أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الحلقة الضّائعة في الاِنتفاضات العربية واِصطيادها بشِبَاك التّبعية

الحلقة الضّائعة في الاِنتفاضات العربية واِصطيادها بشِبَاك التّبعية

Spread the love

إنّ الأقطار العربية قد اِعتادت، منذ اِستقلالها عن الاِستعمار، أن تتّكل:

– في المرحلة الأولى، إلى حدّ بعيد، في تنظيم شؤونها الاِقتصادية والمالية: على تطوير علاقاتها بالدّول الأوروبية المُسْتَعْمِرة للمنطقة سابقا أو صاحبة النّفوذ فيها.

– أمّا في مرحلة ثانية، وبعد تصفية آثار الاِستعمار الأوروبي المباشِر: فقد تمّ الاِتّكال على كلّ من الولايات المتّحدة والاِتّحاد السّوفيتي.

– وفي المرحلة اللاّحقة، وبعد زوال العهد الشيّوعي في روسيا: أصبح الاِتّكال منصبّا على المساعدات الأمريكية والأوروبيّة.

ومنذ ذلك الحين، تعاظمت العلاقات الاِقتصادية والمالية مع الدّول الغربيّة ومؤسّسات التّمويل الدّولية وبعض المؤسّسات الإقليمية، كالبنك الأوروبي للاِستثمار، وآليات التّمويل الخاصّة بالاِتّحاد الأوروبي، وما تفرّع منها من مشاريع تخصّ المنطقة العربية، كإقامة منطقة التّجارة الحرّة الأوروبية المتوسّطية، ومن ثمّ “سياسة الجوار”، وأخيرا الاِتّحاد من أجل المتوسّط الّذي تشكّل، في باريس عام 2008م، بين الاِتّحاد الأوروبي من جهة، والدّول المتوسّطية من جهة أخرى (بما فيها إسرائيل وتركيا).

وعلى مرّ السّنين، كوّنت كلّ هذه الآليّات: شبكةً واسعةً من النّفوذ الاِقتصادي والمالي، بالإضافة إلى النّفوذ الثّقافي والسّياسي:

– عبر المساعدات المقدّمة إلى المنظّمات العربية غير الحكومية، خاصّة تلك الّتي تعمل في ميدان حقوق الإنسان ونشر مبادئ الدّيمقراطية.

– والمساعدات المقدّمة للشّأن الاِجتماعي المختلفة الطّابع.

– وكذلك التّمويل بالقروض صغيرة الحجم للأفراد والوحدات العائليّة.

– بالإضافة للمساعدات الثّنائية الضّخمة الّتي تمنحها الدّول الأوروبية والولايات المتّحدة عبر أجهزة مختصّة مختلفة، والّتي تنشط في ميادين عديدة عبر تمويلات تتراوح بين شؤون المياه والكهرباء والريّ والزّراعة والطّرقات والمواصلات والموانئ والمطارات والإصلاحات المؤسّساتية الاِقتصادية والاِجتماعية الطّابع الّتي تشتمل على كافّة أنواع المؤسّسات (المصارف المركزية، وزارات المالية، وإدارات الجمارك، ومؤسّسات القطاع العام، وقطاع المصارف والتّأمين، ومؤسّسات الحماية الاِجتماعية، والمؤسّسات القضائية .. إلخ).

– بالإضافة طبعا إلى المساعدات العسكريّة، خاصّة بالنّسبة لمصر.

– والمساعدات المقدّمة إلى المنظّمات الأهلية غير الحكومية، سواء من الحكومات الغربية أو من المنظّمات غير الحكومية الأوروبية والأمريكية.

وقد بلغ مجمل المساعدات المتراكِمة مِن جميع الجهات المانحة، لكلّ من مصر، تونس، الأردن، المغرب، لبنان، سوريا، اليمن، بين عامي 1970- 2009م، ما يوازي 203 مليار دولار (بالأسعار الجارية خلال تلك الفترة).

وقد نالت مصر من هذا المبلغ 88.6 مليار، منه 72.3 مليار مُنحت من مجمل الدّول الغربية واليابان.

مع العلم أنّ الولايات المتّحدة لوحدها قدّمت 64% من هذا المبلغ، أي 46.2 مليار دولار.

بالإضافة إلى مساعدات تلك الدّول، قدّمت مؤسّسات التّمويل الدّولية إلى مصر 9.5 مليار دولار من القروض، يعود منها 4.4 مليار دولار إلى الاِتّحاد الأوروبي والبنك الأوروبي للتّنمية.

بالإضافة إلى 1.2 مليار دولار عائدة إلى تمويلات مؤسّسات التّمويل العربية.

وقد قدّمت من جانبها الدّول العربية الغنيّة مساعدات ثنائيّة إلى مصر بمبلغ 6.8 مليار دولار.

أمّا بالنّسبة إلى تونس، فإنّ القيمة الإجمالية للمساعدات الّتي حصلت عليها ما بين 1970- 2009م، فقد بلغت 17.9 مليار دولار (بالأسعار الجارية خلال تلك الفترة).

منها 11.5 مليار عائدة إلى دول مجموعة السّبعة، وهذا المبلغ يكوّن 64 % من مجمل المساعدات المقدّمة من الدّول الغربية واليابان، والبالغة 13 مليار دولار.

هذا مع الإشارة إلى أنّ مساعدات الولايات المتّحدة إلى تونس لم تتعدّ 684 مليون دولار، أي ما يمثّل أقلّ من 5.4% فقط من مجموع المساعدات المقدّمة من قبل الدّول الغربية واليابان.

بينما تمثّل مساهمة دول الاِتّحاد الأوروبي إلى تونس 9.8 مليار دولار، أي 75.4% من مجمل مساعدات تلك الدّول.

أمّا مساعدات مؤسّسات التّمويل الدّولية لتونس، فقد بلغت خلال هذه الفترة 3.5 مليار دولار، تمّ توفيرها بنسبة 65% من قبل مؤسّسات الاِتّحاد الأوروبي.

وبلغت المساعدات الثّنائية المقدّمة من الدّول العربية إلى تونس مبلغ 1.4 مليار دولار.

ونرى هنا “توزيع مناطق النّفوذ” بين كلّ من الولايات المتّحدة ودول الاِتّحاد الأوروبي (وبشكل خاصّ فرنسا وألمانيا).

فدولة مصر: تحت نفوذ الولايات المتّحدة بالدّرجة الأولى.

بينما دولة تونس: تحت نفوذ الاِتّحاد الأوروبي (حيث قدّمت فرنسا 4.9 مليار دولار خلال الفترة المذكورة، وألمانيا 2.1 مليار دولار، أي إنّ هاتين الدّولتين الأوروبيّتين الهامّتين قدّمتا 39% من قيمة المساعدات الثّنائية الّتي حصلت عليها تونس من الدّول الغربية واليابان).

أمّا اليابان فقدّمت مساعدات ملحوظة بلغت 8 مليار دولار بالنّسبة إلى مصر خلال الفترة المذكورة، و2.1 مليار إلى تونس.

أمّا بالنّسبة إلى ما يترتّب على كلّ تلك المساعدات من مديونيّة خارجية مرتفعة لكلّ من مصر وتونس، ومن أعباء في تسديد الدّيون، فلا بدّ من سرد المعلومات المقتضبة التّالية :

اِرتفعت مديونية مصر الخارجية من 1.3 مليار دولار (بالأسعار الجارية) عام 1970 إلى 14.4 مليار عام 1980، ثمّ إلى 37.9 مليار عام 1987.

ومن جرّاء إعفاء مصر من جزء هامّ من ديونها تجاه الدّول الغربية على أثر اِشتراك الجيش المصري في الحملة العسكرية لتحرير الكويت عامي 1990- 1991: تدنّت المديونية الخارجية إلى 27.8 مليار دولار عام 1992.

ثمّ عادت واِرتفعت إلى 31.9 مليار دولار عام 2007.

وتراجعت إلى مستوى 30.6 مليار دولار عام 2009.

والجدير بالذّكر هنا، أنّ تراكم هذه المديونية ناتج بشكل رئيسيّ عن سيل المساعدات من كبرى الدّول الغربية ومؤسّسات التّمويل الدّولية والإقليميّة.

وقد بلغت خدمة الدّيون الخارجية لمصر (فوائد وأقساط) خلال المدّة 65.1 مليار دولار.

أمّا في تونس، فقد تطوّرت المديونية الخارجية من نصف مليار دولار (بالأسعار الجارية) عام 1970 إلى 3.2 مليار دولار سنة 1980، ثمّ 6.7 مليار دولار عام 1990، و8.9 مليار دولار عام 2000، ثمّ 14.8 مليار دولار عام 2009.

أي إنّ دين تونس الخارجي قد زاد 28 ضعفا خلال الـ40 سنة الأخيرة.

وقد ترتّب على هذه المديونية مبلغ 40.8 مليار دولار كخدمة دين خلال هذه المدّة (فوائد + أقساط).

صحيح أنّ نسب الدّين الخارجي إلى النّاتج المحلّي الإجمالي قد تدنّت في السّنوات الأخيرة بشكل ملحوظ في كلّ من مصر وتونس، غير أنّ لا شكّ بأنّ التّعاقد مع دول مجموعة الثّمانية وصندوق النّقد الدّولي سيرتّب على الدّولتين اِلتزامات خارجية جديدة قد ينتج عنها العودة إلى زيادة المديونية الخارجية [..].

[وفي هذا السّياق، يجب أن نقرأ ما] أعلنته الدّول الغربية المجتمعة في مجموعة الثّماني (أمريكا، كندا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، اليابان، روسيا)، في شهر جانفي 2011، من اِعتبارها “شريكة للثّورات العربية”، في اِجتماعها في مدينة دوفيل، بحضور صندوق النّقد الدّولي، الّذي قدّم ورقة حول المبالغ الّتي قد تحتاجها كلّ من مصر وتونس لتقوية اِقتصادهما في المرحلة الاِنتقالية الصّعبة، وقُدِّرَت المبالغ الّتي يجب توفيرها بـ35 مليار دولار، يمكن أن تُقدَّم على هيئة قروض من الصّندوق: مقابل رزمة من الإصلاحات (النّيوليبرالية كالعادة!).

وقد تبع هذا الاِجتماع اِجتماع آخر في مدينة مرسيليا في شهر جوان 2011، بوجود وفود من أعلى المستويات من مصر وتونس والأردن، مُكَوَّنة من العناصر الجديدة الّتي اِستلمت- [ظاهريّا]- مقاليدَ الأمور المحلّية [..] في تونس ومصر [..].

وممّا لا شكّ فيه أنّ [هذه] المساعدات الجديدة ستكون مشروطة بتحقيق المزيد من الإصلاحات على النّمط النّيوليبرالي الّذي يمكن أن نعتبره من أهمّ أسباب: حالات الإفساد والفساد، وتركّز الثّروات في إياد قليلة لدى أهل الحكم ورجال الأعمال الدّائرين في فلكهم، وبالتّالي، فإنّ الدّعم الغربي الّذي يُراد تقديمه لمصر وتونس، بعد الاِنتفاضات العربية: هو ذاته “الدّواء- الدّاء” الّذي يمكن أن يُعتبر مسؤولا عن تعاظم داء التّبعية والأداء الاِقتصادي المقيّد الّذي تعاني منه الاِقتصاديات العربية.

ويمكن أن يستغرب المرء أيضا عدم توجّه الحكومتين الجديدتين في كلّ من مصر وتونس:

– إلى الدّول النّاشئة القويّة مثل الصّين وكوريا الجنوبية والبرازيل والهند وغيرها

– أو إلى الصّناديق السّيادية لدول مجلس التّعاون الخليجي (المليئة بالسّيولة الجاهزة)

– أو لمؤسّسات التّمويل الإقليمية، العربية والإسلامية

لطلب دعم سعر صرف عملتيهما،

بدلا من التوجّه إلى قمّة “دوفيل” (الّتي يمكن أن تذكّرنا بقمّة “لونج أيلاند” في الولايات المتّحدة (الّتي اِنعقدت على أثر غزو العراق من قبل الولايات المتّحدة عام 2004)، حيث تمّ- حينها- اِستدعاء العديد من الزّعماء العرب لإقامة “شراكة من أجل الدّيمقراطية”؛ أي- بصريح العبارة- نشر رغبات الدّول الغربية الكبرى في المنطقة، وتعميق شبكات نفوذها، خاصّة عبر مساعدات سخيّة إلى المنظّمات غير الحكومية العربية الّتي يرى فيها الغرب عنصرا هامّا في شبكة نفوذها عالميّا وفي المنطقة) ! [..]

[وبالتّالي]، وفي غياب أيّ طرح بديل من قبَل الحكومتيْن المصرية والتّونسية، بعد الاِنتفاضات العربية، كانت الدّلالة واضحة: إنّ السّياسات الاِقتصادية ستمضي قدما على الأسس القديمة نفسها الّتي كانت هي إحدى أهمّ الأسباب الرّئيسية وراء اِنفجار الغضب الشّعبي.

وهذا أمر غريب فعلا، يدلّ على أنَّ من تسلَّم- [ظاهرياً]- مقاليدَ الحكم [..]: لم يكن لديه أيّ تصوّر لسياسات اِقتصادية وماليّة واِجتماعية بديلة من تلك السّياسات النّيوليبرالية الّتي كَرَّست وعَمَّقت نظام الرّيع، والفساد والإفساد، وتركّز الثّروات في أياد قليلة، وتوسيع رقعة البطالة، وهي بالذّات من أهمّ القضايا الأساسية الّتي أدّت إلى موجة الاِنتفاضات العربية من المحيط إلى الخليج.

وإذا كانت دول الخليج العربي قد تمكّنت من إسكات حركات الاِنتفاضة لديها عبر مزيج من “قمع الشّرطة” و”مَنْح زيادات كبيرة في الرّواتب والأجور والمنافع الاِجتماعية للفئات الأكثر فقرا”: فإنَّ حكومتي مصر وتونس: لم تطوّرا أهدافا تنموية بديلة من شأنها أن تؤمِّن فرص العمل المفقودة.

ومثل هذه السّياسات يجب أن تركّز على اِستراتيجيّة لتوطين العلم والتّكنولوجيا لدى كلّ الفئات الاِجتماعية، بما فيها بالأولويّة الفئات الرّيفية والفئات المدينيّة الفقيرة [..].

وخلاصة القول، إنَّ الحلقة الثّورية الحالية في الوطن العربي: إذا لم تقدم على تغييرات جوهريّة في الأنظمة الاِقتصادية والماليّة والاِجتماعية والتّعليمية لكسر حالة “الكسل الجماعي”، العلمي والتّكنولوجي:

– فستعيد إنتاج النّظام الرّيعي بواجهة شكليّة أكثر ديموقراطية، لكنّها لن تتمكّن من تغيير الأوضاع الاِقتصادية الاِجتماعية السّائدة في المنطقة [..].

– وستبقى الحركة الثّورية العربية في حالة تناحر متعاظمة ما بين علمانيّين وإسلاميّين

– ولن نتمكّن، بالتّالي، من تركيز عقولنا وجهودنا على قضايا العلم والتّكنولوجيا وتوطينها مجتمعيّا.

وربّما تكون حدّة الصّراع بين الطّرفين المذكورين، والّتي نشهدها حولنا في كلّ مكان منذ الاِنتفاضات العربية، نتيجة “الفراغ الكامل”:

– في “التّفكير العلمي والتّكنولوجي والاِقتصادي والاِجتماعي السّليم”

– وفي “التّفكير في طرق تحقيق الاِستقلال العلمي والتّكنولوجي والاِقتصادي الوطني”، قُطْريّا وعربيّا، وسبل الوصول إليه.

ولا إمكانيّة في القرن الحادي والعشرين لأيّة دولة كانت، أو مجموعة دول، أنْ تكونَ محترمة في النّظام الدّولي، والأنظمة الإقليمية المتفرّعة عنه، في غياب تملّك العلم والتّكنولوجيا والقدرة الاِبتكارية فيهما.

(مقال للمفكّر الاِقتصادي جورج قرم بتصرّف طفيف من الأستاذ يحيى جاد)