أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الحرب الأهليّة في تونس

الحرب الأهليّة في تونس

Spread the love

الأستاذ البحري العرفاوي

الحروب لا تخاض دائما بأسحلة تقليدية او تكنولوجية أو كيمياوية، هناك حروب أخطر وأكثر فتكا إنّها الحروب السرّية الّتي لا ينتبه إليها النّاس وهي تنخر المجتمع وتقطع أوصاله وتمزّق وشائجه.

التّونسيون اليوم يغرقون في السّياسة بين الأحزاب ويحلّلون من يمكن أن يربح اِنتخابات ليحكم ومن يتحالف مع من، ولكنّهم لا يطرحون سؤالا عن مدى قدرة أيّ سياسيّ إذا حكم على وضع حدّ لـ”الحرب الأهلية” في تونس؟

هل نحن في حرب أهليّة؟ سيسأل متسائلون.

نعم نحن في ما هو أخطر من حرب أهلية تقليدية يعرف فيها كلّ طرف خصمه ويقدّر قدرته ويتوقّع اِنتصارا أو هزيمة، الحروب الأهليّة عادة تخاض في شكل مجموعات قبليّة عشائرية أو عقدية وهي حرب يمكن إدارتها وتوجيهها والتحكّم في مساراتها كما أنّها حرب يتوفّر فيها قدر من التّضامن والعصبيّة لدى أفراد القبيلة أو المعتقد.

الحرب الأهليّة “المعاصرة” هي حرب الكلّ على الكلّ حيث يقاتل كلّ فرد كلّ من سواه لحسابه الخاصّ وليس لحساب جماعة.
ظاهرة المعارك اليوميّة وفي كلّ اِتّجاه اِنطلاقا من الدّفاع عن مصلحة خاصّة أو هواية خاصّة أو وجهة نظر خاصّة أو حتّى لعبة، وظاهرة التنقّل بين الأحزاب، وظاهرة الصّراع داخل نفس الحزب، وظاهرة النّيل من أعراض النّاس وهتك أسرارهم، ولعن الكبار والصّغار اِسترضاء لجهة أو دفاعا عن مصلحة أو جهة، لا وجود لأخلاق الحروب ولا لشهامة وتعفّف وترفّع: شتم المعارضة للحكومة، شتم أنصار الحكومة للمعارضة، شتم معارضة لمعارضة، شتم أنصار حكومة للاِتّحاد، شتم أولياء للمربّين، شتم قواعد حزبيّة لرموز أحزاب أخرى، شتم مثقّفين لمثقّفين، شتم إعلاميّين لإعلاميّين، شتم نوّاب لنوّاب، شتم جمهور لنوّاب، شتم فنّانين لسياسيّين، شتم أصدقاء لأصدقاء قدامى، شتم محامين لقضاة. شتم جمهور لوزراء ورؤساء، شتم أقرباء لأقرباء، شتم رياضيّين لرياضيّين…
هذا “النّهش” العنيف الّذي يشهده الجسم المجتمعي هو أسوأ الحروب لأنّه لا يطال الأجساد فتتعافى إنّما يطال الأنفس والمشاعر والكرامة والأعراض والشّرف وهو ما يصعّب تعافيه أو تناسيه.

هذه الحرب تفقد المجتمع مناعته فلا يكون مستعدّا للدّفاع عن قضايا مشتركة تحت عنوان الدّفاع عن السّيادة الوطنية أو الدّفاع عن هويّة أو عن شرعيّة أو عن شرف الدّولة والوطن والشّعب.
هذا “النّهش” يحوّل الشّعب إلى ركام بشري بغير كيمياء جامعة وبغير روح اِنتماء ووشائج هويّة.

ليس في هذا تشاؤم ولا يأس ولكنّه تشخيص وتنبيه ومازال بعض وقت لاِستنقاذ ما يمكننا أن نواجه به مشروع إبادة تكاد شروطه تكتمل.