أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / “الاِقتصاد السّياسيّ للفساد”

“الاِقتصاد السّياسيّ للفساد”

Spread the love
الأستاذ فوزي الشّعباني

الأستاذ فوزي الشّعباني

ننشر كلمة الأستاذ فوزي الشّعباني، رئيس الجمعيّة التّونسيّة لعدول الخزينة وعضو الهيئة التّنفيذيّة للمرصد التّونسي لاِستقلال القضاء، بمناسبة اليوم الوطني لاِستقلال القضاء بتاريخ 26 مارس 2017:

السّيّد الرّئيس، الحضور الكريم
تفتّق عقل السّلطتين التّنفيذيّة زمن المؤقّت والتّشريعيّة أيّام التّأسيسي على اِستراتيجيّة إضعاف السّلطة القضائيّة درءا لما أسمياه خطر “حكومة القضاة” (Gouvernement des Juges). ومن آخر صور الإضعاف أزمة المجلس الأعلى للقضاء أو بالأحرى تأزيمه، وهو بعض فسادِ نظامٍ سياسيٍّ لم يجد بعدُ توازنه ويُراد له العودة قبل اِستكمال برلمانيّةٍ مَا إلى نظام رئاسويّ، وكلّنا سمع من تسريبات اِجتماع قيادة الحزب الحاكم رغبة تجعل من هكذا نظام قبلة ومحرابا. فساد نظام لا يمكنه التّمدّد والتّعمّق بحضور سلطة قضائيّة مستقلّة عن الأحزاب وتحالفاتها وغير مستقيلة عن الحقّ.

وجود سلطة عادلة نذير شؤم على رؤية في السّياسة لا تؤمن حقيقة بالفصل بين السّلطات وتوازنها. وتتنزّل المبادرة التّشريعيّة الحكوميّة المنقّحة للقانون الأساسيّ عدد 34 لسنة 2016 المؤرّخ في 28 أفريل 2016 المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء في هكذا مناخ نراه في تحصين دعوة رئيس مجلس نوّاب الشّعب بجعلها غير قابلة للطّعن بدعوى تجاوز السّلطة. وهي المسألة الأخطر بزعمنا في الرّاشح من الأزمة الحاليّة لأنّها ستشكّل سابقة خطرة تفتح الباب على مصراعيه أمام تحصين قرارات إداريّة أخرى من الطّعن أمام القضاء الإداريّ على نحو الأوامر الحكوميّة والرّئاسيّة. وهو تقهقر إلى ما قبل 15 سنة كاملة حيث كانت الأوامر التّرتيبيّة محصّنة إلى حدود 4 فيفري 2002 تاريخ حذف الفقرة 2 من الفصل 3 من القانون الأساسيّ المتعلّق بالمحكمة الإداريّة. مسألة نعدّها عقبةً كأداءَ تُطلق يد السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة وتهدّد إرساء قيم العدالة بإقصاء تحكيم القضاء.

تدلّل المبادرة التّشريعيّة المقدّمة من السّلطة التّنفيذيّة لتنقيح قانون المجلس الأعلى للقضاء على عودة “فنّيي الإكساء”، “تصميما” و”فصالة” و”خياطة” (styliste, modéliste et couturier) في المجال القانونيّ لإكساء القرار السّياسيّ التّنفيذيّ لبوس التّشريع القانونيّ، وهنا خطورة العودة إلى مبادرة على المقاس (Sur mesure) تفرغ القانون من حقّانيته والمؤسّسات من تمثيليتها في عودة لبعض مناخات حكم ما قبل 14 جانفي.
السّيّد الرّئيس، الحضور الكريم
تقوم الثّورات ضدّ عموم “الميل” تحقيقا لخصوص “العدل”. فالعدل استواءٌ مُرمّزٌ بتوازن كفّتي الميزان. ولأنّ “الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ”، نستنتج من أعمال ما زالت بعد الثّورة منخرطة في براديغم “الميل” أنّ نيّات عميقة كانت مخبّأة خلف وعود زائفة. فقد تبيّن أنّ معارضي ما قبل الثّورة حكّامَ ما بعدها كالشّعراء “فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ”. ولا نجد توصيفا أبلغ ممّا روى أبو الفرج الأصفهاني في “مَقاتل الطّالبين” من أنّ التّابعيّ الزّاهد الثّوريّ بشير الرّحّال قال معرّضا بأبي جعفر المنصور بعد زمن من الثّورة العبّاسيّة: “أَيُّهَا القَائِلُ بِالأَمْسِ: إِنْ وُلِّينَا عَدَلْنَا، وَفَعَلْنَا وَصَنَعْنَا، فَقَدْ وُلِّيتَ فَأَيُّ عَدْلٍ أَظْهَرْتَ؟ وَأَيُّ جَوْرٍ أَزَلْتَ وَأَيُّ مَظْلُومٍ أَنْصَفْتَ؟ آهٍ مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ!” سنون مرّت وما اِعتدلت كفّتا الميزان، ما يؤشّر على تواصل خراب العمرانِ، العدلُ أساسُه، ومن ثمّة لا نستبين صلاحا مستجدّا واضحا وجريئا وإنّما نشهد تواصل تواري سداد الاِعتدال ونشاهد فشوّ فساد الاِختلال. حالة من “الاِقتصاد السّياسيّ للفساد” تبيّن أنّ “إمبراطوريّة الفساد” أقوى وأوسع وأعمق من “جمهوريّة الصّلاح”. الفساد لغة العطب وعدم الاِنتظام، وواقعا هو غير معطوب بل وأمسى منظّما، فالفساد من هذه الزّاوية غير فاسد! ومقاومته ضرب من “الجنون” وضريبته اِتّهاما به. ولا أدلّ على ذلك ما شهدنا أواخر 2016 وعلى خلفيّة اِدّعاء اِكتشاف ملفّات فساد تمّ إيواء المستشارة المساعدة حسيبة حقّي مستشفى الرّازي للأمراض العقليّة.

الوصم بالجنون بعض تكنولوجيا السّلطة الهادفة إلى السّيطرة والهيمنة. فاتّهام عاقل بالخبل تعذيب له لا فقط لحجزه بل للتّشهير بفقده أحد أهمّ شروط إنسانيّته باِعتبار “الإنسان كائنا عاقلا”. إنّ في التّحييد بتدابير اِحترازيّة اِستشفائيّة حؤول بين النّاطق وعقله من جهة وتقويم عقله ليحسن نطقه إذ “ليس كلّ ما في البال يقال”، فقط يقال المسموح به. فهكذا “لطف عقابيّ” تقنية من تقنيات السّلطة توظّفه في “الاِقتصاد السّياسي للجسد” اِبتغاء إنتاج “قيمة” الصّمت و”فائض قيمة” المدح. التّعبير الشاقّ عصا الطّاعة جنون باعتباره تحدّ لـ”عقل السّيستام”، فالجِنُّ من معانيه العنفوان وهو الإقدام والصّمود في مقابل الإمّعة والقعود. والجنون سلطة تحدّ من سلطة العقل في تأويلٍ لمقولة مونتسكيو: “السّلطة تحدّ السّلطة” في “روح القوانين”. الجنون هو “أنا الأعلى”(Le Surmoi) ، ضميرنا المضاد لـ”هو” (Le Ça) سلطة سكرى بشهوانيّة تحالفاتها وأغلبيّتها. إنّ للجنون معقوليّة على الطّرف النّقيض من معقوليّة العقل، معقوليّة جنون الاِستقلاليين هي “الحق” (Droit) المتوقّع، ومعقوليّة عقل الموالين هي “الحقيقة” (Réalité) الواقعة. وعقل السّلطة يبتغي الوقيعة حين يجرّد الجنون من كلّ معقوليّة فيَصِمُ صحبه بـ”الصّيد في الماء العكر” و”التّطرّف” و”التّعطيل”. فبشرى للمتّهمين هنا بـ”التّعطيل” اِنتصارهم للحقّ لأجل العدل وطوبى لكم يا “ضميرنا”. منذ يومين في 24 مارس قال رئيس الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد الأستاذ شوقي الطّبيب خلال مشاركته في ندوة نظّمها اِتّحاد قضاة محكمة المحاسبات حول “دور القضاء المالي في تدعيم الحوكمة المحليّة”: “إنّ هناك إرادة سياسيّة منذ عشرات السّنين لمنع القضاء وكلّ سلطة من محاربة الفساد ويتواصل ذلك إلى الآن”، كلام بهذا الوضوح وتحدّ كالّذي نحن فيه واجب لأنّ “السَّاكِتَ عَنْ الحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسٌ”. وما بين الجنون والشّيطنة لا خيار، إذ للأوّل ننحاز ونرى جنون الكلام ملاذنا حتّى لا نُجنّ بالصّمت وندجّن بالمدح.
السّيّد الرّئيس، الحضور الكريم
في آخر “جنون” رائعة الفاضل الجعايبي المسرحيّة قرأت جليلة بكار قصيدة “كلمات” لمنوّر صمادح، نزيل الرّازي وناظمها فيه، ومنها: “…فَتَكَلَّـمْ وَتَأَلَّمْ وَلْتَمُتْ فِي الكَلِمَاتْ…”. الصّمت والإخراس بعض ترهّل قيم الثّورة وخيانة نخب حاكمة لوعودها. إبّان عشريّة الجمر بالجزائر وفي مثل هذا اليوم، 26 مارس من سنة 1993، اُغتيل الصّحفي والكاتب الطّاهر جعوت القائل بشموخ:     “Si tu parles tu meurs, si tu te tais tu meurs, Alors dis et meurs”، فبورك في جنون لفيف ما زال صامدا لأجل الحقّ والعدل.
والسّلام