أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الشّاب العربيّ المجنون..

الشّاب العربيّ المجنون..

Spread the love

المخرج المنجي الفرحاني

في غمرة الهستيريا مرّ طفل يطارد كرته على الرّصيف فأخذ “الجملة” في أسفل قدميه في حين أخطأ الخصيتين معلنا موجة جديدة من الهستيريا فكرته الّتي كانت تسبقه كشفت صورة صاحب المشروع يلعق الخصيتين اللّتين أصبحتا بقدرة عبث كرة شقيّة بين فخدي أمير إماراتيّ يجلس على خازوق أقعدته عليه اِمرأة تونسيّة حرّة ردّا على عنصريّته وهمجيّته ضدّها..
اِختلط الضّحك بالتّصفيق وغنّى الجميع قصيد إرادة الحياة فتذكّر أعداء الثّورة أنّنا شعب إذا الشّعب يوما أراد.. فعادوا إلى جحورهم..

لم أبالِ بخيوط المطر الّتي اِخترقت ملابسي وبلّلت حتّى مشاعري وصورة صاحبة العيون العربيّة العسليّة في دمي..
تركت القوم يموجون على وجه الجريدة يقودهم صديقي البهلول- الّذي ملأ علبه الفارغة صورا سرياليّة من عبث هذا الزّمان الرّديء، يستحقّها لتبرير جنونه بينه وبينه عندما يلتقي نفسه ذات عقل- وغادرت المشهد بعد أن شكرت فانوس البلديّة الّذي فعلها واِنتصر لنا هذه اللّيلة فلولاه ما كنّا نكشف للجريدة وجها، عهدناه لا ينير الرّصيف إلاّ نهارا عندما تشرق الشّمس على المدينة..

على ناسيونال جيوغرافيك في المقهى على يميني رأيت مجموعة من الكلاب المسعورة ينبحون فيما يشبه النّهيق على طائرة تحلّق في سماء المدينة تقودهم كلبة يقال لها “شهرزاد”.. قيل إنّهم من جنس الصّحافة الصّفراء ويكرهون قائد الطّائرة كرها شديدا أصاب أغلبهم بداء الكلب. فقط لأنّ جنسه تركيّ وله ربّ مختلف عن أربابهم ممّن ينكحون أيّامهم ولياليهم مقابل خيانة الوطن..
قلت: “شرّْ كْلب” لأتثبّت من الوجوه فلم يخيّبوا ظنّي، عضّوا على أذيال حقارتهم وتفرّقوا بين أكياس الزّبالة..

على يساري تحوّل الطّريق إلى ما يشبه القنال يعكس بنايات المدينة وأضوائها الخافتة.. مشهد أخذني رغما عنّي إلى النّصف الملآن من كأس ليلتي..
من أحد النّوافذ وراء القنال قامت عجوز..
وقفت أمام جهاز “غراموفوون” قديم، نظرت إليه كأنّها تطلب ودّه أو تعتذر على جفائها له قبل أن تنفض من عليه غبار السّنين ثمّ تغيب فجأة عن المشهد لتعود بعد أن دغدغت خيوط المطر وجداني وبين يديها اِسطوانة وذكرى..
وجدتني بعد حين أسافر مع أغنية “الڨندول” للمرحوم محمّد عبد الوهّاب وأتذكّر أيّامي الخالية في مدينة البندقيّة..

كان يوم أحد.. كلّ المحلاّت مغلقة.. في مدينة البندقيّة مكان وحيد يمكنك اِقتناء السّجائر منه أو لنقل هو المكان الوحيد الّذي أعرفه..
اِستوقفتني في قلب ساحة سان ماركو فتاة تسألني بأنجليزيّة أنيقة أين يمكنها أن تقتني سجائر.. كانت جميلة وسحرها الشّرقيّ لا يخطئه عربيّ مثلي يحنّ إلى حبّات رمل ساخنة تذهب برد ليالي الشّمال في دمه ولو لحين..
قالت:
– أنا أعرف وأنت لا تعرفين..
قلت:
– دلّني إذن..
قالت:
– على أن أستضيفك على فنجان قهوة..
قلت:
– موافقة أيّها الشّاب العربيّ المجنون..
قلت:
– المجنون؟ كيف عرفت دوني؟
قالت:
– وهل يوجد فنّان بلا جنون جميل في ملامحه؟

كنت أحمل أقنعة بيضاء وأخرى مرسومة.. أرسم عليها بتكليف من محلاّت الأنتيكة لوحات لرسّامين مشهورين مقابل ما يعادل خمسين دينار تونسيّ ليبيعها أصحاب المحلاّت بعد إضافة تقنية تجعلك تعتقد أنّها قديمة قدم اللّوحة بما يفوق الألف دينار..

قالت:
– أنا “سوواد” من تركيا.. أزور البندقيّة أوّل مرّة..
قلت:
– بل نقول سعاد.. إسمك عربيّ وهكذا ننطقه…

بعد رحلة أكثر من نصف ساعة بين “سوواد” وسعاد وعشرات الرّقصات على جسور البندقيّة الجميلة أدركنا محلّ السّجائر وتعلّمت هي نطق إسمها عربيّة سليمة لا شيّة فيها كما اِقتربت المسافات بيننا…

قلت:
– الصّورة المفعمة أنوثة وأناقة وتلك الرّقصة الصّوفيّة القادمة من أصل الحكاية ثمّ جنوني أنا الباحث عبثا عن كلمات لقصائدي التّائهة.. كلّهم يسألونني عن مكانك في اللّوحة الّتي أنوي رسمها ذات اِبتسامة لاِمرأة ديسمبريّة الهوى، لا أدري إن كنت سأجد ثورة عطرها في عينك..

قالت:
– آش تخرّف يا وشسمك، رانا في التّسعينات؟!
قالتها بالتّركيّة…

يتبع…