أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الدّيمقراطية التّشاركية بين النّصوص والواقع

الدّيمقراطية التّشاركية بين النّصوص والواقع

Spread the love

الديمقراطية التشاركية

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

لا يمكن لأيّ مجتمع أن ينهض من كبواته المتتالية ويتطلّع لشمس المستقبل دون مواكبة سبل وأسباب نهضة الأمم الأخرى. وفي هذا الصّدد فإنّ تونس لا يمكن أن تنهض دون تطبيق ما يسمّى بالدّيمقراطية التّشاركية. فما معنى هذا المصطلح وما إرتباطه بما يسمّى بالشّأن العام؟.

إنّ ما يسمّيه روبير دال بالبقايا الشاذّة، فإنّ مؤشّرات محوها وإمحائها تبدو ساطعة للعيان، والبقايا الشاذّة هي تلك الدّول المتخلّفة عن ركب مستجدّات آخر القوانين والتّشريعات والمناهج والبرامج الّتي طوّرتها أو ولّدتها الدّول الدّيمقراطية للإجابة عن أسئلة جديدة تطرحها طبيعة تطوّر المجتمعات، سواء في بنيتها السكّانية أو بالنّسبة لحاجياتها المتجدّدة.

ويبقى مفهوم الدّيمقراطية التّشاركية من أهمّ المفاهيم السّياسية المستحدثة في الحقل السّياسي الدّولي، فعمره لا يزيد عن نصف قرن، وقد اقترن مباشرة بمفهوم الشّأن العامّ الّذي يعدّ مفهوما قديما قدم المجتمعات الإنسانية. وللدّفع قدما بالتّجربة التّونسية في هذا المجال، كان لزاما نفض الغبار عن هذه المفاهيم وتحيينها وتقريبها للقارئ وللمواطن. فمن أجل تفعيل مبدأ الدّيمقراطية التّشاركية كآليّة من آليّات الإشتغال العامّ، علينا البحث عن مرجعيّاتها ومسنداتها القانونية. والدّستور التّونسي يشير صراحة في أكثر من فصل على هذا المفهوم. فتوطئة الدّستور تبيّن أنّ تونس نظامها جمهوري ديمقراطي تشاركي، كما أنّ الفصل الثّالث يشير إلى أنّ الشّعب هو صاحب السّيادة. أمّا الباب السّادس فهو يتحدّث عن الهيئات الدّستورية كمكوّن أساسي من مكوّنات الدّيمقراطية التّشاركية الضّامنة لحياد الدّولة. في حين أنّ الفصل 139 ينبّه المجالس المحلّية إلى ضرورة إشراك المجتمع المدني في الحوار والتّشاور بوضع آليات تشاركية تدفع إلى مساهمة أوسع وأنجح.

إذن، فقانونيّا لا يمكن معاتبة أو مؤاخذة جميع المؤسّسات المحلّية والجهوية والمركزيّة على عدم تجاوبها مع المجتمع المدني وتنزيلها لمضامين الدّستور، مادام المجتمع المدني قد تخلّى عن أدواره ووظائفه الجديدة الّتي كرّسها له الدّستور في عدّة فصول وأبواب صريحة، فضلا عن التّوطئة والّتي تعتبر جزءا لا يتجزّأ منه حسب الفصل 145.

وإذا كان العالم الدّيمقراطي قد أعلن صراحة أكثر من مرّة أنّه يعيش أزمة ديمقراطية، فإنّه من التّواضع أن نعترف أنّنا لم ندخل بعد نادي الدّيمقراطية. كلّ ما في الأمر أنّ النّظام ومن يدور في فلكه يستورد مساحيق الدّيمقراطية ويضعها على وجهه لعرضه أمام الغرب الّذي يدرك جيّدا أنّ نظامنا مازال، وإلى حدّ الآن، نظاما غير ديمقراطي، بل أنّه يخاصم الدّيمقراطية كعدوّ صريح. فعلى الرّغم من تقدّمية الدّستور وحداثته النّسبية فإنّ واقع الأمر يقول غير ذلك تماما. والممارسة السّياسية والبيروقراطية والإعلامية خير دليل على ذلك. ورغم ذلك لا بدّ من النّضال والصّبر وحمل مشعل أمل التّغيير. وليس جريمة أن نتساءل مع روبير دال: هل يمكن العثور على طرق تجعل الدّول الدّيمقراطية أكـثـر ديمقراطية؟ فإذا كانت الدّول الدّيمقراطية نفسها ليست ديمقراطيّة بشكل كامل، فماذا يمكن أن نقول عن دول تفتقر إلى بعض أو كلّ المؤسّسات السّياسية الدّيمقراطية الحديثة- أي الدّول غير الدّيمقراطيّة؟ كيف يمكن أن نجعلها أكثر ديمقراطية؟ أو حتّى ديمقراطية فقط؟.

إنّ إستيعاب ثقافة وأهمّية الشّأن العام هو وحده الكفيل بالدّفع قدما نحو تفعيل مبدأ الدّيمقراطية، ثمّ الدّيمقراطية التّشاركية. فقد أثبتت التّجربة الّتي مرّت بها تونس منذ ستّ سنوات أنّ تشريع النّصوص لا يضمن تفعيلها، وأنّ خطاب المسؤولين لا يعكس نواياهم الحقيقية. كما أنّ واقع الحال يدلّ بشكل ملموس على غياب تامّ لمفهوم الدّيمقراطية التّشاركية الّتي تعتبر المصطلح التّوليدي للدّيمقراطية الجديدة.

وإذا عدنا إلى النّصوص المؤطّرة للشّأن العام بتونس، فإنّنا نجد أنفسنا أمام تناقضات هائلة، بين القانون المؤسّس للاّمركزية أو دعم الحكم المحلّي الّذي يمنح كلّ الصّلاحيات والإستقلالية للمجالس الجهوية والمحلّية حسب الفصل 132 من الدّستور، وبين الواقع. فالإنتخابات البلدية ما زالت لم تجرى ولم يحدّد موعدها إلى الآن. فالدّستور يتحدّث صراحة عن الدّيمقراطية التّشاركية، بينما غياب الإرادة السّياسية تؤكّد على عامل الوصاية وغياب المواكبة المراقبة. إنّ الممارسة الفعلية والعملية تؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ مسألة الوصاية كواقع هي السيّد. وهذا يشير صراحة إلى غياب الكفاءة عند ممثّلي الشّعب أو النوّاب وعدم إستيعابهم لحقوقهم وحقول إشتغالهم الّتي يمنحها لهم الدّستور ودفاعهم عن صلاحيّاتهم القانونية. فهم لا يدركون أنّ القانون يمثّل حماية داخل الدّولة الدّيمقراطية، كما أنّ مسألة الدّيمقراطية تعتبر إيمانا ذاتيّا قبل أن تكون إيمانا جماعيّا.