أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / “الحقيقة.. كلّ الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة” في مسار العدالة الاِنتقاليّة 

“الحقيقة.. كلّ الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة” في مسار العدالة الاِنتقاليّة 

Spread the love

الخال عمّار الجماعي

زرت وصديقي حبيب بوعجيلة يوم الجمعة مقرّ “هيئة الحقيقة والكرامة” تضامنا مع المعتصمات من ضحايا “العهد النّوفمبري”. وهناك كان الجدل واضحا ومباشرا.. واِتّفقنا أنّ أوان التّقييم قد أزف وهذه الهيئة تتهيّأ لإرجاع عهدتها وتقديم تقريرها النّهائي. وقد منعنا من قبل موقف المضادّة الّذي قادته شراذم البائدة والقديمة وأذنابهما لأنّهم كانوا يحاربون “العدالة الاِنتقالية” ومساراتها وكنّا نؤمن بها ونعتبرها آخر ما تبقّى من الثّورة!
آن أوان الحقيقة كاملة غير مجزّأة.. الآن وهنا.
كنّا نرقب ما تنجزه هذه الهيئة من مراكمة لشهادات الضّحايا وتقديم بعضها للعالم ونشهد في الآن نفسه ما أحدثته من إرباك عظيم للمنظومة وهي تنكشف في شهادات موجعة.. وكنّا نمتلئ غيظا ونحن نرى “لزهر العكرمي” يبيّض زنازين التّعذيب والإيقاف وحيطان الوزارة الأولى لمحو آثار الماضي وطمس معالم الجريمة! كنّا ندافع- نحن المؤمنين بأنّه لا مستقبل لتونس بدون تفكيك منظومة الفساد والاِستبداد- عن المسار ونردّ طعن الصّديق قبل الخصم… ولكن الآن لم تعد علينا حجّة أن لا نقيّم المسار وخاصّة ما نخشاه فعلا- وأرجو أن يخيب ظنّنا- من مضمون التّقرير النّهائي الّذي نعوّل عليه في إبقاء الذّاكرة حيّة حتّى لا يعاد رعب المرحلة.
أوّلا، رأينا أنّ هذا المسار في عمل الهيئة قد غاب عليه- ولعلّه غُيّب عمدا أو بتفاهمات- الجلاّد. بل إنّ بعض الجلاّدين قد وقعت ترقيتهم وفي عهد التّرويكا بالذّات المفرض أنّها تعرفهم بالإسم والجريمة! فزادهم ذلك صلفا ومعاندة.. ولم تأخذ الهيئة أمرها من البداية بالقوّة اللاّزمة خاصّة أنّ الدّعم الدّولي لها كان إحدى شروط تقديم القروض!! وهذا جعلنا نرى الصّورة مشروخة لا منتقصة فقط! ولا تزال جملة سامي براهم تتردّد في سمعي “أكمل قصّتي أيّها الجلاّد”!!!
ثانيا، بصرف النّظر عمّا لاقته الهيئة من عنت ومناكفة وكسر لمساراتها،- وهل كانت تنتظر في ظلّ صعود بقايا التجمّع غير هذا؟!- فإنّ الهيئة لم تنجز عمليّا مصالحات حقيقيّة يمكن أن تشفع لها وقت البيدر! وحتّى سليم شيبوب لا يزال يمارس خداعه الأوّل.. وهذا ما يجعلنا ننظر بعين الرّيبة إلى “صفقات مشبوهة” تعطي ما للقصر للقصر وما للأحزاب للأحزاب وعلى رأسهم “النّهضة” الأكثر تضرّرا من المرحلة! ( قانون المصالحة الاِقتصادية مثلا!).
ثالثا، وهنا مربط الفرس العصيّة، أصبحنا نخشى خلوّ التّقرير من “الحقيقة كاملة” وسنجد بين أيدينا نصف بل ربع الحقيقة (قدّرناها من باب الممازحة 10%!) أي أنّنا لن نظفر بكثير من الحقائق “الصّادمة” مثل الاِغتصاب والمفاحشة (سمعنا مثلا أنّ الهيئة قد نبّهت إلى عدم ذكر هذا! والله أعلم) وقد لا نجد أمامنا إلاّ أشباح جلاّدين وأنصاف روايات إن لم يكن مشهدا مبتورا من تدخّل القوى النّافذة كفرنسا أو أمريكا في الاِنتهاكات عبر شبكات الجوسسة!.. ما أصبحنا نخشاه هو أن نجد تقريرا “ظالما” للضّحايا وحقوقهم (وحدات جبر الضّرر مثلا الّذي سيعيد للضّحية ذلّ الحاجة من جديد!) ولتاريخ بلد لا نريد منه- نحن المؤمنين بالمسار- إلاّ أن يكون درسا نقيّا لأولادنا وأحفادنا من بعدنا! وهذا حقّنا الّذي يعنينا قبل كلّ شيء! لا نريد إلاّ الحقيقة.. كلّ الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة!
ما أصبحنا نخشاه فعلا هو أن تعاد “العدالة الاِنتقالية” في زمن آخر عندما تتوفّر له شروط أخرى لا تدفع إلى إخراج “تقرير مهزلة”!!