أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الثّلوج بين نصف الكأس الملآنة ونصف الكأس الفارغة

الثّلوج بين نصف الكأس الملآنة ونصف الكأس الفارغة

Spread the love

شابّ مبدع من تالة

الأستاذ الصادق الصغيري

ما كان يخفّف معاناتنا مع نزول الثّلوج واِشتداد البرد، نحن سكّان الأروقة الثّلجية، ليس كثرة الأغطية ولا أدوات التّسخين ولا وفرة الأغذية، فجميعها كانت دون ما يتوفّر الآن بكثير ولا مجال للمقارنة أو القياس.

ما كان يحدّ من معاناتنا هو الاِستبشار بأنّ نزول الثّلوج فأل خير وبشارة بسنة فلاحيّة ناجحة، ما كان يحدّ من المعاناة هو اِنقطاع الأمل من الإعانات والمساعدات إلاّ ما كان كدّ يمين أو بعض قمح وشعير مخزّن بالسدّة أو المطمور، أو شيء من الدّهان يسكن قعر خابية يزيده البرد صلابة وعصيانا ولُقَيْمَة منه تمدّنا بطاقة أربع خيول أو تزيد.

ما كان يحدّ من المعاناة هو الاِجتماع المشترك مع دوابّنا تحت سقف واحد نبثّهم الأنس ويبثّوننا حرارة أنفاسهم، ونتواصى بالصّبر ونتعاهد على المقاومة ووحدة المصير.

ما كان يحدّ من المعاناة هي حصص الصّيد بالقصاع المتّكأة على أعمدة صغيرة ونحن ننثر تحتها حبّات القمح فوق الثّلج النّاصع لنجذب الخيط ونوقع بالعصافير، وتستمرّ حصص الصّيد تحت أعين الكبار يصفّقون لنا عند الاِنتصار ويضمّوننا إلى صدورهم عند الهزيمة.

ما كان يخفّف من المعاناة أن نقبض من الثّلج قبضة نقيّة نحشوها آنية نحاسيّة ونضعها فوق الكانون ونشربها ماء عذبا طهورا، ما كان يخفّف من المعاناة أن نلتقي بقاعة الدّرس لنقوم بحركات التّسخين الثّنائي والجماعي عبر ضرب الأيدي والأرجل من خلاف، محدّقين في أعمدة البخار المتصاعد ونحن نقهقه بعيون مرحة وأنوف حمراء تجعل الوجوه مضيئة في لون البراءة.

ما يخفّف معاناتنا، نحن سكّان الممرّات الثّلجية، أن نسقبل العواصف الثّلجية باِبتسامة المنتصر وليس بعبوس المنهزم، نستقبلها بنصف الكأس الملآنة وليس بنصف الكأس الفارغة.

اللّهم خفّف معاناة أهالينا
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ