الّتي اِختارها. ولا يفهم تحويل معركته الحزبية الدّاخلية إلى معركة مع شريكه في الحكم بغير الصّبيانية السّياسية الّتي لم تبلغ مرحلة المراهقة بعد!