أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الحملة على صلاح الدّين

الحملة على صلاح الدّين

Spread the love

صلاح الدين

تشتعل وسائل التّواصل الاِجتماعي بالحديث عن صلاح الدّين الأيّوبي، بعد إطلاق عدد من الكتّاب، في مصر، سلسلة شتائم سوداء ضدّ صلاح الدّين الأيّوبي الّذي اِرتبط اِسمه تاريخيّا بخلاص القدس من الصّليبيّين.

واِعتراضي، بالطّبع، ليس على النّقد؛ إذ إنّه ضرورة علميّة ومعرفيّة، ولكن على اِستخدام ألفاظ مستفزّة لا تخدم المعرفة ولا الحقيقة، ولا تمتّ للعمل والمعرفة بصلة، إذ دعت الأصوات إلى عدّ صلاح الدّين مجرم حرب وعدوّا للإنسانية ورأس مؤامرة خيانيّة سوداء ضدّ وجود الأمّة، ووصفته بأنّه غبيّ معتوه يحرق الكتب ويعبد البسطار. وإعلانات كهذه تناسب بيئتنا الصّاخبة الّتي باتت لا تعرف الوسطيّة، وتكرّس في كلّ موقف سياسي ندّية حادّة قاسية، تلتزم الثّنائية الفاجرة: مؤمن أو كافر، نبيّ أو شيطان، قدّيس أو إبليس، بطل أو خائن… إلى غير ذلك من الثّنائيات الغاشمة الّتي ترين على العقل؛ فتصيبه بعمى الألوان، وتعود به إلى زمن الأبيض والأسود، والمحيط الرّمادي الّذي لا يشاهد شيئا من الجمال.

ومن المحزن أن يظنّ بعضهم أنّ الهجوم على صلاح الدّين وتسخيفه ضرورة حوارية؛ لإقناع المجتمعات المسيحية بأنّنا تجاوزنا عصر الاِصطفاف الدّيني، وأنّنا ذاهبون إلى خيارات المسامحة والغفران، وأنّ صلاح الدّين ذكرى دمويّة تشوّش الودّ بين العرب وأوروبا، وتحول دون بناء ثقة ومودّة.

أودّ القول هنا إنّ المسيحيّين العرب هم أكثر النّاس معرفة بصلاح الدّين ودوره الإنقاذي، لحماية مسيحيّي الشّرق من بطش الفرنجة، بل إنّني أقول أكثر من ذلك وهو أنّ حملات البراءة من الحروب الصّليبية أصبحت تقريبا خطاب العالم المتحضّر.

وبالمناسبة، فإنّ المؤرّخ العربي لم يتورّط مطلقا في اِستخدام التّسمية الأوروبية لهذه الحرب، ورفض أن يطلق عليها الحروب الصّليبية، واِختار أن يسمّيها باِسمها الصّحيح حروب الفرنجة، ولم يدخل اِسم الحروب الصّليبية في التّداول إلاّ عندما ترجمنا كتب المستشرقين الّذين نقلوا المصطلح عن المحاربين الأوروبيين، كما ناداهم بطرس النّاسك والبابا أربان الثّاني ودعاة الحرب الضّارية بين الشّرق والغرب.

ولعلّ من أوضح الإشارات النّبيلة إلى ذلك هو الحملة الكبيرة الّتي قام بها أصدقاء مسيحيّون، وعلى رأسهم الزّميل جورج جبور، بالتّنسيق مع الكنائس الشّرقية لحمل البابا على الاِعتذار لصلاح الدّين الأيّوبي في المسجد الأموي، واِعتبار هذه الخطوة ضروريّة وحقيقية للإنصاف التّاريخي على اِعتبار أنّ صلاح الدّين رمز للمقاومة الوطنية في وجه الأطماع الاِستعمارية الّتي ترتدي رداء دينيّا كاذبا.

ولعلّ أكثر ما يوجّه لصلاح الدّين الأيّوبي أنّه قوّض الدّولة الفاطمية، ويراه بعضهم اِنتصارا سنّيا ضدّ الشّيعة، وأنّه قد أعقبه تسنين مصر، بعد قرنين ونصف من التشيّع. ولكنّ الدّولة الفاطمية- كسائر الدّول في التّاريخ- لها طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة وسقوط، وهذا ما نقرؤه في سياق الدّولة الرّاشدية والأمويّة والعبّاسية والعثمانية في التّاريخ؛ تبدأ الدّولة إنقاذا للمنطقة، ولكن مع الأيّام يذهب جيل العزيمة والفداء، وتأتي أجيال من الخنا والسّقوط؛ فتتحوّل دولة الإنقاذ نفسها إلى علقة شقاء، وهذا ما حصل خلال التحوّلات الكبرى في التّاريخ الإسلامي.

ومع أنّ الفاطميين قدّموا خدمات جليلة في قيامهم وبناء القاهرة وبناء الأزهر ولكن مرور مئتين وسبعين عاما كانت كافية ليخبو ذلك اللّهيب، وكان اِمتحان حروب الفرنجة قاسيا، وكشف عن تفكّك واِنهيار رهيب في بنية الدّولة الفاطمية وولاّتها المحلّيين، وأصبحت بدورها علقة عناء على الشّعب المصري الحائر، وعلى الشّام والحجاز واليمن الّتي كانت بشكل ما تحت الحكم الفاطمي.

وما قرأناه عن دور صلاح الدّين الأيّوبي في إنهاء الدّولة الفاطمية كان طافحا باِحترام خيار المصريّين، فقد دخل صلاح الدّين مصر، وكان الخليفة العاضد هو الخليفة الفاطمي، ومع أنّ صلاح الدّين خاض حربا ضارية مع أعوانه، واِنتصر عليهم اِنتصارا ماحقا، وقتل الوزير شاور، ولكنّه لم يشأ أن يُسيء للخليفة الفاطمي العاضد، وحفظ كرامته وتركه في قصره حتّى توفّي بعد سنتين، وحينئذ أُعلنتْ نهاية الدّولة الفاطمية.

أمّا الكلام عن إحراق مليوني كتاب في مصر فهو وهمٌ، ينسبه الغاضبون من كلّ تحوّل تاريخي إلى أخصامهم، وأنا شخصيّا لا أصدّق أنّ المغول قد فعلوها، فكيف بصلاح الدّين، فالكتب ثروة هائلة وليس هؤلاء المحاربون من الغباء بحيث يحرقوا ثروات حقيقيّة وقد صارت ملكا لهم.

ومن جانب آخر فإنّ وراء تحقير صلاح الدّين رغبة سوداء خفيّة، بإهانة الكرد الّذين ينحدر منهم صلاح الدّين، وقد كتب ناشط كردي عبارة ذات دلالة: اِنتصر صلاح الدّين الكردي، فاُعتُبر أنّه بطل عربي، ولو أنّه فشل لقيل إنه خائن كرديّ!

لا نتحدّث عن شخص بلا أخطاء، وربّما كان سلوك أبناء صلاح الدّين وإخوته مخزيا في إطار المواجهة مع الصّليبيّين وإعادة تسليم القدس، ولكنّ نقاش هذه الحقائق التّاريخية لا يتمّ بإطلاق السبّ والشّتم على صلاح الدّين والمطالبة بتحويله إلى محكمة جرائم الحرب واِستفزاز الشّارع الإسلامي، وتحقير العقول الّتي اِختارت صلاح الدّين رمز مقاومة وفداء وهي، من دون أدنى مبالغة، تبلغ مليارات متطاولة من البشر منذ القرن السّادس وحتّى اليوم.

ولعلّ أوضح دلالات الإجماع على نبل رسالة صلاح الدّين هو ما قدّمه الإسماعيليون وهم أشدّ خصوم صلاح الدّين بعد سقوط الدّولة الفاطمية، وعندما غزاهم صلاح الدّين في مصياف، برز الإمام سنان راشد الدّين رجل مسؤولية ووعي ونجح في تحويل الحرب إلى سلام، والسّلام إلى تحالف، وأطلق كتيبة إسماعيلية فدائية، سارت إلى جانب صلاح الدّين نحو القدس حيث دخلوا مع صلاح الدّين إلى القدس فاتحين ظافرين عام 583 هجرية.

وتوثّقت عرى الصّداقة بين الرّجلين، واِشتهرت في التّاريخ هديّة الإمام سنان لصلاح الدّين، وهي رأس المحارب الصّليبي كونراد مونتفراد عام 588 الّذي كان أشدّ فرسان الصّليبيّين حقدا على صلاح الدّين، وكان قد حظي بإجماع الحملة الصّليبية الثّالثة ليُعيّن ملكا على القدس في حال اِجتياحها من جديد.

من البداهة بمكان أن يكون تحقير صلاح الدّين عملًا محادًا لكلّ هذه القيم النّبيلة الّتي يرمز إليها تحرير القدس، وهو ما سجّله له باِحترام السنّة والشّيعة والإسماعيلية ومسيحيّو الشّرق، حتّى خصومه العتاة من فرسان الحملات الصّليبية، كما تشرحه المراسلات المتبادلة مع ريتشارد قلب الأسد، وتعدّ اليوم من روائع الأدب الحربي والدّبلوماسي في التّاريخ.

التّحقير نفسه بات يمارسه كاتبون كثر، بحقّ البخاري والشّافعي واِبن حنبل، ومع أنّني لا يحزنني نقد أيّ إمام في التّاريخ الإسلامي، بوصفه مجتهدا أخطأ، ولكنّني أشعر بالحزن حين يتقدّم كاتب مسلم إلى هذه القامات الّتي اِحترمها المسلمون خلال التّاريخ اِحتراما إضافيا، فيدعو إلى اِعتبارها شخصيّات مجرمة متوحّشة لمجرّد أنّها قامت برواية التّاريخ الإسلامي على غير النّسق الّذي نحبّ أن نسمعه.

الرّأي والرّأي الآخر سمة المجتمعات المتحضّرة، ولكنّ المطلوب نقد لا حقد، فالحقد لا يفتح عقلا ولا يبني وطنا.

(الأستاذ محمد حبش)