أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الشّهيد الحيّ زهيّر الكلاعي في ذمّة الله

الشّهيد الحيّ زهيّر الكلاعي في ذمّة الله

Spread the love

الأستاذ سالم المساهلي

حين يرحل الأتقياء الأصفياء الأنقياء، فعلى العالَم أن يحزن، لأنّ علامةً من علامات الصّلاح اِمّحت، وشمعة من شموع الهداية اِنطفأت. وحين يغادر أحد ضحايا القهر والظّلم متأثّرا بجراح الغدر وسهام المكر ونار الحقد والحصار الخانق، دون أن يستردّ حقّه ويستعيد كرامته، فعلى الأحرار والشّرفاء أن يحزنوا أيضا لأنّهم لم يتمكّنوا من نجدته ولم ينصروه حقّ النّصر. ولكن يكفي الشّهيد زهيّر الكلاعي الّذي قتلوه ببطء شديد، من خلال ما زرعوا فيه من جراثيم الأمراض، أنّه شهد لحظة اِنعتاق شعبه وسعد بها واِستردّ حركته العادية وإن كانت ثقيلة بفعل المعاناة.
زهيّر الكلاعي الأستاذ والمربّي الفاضل يغادرنا إلى الأبد، بعد أن وقف رجلا وعانى صابرا، مقاوما لمرضه متعدّد الوجوه والأوجاع، فقد قضّى أغلب فترات حياته في مستشفيات العاصمة والكاف، بين التّحاليل والمخابر الطبّية. لم يورّثه سجن بن علي إلاّ البذور المرضية الخبيثة فلم يلبث أشهرا بعد مغادرة السّجن حتّى اِستأصل معدته، وظلّ مكتفيا بالسّوائل غذاء، ثم عشّش المرض في رئته فضيّق أنفاسه، ولكنّه كان يقاوم بتعاليه عن التوجّع محبّا للحياة، محتسبا حامدا، ولكنّ اِستفحال المرض لم يترك له سبيلا حين أصيب بسرطان الدّم.
لم يفكّر جاري وزميلي وأخي زهيّر يوما في أن يستمتع بالتّعويض عن آلامه، كان يضحك حين يرى ويسمع الجدل المحموم والمزايدات المقيتة حول مسألة صندوق الكرامة، كان يقول لي: “كرامتي في صحّتي وسلامتي، ويكفيني الشّفاء من الأمراض”. فماذا ستفعل له صناديق الدّنيا اليوم وهو يغادرنا هازئا بلغونا ولغطنا القبيح؟ وكيف يمكن لاِبنه وزوجته أن يستردّا حياته ورفقته وصوته ودفئه، وكيف لي أن أصافح الفراغ كلّ يوم أنظر فيه إلى داره فلا أرى بشاشته وبسمته وتحيّته الدّافئة؟!
إنّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع وإنّ الوجدان ليحترق وإنّ الكلمات لترتبك في غيابك يا زهيّر، أنا جبان وضعيف أمام وداعك أخي الحبيب، لا تسعفني العبارات الّتي تزدحم في حلقي ولا شعور الفقد الّذي يلهب ضلوعي، ولكن يكفي أن تكون بين يدي أرحم الرّاحمين، أيّها التقيّ الورع الصّادق الخلوق، ولا أزكّي على الله أحدا، حسبك أنّك كنت رفيق الفجر في المسجد، أنيس أوقات الصّلاة مواظبةً، وحسبك ما يشهد به النّاس جميعا في حقّك، أنّك لم تؤذ أحدا ولم تغضّ الطّرف عن تحيّة أحد، حسبك أنّك تعذّبت وتألّمت ولكنّك لم تنتظر جزاء من أحد، كنت كغيرك من الّذين اِرتقوا شهداء، أو من قضوا وما بدّلوا، حيث لم يحسبوا للدّنيا ومكاسبها حسابا. كانت قيمة المبادئ أسمى وأغلى. حسبك أنّك قضيت ولم تأخذ مليما واحدا من أيّ أحد، وتعفّفت راجيا الجزاء من الغنيّ الكريم. تركتهم يخوضون واِرتفعت عاليا، فلك الله الرّحيم الّذي وعد عباده الصّادقين بأن يبدّلهم من بعد خوفهم أمنا ومن بعد حزنهم فرحا ومن بعد آلامهم لذّات الجنان.
أي حبيبي، لقد كنت محبّا لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام مستمسكا بسنّته واقفا عند وصاياه، فنسأل الله أن يجمعك به في علّيين، مع الشّهداء والصّالحين .. ولك علينا أن نحفظ أخوّتك بالدّعاء لك عسى يجمعنا الحليم في مقعد صدق، إخوانا على سرر متقابلين حيث يفرح المؤمنون بوجهه الكريم. فسلام عليك حيث أنت، والله نسأل أن يؤنس وحشتك وينير قبرك ويرفع مقامك ويعفو عنك ويغفر لك والحمد لله ربّ العالمين وسلام على عباده الّذين اِصطفى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.