أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الباجي والنّهضة لا واحد لا سياسة

الباجي والنّهضة لا واحد لا سياسة

Spread the love

الأستاذ نورالدين الغيلوفي

في خطابات سابقة كان الباجي، في كلّ مرّة، يقدّم شهائد الاِعتراف للنّهضة ويمنّ عليها بإلحاقها بمَرْكب السّياق الوطنيّ.. ويعترف لها بتحسّنها في الاِمتحان المدني.. وبأنّها قابلة للتطوّر.. باِستثناء تصريح وحيد أسند إليها فيه ملاحظة (دون المطلوب).. ولكن سرعان ما تراجع عنه (قرصة وذن)…
غير أنّه في خطابه الأخير أعلن المفاصلة معها وصرّح بطلاق بائن بينه وبينها.. بطلبها (هكذا).. وأكّد قوله أكثر من مرّة بأكثر من صيغة.. (بطلبها)..
لا أظنّ أنّ حركة النّهضة، الّتي تحرص مختلف قياداتها على تأكيد التّوافق مبدأ في سياساتها، تتخلّى ببساطة عنه.. لا سيّما ونحن في لحظة حرجة كالّتي تمرّ بها البلاد الآن.

فما معنى أن تتخلّى النّهضة عن توافقها مع الرّئيس؟
يبدو أنّ مساحة الاِتّفاق قد بدأت تتقلّص بين الجانبين في ما نحن فيه من تقاتل بين قيادات حزب نداء تونس الحاكم.. وبعد أن حصلت المفاصلة بين الباجي الاِبن ورئيس الحكومة يوسف الشّاهد وإعلان الأوّل تجميد عضوية الثّاني من الحزب وبعد اِصطفاف النّهضة مع رئيس الحكومة حفاظا على اِستقرار سياسي يوصل البلاد إلى اِنتخابات 2019 تغيّرت المعادلة وما عاد الرّئيس في حاجة إلى حركة تحتكر التّماسك الحزبي وتتقدّم بثبات باِتّجاه اِستحقاقات لا يبدو لها منافس فيها.. ولمّا صارت هي الطّرف المستفيد من علاقاتها مع قصر قرطاج الّذي يهدّده الخواء بعد أن تبخّر ما كان له من سند حزبيّ من المشهد فقد جاءت ساعة الإعلان عن فكّ الاِرتباط.. إنّ الباجي لا يفيد إلّا متى كان مستفيدا.. ولذلك غامر بالتّوافق مع النّهضة في بيئته السّياسية الرّافضة لها… ولمّا اِستحالت اِستفادته من علاقته معها فقد أعلن طلاقا بين الجانبين عسى أن يكون لذلك صدى لدى بعض المنتظرين.. الّذين ينتظرون أن ينفضّ الجمع.. فينغرزون…

يبدو أنّ الرّئيس كان يتّكئ على حركة النّهضة لتوسيع سلطاته الّتي حدّدها الدّستور.. نعم لقد كان الرّئيس مستفيدا من توافقه مع النّهضة يستعملها في تحرير اِستطاعته التّنفيذية حتّى اللّحظة الّتي وصل فيها حزب نداء تونس إلى هذا المستوى من التّنازع بين قياداته.. وبعد أن صار رأس الحكومة مطلوبا بشكل يهدّد الاِستقرار النّسبي، الّذي عليه البلاد رغم الأزمة الاِقتصادية الخانقة، وبعد وقوف النّهضة جنبَ الشّاهد في ما يبدو في ظاهره معركة بين خصمين من حزب واحد لا ناقة للنّهضة فيها ولا جمل، وهو في الحقيقة معركة بين جهتين إن هي اِستمرّت يمكن أن تقوّض الاِستقرار الهشّ الّذي تعيشه بلادنا في محيط مضطرب ينتظر أعواد الثّقاب..

قلت: بعد كلّ ذلك وجد رئيس الدّولة نفسه غير مستفيد من اِستمرار توافقه من النّهضة فأعلن عن نهاية الصّفقة.. نعم لقد كانت صفقة ولم ترق إلى توافق وطني يحدّ من اِتّساع التصدّع السّياسي في وطن لا يزال يبحث عن الميزان…
بدا كما لو أنّ رئيس الدّولة ظلّ في المدّة المنقضية يراود حركة النّهضة على التخلّي عن الشّاهد ويستدرجها إلى الاِنحياز إلى صفّ الباجي الاِبن وهي القادرة على حسم المعركة بينهما تحت قبّة البرلمان لو شاءت.. ولمّا لم تستجب الحركة للضّغوط/ الشّروط المملاة من الرّئاسة أُظهرت على صورة من يتخلّى إراديا عن التّوافق مع الرّئيس..
وليس يخفى التّهديد الضّمني في ثنايا تصريحات الرّئيس للنّهضة بسلبها جميع اِعترافاته السّابقة بها وسحب إجازاته منها وتركها للعراء..
لقد فقد رئيس الجمهورية كلّ قوّته ولم يبق له من سلطاته غير سلطة قوليّة تنتهي عند تهديد النّهضة بزوال نعمته عنها…
لا أظنّ أنّ الباجي الأب قد بقيت له أضراس ليُعْمِلَها في المستقبل.. لقد اِنتهى عمره السّياسي الاِفتراضي أطال الله عمره الواقعي…
لقد كانت محاوِرَتُهُ “باهية في الواحد ضعيفة في السّياسة” أمّا هو فلا واحد له ولا سياسة…
الباجي صار ماضيًا..
لقد نفد الرّصيد..
الرّجاء عدم الإلحاح في إعادة شحنه…