نشر مركز كارنيغي للشّرق الأوسط دراسة حول الجذور الاِجتماعيّة- السّياسيّة للتطرّف السّلفي في لبنان، نوردها كما هي رغم عديد التحفّظات على منطلقاتها ونتائجها واِستعمالها لبعض المصطلحات الّتي تمسّ عموم المسلمين بدل بعض الأطراف، الأمر الّذي قد يمسّ من مدى حياديّة و”علميّة” الدّراسة…

ملخّص

رافاييل لوفيفر- باحث غير مقيم مركز كارنيغي للشرق الأوسط

شهد لبنان في الآونة الأخيرة نمواً مُطّرداً للتشدُّد السلفي. وفيما تُورد غالباً انعكاسات وتداعيات الحرب السورية والتوترات الطائفية كعوامل مغذّية لهذا التطور، إلا أن تفاقم العنف السلفي هو في الواقع عارض من عوارض تظلُّمات السنّة اللبنانيين. والآن، يوفّر الاستقرار السياسي النسبي الراهن فرصة فريدة لصانعي السياسيات اللبنانيين من كل الأطياف كي يتوحّدوا صفاً واحداً لسنّ الإصلاحات الهادفة إلى معالجة هذه الأسباب المحلية من جذورها.

قبضاي السّلفية

  • ينبع جوهر صعود التطرُّف السلفي من بيئة تمرّد اجتماعي- سياسي متفشية في المناطق السنّية المُهمَّشة. إذ هناك، تشي ظاهرة قبضاي السلفية المتنامية بأن سطوة الجماعات السلفية الجهادية تتعلّق بالديناميكيات الاجتماعية وليس، في المقام الأول، بأي جاذبية إيديولوجية متطرّفة.
  • جماعة القبضايات تحتضن غالباً السلفية كوسيلة لغايات أخرى، مثل ادّعاء وجود دعم سماوي ضمني لهؤلاء القبضايات في حمأة صراعاتهم على السلطة والموارد المدينية. كما أنهم يستخدمون الخطاب المتطرّف لتبرير الانضمام إلى المتمردين في سورية، أو لتغطية أعمال العنف التي تبدو في ظاهرها شبيهة بالتشدّد السلفي، لكنها في الواقع أكثر تناغماً مع التقاليد المحلية المتعلّقة بالصراعات الاجتماعية.
  • بدلاً من الإطلالة على هؤلاء المُتشدّدين كعوارض للبيئة الاجتماعية والسياسية البائسة التي انبثقوا منها، تقاربهم الحكومة اللبنانية من منظور أمني، فتُرسل المئات منهم إلى السجون التي تعاني أصلاً من أوضاع مزرية تؤدي، إضافةً إلى لامبالاة الساسة السنّة، إلى قذفهم نحو أشداق التطرّف.
  • ثمة عوامل أخرى تشعل هذا التمرد الذي يضرب جذوره عميقاً في الأوضاع الاجتماعية- السياسية، أهمّها إضفاء الطابع الأمني على اللاجئين السوريين، والخلل المتمادي لدار الإفتاء. لكن حتى الآن على الأقل، لاتزال قدرة المُتطرفين السلفيين على الغرف من هذه الإمكانيات الثورية، محصورة في إطار قطاعات محدودة من الجمهور السنّي.

توصيّات

  • ضرورة التصدّي على جناح السرعة لمسألة العزل المديني التي تكمن في جذر ظاهرة قبضاي السلفية. تشمل الإجراءات التي ينبغي اتّخاذها تطوير البنية التحتية، وخفض معدّل البطالة، وتعزيز المجتمع المدني المحلّي، وتوطيد الأمن، والاستثمار في المدارس الرسمية المتداعية.
  • إعادة هيكلة أنظمة السجون والقضاء في لبنان. وهذا يتضمّن تسريع وتيرة الإجراءات على أنواعها، وضمان الرقابة المدنية، وتشييد المزيد من مراكز الاعتقال، وتصنيف السجون وفقاً لطبيعة الجرائم، ومتابعة قضية احترام حقوق الإنسان، وتسهيل إعادة الدمج في المجتمع.
  • إصلاح وتمكين دار الإفتاء. هناك دور رئيس لرجال الدين السنّة المعتدلين في مواجهة التطرّف في السجون، والمساجد، والمجتمع ككل، لكنهم في حاجة ماسّة إلى درجة أكبر من الاستقلالية عن السياسيين، وإلى تدريب إداري أفضل، بما يمكّنهم من تحقيق الاستقلال الذاتي المالي والاستثمار أكثر في تشكيل ومراقبة طبيعة الخطاب الديني.
  • الامتناع عن وصف اللاجئين السوريين بأنهم خطر أمني. لأن هذا يؤجّج إوار بيئة اجتماعية- سياسية خطرة. بدلاً من ذلك، يجب التركيز على تحسين ظروف السلامة والتعليم وطرق المعيشة لدى هؤلاء.

مقدّمة

كان لبنان هدفا رئيسا للتطرّف والتشدّد الإسلاميين منذ اِندلاع النّزاع السّوري العام 2011. وقد فتك المتطرّفون المُلتحقون بجماعات جهادية سلفية (على غرار تنظيم الدّولة الإسلامية المُعلن ذاتيّا، وهيئة تحرير الشّام المعروفة سابقا بجبهة النّصرة ثمّ جبهة فتح الشّام) بأعداد كبيرة من المدنيّين، عبر عمليّات تفجير اِنتحارية وهجمات بالصّواريخ داخل بيروت وخارجها، وخاضوا معارك دامية مع الجيش اللّبناني. وفي العام 2014، كانت أعداد هذه الجماعات وقوّتها تتنامى إلى درجة أنّها باتت تسيطر بفعالية على أجزاء من سهل البقاع، وصيدا، وطرابلس، حين كانوا يسعون، وفق ما قال مسؤولون أمنيّون، إلى إقامة “إمارة إسلامية”.1

لمواجهة هذه التحدّيات، عمدت الحكومة اللّبنانية إلى اِعتقال مئات من المتشدّدين المُشتبه بهم، وقادت حملة عسكرية على ما تعتقد أنّه خلايا إرهابية. كانت حصيلة كلّ ذلك اِنحسارا كبيرا في أعمال العنف، بيد أنّ هذه المقاربة المتمحورة حول الأمن، لم تفعل شيئا لمعالجة أسباب صعود التطرّف السّلفي من جذوره. وإلى أن يحدث ذلك، سيواصل شبح التطرّف الرّاديكالي إلقاء كلكله على بلاد الأرز.

السّلفية هي حركة دينيّة سنّية متزمّتة تحبّذ العودة إلى ممارسات السّلف الصّالح، أي صحابة وخلفاء النبيّ محمّد. وطيلة عقود مديدة، لم يكن لهذه المدرسة الفكرية الدّينية سوى وجود هامشي في لبنان، حيث ربع السكّان فقط هم من السنّة، وحيث تسيطر الأحزاب العلمانية والأعيان على الدّين والسّياسات. وعلى رغم أنّ السّلفية دخلت إلى البلاد في أربعينيّات القرن الماضي من خلال رجل الدّين الطّرابلسي سالم الشهّال، إلاّ أنّ نفوذها لم يصبح ملموسا ومتوسّعا إلاّ في حقبة التّسعينيات، أساسا نتيجة تزايد المساعدات المالية الّتي تدفّقت من هيئات سلفية غنيّة شبيهة بها في منطقة الخليج. طيلة هذه البدايات، بقيت السّلفية حركة دينية مسالمة إلى حدّ كبير، وواصل حتّى أعتى أعضاءها تطرّفا الإطلالة على لبنان بكونه “أرض نصرة” لنقل المقاتلين والأسلحة إلى أمكنة أخرى من أراضي الجهاد، كالعراق. وحين نَحَتْ بعض الجماعات السّلفية- الجهادية إلى الجهاد في بلدها لبنان، كما حدث في العامين 2000 و2007، رفض معظم السّلفيين الآخرين هذه الخطوة، وبالتّالي تمّ إخماد هذه الحركة بسرعة.2لكن، منذ العام 2008، تنامت جاذبية التشدّد السّلفي على نحو ملحوظ، وتنوّعت الآراء والتّفسيرات حول الأسباب الكامنة وراءه.3

عُرضت تفسيرات عديدة حول صعود ظاهرة السّلفية الجهادية في لبنان.4 فقد أعرب بعض المحلّلين عن اِعتقادهم بأنّه بسبب ميل السّلفية إلى اِعتبار المسلمين الشّيعة زنادقة، كان مُحتّما أن يتردّد لديهم صدى عقيدة أكثر تطرّفا وعنفا، في مجتمع بات أصلا يعاني من حالة اِستقطاب حادّ. علاوة على ذلك، تدهورت العلاقات السنّية- الشّيعية على نحو كبير غداة كلٍّ من اِغتيال رئيس الحكومة السّابق رفيق الحريري، الشّخصية الرّئيسة في الطّائفة السنّية، وصعود نجم حزب الله، الحزب السّياسي الشّيعي المُتشدّد الّذي غالبا ما اتُّهم بأنّه نفّذ عمليّة الاِغتيال.5 وفي أعقاب هذا التطوّر، بدأ رجال الدّين السّلفيون يُضفون لهجة متطرّفة على خطابهم حظيت بشعبيّة في أوساط بعض قطاعات الرّأي العام السنّي، وجرى على عجل تشكيل بعض الميليشيّات السّلفية.

بيد أنّ محلّلين آخرين يُحيلون صعود السّلفية إلى الحرب بالواسطة الّتي شنّتها السّعودية الّتي كانت المموّل الرّئيس للمساجد السّلفية والجمعيات الخيرية، وأيضا، على ما يقال، للميليشيّات في لبنان، ودفعت كلّ هؤلاء لمجابهة إيران الّتي تدعّم حزب الله.6 وفي الآونة الأخيرة، بدأ التطرُّف السّلفي يُعتبر حصيلة جانبية للصّراع السّوري الّذي تلعب فيه الميليشيّات السّلفية دورا قياديا بارزا.7 على رغم أنّ كلّ هذه التّفسيرات تتضّمن جانبا من الصحّة، إلاّ أنّها تقفز فوق أسباب محلّية أكثر عمقا يتعيّن فهمها كي نكون قادرين على معالجة هذه الظّاهرة على نحو فعّال.

بدا واضحا بعد ستّة أسابيع من الأبحاث الميدانية الّتي أجريناها في العام 2016 ومن المقابلات مع 55 شخصيّة، شملت ناشطين في المجتمع المدني، ورجال دين، ومُتشدّدين سابقين، ومسؤولين أمنيين، أنّ جوهر صعود نجم التطرّف السّلفي في لبنان ينبع من حالة تمرّد اِجتماعي- سياسي تنبثق بدورها من مناطق مدينيّة ساخطة، وحيث تنامي الجماعات السّلفية يرتبط بالدّيناميكيات الاِجتماعية أكثر من كونه حصيلة الجاذبية الإيديولوجية للتطرّف. بالنّسبة إلى هذه الجماعات، اِحتضان السّلفية يكون غالبا وسيلة لأهداف أخرى، كالإفادة من سخاء التّمويل الخليجي، واِدّعاء العناية الإلهية الضّمنية للصّراعات مع العصابات في الأحياء المجاورة، وتقديم التّبريرات، عبر الخطاب الرّاديكالي والدّيني، لأعمال العنف الّتي تبدو وكأنّها حصيلة تطرّف سلفي، لكنّها في الواقع مُتّسقة أكثر مع التّقاليد المحلّية الرّاسخة الخاصّة بالاِضطرابات الاِجتماعية؛ ومع الحاجة إلى توفير منابر ومنصّات إعلامية للتصدّي للتّهميش الاِجتماعي- السّياسي. وهكذا، وعلى رغم أنّ هذه الجماعات تبنّت خطاب السّلفية وخطوطها العامّة، إلاّ أنّ تطرّفها يبقى رهنا إلى حدّ كبير بالتظلّمات المدينيّة والشّبكات والهويّات المحلّية. والواقع أنّ مضاعفات مثل هذه الاِستنتاجات عميقة، لأنّها تُظهر مدى مخاطر الإطلالة على هؤلاء المُتشدّدين الّذين يعملون داخل لبنان وخارجه، من منظور الأمن وحسب، كما تُبرز في الوقت نفسه ضرورة اِعتبارهم تمظهرات للبيئة الاِجتماعية المُتحلّلة الّتي ترعرعوا في أحضانها.

لكن، الجدير بالملاحظة هنا أنّ المتشدّدين السّلفيين لم يستنفدوا بعد قدرتهم على إثارة الاِضطرابات الاِجتماعية- السّياسية. على سبيل المثال، اِنضمّ عدد قليل نسبيّا من اللاّجئين السّوريين في لبنان إلى الجماعات المتشدّدة، أو نفّذوا هجمات، على رغم أنّهم يواجهون تحدّيات قاسية. بالطّبع، قد تُسفر خطوات الحكومة لإضفاء الطّابع الأمني على هؤلاء اللاّجئين، أو محاولة اِعتبارهم تهديدا أمنيا مباشرا، عن نبوءة تحقّق ذاتها بذاتها. حتّى الآن، تبدو ممانعة اللاّجئين للتطرّف مذهلة بالفعل، لكن لا يجب أن ننسى أنّ مثل هذه المقاومة تنبع من الحقيقة بأنّ المجتمعات السنّية السّورية واللّبنانية تعتبر ممارساتها الدّينية على طرفي نقيض مع التزمّت السّلفي. وهذا، علاوة على الاِنقسامات الدّاخلية في صفوف السّلفيين ورفض الرّأي العام للتطرّف، يشير إلى أنّ ديناميكيات التطرّف ليست البتّة قَدَراً لا يمكن تجنّبه.

على أيّ حال، يبدو أنّ التطرّف الحقيقي، أي ديناميكية التصلّب الإيديولوجي، يتمظهر أساسا في سياق تجربتين إثنتين: الأولى، شنّ الجهاد في سورية، والثّانية قضاء بعض الوقت في السّجون اللّبنانية. كلا هاتين التّجربتين تعكسان الحاجة الماسّة كي تقوم الحكومة على نحو عاجل بتصحيح المقاربة الأمنية والقضائية، والاِلتزام فعلا، وليس قولا فقط، بسياسة النّأي بالنّفس عن الأزمة السّورية. كما ثمّة حاجة إلى إصلاح مؤسّسي لتعزيز مكانة رجال الدّين السنّة المعتدلين في البلاد. لقد حاول العديد من هؤلاء الإمساك بزمام المبادرة والقيادة لمكافحة الإيديولوجيات المتطرّفة في السّجون وفي بعض المساجد، لكنّ جهودهم أعاقها قصر ذات اليد في الوسائل المتاحة لهم، إضافة إلى التدخّل الدّائم للسّياسيين السنّة.

القبضاي السّلفي

على رغم أنّ الصّدع السنّي- الشّيعي غالبا ما يُعتبر أهمّ الاِنقسامات في المجتمع اللّبناني، إلاّ أنّ الفجوة الاِجتماعية المتنامية بين المحظوظين من ذوي الاِمتيازات وبين الفقراء مهمّة بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر. فالحرمان يمسّ الطّائفة السنّية على وجه الخصوص. مثلا: في طرابلس، وهي ثاني أكبر مدينة في لبنان حيث يشكّل السنّة الغالبية الكاسحة من سكّانها، يعتبر 57 في المئة من قاطنيها فقراء، وهي نسبة تبتعد كثيرا عن المتوسّط الوطني الّذي يبلغ 28 في المئة.8 مع ذاك، فالأكثر لفتا للاِنتباه هي الفروقات المتنامية بوتائر سريعة بين الأحياء المسوّرة للأغنياء حيث تتوافر الخدمات الأساسية، وبين المناطق المهمّشة الّتي يعاني سكّانها من تفاقم فقدان الأمن، وتدهور البنى التّحتية، والأداء البائس للمدارس الرّسمية، ومعدّلات الفقر المرتفعة. وفي المناطق المدينية الفخمة كبساتين طرابلس، يُعتبر 19 في المئة من السكّان فقط محرومون، بالمقارنة مع 69 في المئة في منطقة القبّة و87 في المئة في باب التبّانة.9 في هذه المناطق الأخيرة بالتّحديد وجدت السّفلية الأرض الخصبة للاِنتشار، وكسَب النّاشطون الدّينيون المتزمّتون الّذين لهم روابط مع هيئات خليجية غنيّة اِحترام العديد من السكّان المحلّيين من خلال فتح المدارس، وإدارة الجمعيات الخيرية، وتمويل دور الأيتام، ومساعدة اللاّجئين. بكلمات أخرى، ملأ هؤلاء الفراغ ومارسوا وظائف شبيهة بتلك الّتي تقوم بها الدّولة عادة. هناك على الأقلّ خمس هيئات سلفيّة كبرى تنشط في طرابلس وثلاث في عكار. علاوة على ذلك، تستطيع المساجد السّلفية في المناطق المحرومة، حيث معدّلات كثافة السكّان يمكن أن تكون أحيانا تسعة أضعاف المناطق الغنيّة، وحيث هناك ندرة متزايدة باِطّراد للمساحات العامّة ولوسائل الرّعاية، أن تعمل كمنصّة لتكيّف اِجتماعي خاصّ للشّباب.10 وكما جادل مسؤول سلفي: “نحن نلبّي اِحتياجات الفقراء، ونوفّر لهم الكرامة”.11

العامل الرّئيس في الجاذبية المتنامية للسّلفية في المناطق المحرومة، يكمن في قدرة هذه الحركة على اِستقطاب قادة الأحياء الّذين يجلبون معهم أتباعهم إلى صفوف الجماعة. هذه الأحياء عانت منذ قرون طويلة من الإهمال النّسبي لها من لدن الدّولة، وسيطرت عليها فئة “القبضايات” الّذين يوفّرون للسكّان الخدمات، وينظّمون العلاقات الاِجتماعية، ويدافعون عن هويّة مناطقهم في مقابل ولاء القاطنين لهم.12 وفي حين أنّ سكّان الأحياء الأغنى، والطّبقة العليا بوجه عام، يعتبرون هؤلاء القادة “زعرانا” ومشاغبين بسبب ميلهم إلى الاِنغماس في الخلافات العنيفة مع العصابات المنافسة، إلاّ أنّ أحياءهم غالبا ما تُطلّ عليهم كأبطال. وهكذا، يقول قبضاي في حيّ مُفقّر إنّه يفخر بكونه قائدا غير رسمي، وأنّه يقف على أهبة الاِستعداد لاِستخدام سلاحه لإنفاذ العدالة وتحقيق الأمن بسبب غياب الدّولة: “إنّه قانون الغابة هنا”. وإذا ما كان القبضايات في الماضي يبرّرون أعمالهم وسلوكهم العنيف من خلال التلحُّف بعباءة الإيديولوجيات اليساريّة، إلاّ أنّ عددا وازنا منهم يبدو الآن ميّالا إلى الخطاب السّلفي.

تتغلغل السّلفية في صفوف القواعد الشّعبية من خلال مزج صورة قبضاي الحيّ بفكرة النّاشط الملتزم دينيّا. ويجادل أحد قادة الأحياء الّذي يمكن وصفه بأنّه “قبضاي سلفي” بأنّ “النبيّ فضّل القوّة على الضعف. وأنا كسلفي وقبضاي، أحمي الحيّ من التّهديدات الأخلاقية والمادّية”، موضّحا أنّه يوفّر الحماية والتّعليم الدّيني للسكّان المُفقّرين في المنطقة، ويمنع بحزم بيع الكحول واِستهلاكها. والحال أنّ اِنتشار ظاهرة القبضايات السّلفيين تواكب كتفا بكتف ثقافة محلّية تتمحور حول الرّجولة المتمادية، حيث يعني “الرّجل الحقيقي” غالبا الاِندفاع إلى إظهار “الشّجاعة” من خلال إشهار السّلاح واِستخدام العنف لخدمة ما يُزعم أنّه “صالح المجتمع”. وفي الوقت نفسه، يعمل الخطاب السّلفي، الّذي يشدّد على أنموذج الفتى الشّهم وعلى الإشارة دوما إلى صحابة النّبي وإلى المعارك “البطولية” الّتي خاضوها، على بثّ التوجّهات المتطرّفة في أذهان قبضايات الأحياء. وقد اِعترف مسؤول سلفي بذلك حين فاخر بأنّ القيم التّقليدية “كالشّهامة، والشّرف والاِنتقام” يتمّ “سلفنتها” (من سلف). ويضيف: “السّلفية تلبّي حاجة شباننا شديدي الحماس للكرامة. السّلفيون يرفضون المسامحة ولا يكتفون بالقول بل يرفقونه بالعمل”.

مع ذلك، لا تتطابق العقيدة الدّينية الّتي يروّج لها القبضايات السّلفيون دوما مع السّلفية. على سبيل المثال، حين تمنع السّلفية اِستهداف الأخوة المسلمين، لا يتردّد القبضايات وأزلامهم باِستخدام العنف ضدّ الأحياء السنّية الغنيّة. وفي طرابلس، يشتبه إلى حدّ كبير بأنّهم يقفون وراء مخطّطات الاِبتزاز الّتي تشمل المتاجر والمطاعم الفخمة، وكذلك نهب وإحراق فرع الوجبات السّريعة الأميركي في العام 2012 الّذي يخدم النّخبة المحلّية.13 وينخرط القبضايات على نحو دوري في اِشتباكات مع عصابات من أحياء مجاورة، وغالبا ما يستهدفون قوّات الأمن الّتي تفتقد إلى الشّعبية بسبب إطباقها على المنازل غير القانونية والتّجارة المحظورة. ولذا، يبدو العديد من القبضايات في الواقع أشبه برجال العصابات الّذين يزعمون أنّهم حائزون على عناية السّماء وليس إلى المثقّفين السّلفيين. فمعظم هؤلاء ليسوا حتّى من رجال الدّين، بل هم أئمّة صنعوا أنفسهم بأنفسهم وهم على دراية بالقليل من مجالات العقيدة السّلفية، (يستشهدون غالبا بتقي الدّين اِبن تيمية، الفقيه الدّيني الّذي ظهر في القرن الثّاني عشر والّذي يتمتّع بنفوذ كبير في الفكر السّلفي)، لكنّهم غير مطّلعين على النّقاشات الفقهية الأوسع. إضافة إلى ذلك، يتعيّن على القبضايات أن يبقوا متّسقين مع العادات الدّينية والاِجتماعية لمعظم السكّان في أحيائهم، المتأثّرين منذ وقت طويل بإرث سلفي ليبرالي في بعض المجالات أكثر من التّراث الوهّابي على النّمط الخليجي. وبالتّالي يتّجه بعضهم، بهدف البقاء على تماس مع السكّان، إلى إصدار فتاوى تجعل السّلفية أكثر تواؤما مع العادات المحلّية. وهنا يقول أحد القبضايات باِفتخار إنّه يسمح لسلفيّيه بالاِستماع إلى الموسيقى، ومشاهدة برامج التّلفزيون، وحتّى التّدخين، وكلّ هذه الأمور محظورة في العقيدة السّلفية. وبالتّالي، سلفيّة هؤلاء تقتصر على الاِسم وحسب وهي خاضعة إلى السّياقات الاِجتماعية المحلّية.

تُظهر رحلة أحد هؤلاء القبضايات السّلفيين، شادي المولوي، مدى خطورة الإطلالة على هؤلاء المُتشدّدين المحلّيين من زاوية الأمن وحده. وُلد المولوي وترعرع في القبّة، وهي أفقر أحياء طرابلس وأشدّها اِكتظاظا، وأصبح في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين أحد القبضايات السّلفيين. وبكونه قبضايا، اِستمال على جناح السّرعة الأزلام، من خلال تقديم بعض الخدمات المحدودة للسكّان الّتي جرى تمويلها من خلال تهريب الأسلحة واللّجوء إلى العنف ضدّ الشّرطة دفاعا عن المحلّيين العاملين في الاِقتصاد غير الرّسمي. واليوم، لا يزال العديد من السكّان يعتبرونه “بطل القبّة” الّذي “حمى المنطقة”.

لم يكن اِلتزام المولوي بالسّلفية في البداية متزمّتا وفق كلّ المعايير. وقد أوضح أحد أتباعه أنّهما معا اِلْتَحَيَا، وصلّيا خمس مرّات في اليوم، واِلتقيا رجال الدّين السّلفيين المشهورين، وأيّدا إقامة “إمارة إسلامية”، لكنّهما أيضا دخّنا الحشيش، وتعاطيا الحبوب، وغازلا الفتيات، وتنقّلا بدرّاجة نارية فيما هما يطلقان النّار في الأحياء الغنيّة. ولأنّ بقيّة السكّان في المدينة اِعتبروا أنّ المولوي وأزلامه “يحاولون جذب الانتباه” ومتورطون في الجرائم الصغيرة، فقد عمد المولوي إلى استخدام الخطاب والممارسات السلفية لاجتذاب احترام أوسع ومكانة أعلى عبر إضفاء الطابع الديني على أعماله وتخويف منافسيه. وهكذا فإن تطرّف جماعة المولوي، الذي استهدف أساساً السنّة الأغنياء ورموز الدولة كتعبير عن رفضهم التهميش الاجتماعي والسياسي، ربما ارتدى قلنسوة السلفية، لكنه كان في العمق محلياً وأكثر شبهاً بالأنماط التقليدية للاضطرابات المدينية.

ثمة تجربتان حوّلتا المولوي من قبضاي سلفي ينطلق من قضايا محلية، إلى شخص أكثر تطرّفاً إيديولوجياً وله روابط فعلية بالدولة الإسلامية وبهيئة تحرير الشام: الأولى برزت حين اعتقلته قوات الأمن في العام 2012. وعلى رغم أنه أمضى فترة قصيرة في السجن بسبب اضطرار السلطات لإطلاق سراحه غداة تظاهرات غاضبة في طرابلس، إلا أنه بدا أن هذه التجربة كانت كافية لدفعه إلى لُجج التطرّف.14 يقول مصدر مقرّب منه أن تأثّر للغاية بـ”القمع” الذي يعاني منه السجناء في المعتقل. أما التجربة الثانية فهي تمثلّت في قيامه بعد إطلاق سراحه بإبداء اهتمام بالقضايا العامة التي تتجاوز نطاق حيّه، وتفاعل على وجه الخصوص مع الوضع المتدهور في سورية. وأوضح أحد أتباعه أنه نتيجة لذلك انضم إلى المتمردين الإسلاميين في سورية في قرية القصير الحدودية، حيث قاتل لبضعة أسابيع ضد الجيش السوري وحزب الله.

عاد المولوي إلى طرابلس كمُتشدّد صقلته الحرب وهو يحمل عقيدة إيديولوجية أكثر عمقاً من ذي قبل، فشجّع أنصاره على الانضمام إلى صفوف هيئة تحرير الشام، والإعداد لهجمات في لبنان، وإطلاق “ثورة” لإطاحة النظام السياسي اللبناني بقضه وقضيضه. وقد ساعدته وضعيته كقبضاي حي على حفز أتباعه على أن يحذو حذوه. والواقع أن الولاء له بين أنصاره كان عميقاً إلى درجة أن أحدهم، وهو مسيحي، أعَّد لتفجير نفسه في نقطة للجيش اللبناني في المنطقة.15 بيد أن العملية الأمنية التي شنتها الحكومة في العام 2014 أجبرته في نهاية المطاف على الركون إلى الفرار واللجوء إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني ثم إلى سورية، حيث انضم إلى هيئة تحرير الشام.16

من الحيّ إلى سورية

تُوحي العديد من القصص المماثلة لقصة المولوي أن ظاهرة القبضاي السلفي، بوصفها أساساً شكلاً محلياً من أشكال التشدّد المتمحور حول “الحارة”، تُهدد بأن تصبح أكثر تطرّفاً وإيديولوجيةً في سياق الصراع السوري المتواصل. صحيح أن هناك تبايناً حول العدد الحقيقي للسنّة الذين غادروا لبنان لمقاتلة النظام السوري، (تتراوح التقديرات الأوّلية بين 900 إلى 6000 الآن)، إلا أن ما هو واضح أن هؤلاء شنوا الجهاد لأسباب متنوّعة.17 فوفقاً لأشخاص أُجريت معهم مقابلات، انضمّ بعض السنّة إلى المعارضة السورية انطلاقاً من إحساسهم بـ”الواجب الإنساني” أو “الشهامة” التي تستهدف “الدفاع عن شرف” المتظاهرين السنّة الذين يواجهون حملات وحشية يشنّها نظام الرئيس بشار الأسد. هذا في حين كان الحافز لدى آخرين “التحرُّق للانتقام” من بعض “العذابات” التي سبّبها الاحتلال العسكري السوري للبنان بين 1976 و2005، وخصوصاً حملة الجيش السوري على طرابلس العام 1985 ومشاركته في مجزرة العام 1986 ضد السنّة المحليين في حي باب التبانة. ولاحظ أيضاً مُتشدّد قاتل في سورية أن معظم اصدقائه من الجهاديين اللبنانيين يتحدرون من المناطق السنّية المحرومة، وأن “الإذلال” الذي تعرضوا له هناك (النابع من الإحساس برفض المجتمع لهم، والفقر المتفشي، وصعوبة الزواج وتأسيس عائلة) دفعهم إلى الانخراط في ساحات الوغى حيث يكون في وسعهم “التفريج عن كبتهم وغضبهم”. وأصرّ هذا المُتشدّد أن حفنة قليلة فقط توجّهت إلى سورية لأهداف عقائدية مثل إقامة دولة إسلامية في بلاد الشام (سورية الكبرى). وفي الواقع، حين وصل هؤلاء المُتشدّدون اللبنانيون إلى سورية، انضموا في غالبيتهم إلى جماعات جهادية معتدلة. وأوضح مسؤول أمني أن هذا حدث في البداية بطريقة غير منظّمة، حيث كانت الجماعات المحلية من أنصار الثورة ترسل المال والأسلحة والمقاتلين بشكل عشوائي إلى الكتائب التي يتعاطفون معها في سورية.

حين نضع في الاعتبار الحقيقة بأن المجتمع اللبناني لايزال مُرتبطاً إلى حد كبير بالداخل السوري (خاصة بسبب استمرار الروابط العائلية بين حمص وطرابلس من جهة، وبين بيروت وصيدا ودمشق، من جهة أخرى)، لن يكون حينها مفاجئاً أن تطغى رابطة القرابة على الإيديولوجيا. يقول سلفي لبناني: “في البداية، انضممنا إلى الجيش السوري الحر لأن العديد منا كانت له علاقات عائلية مع مقاتليه. آنذاك، لم يكن المُتشدّدون بيننا يُعتبرون حتى مقاتلين أجانب!” لكن مع الوقت، بدأ دعم الجهاديين اللبنانيين للجيش الحر ينحسر على نحو كبير. فالبعض أُحبط بسبب الدرجة المرتفعة من “الاقتتال الداخلي” الذي اندلع في صفوف المُتمردين، وأيضاً بسبب “عجز الجيش الحر على مايبدو عن الوفاء بوعوده”. والبعض الأخر انتقد “الفساد” المُستشري في هذا الجيش. وأعرب سلفي طرابلسي كان قد أرسل بعض أنصاره للقتال إلى جانب كتائب الجيش الحر في حمص عن خيبة أمله من الطريقة التي “استسلم” فيها بعض المتمردين للنظام. هذا في حين استنتج آخر أن “الأمل الوحيد لمستقبل سورية يكمن مع الإسلاميين”.

وهكذا، وبحلول مطلع العام 2013، حوّل العديد من المُتشدّدين اللبنانيين دعمهم إلى الجماعات السلفية المسلحة. وهذا المنحى تصاعد مع تفجّر المعارك العنيفة في القصير الواقعة في ريف حمص، والتي أضفى خلالها حزب الله الطابع الرسمي والعلني على تدخّله المسلح في سورية إلى جانب النظام. وقد رد رجال دين سلفيين لبنانيين، خاصة أحمد الأسير وسالم الرافعي، على تنامي انخراط هذه الميليشيا الشيعية في المعارك عبر الحدود بإصدار الفتاوي الخاصة بهم، ماجعل من مسألة انضمام السنّة اللبنانيين إلى الجهاد في سورية وتنفيذ هجمات مضادة بمثابة فرض عين.18 سرعان ما عمل المكوّن الطائفي في الخطاب السلفي، الذي شدّد على الحاجة إلى “الدفاع عن القرى السنّية” ضد النظام السوري وحزب الله، على محض الشعبية لهذه الفتاوى. وهكذا، قال مجنّد سلفي إنه “بُهِرَ” بالأعداد الكبيرة للمرشحين للجهاد. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، تقدّمت الشبكات السلفية بالتدريج الصفوف للاستحواز على تدفق المُتشدّدين اللبنانيين إلى سورية. وفي حين أُرسل بعضهم إلى الكتائب السلفية المحلية في حمص، مثل لواء فجر الإسلام ولواء الحق، انضم آخرون إلى فصائل أكبر، على غرار أحرار الشام وجيش الإسلام. وأوضح سلفي لبناني أن هذه المجموعات حازت على إعجاب الأنصار بسبب مستوى “التزامهم الإسلامي”، علاوة على “إنجازاتهم العسكرية” على أرض المعركة و”معارضتهم العنيدة والحرون” لكلٍ من النظام السوري وحزب الله.

في حين قد يكون من المُغري الافتراض بأن كل السنّة اللبنانيين الذين قاتلوا مع الفصائل السلفية، عادوا من سورية وهم أكثر تطرّفا، إلا أن ثمة تمايزات دقيقة هنا. على سبيل المثال، كان العديد من المُتشدّدين يوجّهون انتقادات على نحو متزايد للأسير والرافعي، قائلين أن فتاويهم صدرت عن غرائز انفعالية وليس عن حسابات استراتيجية سليمة، ما أدى إلى دفع دفق من المقاتلين إلى الانضمام بشكل عشوائي إلى مختلف الفصائل. على المدى القصير، أدى فقدان الاستراتيجية إلى مفاقمة انقسامات فصائل المعارضة في حمص، وعلى المدى الطويل أسفر غياب الغطاء السياسي عن جعل عودة المُتشدّدين إلى لبنان أكثر صعوبة. والآن، إذا ما تأملنا أحداث الماضي، سنجد ان الرافعي نفسه اعترف أن قراره لإصدار فتوى حول الجهاد كان مُتسرّعاً و”من دون أخذ الوقت الكافي للتفكير والمناقشة مع الآخرين”.

أُصيب بعض المقاتلين السنّة بصدمة جراء الصعوبات التي واجهتهم في ساحات الحرب السورية. فقد وقع مقاتلون طرابلسيون من جماعة جند الشام السلفية في قبضة حصار النظام قرب حمص، فقضى جانب منهم جوعا، وسقط آخرون في كمائن وقُتلوا، فيما أولئك الذين تمكّنوا من العودة إلى لبنان أُلقي القبض عليهم وأودعوا السجون. تقول شخصية مقربة من السلفيين بمرارة: “الزوجات ترمّلن، والأطفال تيتموا، والعائلات دُمِّرت”. كما اشتكى سلفي لبنان آخر له أقارب يقاتلون الآن في صفوف فصائل إسلامية أخرى، من “حماقة” الحرب. قال: “أقاربي أنا قتلوا بعضهم البعض في سورية”، ثم استطرد ليقول بلهجة هادرة: “هل لازالت هذه حقاً ثورة، جهادا؟”

هناك بالطبع كثرة من المُتشدّدين اللبنانيين الذي تباهوا بتجربتهم الجهادية في سورية، وقالوا أنهم قد يكررونها “مئة مرة”. ويبدو أن العديد من هؤلاء تأثّروا بعمق بالوشائج الاجتماعية القوية التي أقاموها في ساحات القتال. يقول مُتشدّد لبناني: “حين كنت في سورية فهمت معنى الأخوة في الإسلام. فللمرة الأولى في حياتي اختبرت ذلك عمليا وليس فقط على المستوى النظري. إنه الشعور العميق بالانتماء. كنا نقاتل خلال النهار ونتحلّق حول النار مساء”. وثمة مُتشدّدون آخرون لديهم رؤية أكثر إيديولوجية للعالم. قال أحدهم إن حجم الأزمة التي شهدها جعلته يدرك أن سورية “أصبحت مركز العالم الإسلامي”، وأن هذه الأرض باتت أكثر أهمية بالنسبة إليه من القدس التي كانت تُعتبر قبل الآن قدس أقداس الجهاد. وأضاف مُتشدّد إسلامي آخر قاتل مع المُتمردين في بلدة يبرود السورية إلى أن سقطت في يد النظام العام 2014، أنه سيبقى إلى الأبد متألماً مما فعله رجال حزب الله في سورية: “رأيت بأم عيني الفظائع التي ارتكبوها ضد السنّة هناك.. إنهم (“حزب الله) قتلوا الأولاد والزوجات.. إنهم العدو المُطلق”. هؤلاء هم المُتشدّدون الذين قد ينجذبون إلى التطرّف السلفي الإيديولوجي والمذهبي والعنيف الذي تتبناه هيئة تحرير الشام أـو تنظيم الدولة الإسلامية، كلٌ على طريقته الخاصة.

السّجون كمصانع للتطرّف

تتجلى ديناميكيات التصلُّب الإيديولوجي على نحو فاقع في تجارب المُتشدّدين في السجن. فسجن رومية، وهو أكبر مركز اعتقال في البلاد، بات يشتهر على مدى العقد الماضي على أنه “مصنع التطرّف”، حيث تُجنّد الجماعات الجهادية الأعضاء الجدد وتُعد الخطط للهجمات الإرهابية.19 لكن، بدءاً من العام 2014 اتخذت المشكلة أبعاداً جديدة أخطر وباتت تتمدد إلى كل السجون. في تلك الأثناء، سمح تشكيل حكومة لبنانية جديدة للجيش اللبناني بشن “خطة أمنية” تضمّنت اعتقال مئات المُشتبه بأنهم مُتشدّدين سنّة في كل أنحاء لبنان. وقد استمرت هذه الحملة ضد ملاذات وخلايا المتشدّدين حتى صيف 2017. على المدى القصير، أعادت هذه الخطوة الشعور بالأمن بعد أن انحسرت هجمات المتطرّفين إلى حد كبير. لكنها أسفرت أيضاً عن اكتظاظ سجون البلاد وتراكم القضايا في الهيئات القضائية، وكل ذلك ستكون له آثار ستجعل الأمور أكثر سوءاً من خلال مفاقمة شبح التطرّف على المدى البعيد. والواقع أن حجم هذا التحدي لا سابق له. ففي حين كانت السجون اللبنانية مُصممة أساساً لاستيعاب 2700 مسجون، ترفع تقديرات العقد الأول من القرن الحالي العدد إلى نحو 4700 سجين، وإلى 7000 في العام 2016.20 معظم هؤلاء الموقوفون متهمين بأن لديهم روابط مع جماعات المتمردين التي تعتبرها الدولة “إرهابية”. ويعترف مسؤول رفيع المستوى في دائرة السجون بأن الأزمة السورية ستخلق متاعب ومشاكل جمّة على نظام السجون اللبنانية، ويضيف: “ليس لدينا القدرة على التعاطي معها”.

عمدت وزارة الداخلية، التي تُشرف نظرياً على كل السجون، إلى الاستجابة لهذا التحدي من خلال تشجيع وزارة الدفاع على إيواء أعداد متزايدة من المُعتقلين في مراكز التوقيف والتحقيق الخاصة بها، مثل مركزي اليرزة والريحانية. على الصعيد الرسمي، يقول ضباط عسكريون: “نحن لانستبقي المعتقلين في مثل هذه السجون لفترة طويلة، بل نفعل ذلك فقط خلال التحقيقات”. لكن مسؤولين آخرين يعترفون أنه يتم في الحقيقة الابقاء على السجناء لفترات أطول بكثير. والأسوأ من ذلك أن المركز اللبناني لحقوق الإنسان ذكر أن “الاعتقالات وعمليات التعذيب والتوقيفات في هذه الأماكن، تستمر مع حصانة لهذه الأخيرة من المُساءلة والمقاضاة”، وهو اتهم مديرية المخابرات العسكرية بخرق حقوق الإنسان، وانتزاع الاعترافات القسرية، وإبقاء السجناء في حالة عزلة مديدة”.21 وقد زعم سجين سابق في الريحانية أنه حُرم حين كان سجيناً هناك من النوم لأيام عدّة، وتعرض إلى الضرب وكان ضحية “الانحراف الجنسي”.

حين نُقِلَ المعتقلون في نهاية المطاف إلى سجن مدني (أحياناً بعد ستة أو سبعة أشهر من التوقيف في المراكز العسكرية) عاينوا ظروفاً عرّضت صحتهم إلى المزيد من المخاطر. وقد شددت غالباً الجمعيات غير الحكومية التي قامت بزيارة مراكز التوقيف على أن السجون المُكتظة لم تحظ بجهود لتجديدها وتطوير بناها التحتية ومعالجة النقص في الجسم الطبي لديها، ما أدى إلى تدهور سريع في الوضع الطبي والنظافة الصحية. وفي العام 2015، عممت وزارة الداخلية معلومات عن تجديد بعض مباني سجن رومية سيء السمعة، لكن المسؤولين في سجن القبة في طرابلس، ثاني أكبر سجن في البلاد، اشتكوا من أن رومية “يحتكر كل الميزانية”، ونتيجة لذلك “جرى إهمال بقية السجون”. علاوةً على ذلك، أسفرت الحالة السيئة للسجون اللبنانية، وكذلك المعاملة العنيفة التي تعرّض إليها المعتقلون عن تعريض حالتهم النفسية إلى المزيد من التفاقم. ولاحظ ناشط في جمعية غير حكومية يعمل مع السجناء حدوث زيادة في الأمراض العقلية غير المشخّصة، وقدّر أن 75.8 في المئة من السجناء في رومية يعانون من اضطرابات الوسواس القهري، و60.6 في المئة من الاكتئاب، و43.4 في المئة من اضطرابات القلق.22 وهذا الوضع يزداد تفاقماً جراء فترات الانتظار الطويلة قبل أن تتم محاكمة الموقوفين. وتُظهر الإحصاءات أن مايقدّر بنحو 66 في المئة من كل الموقوفين لم يحاكموا بعد، وأن أكثر من النصف سيكون عليهم الانتظار ما بين ستة أشهر إلى ثلاث سنوات قبل أن يحدث ذلك.23

ثمة مخاطر متزايدة بأن تؤدي هذه الظروف المتدهورة بسرعة إلى دفع السجناء إلى أحضان التطرّف. وقد أعرب ناشط اجتماعي يزور السجناء على نحو منتظم عن قلقه العميق، بعد أن لاحظ في الشهور الأخيرة زيادة حادة في خطاب الكراهية الذي يستهدف الدولة. لا بل شعر قائد مجتمع محلي يعمل مع سجناء تم إطلاق سراحهم حديثاً بالذعر، وجادل بأن ظروف السجن حوّلت المجرمين العاديين إلى “قنابل موقوتة” مدفوعة بحس الانتقام من المجتمع. ويبدو أن السجناء السنّة كانوا على وجه الخصوص أكثر عرضة للتحوّل إلى التطرّف، لأنهم يشكلون غالبية المُعتقلين ويميلون إلى الاعتقاد بأنهم يعانون من التمييز أكثر من غيرهم. وهكذا، فإن العوامل الطائفية والمعادية للدولة في خطابهم، تمهّد الطريق أمام تفشّي الإيديولوجيات السلفية في السجن. ولاحظ رجل دين يعظ السجناء السنّة أن الجماعات الجهادية مثل هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية حصدوا مؤخراً شعبية في السجن بفعل خطابهم الذي يعطي “معنى” لإحساس السجناء بالظلم، خاصة بعد أن أقرّ السياسيون السنّة الرئيسيون الخطة الأمنية.

هناك عامل آخر يساهم في انتشار الإيديولوجيات السلفية المُتشدّدة في السجن، هو عدم وجود آلية متماسكة لتصنيف السجناء وفق جرائمهم، مايعني أن صغار تجار المخدرات واللصوص يمتزجون في الزنزانات مع قادة وعقائديي الجهاديين. ويقول ضابط مسؤول عن سجن رئيسي في لبنان أن مثل هذا الوضع بائس ومؤسف، لأنه أدى إلى تكرار عمليات “غسل الدماغ” التي يصبح بموجبها المجرمون متطرّفين سلفيين. وينطبق هذا حتى على سجن رومية حيث يتم، شكلياً، فصل السجناء “الإسلاميين” عن “غير الإسلاميين” من خلال وضعهم في عنابر مختلفة، لكن هذا التصنيف يكون في الغالب مائعا. على سبيل المثال، يبدي مسؤول رفيع في السجون أسفه لأن معظم المعتقلين في العنبر “ب” “الإسلامي” كانوا في البداية أشبه بالقبضايات ورجال العصابات المحليين المعادين للسلطة، ولا بالمتطرّفين السلفيين المُتصلبين. لكن بعد وضعهم في الزنازين نفسها مع القادة الإسلاميين والعقائديين تغيّر العديد منهم. وأصر هذا المسؤول على أن كلاً من إعادة التأهيل الأخيرة في العنبر “ب” وبناء منشآت مُتشدّدة أمنياً في العام 2018 لإيواء “أخطر الإرهابيين” يوفّر مساحة أمل ما، لكنه اعترف في الوقت نفسه أن التطرّف لايزال مشكلة. وأكد سجين سابق في العنبر “ب” في رومية مدى عمق هذه التحديات، حين أوضح أن بعض أصدقائه انضموا إلى منظمات سلفية متطرّفة بعد أن تشاطروا الزنزانة نفسها مع أعضائها. وخلص إلى القول أنه بدلاً من منع الإرهاب تقوم السجون بـ”إنتاجها”.

تعثّرات دار الفتوى

نظريا، تبدو دار الفتوى، المُناط بها من قبل الدولة إدارة القضايا الدينية والمدنية السنّية والمساجد، في موضع جيد لمواجهة التطرّف في السجون. لكن نقص الامكانات وتدخلات السياسيين تعقّد هذه المهمة. وبعد عقد تقريباً من الشلل بسبب الأزمة الداخلية المُتعلقة بأسلوب إدارة مفتيها السابق الشيخ محمد رشيد قباني، أطلق انتخاب رئيس أكثر ديناميكية للدار في 2014 هو عبد اللطيف دريان، العنان للأمل بأن هذه الهيئة ستصبح أكثر فعالية.24 وأعرب مسؤول رفيع في دائرة السجون عن الثقة بأنه إذا ما انغمس رجال الدين المعتدلين المرتبطين بدار الفتوى في توفير التوجيه الديني المريح والأكثر شرعية للسجناء السنّة، فهذا سيوازن الأصوات المُتطرّفة في السجون ويحتوي جاذبية التشدّد. ويُصر المسؤولون الدينيون على أنه منذ العام 2015، كانوا يوفدون رجال الدين ليدلوا بخطبة الجمعة في السجون اللبنانية ويروّجون لـ”التسامح والاعتدال”. لكن الحقيقة أن مدى تأثير ذلك لايزال محدوداً للغاية على مايبدو. وقد غرق مسؤول في سجن القبة في نوبة ضحك حين سُئل عن نشاطات دار الفتوى في تلك المنشأة ثم قال: “لانراهم سوى لساعة واحدة صبيحة أيام الجمعة. إنهم لايفعلون الكثير هنا!” وقال سجين سابق في سجن رومية إن دار الفتوى أصبحت غير شعبية إلى حد كبير، لأن زيارات رجالها محدودة للغاية ولا تنتقد سوى لماماً ظروف السجن.

أحد العوامل الرئيسة التي تقيّد نشاطات دار الفتوى في السجون يكمن في النقص الحاد للتمويل. على سبيل المثال، في حين أن منطقة شمال لبنان تتضمن خمس منشآت اعتقال تأوي آلاف السجناء، ليس في وسع دار الفتوى المحلية سوى توفير ثلاثة رجال دين للإدلاء بالخطبة. وقد اعترف أحد رجال الدين أن “ثمة حاجة لفعل أكثر مما هو الآن بكثير.. نحن نرى السجناء وهم على اتصال يومي بالمُدانين بالارهاب. وما يجب أن نفعله هو توفير التعليم الديني المُعتدل لهم، لكن الآن ليس لدينا موازنة لذلك، مايعني أننا لسنا سوى قلة وليس لدينا الوقت الكافي”. المفارقة هنا أن دار الفتوى تُواجه قيوداً مالية، فيما مؤسسة الأوقاف التابعة لها لديها الكثير الذي إذا ما تم استثماره قد يوفّر مايكفي من العائدات لها. مثلاً، ورثت دار الفتوى في مدينة طرابلس وحدها أكثر من 1200 ملكية- من قطع أرض ومنازل متداعية ومبانٍ جديدة- ومع ذلك فهي لاتحوز سوى على موازنة صغيرة. جذر هذه المفارقة ربما يكمن في البيروقراطية العقيمة التي تبتلي بها المؤسسة، وفي غياب التدريب لرجال الدين على فن إدارة الأعمال. بيد أن مثل هذه التفسيرات لن توقف سيل الاتهامات لهذه الهيئة بسبب اللامبالاة أو الفساد الذي يلطّخ سمعتها.

تتجاوز مضاعفات المشاكل المالية لدار الفتوى على نحو لافت زنزانات السجون، إذ ان معوقات الميزانية تحد أيضاً من قدرة هذه الهيئة على مراقبة طبيعة الخطاب الديني في مساجد البلاد. فدار الفتوى، أولاً، غير قادرة على دفع رواتب ملائمة لرجال الدين السنّة، ما يدفع بعضهم إلى السعي للحصول عل تمويل إضافي من روابط سلفية أكثر كرماً، أو من جماعات إسلامية مُتهمة بأنها إرهابية. وهذا مادفع مسؤول في دار الفتوى إلى القول بلهجة مُحبطة: “نحن غير قادرين سوى على دفع 100 دولار شهرياً لرجل الدين، فيما الهيئات القائمة في الخليج تدفع 1000 دولار إضافية”. ثم استطرد قائلاً إن هذا الخلل يقيّد يدي دار الفتوى في مجال السيطرة على نوعية الخطب. وهذه المشكلة حادة على وجه الخصوص في المناطق المُهمّشة حيث نفوذ الدار ضئيل. ففي حي باب التبانة في طرابلس، مثلا، لا تُسيطر دار الفتوى سوى على مسجدين من أصل 15. هذا أولاَ. أما ثانياً، فتتجلى معوقات الموازنة في نقص الجهاز الإداري، مايجعل من الصعوبة بمكان بالنسبة إلى الدار أن تُجري امتحانات للتدقيق في أوراق مدى كفاءة رجال الدين الجُدد فيها. وهذا يعني أن دار الفتوى تكون مكشوفة أمام تسلل العناصر المتطرّفة إلى صفوفها. يذكر هنا أنه جرى اعتقال رجلي الدين عمر الأطرش وخالد حبلص سنتي 2014 و2015 على التوالي لإقامتهما علاقات مع جماعات جهادية.25

لكن، وعلى رغم الحاجة الماسّة إلى إصلاح سبل تمويلها وطرق تدريب رجال الدين، إلا أنه لم يحدث أي تغيير يُذكر في دار الفتوى منذ انتخاب عبد اللطيف دريان العام 2014 كمفتي. ويبدو أن هذا الشلل ينبع أساساً من تدخّلات رجال السياسة السنّة الذين يستخدمون عادة نفوذهم في قلب المؤسسة للانخراط في المحسوبيات، وتعزيز الأتباع، وتسييس الخطاب الديني بطريقة تخدم مصالحهم. وقد نطق أحد رجال الدين المعينين في دار الفتوى بلسان الكثير من زملائه حين حمل على هذه الهيئة بسبب افتقادها إلى الاستقلال السياسي. قال: “السياسيون يختلفون مع بعضهم البعض حول كل القضايا تقريباً، ماعدا مصلحتهم المشتركة في إبقائنا نحن في دار الفتوى تابعين لهم”. حاليا، يُنتخب المفتي من قبل هيئة ناخبة يتكوّن ثلثها تقريباً من السياسيين، الذين يشكلون أيضاً ربع المجلس الإسلامي الأعلى الذي يشرف على دار الفتوى. هؤلاء السياسيون في معظمهم أعضاء في تيار المستقبل، الأمر الذي يعني أنهم يحوزون على درجة عالية من قدرة  التأثير على سياسات وخطاب هذه المؤسسة الدينية. وبالتالي ليس مفاجئاً أن تُوجّه الانتقادات دوماً إلى المفتي لكونه “عميلاً” لتيار المستقبل، وهذا ليس فقط في الدوائر السلفية بل أيضاً بين الجمهور الأوسع من الأتقياء السنّة. مثل هذه الانتقادات أصبحت صارخة منذ العام 2015، حين أشاد دريان علناً برئيس الحزب، سعد الحريري، لإعلانه تأييد ترشيح سليمان فرنجية، (النائب المسيحي المُثير للجدل في أوساط العديد من السنّة بسبب روابطه الوثيقة بالنظام السوري)، لمنصب رئيس الجمهورية. وحين تراجع الحريري بعدها بأشهر عن هذا الموقف، ودعم بدلاً من ذلك المرشح ميشال عون، المُقرَّب من حزب الله، أيّد دريان مجدداً هذا الخيار ومحضه الغطاء الديني.26 يقول أحد المستشارين المقربين من دريان: “نعم، المفتي صديق لتيار المستقبل”، بيد أن هذا النمط بالتحديد من التدخّل السياسي في الشؤون الدينية هو الذي يُضعف صدقية الرسالة المركزية لدار الفتوى، ويبطىء خطط الإصلاح، وبالتالي يعرقل قدرتها على جمع الأموال وإطلاق المشاريع المناهضة للتطرّف.

إسباغ الجانب الأمني على اللاّجئين

أشارت تقارير إلى أن هناك فئة يُحتمل أن تنحو إلى التطرّف وتتبنى الجهادية، هي جماعات اللاجئين السوريين. هذا الإضفاء للعامل الأمني على اللاجئين، والذي يعتبرهم على نحو متزايد خطراً إرهابيا، ينبثق بشكل رئيس من الأدلة السردية ومن اللهجة الشعبوية المتنامية في خطاب الدولة. فقد حذّر وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني من أن ما يزعم أنه 100 ألف لاجىء سوري “تلقوا تدريبات عسكرية”، فيما جادل وزير الخارجية من ان “الإرهابيين تسللوا إلى صفوف اللاجئين”، مادفع السياسيين المتحالفين مع الأسد إلى الدعوة للتعاون مع الجيش السوري وإلى إعادة اللاجئين إلى بلادهم.27 وفي ما عدا الحسابات السياسية التي تقف خلف مثل هذه البيانات، سرت أيضاً تقارير “علمية” تدّعي أن اللاجئين في لبنان عُرضة إلى التطرّف.28 بيد أن هذه التقارير مُتلبٍّسة العبارات المبتذلة أكثر من كونها معلومات مؤكّدة وثُّقت على الأرض. هذا إضافة إلى أن الدلائل الاحصائية تشي، بدلاً من ذلك، بأن الجماعات السلفية المتطرّفة، على غرار هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية، لا تتمتع بدعم وازن في أوساط اللاجئين السوريين في لبنان.29

هناك بالطبع عدد محدود من السوريين الذين انضمّوا في الآونة الأخيرة إلى جماعات جهادية، وشاركوا في عمليات ضد الجيش اللبناني، ونفّذوا هجمات انتحارية ضد المدنيين. لكن الملحوظ والمثير هنا مدى رفض جالية اللاجئين السوريين بوجه عام للرسالة المتطرّفة، على رغم التحديات القاسية التي يواجهونها في لبنان. وتشير المعلومات التي جمعتها الأمم المتحدة بأن الوضع الاجتماعي- الاقتصادي للاجئين تدهور بحدة منذ العام 2012، حيث يعيش الآن 76 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان في حالة فقر أو فقد حاد (بعد أن كانت النسبة 49 في المئة العام 2014)، وأن 87 في المئة منهم غارقون في لجج الديون، ونحو 91 في المئة يعانون من نقص الأمن الغذائي.30 علاوةً على ذلك، بات الوضع القانوني لهؤلاء حرجا: إذ هم يجدون صعوبة في دفع مبلغ 200 دولار سنوياً وفي توفير راعٍ لبناني، وكلا هذين الأمرين تفرضهما مديرية الأمن العام اللبناني لتجديد تصاريح الإقامة، الأمر الذي يدفع أعداداً متزايدة من اللاجئين إلى الإقامة غير الشرعية. لا بل بات بعضهم يتجنّب حتى التسجيل لدى وكالات الأمم المتحدة، مايحرمهم من المساعدات. وقد حاولت مديرية الأمن العام معالجة هذه المشكلة عبر تخفيف بعض شروطها لتجديد الإقامة في أوائل العام 2017، بيد أن اللاجئين السوريين واصلوا الابلاغ عن مواجهتهم تحديات جمة. ففي أواخر 2017، كانت نسبة مدوّخة بلغت 74 في المئة من اللاجئين فوق سن الـ15 غير حائزين على سكن قانوني. علاوة على دفعهم نحو المزيد من تخبطات الفقر والديون، كل هذه المشاكل تجعل من الصعب عليهم القيام بمهام أساسية مثل العثور على عمل ووضع أطفالهم في المدارس المحلية. وأخيرا، يعاني اللاجئون من تفاقم مشاعر فقدان الأمن، حيث توضح أرقام العام 2015 أن أكثر من ربع اللاجئين السوريين في لبنان “لايشعرون بالأمان”. ويُتوقع إحصائياً الآن أن تكون الأرقام أعلى مع تضاعف الاحتجاجات المناوئة للاجئين، والمضايقات، وإجراءات الطرد.31

نظرياً، قد يعزّز هذا الوضع بسهولة جاذبية التطرّف الإيديولوجي في أوساط اللاجئين، ولاسيما أن الناشطين السلفيين اللبنانيين يعملون على قدمٍ وساق لنشر رؤيتهم الخاصة للعالم، من خلال منح اللاجئين مساعدات هم في أمسّ الحاجة إليها. أما رسمياً، بالطبع، فهم منخرطون ببساطة في أنشطة خيرية. وقد قال رئيس منظمة سلفية غير حكومية في شمال لبنان، بكل فخر: “نحن ندفع بدلات الإيجار للاجئين، ونؤمّن لهم الغذاء والمازوت”، وأردف قائلاً إنه ينسّق مع جمعيات خيرية سلفية أخرى في سائر أنحاء البلاد، وإن تأثير انخراط السلفيين في المجال الإنساني بات أقوى من أي وقتٍ مضى، ولاسيما مع تزايد المساعدات الكويتية والسعودية التي يتّكلون عليها على نحو مطّرد. لكنهم في الواقع يأملون أيضاً أن تكسبهم أعمالهم الخيرية أعضاء سلفيين جددا، إذ شدّد القائد السلفي قائلاً: “إننا نقدّم مساعدات غير مشروطة، لكننا نفتح أيضاً صفوفاً للتعليم الديني، ونأمل أن تقنع رسالتنا بعض اللاجئين”. في بعض الحالات، قد يشجّع الناشطون السلفيون اللاجئين على العودة إلى سورية والانضمام إلى إحدى الكتائب السلفية العديدة والكبيرة والقوية المُنخرطة في القتال ضد النظام وحلفائه. وأقرّ رئيس المنظمة غير الحكومية السلفية بحذر “إننا نحيط اللاجئين علماً بالوضع في سورية، ونعلّمهم أن يكونوا مواطنين فعّالين – وليس مجرّد لاجئين عاجِزين”.

لكن وعلى الرغم من هذه الجهود، لادليل على أن اللاجئين السوريين يخضعون إلى تلقين عقائدي. بل قد تؤدي الضغوط غير المباشرة التي يمارسها السلفيون على اللاجئين أحياناً إلى نتائج عكسية. إذ عبّر لاجئ في طرابلس عن لسان حال غيره من اللاجئين حين تحدّث عن انعدام ثقته في الإسلاميين المحليّين الذين “يعتقدون أننا نخون الثورة، وأنه حريٌّ بنا أن نذهب للقتال”. يُضاف إلى ذلك أن اللاجئين السوريين الذين يبلغ عددهم نحو المليون في لبنان، مُبعثرون جغرافياً في طول البلاد وعرضها في مدن عديدة وضمن تجمّعات سكانية صغيرة، بدل أن يكونوا متجمّعين في منطقة واحدة، مايصعّب عملية توسيع نطاق عمل المجتمع السلفي الذي لايزال صغيراً وضيّقاً، على الرغم من حسن تنظيمه. وحتى عندما يؤثّر نفوذ السلفيين في أحد تجمّعات اللاجئين، يبقى أنهم يلقَوْن منافسة من قِبل رجال دين سوريين يكونون في غالب الأحيان أكثر مراعاةً لعادات اللاجئين وتقاليدهم الدينية. ينطبق ذلك خصوصاً في الحالات التي يكون فيها لرجال الدين السوريين حضور منظّم كما في عكّار، معقل هيئة العلماء السوريين، وهي تجمّع مؤلّف من رجال دين لاجئين معظمهم من الصوفيين ويتحدّرون من مدينة حمص، على غرار العديد من اللاجئين الآخرين. وأشار أحد قادة الهيئة إلى أنها تُتظّم صفوفاً دراسية وتُعقد زيجات وتُصدر فتاوى، قائلاً: “نعلّم الإسلام كما كان يُعلَّم في سورية. وقد نجحنا من خلال أنشطتنا في الحدّ من التطرّف الإيديولوجي وكبح جماحه”.

هكذا، وفيما ينضم عدد محدود من اللاجئين السوريين إلى المجموعات الجهادية ويشنّون العديد من الهجمات، إلا أن الأسباب غير متعلّقة، على مايبدو، بالإيديوجيا السلفية؛ بل يظهر أن طبيعة العلاقات التي تربط اللاجئين بمثل هذه المجموعات ذرائعية ومتقلّبة. فعلى سبيل المثال، قال لاجئ كان على وشك العودة إلى سورية للانضمام إلى هيئة تحرير الشام، إن فكرة “الثأر” لحصار حلب التي سقط فيها أقاربه كانت حافزه، بيد أنه سرعان ما بدّل رأيه بعد أن عُرضت عليه وظيفة في لبنان وبدأت أوضاعه تتحسّن. هذا ويؤكّد تقرير صادر عن منظّمة “إنترناشونال ألرت” International Alertأن الخط الذي تسلكه عمليات الجنوح نحو التطرّف وإنهاء التطرّف، والتي قد تبدو أحياناً بديهية من الخارج، ليس مُستقيماً إطلاقاً.32 ويبدو أن هذا مايجري تحديداً مع اللاجئين الأصغر سنّاً. فقد لَحَظَ مدير مدرسة لتعليم الفتية السوريين في لبنان ترابطاً بين تنامي المعتقدات المتطرّفة وبين السلوك العدواني لدى بعض اللاجئين من جهة، وبين مدى تمكّنهم من إعادة بناء مجتمعات محليّة على أساس التضامن والثقة بعد الصدمات الذي مُنِيوا بها. من جهة أخرى، أظهرت دراسة استقصائية واسعة النطاق أجرتها المنظمة غير الحكومية “أنقذوا الأطفال” Save the Children أن ثلثي الأطفال السوريين خسروا شخصاً عزيزاً على قلبهم، أو قُصف منزلهم، أو تعرّضوا إلى الإصابة من جرّاء الحرب – وتكمن هذه التجارب على الأرجح وراء واقع أن 71 في المئة من الأطفال السوريين يعانون اليوم من اضطرابات مابعد الصدمة، وأن 80 في المئة منهم باتوا أكثر عدوانية.33 لذا ينبغي علاج وتعليم وتمكين اللاجئين السوريين، بدلاً من اعتبارهم تهديداً أمنياً، كما يفعل بعض المسؤولين.

حدود المدّ السّلفي

لاشكّ أن الخطاب الثوري الذي تتبنّاه المجموعات السلفية الجهادية ورجال الدين، أثار اهتمام المجتمعات المحليّة السنيّة اللبنانية والفلسطينية والسورية. وخير دليل على ذلك التنامي السريع الذي شهدته هذه المجموعات في لبنان على مدى الأعوام القليلة الماضية. مع ذلك، بات واضحاً أيضاً أن ثمة قيوداً تحول دون التوسّع الفعلي للفكر المتطرّف. ويُعزى أحد أسباب ذلك إلى أن عدد المتعاطفين مع تنظيم الدولة الإسلامية قليلٌ نسبياً في صفوف السلفيين في لبنان، بل إن العديد منهم يعتبرون أن هذا التنظيم “مُجرم” و”إرهابي” لسفكه دماء الكثير من المدنيين. ويرى بعض رجال الدين السلفيين أن التنظيم نجح في البدء في اجتذاب بعضٍ الأنصار الأصغر سنّاً الذين أبدوا “حماسةً” بعد إعلان الخلافة المزعومة، إضافةً إلى آخرين باتوا على قناعة بضرورة إنشاء “كيان إسلامي” في سياق المعمعة السياسية التي غرق في لُججها لبنان والعنف المُستشري في المنطقة. لكنهم أشاروا أيضاً إلى أن الدعم الشعبي للدولة الإسلامية يكاد يتهاوى تماماً، ليحلّ محلّه انطباعٌ بأن التنظيم استخدم النصوص المقدسة والأفكار السلفية لخدمة “مآربه الخاصة” وأنه “لايُمثّل الإسلام”.

يتحدّث البعض بإيجابية أكبر عن هيئة تحرير الشام، لكن غالباً مايكون ذلك من مُنطلق الإعجاب بسجلّها في القتال ضد النظام السوري، لا بقدرتها على تطبيق المبادئ السلفية في المناطق الخاضعة إلى سيطرتها. كذلك، يرى كثيرون أن المجموعتين “وجهان لعملة واحدة”، ويعربون عن خيبة أملهم بعد سبع سنوات من عمر الانتفاضة السورية.

السبب الآخر هو أن سلفيي لبنان منقسمون بشكلٍ حادّ وفق خطوط إيديولوجية وسياسية. فواقع الحال أن السلفية هي مدرسة دينية عامة تحمل راية العودة إلى الممارسات المتزمّتة المُرتبطة بالمراحل المُبكرة من تاريخ الإسلام، أكثر من كونها حركة متّسقة هيكلياً وتتبنّى مجموعة من الأفكار السياسية المُعبَّر عنها بوضوح. لذا، ينقسم السلفيون في طول المنطقة وعرضها بين من يتفادون الدخول في المعمعة السياسية ليركّزوا عوضاً عن ذلك على الأنشطة الدعوية، وبين من يؤمنون بأهمية الانخراط السياسي. ولبنان ليس استثناء عن هذه القاعدة، لكن نظراً إلى الاستقطاب الذي يشوب السياسات المحليّة اللبنانية، فضلاً عن سطوة حزب الله المتنامية والحرب المُستعرة في سورية، تبرز خطوط صدع أخرى في صفوف السلفيين حول الخط السياسي الذي ينبغي تبنّيه. وقد اتّقدت جذوة هذه الانقسامات أحياناً، إذ دارت رحى المواجهة بين هيئة العلماء المسلمين، وهي تجمّع يتألف بمعظمه من رجال دين سلفيين يدعمون الثورة، وبين اللقاء السلفي، وهو مجموعة أصغر بكثير يرى أحد قادتها أنها “تمثّل السلفية الحقيقية”، بيد أنها في الواقع مقرّبة من حزب الله. وفي أحيان أخرى، تعتمل خلف هذه النزاعات الإيديولوجية والسياسية العداوات الشخصية المريرة والخلافات المالية بين رجال الدين المتعطّشين لجذب الاهتمام بهم، والذين يتنافسون على الموارد المالية، مايدقّ في صفوف رجال الدين السلفيين إسفين الانقسامات التي غالباً ماتكون غير قابلة للجَبر وتقوّض مصداقية السلفية.

علاوةً على ذلك، حتى رجال الدين السلفيين المتشدّدين الذين يدعمون أفكاراً مشابهة لأفكار تنظيم القاعدة أو الدولة الإسلامية قد يساعدون هذه المنظمات في العراق وسورية استناداً إلى أسس أخلاقية أو لوجستية، بيد أنهم رفضوا تقليدياً فكرة تحويل لبنان من أرض دعم إلى أرض جهاد. وقد جادلت إحدى الشخصيات بأنه من المستحيل تأسيس دولة إسلامية في لبنان، لأنه يتّسم بدرجة عالية من التنوّع الديني، قائلاً إن “لبنان ليس أسود أو أبيض – إنه رمادي، ونحن كناشطين يجب أن نكون جزءاً من هذا المجتمع بدلاً من إسقاط إيديولوجية مستوردة عليه”. لكن ربما تنبع واقعيتهم أيضاً من إدراك واضح لتوازن القوى القائم حالياً الذي سيُجيّر الدفة لصالح حزب الله والجيش اللبناني في حال حصول أي مواجهة. ويبدو ذلك كأحد الدروس التي استخلصها البعض من الاشتباكات الدامية، بين قوات الأمن اللبنانية وأتباع الشيخين السلفيين أحمد الأسير وخالد حبلص، التي هزّت صيدا في العام 2013 وطرابلس في 2014. وذكرت إحدى الشخصيات المقرّبة من حبلص أن “هذه المحاولات الرامية إلى إشعال فتيل حركة سلفية ثورية فشلت فشلاً ذريعاً”، مبرراً بذلك لماذا لا يريد أن يصبح لبنان “عراقًا آخر أو سورية أخرى”.

العامل الأخير الذي يحدّ من النزعة التوسعية السلفية، يتمثّل في أنه فيما قد تنجذب بعض زوايا المجتمع السنّي في لبنان إلى هذا النوع من الخطاب السياسي العنيف الذي يتبناه بعض رجال الدين السلفيين، لا يبدو ذلك بأي شكل من الأشكال ترجمة لاحتضان حقيقي للإيديولوجيا السلفية. فعلى سبيل المثال، أظهرت استطلاعات رأي مؤخرًا أن السنّة في لبنان يعارضون بأغلبيتهم الساحقة تدخُّل حزب الله في سورية، في حين أن الشيعة يؤيدونه، وأن وجهات النظر منقسمة بالتساوي حول مسألة دور إيران في الشرق الأوسط. لكن هذا الاستقطاب السياسي لم يؤثّر بشكل كبير على العلاقات بين الأديان في لبنان، حيث أن عدد السنّة الذين يقبلون بأن الشيعة مسلمون – وهي وجهة نظر يعارضها الناشطون السلفيون – تبقى عالية نسبياً.34 وبالمثل، عندما يتعلّق الأمر بممارسة الشعائر الدينية، تشير الدلائل إلى أن السلفية لاتزال تمثّل منحى ضئيلاً في مجتمع سنّي لبناني يتّسم تقليدياً بطابع علماني إلى حد بعيد.35 حتى في طرابلس، التي غالباً ما تُصوَّر على أنها “معقل للإسلاموية”، أظهر استطلاع للرأي أنه في حين أن 90% من الشباب المسلم السنّي “يؤدّون في الغالب واجباتهم الدينية بانتظام”، إلا أن 9.2% فقط يوافقون على التعاليم الدينية السلفية النموذجية، مثل اعتبار ارتداء المرأة النقاب “إلزامياً”.36 في هذا السياق، تُعتبر التقاليد الصوفية مطواعة، إذ إنهم يفتخرون بالتعايش مع الأقلية المسيحية ويحتفلون بمولد النبي – الأمران اللذان يُعتبران من المحرمات في السلفية. وعندما يتعلق الأمر بالسلوك الانتخابي، في طرابلس وأماكن أخرى في لبنان، تميل الدفة نحو احتمالات أن يصوّت السكان المحليون لصالح أحد الزعماء السياسيين في المنطقة أكثر من أي من الأحزاب الإسلامية التي عادةً لا تحصل، حسب استطلاعات الرأي، على أكثر من 5 في المئة من الأصوات.37 كل هذا يوحي بأنه على الرغم من صعود ظاهرة السلفية، لاتزال الممارسات والأنظمة الدينية السنّية في لبنان بعيدة كل البعد عن تلك التي يتبناها التيار السلفي.

معالجة تمرّد سياسي

أخيرا، من المطمئن على مايبدو ألا تكون الدوافع الرئيسة الكامنة وراء التطرّف السلفي في لبنان دينية أو إيديولوجية كما تبدو للوهلة الأولى، لأنها تشير إلى عدم احتمال أن تضطلع أجزاء من البلاد بدور قواعد دعم للجماعات المتشدّدة. وهذا يعني أيضاً أنه إذا كان صنّاع السياسات راغبين في احتواء هذا التهديد ومنع تفاقمه أكثر، فلابدّ أن يعالجوا جذور هذه الثورة، الاجتماعية والسياسية بطبيعتها. لكن على الرغم من تراجع وتيرة الهجمات الإرهابية بشكل كبير منذ العام 2014 – مامنح شعوراً زائفاً بالاستقرار – لاتزال الجماعات المسلّحة قادرة على تجنيد متعاطفين جدد والإفادة من الاضطرابات السياسية التي قد تسبق الانتخابات النيابية المقبلة واللااستقرار الذي يلوح في أفق المحاور الأمنية الحساسة على غرار المخيمات الفلسطينية في لبنان وسهل البقاع. علاوةً على ذلك، قد لاتكون المقاربة الراهنة التي ترتكز على الأمن كافية لاحتوائها.

وفي ظل غياب تعريف مُحدد للمجنّد النموذجي في الجماعات السلفية المسلحة، يشير انتشار ظاهرة “القبضايات” السلفيين في الأحياء المحرومة إلى أن التهميش الاجتماعي والحضري يساهم كدافع للتجنيد. وبالتالي لابدّ من أن يكون من الأولويات الرئيسة بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية وضع خطة طموحة على نطاق البلاد تهدف إلى خفض معدل البطالة، والحد من انتشار الاقتصاد غير النظامي، وتطوير البنية التحتية التي توفّر المساحات العامة وتخفف الاكتظاظ، وتُصلح نظام المدارس الرسمية المتداعي. وحدها الثقة بالدولة وقدرتها على ضمان رفاه المواطنين المهمشين من شأنها القضاء على التعطّش إلى ثورة اجتماعية. وبدلاً من النظر إلى ظاهرة “القبضايات” السلفيين من خلال عدسة الأمن فقط، يتعيّن أولاً فهمها كأحد أعراض البيئة الاجتماعية المتدهورة التي اندمجت فيها.

كما أن سياق رد فعل لبنان حيال الأزمة السورية منذ العام 2011 زاد الطين بلّة. فبينما تبنّت جميع الأحزاب السياسية في البلاد رسميًا سياسة النأي بالنفس عن الاضطرابات المجاورة، لم تمنع الحكومة في الواقع حزب الله من التدخّل عسكرياً إلى جانب النظام السوري، حتى أثناء اعتقالها للسنّة الذين يقاتلون في صفوف التمرّد. هذا المعيار المزدوج الصارخ يقود إلى بروز اتهامات في أوساط عامة الطائفة السنّية بأن حزب الله والشيعة يسيطرون على الدولة اللبنانية – وهو خطاب سياسي كان منذ فترة رأس الحربة لدى السلفيين، لكنه بات سائداً أكثر خلال السنوات الأخيرة. ولتجنّب أن ينتشر هذا النوع من الخطابات بصورة أكبر، ينبغي اتّخاذ خطوات للضغط على حزب الله من أجل سحب الجزء الأكبر من قواته من سورية، ومناقشة مستقبل ترسانته العسكرية، وإصدار عفو جزئي عن المقاتلين السنّة الذين ربما حاربوا في سورية ولكن ليس في لبنان. كما ينبغي إصلاح أنظمة السجون والقضاء على وجه السرعة لتسريع الإجراءات الرسمية، وتحسين البنية التحتية، وضمان حماية حقوق الإنسان.

مع ذلك، فانتشار التطرّف السلفي – وهو أبعد مايكون عن كونه مجرد تجسيد لرد الفعل السنّي إزاء هيمنة حزب الله – هو أيضاً رد على فشل النخبة السنّية في معالجة مظالم أتباعها. وقد أﺻﺑﺣت المصداقية اﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ لهذه النخبة سريعة التدهور وواﺿﺣﺔ للغاية، ﺑﻌد أن ﺗﻌرّض تيار اﻟﻣﺳﺗﻘﺑل إلى انتكاسات خطيرة ﻓﻲ اﻻﻧﺗﺧﺎﺑﺎت اﻟﺑﻟدﯾﺔ اﻟﻌﺎم 2016، وبلغت الآن الحضيض. هذا الاستياء من السياسيين يترافق مع إحباط واسع النطاق من الطريقة التي يعمل بها رجال الدين السنّة في دار الفتوى، مايعرّض رسالتهم المعتدلة إلى الخطر. وبالتالي، قبل تمكين السياسيين ورجال الدين السنّة الوسطيين، لابدّ من إصلاح أساليبهم. فمن جهة، يجب على دار الفتوى إدارة أموالها بشكل أفضل، وتدريب شيوخها، ومراقبة محتوى الخطابات الدينية؛ ومن جهة أخرى، ينبغي على السياسيين السنّة أن يمنحوا المؤسسة استقلالية ونفوذاً أكبر. كما يتعيّن عليهم، من أجل استعادة ثقة ناخبيهم، ممارسة أعمالهم بشفافية أكبر، واحتضان المجتمع المدني، وتشجيع صعود جيل جديد من الناشطين الشباب، وبذل المزيد من الجهد والمال لمساعدة الفئات المحرومة في المجتمع. وتوفّر الحالة الراهنة من الاستقرار السياسي النسبي فرصة فريدة من نوعها تسمح بوقوف صنّاع السياسات من جميع الأطراف صفاً واحداً للعمل على إقرار الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي يحتاجها لبنان بشدّة.

شكر وتقدير

يودّ المؤلف أن يتوجّه بجزيل الشكر إلى مهى يحيَ، لوري ميريت، ومايكل يونغ، لملاحظاتهم القيّمة وتدقيقهم التحريري بمختلف مسودات هذه الدراسة. الشكر موصول أيضاً إلى وسام طيار، وإبراهيم شلهوب، ومصطفى حجار لدعمهم المتواصل ولـ51 شخصية وهيئة سياسية ودينية وناشطين في المجتمع المدني الذين محضوني جميعاً ثقتهم وجزءاً من وقتهم الثمين خلال المقابلات.

هوامش

1 سندريللا مرهج، “نعم داعش قادمة إلى لبنان…”، النشرة، 29 آذار/مارس 2017،https://www.elnashra.com/news/show/1089653/نعم-داعش-قادمة-إلى-لبنان انظر أيضاً: Antoine Ghattas Saab, “ISIS Preparing to Declare Islamic Emirate in Lebanon: Sources,” Daily Star, February 23, 2015, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2015/Feb-23/288379-isis-preparing-to-declare-islamic-emirate-in-lebanon-sources.ashx; Abdel Kafi al-Samad, “ISIS’s Victories Revive Fears of Islamic Emirate in North Lebanon,” Al-Akhbar, June 21, 2014, http://english.al-akhbar.com/node/20270; and Robert Fisk, “ISIS Brings Its War to Lebanon—and It Could Be Key to a Masterplan,” Independent, August 4, 2014, http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/isis-brings-its-war-to-lebanon-and-it-could-be-a-key-part-of-a-masterplan-9648009.html.

2 انظر على سبيل المثال، the excellent report on Fatah al-Islam’s rise and fall in Lebanon: Tine Gade, Fatah al-Islam in Lebanon: Between Global and Local Jihad (Kjeller: Norwegian Defence Research Establishment, 2007).

3 Bilal Y. Saab, “Lebanon at Risk From Salafi-Jihadi Terrorist Cells,” CTC Sentinel 3, no. 2 (2010).

4 لاتتعمق هذه الدراسة في تاريخ التشدّد الإسلامي السنّي في لبنان، وهو موضوع تمّت تغطيته بشكل تفصيلي أكثر في الأعمال التالية: Bernard Rougier, The Sunni Tragedy in the Middle East: Northern Lebanon From al-Qaeda to ISIS (Princeton: Princeton University Press, 2015); Tine Gade, “Sunni Islamists in Tripoli and the Asad Regime, 1966–2014,” Syria Studies 7, no.2 (2015): 20–65; Abdul Ghany Imad, “A Topography of Sunni Islamic Organizations and Movements in Lebanon,” Contemporary Arab Affairs 2, no. 1 (2009): 143–161; وعبد الغني عماد، “الحركات الإسلامية في لبنان: إشكالية الدين والسياسة في مجتمع متنوع”، (بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 2006).

5 تمّت تغطية هذا العامل في بحوث ممتازة سابقة. انظر: Zoltan Pall, Lebanese Salafis Between the Gulf and Europe (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2013); والدراسة الأخيرة: سلطان بال، “السلفية الكويتية ونفوذها المتنامي في بلاد الشام”، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 7 أيار/مايو 2014، http://carnegie-mec.org/2014/05/07/ar-pub-55530 وانظر أيضاً: Robert Rabil, Salafism in Lebanon: From Apoliticism to Transnational Jihadism (Washington, DC: Georgetown University Press, 2014).

6 Geneive Abdo, Salafists and Sectarianism: Twitter and Communal Conflict in the Middle East (Washington, DC: Brookings Institution, 2013); and Rabil, Salafism in Lebanon.

7 Mona Alami, “The Impact of the Syria Conflict on Salafis and Jihadis in Lebanon,” Middle East Institute, April 18, 2014.

8 أديب نعمه، “الفقر في مدينة طرابلس”، (بيروت: اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا – الإسكوا، 2014)، ص.20،http://css.escwa.org.lb/ECRI/Docs/UNTripoliexecutive.pdf

9 المصدر السابق، ص. 14.

10 حول هذه النقطة، انظر المعلومات المثيرة للاهتمام للخبير الاجتماعي سعود المولى: “يبقى المسجد هو “المطرح” الاجتماعي؛ أي أنه يحلّ محل المقهى، أو هو استكمال له في ظروف الفقر والهامشية. وهو يصبح بالنسبة إلى الشبان أول موقع محرّر لهم ضمن المجتمع، لهم فيه يد واستقلالية عن المؤسسات الرسمية والدينية”، سعود المولى، “السلفيّة اللبنانية في تمظهراتها الجديدة”، (الدوحة، قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص. 10.https://www.dohainstitute.org/ar/lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/document_8719C725.pdf

11 ما لم يُنص على خلاف ذلك، تمّ إبقاء المصادر مجهولة بناء على طلبها.

12 حول دور القبضايات في بيروت خلال الستينيات والسبعينيات، والقيم التي زعموا أنهم يجسّدونها . انظر : Michael Johnson, All Honourable Men: The Social Origins of War in Lebanon (London: I.B.Tauris, 2001).

13 “هدوء بطرابلس بعد مواجهات بين محتجين وقوى الأمن”، LBCI Lebanon، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2012،https://www.youtube.com/watch?v=BMPzSDoC3_s

14 “القضاء اللبناني يطلق سراح شادي المولوي.. الذي أشعل اعتقاله شمال لبنان”، الشرق الأوسط، 23 تموز/يوليو 2012، http://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12230&article=678566#.WohJNKjFKUk

15 سعد الياس، “مخابرات الجيش اللبناني تعلن إحباط مخطط لتنفيذ سلسلة عمليات انتحارية”، القدس العربي، 17 كانون الثاني/يناير 2015، http://www.alquds.co.uk/?p=280839; وأيضاً: “شادي المولوي عرّاب الانتحاريين”، الملحق، 16 كانون الثاني/يناير 2015،Www.mulhak.com/شادي-المولوي-عرّاب-الانتحاريين/; وأيضاً: Antoine Amrieh,“Lebanon’s Christian Terror Suspect ‘Brainwashed’ By Nusra: Neighbors,” Daily Star, January 16, 2015, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2015/Jan-16/284324-lebanons-christian-terror-suspect-brainwashed-by-nusra-neighbors.ashx; and “Au Liban, un jeune chrétien rejoint les rangs du djihad” [In Lebanon, a young Christian joins the ranks of jihad], Le Point, January 18, 2015, http://www.lepoint.fr/monde/au-liban-un-jeune-chretien-rejoint-les-rangs-du-djihad-18-01-2015-1897557_24.php.

16 حسين خريس، “هكذا هرب شادي المولوي من عين الحلوة”، المدن، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2017، http://www.almodon.com/politics/2017/10/26/هكذا-هرب-شادي-المولوي

17 فيما أشارت أن التقديرات الرسمية إلى أن 900 سنّي انضمّوا إلى الصراع في سورية بحلول العام 2015، كشفت تقديرات أحدث للأجهزة الأمنية اللبنانية لصحيفة الأخبار الموالية لحزب الله أن عدد اللبنانيين والفلسطينيين السنّة الذين غادروا لبنان للانضمام إلى المجموعات المسلّحة في سورية قد وصل إلى نحو 6000، وقُتل نحو 1300 منهم في ساحات الوغى. انظر: “6000 “جهادي” غادروا لبنان للقتال في سوريا والعراق”، الأخبار، 3 شباط/فبراير 2017، http://www.al-akhbar.com/node/272030

18 “Assir Calls for Jihad in Syria,” Now Lebanon, April 22, 2013,https://now.mmedia.me/lb/en/lebanonnews/assir-calls-for-jihad-in-syria1.

19 Mona Alami, “Roumieh Has Become a Radicalism Factory,” Daily Star, September 3, 2014, http://www.dailystar.com.lb/Opinion/Commentary/2014/Sep-03/269382-roumieh-has-become-a-radicalism-factory.ashx.

20 هذه الأرقام صادرة عن وزارة الداخلية. انظر أيضاً: Lebanese Center for Human Rights, Prisons in Lebanon: Humanitarian and Legal Concerns (Beirut: Lebanese Center for Human Rights, 2010).

21 Lebanese Center for Human Rights, Prisons in Lebanon: Humanitarian and Legal Concerns, 41. انظر أيضاً: Nadim Houry and Graeme Reid, eds., ‘It’s Part of the Job’: Ill-Treatment and Torture of Vulnerable Groups in Lebanese Police Stations (New York: Human Rights Watch,2013); وأيضاً: Lebanese Center for Human Rights, Women Behind Bars: Arbitrary Detention and Torture (Beirut: Lebanese Center for Human Rights, 2015).

22 Catharsis Lebanon, Mental Health in Lebanese Prisons: Prevalence Study of Severe Mental Illness Among Inmates in Roumieh and Baabda Prisons (Beirut: Catharsis Lebanon, 2015), 37.

23 Lebanese Center for Human Rights, Prisons in Lebanon: Humanitarian and Legal Concerns, 49.

24 رافاييل لوفيفر، “دار الفتوى في لبنان والبحث عن الاعتدال”، صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 5 كانون الثاني/يناير 2015.

25 “Lebanon Issues Arrest Warrant for Suspected Terrorist Sheikh,” Now Lebanon, February 4, 2014, https://now.mmedia.me/lb/en/lebanonnews/533902-judge-issues-arrest-warrant-for-omar-al-atrash.

26 “Lebanon’s Mufti Backs Hariri’s Presidential Initiative,” Daily Star, December 22, 2015, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2015/Dec-22/328540-lebanon-mufti-backs-hariris-presidential-initiative.ashx.

27 “Derbas: Over 100,000 Syrian Refugees Received Military Training,”Daily Star, October 19, 2014, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2014/Oct-19/274583-derbas-over-100000-syrian-refugees-received-military-training.ashx; “Terrorists Infiltrating Refugee Ranks: Bassil,” Daily Star, July 1, 2016, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2016/Jul-01/359935-terrorists-infiltrating-refugee-ranks-bassil.ashx;
انظر أيضاً: “Aoun Calls for Return of Syrian Refugees to ‘Safe Zones,’” An-Nahar, February 3, 2017, https://en.annahar.com/article/534236-aoun-calls-for-return-of-syrian-refugees-to-safe-zones.

28 Oytun Orhan, The Situation of Syrian Refugees in the Neighboring Countries: Findings, Conclusions and Recommendations (Ankara: Center for Middle Eastern Strategic Studies, 2014), 57.

29 في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أشار مسح شمل 2000 لاجئ سوري في لبنان إلى أنه، على الرغم من أن أكثر من نصف هذا العدد متعاطف مع “المعارضة”، سمّوا جميعهم تقريباً الجيش السوري الحر كخيارهم الأول في معرض التعبير عن تأييدعم للمتمرّدين. انظر: Daniel Corstange, “What Syrians Want: New Survey Data Show Which Side Refugees Support,” Foreign Affairs, September 14, 2016,https://www.foreignaffairs.com/articles/syria/2016-09-14/what-syrians-want.
أكّد استطلاع أجرته منظمة Sayara International في أواخر العام 2014 في عكّار حيث يعيش حوالى ربع اللاجئين السوريين في لبنان، أنه “مامن دعم صريح لجبهة النصرة أو لتنظيم الدولة الإسلامية” في صفوف الأشخاص المُستطلعة آراؤهم. انظر:
Drivers of Instability, Conflict and Radicalization: A Snapshot From Akkar,” Sayara International, April 16, 2015, 18, http://sayarainternational.com/drivers-of-instability-conflict-and-radicalization-a-snapshot-from-akkar/.

30 UN Children’s Fund, UN High Commissioner for Refugees, and UN World Food Program, VAYSR 2017: Vulnerability Assessment of Syrian Refugees in Lebanon (Geneva: UN High Commissioner for Refugees, 2017).

31 شمل الاستطلاع 1200 لاجئ سوري في لبنان. انظر: Carole Alsharabati and Jihad Nammour, Survey on Perceptions of Syrian Refugees in Lebanon (Beirut: Institut des Sciences Politiques de l’Université Saint Joseph, 2015), 12.

32 Caroline Brooks, Meg Aubrey, Rosie Aubrey, and Francis Brodrick, Why Young Syrians Choose to Fight: Vulnerability and Resilience to Recruitment By Violent Extremist Groups in Syria (London: International Alert, 2016).

33 Alun McDonald, Invisible Wounds: The Impact of Six Years of War on the Mental Health of Syria’s Children (Fairfield, CT: Save the Children, 2017), 2.

34 يشير استطلاع رأي أجرته Now Lebanon في العام 2014 إلى أن 60.1 في المئة من الشيعة في لبنان يدعمون تدخّل حزب الله في سورية، وحوالى 85.8 في المئة من السنّة يرفضون ذلك. انظر:“Views on Hezbollah’s Involvement,” Now Lebanon, July 8, 2014,https://now.mmedia.me/lb/en/reportsfeatures/554835-views-on-hezbollahs-involvement-in-syria; ووجدت دراسة أخرى أنه في حين يملك 86 في المئة من شيعة لبنان “وجهات نظر إيجابية” حول إيران، فقط 8 في المئة من السنّة يملكونها. انظر:Richard Wike, “Lebanon’s Precarious Politics,” Pew Research Center, November 15, 2007, http://www.pewglobal.org/2007/11/15/lebanons-precarious-politics/; مع ذلك، لا يبدو أن الطبيعة السياسية لهذا الاستقطاب الطائفي تؤثر على معظم آراء السنّة في لبنان المتعلقة بالشيعة كجماعة دينية. ووفقًا لمسح واسع النطاق، 77% من السنّة في لبنان “يقبلون الشيعة كمسلمين”، وهو ما يعكس أن 90% من الشيعة “يشعرون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية” في لبنان. وتُعتبر هاتين النسبتين من أعلى النسب الموجودة في الشرق الأوسط. انظر: Pew Research Center’s Forum on Religion & Public Life, The World’s Muslims: Unity and Diversity (Washington, DC: Pew Research Center, 2012); and “Many Sunnis and Shias Worry About Religious Conflict,” Pew Research Center, November 7, 2013.

35 انظر على سبيل المثال، بيانات الاستطلاعات الصادرة عن : Richard Wike and Juliana Menasce Horowitz, “Lebanon’s Muslims: Relatively Secular and Pro-Christian,” Pew Research Center, July 26, 2006.

36 انظر على سبيل المثال، Robert Rabil, Religion, National Identity and Confessional Politics in Lebanon: The Challenge of Islamism (London: Palgrave MacMillan, 2011), 50. تمّ استخلاص هذه الأرقام من مسح إحصائي حول الممارسات الدينية لـ1000 سنّي من طرابلس، تمّ إجراؤه في العام 2010 تحت إشراف الدكتور حسام سباط في جامعة الجنان، وتمّ تقديمها إلى المؤلّف.

37 عبد الكافي الصمد، “إسلاميو طرابلس: انقسامات تزيد “فقرهم” الانتخابي فقراً”، الأخبار، 12 كانون الثاني/يناير 2018،http://www.al-akhbar.com/node/289158