أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات مكافحة الإرهاب وتفكيك التطرف / الرّسائل المتعدّدة للهجمات الإرهابية في برشلونة

الرّسائل المتعدّدة للهجمات الإرهابية في برشلونة

Spread the love

اسبانيا

على الرّغم من إحباط السّلطات الأمنية الإسبانية عددا كبيرا من المحاولات الإرهابية منذ الهجوم الإرهابي الأكبر الّذي شهدته مدريد في عام 2004؛ إلاّ أنّها لم تتمكّن من اِستباق الهجمات الإرهابية الّتي شهدها إقليم كتالونيا في 17 أوت 2017، حيث كشف هجوم برشلونة وتوابعه عن مدى قدرة التّنظيمات الإرهابية على اِختراق إجراءات الأمن المشدّد وتنفيذ عمليات إرهابية غير متوقّعة، بتوظيف تكتيكات مثل الدّهس بالمركبات في المناطق المزدحمة ومراكز الجذب السّياحي، وتصاعد اِعتماد داعش على اِستهداف المدنيّين لبثّ رسائل مزدوجة للخصوم والمتعاطفين في آن واحد بقدرته على اِختراق المدن الكبرى، وتبديد هامش الأمن الّذي تتمتّع به الدّول الغربية، وتجاوز حالة الاِنحسار الّتي تعرّض لها في معاقله الرّئيسة في سوريا والعراق.

إرهاب المركبات:

شهد إقليم كتالونيا في إسبانيا تنفيذ عدّة عمليات إرهابية متتابعة في 17 أوت 2017، حيث تمّ تنفيذ الهجوم الرّئيس في شارع لارامبلاس في برشلونة حينما قام مهاجم بقيادة شاحنة صغيرة لدهس حشود المدنيين في الشّارع السّياحي المزدحم، ممّا تسبّب في مقتل 13 فردا وإصابة 100 آخرين. كما شهدت بلدة ألكانار- جنوب كاتالونيا- اِنفجارين تسبّبا في مقتل شخص وإصابة العشرات خلال محاولة لإرهابيّين صنع عبوات ناسفة.

 وفي مساء اليوم نفسه، سعت عناصر إرهابية إلى تكرار “هجوم برشلونة” في بلدة كامبريس جنوب العاصمة الكاتالونية بمحاولة دهس المارّة في أحد الشّوارع، إلاّ أنّ الشّرطة تمكّنت من قتل 5 من المهاجمين، وقد أعلن تنظيم داعش عن مسؤوليته عن العمليات الإرهابية حيث أشارت وكالة “أعماق” التّابعة للتّنظيم عن أنّ الهجوم جاء “اِستجابة لنداءات اِستهداف دول التّحالف الدّولي”.

ويكشف هجوم برشلونة وتوابعه في إقليم كتالونيا عن أنّ توظيف المركبات في تنفيذ عمليات إرهابية بات ضمن التّكتيكات الأكثر اِستخداما من جانب التّنظيمات الإرهابية، حيث شهدت الدّول الأوروبية ما لا يقلّ عن ثماني هجمات إرهابية تمّ خلالها اِستخدام المركبات كسلاح إرهابي.

وتتّسم عمليّات الدّهس بسهولة تنفيذها، وعدم وجود متطلّبات خاصّة أو مهارات قتالية لدى المهاجم، بالإضافة إلى صعوبة توقّع قيام شخص بالاِنحراف عن مساره واِستهداف المشاة أو قوّات الأمن في المناطق المزدحمة، كما تتسبّب هذه العمليات في سقوط عدد كبير من الضّحايا في وقت محدود للغاية بسبب اِزدحام المناطق الّتي يتمّ اِستهدافها.

فقد شهدت مدينة نيس في فرنسا في 14 جويلية 2016 هجوما مماثلا اِستهدف خلاله قائدُ شاحنة جمهورَ المحتشدين لمشاهدة الألعاب النّارية في يوم الباستيل ممّا تسبّب في مقتل 86 شخصا وإصابة 434 آخرين. وفي 19 ديسمبر 2016 شهدت العاصمة الألمانية برلين هجوما بشاحنة في سوق مزدحم قبيل اِحتفالات الكريسماس، ممّا تسبّب في مقتل 12 شخصا.

وفي 7 أفريل 2017، شهدت العاصمة السّويدية ستوكهولم حادثة دهس في شارع مزدحم مخصّص للتسوّق، ممّا تسبّب في مقتل 4 أشخاص وإصابة 15 آخرين.

وتكرّرت عمليّات “إرهاب المركبات” في لندن الّتي شهدت هجومين مماثلين في 3 جوان 2017، حينما قاد مهاجم شاحنة لتصطدم بالمشاة على جسر لندن، ثمّ قام بطعن عدد من المشاة. وفي 19 جوان شهدت بريطانيا عملية دهس ضدّ المسلمين المتجمّعين بالقرب من مسجد فينسبري بارك ممّا تسبّب في جرح 11 شخصا.

كما شهدت العاصمة الفرنسية باريس حادثتين مماثلتين، ففي 19 جوان 2017 قام مهاجم بالاِصطدام عمدا بشاحنة تابعة للشّرطة. وفي 9 أوت 2017 تمّ تنفيذ هجوم آخر بمحاولة دهس بعض الجنود الفرنسيين خارج منطقة عسكرية ممّا تسبّب في جرح ستّة أشخاص ومقتل المهاجم.

“دروس برشلونة”:

أكّدت العمليات الإرهابية الّتي شهدتها “برشلونة” أنّ الإرهاب في أوروبا لم يعد مجرّد موجة عابرة سوف تنقضي بتفكيك حواضن التّنظيمات الإرهابية في الشّرق الأوسط، وإنّما تحوّل إلى ظاهرة محلّية وثيقة الصّلة بالتّعقيدات المجتمعية بالقارّة الأوروبية، ويرتبط “اِستيطان الإرهاب” في الدّول الأوروبية بعدّة دروس كشفتها العمليات الإرهابية المتتالية في الدّول الأوروبية وأكّدتها العمليات الإرهابية الّتي شهدتها كتالونيا يتمثّل أهمّها فيما يلي:

1- الاِنتشار العالمي: يعدّ تبنّي تنظيم داعش للعملية الإرهابية رسالة ضمنية لتأكيد أنّ مسرح عمليات التّنظيم بات عالميّا، ولم يعد يقتصر على الدّفاع عن معاقله الأساسية في سوريا والعراق واِمتداداتها الرّئيسة في دول الشّرق الأوسط، حيث تغيّرت التّكتيكات الدّعائية للتّنظيم، وتصاعدت الدّعوات للمتعاطفين معه في الدّول الغربية لتنفيذ عمليّات إرهابية في دولهم بدلا من التوجّه لسوريا والعراق للاِنضمام لصفوف التّنظيم، وهو ما زاد من وتيرة العمليات الإرهابية الّتي تحوّلت إلى موجات متتالية وغير متوقّعة من الهجمات الإرهابية في بؤر متعدّدة تشمل كافّة أقاليم العالم.

2- رسائل مزدوجة: ويرتبط ذلك بأنّ داعش لم يعد يكلّف نفسه عناء البحث عن مبرّر لاِستهداف المدنيين، بحيث بات العنف- في حدّ ذاته- وسقوط الضّحايا رسالة موجّهة للدّول والمجتمعات الغربية بقدرة التّنظيم على تنفيذ عمليّات في مناطق متباعدة وبصورة غير متوقّعة، ولمؤيّدي التّنظيم والمتعاطفين معه- من جانب آخر- بعدم تأثّر التّنظيم بفقدانه مناطق واسعة من الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا، وأنّه لا يزال قادرا على تنفيذ عمليّات داخل الدّول الأوروبية، وهي رسائل قد تدفع آخرين من المتعاطفين مع التّنظيم لتنفيذ عمليات مماثلة في مناطق متباعدة من العالم.

3- إرهاب الممكن: كشفت عمليات كتالونيا عن وجود تصاعد في تكتيكات تنفيذ العمليات الإرهابية بالوسائل المتاحة لإحداث أكبر قدر من الأضرار المادية والبشرية، ويرتبط ذلك بالرّسالة الصّوتية للقيادي بداعش “أبو محمد العدناني” في ماي 2016، والّتي طالب فيها عناصر التّنظيم وأتباعه والمتعاطفين معه باِستخدام كافّة الوسائل المتاحة لتنفيذ الهجمات الإرهابية (مثل: الطّعن، أو القذف بالحجارة، أو الدّهس بالسيّارة)، وذلك في حالة ضعف خبراتهم القتالية، وعدم قدرتهم على الحصول على متفجّرات أو أسلحة بسبب الإجراءات الأمنية المشدّدة.

4- العمليات المنظّمة: لم يمنع تنفيذ الهجوم الرّئيس في برشلونة باِستخدام شاحنة وجود درجة عالية من التّنظيم وراء الهجوم، حيث كشفت التّحقيقات الأوّلية عن اِستعانة منفّذي الهجوم بسيّارتين، الأولى لتنفيذ الهجوم، والثّانية للهروب من مكان العملية والاِختفاء من الشّرطة، كما تضمّنت توابع الهجوم الرّئيس تفجيرين في بلدة ألكانار جنوب كاتالونيا خلال محاولة لصنع عبوات ناسفة، ومحاولة لتكرار هجوم برشلونة في مساء اليوم نفسه في بلدة كامبريس جنوب برشلونة، إلاّ أنّ الشّرطة تمكّنت من قتل أربعة مهاجمين، ويؤكّد ذلك وجود خليّة إرهابية قامت بالتّخطيط للهجمات وتنفيذها بصورة موجات متتابعة من الهجمات في مناطق متباعدة.

5- اِستهداف الحشود: تمثّل عمليات كتالونيا تكرارا لأسلوب التّنظيمات الإرهابية في اِستهداف الحشود والمناطق المزدحمة في مختلف دول العالم، حيث تصاعدت العمليات الإرهابية في أوروبا ضدّ “الأهداف الرّخوة”، وهي أهداف مدنيّة يسهل إصابتها، لا سيما مناطق التجمّعات الجماهيرية الّتي تكون الإجراءات الأمنية حولها في حدّها الأدنى، ما يُمَكِّن عناصر التّنظيم من تنفيذ هجمات متتابعة، وإيقاع أكبر قدر من الضّحايا في صفوف المدنيّين، وهو ما برز في اِستهداف منطقة “ساحل الأزور” في نيس بفرنسا خلال مشاهدة الألعاب النّارية في جويلية 2016، والهجمات على مسرح باتكلان وعدد من المطاعم والمقاهي في العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر 2015، والهجوم على متحف باردو بتونس في مارس 2015، وهجوم سوسة بتونس الّذي اِستهدف السّائحين الأجانب في جوان 2015.

6- ثغرات الأمن: كشفت العمليات الإرهابية في كتالونيا عن أنّ كافّة الإجراءات الأمنية المشدّدة، ونظم جمع المعلومات الاِستخباراتية؛ لن تمنع وقوع عمليّة إرهابية رغم تمكّنها من إحباط عشرات المحاولات الإرهابية في فترات سابقة، حيث ذكرت صحيفة “الجارديان” البريطانية في 17 أوت 2017، أنّ السّلطات الأمنية الإسبانية كان لديها إدراك بتهديد العمليات الإرهابية، وقامت في اِحتفالات الكريسماس بتشديد إجراءات تأمين الميادين العامّة، خاصّة بعد الكشف عن مخطّط مماثل لاِستهداف المشاة بشاحنة في نوفمبر 2016، وتمّ نشر حواجز خرسانية وعوارض لمنع السيّارات من الاِندفاع نحو أرصفة المشاة.

وعلى الرّغم من تمكّن المؤسّسات الأمنية الإسبانية من إحباط مخطّطات إرهابية متعدّدة منذ الهجوم الإرهابي الّذي شهدته مدريد في عام 2004، وتفكيك شبكتين من الخلايا الإرهابية خلال هذا العام، من بينهما واحدة مرتبطة بتنظيم داعش، بالإضافة للقبض على 178 من العناصر الإرهابية منذ جوان 2015 حتّى جوان 2017؛ إلاّ أنّ إجراءات الأمن المشدّدة لم تمنع تنفيذ سلسلة العمليات الأخيرة الّتي أكّدت أنّ تأمين المدن العالمية الكبرى تحوّل إلى معضلة أمنية معقّدة تتطلّب إجراءات واِستراتيجيات غير تقليدية.

ختاما، من المرجّح أن تتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في الدّول الأوروبية مع إحكام حصار المعاقل الرّئيسة لتنظيم داعش، واِستماتة التّنظيم في بثّ رسائل تطمين وثقة للمتعاطفين معه بأنّه لا يزال قادرا على البقاء، وعلى تنفيذ عمليّات مؤثّرة في الدّول الغربية ضمن اِستراتيجية الاِنتقام الّتي يتّبعها التّنظيم، والّتي ستؤدّي إلى تزايد عمليّات اِستهداف الأهداف المدنية الرّخوة الّتي يصعب تأمينها، خاصّة مناطق تجمّعات المدنيين في المدن الكبرى.

(محمد عبد الله يونس)