أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الاِستقطاب أسلم التّكتيكات الاِنتخابية

الاِستقطاب أسلم التّكتيكات الاِنتخابية

Spread the love

أرشيفيّة

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

بالتّحليل السّياسي البارد وبعيدا عن المبادئ والنّظريات أو المقاربات الأيديولوجية يمكن اِعتبار إعلان الباجي قايد السّبسي نهاية توافقه مع النّهضة تحريكة ذكيّة لقطعه على رقعة الشّطرنج السّياسية التّونسية.

يعرف الرّئيس أنّ “التّوافق” مع “الشّيخ” منذ 2013 وصولا إلى ما بعد 2014 كان حاجة لأطراف عديدة ليس هو أكثر المحتاجين إليه. يدرك جيّدا أنّ حوار باريس ثمّ القبول بالحكم مع النّهضة كان طلبا دوليّا لأطراف راعية “للنّموذج التّونسي” الّذي لا تريد له الاِنتهاء إلى الوضع المصري الفاقد لجاذبيّة الصّمود والعاجز عن تحقيق الاِستقرار المطلوب لتجربة “ربيع وظيفيّ” أريد له أن يكون ترتيبا لوضع عربيّ تحكمه “منظومات ديمقراطية ناعمة” تتجاوز ترهّل النّظم الاِستبدادية دون أن تذهب إلى تغييرات جذريّة تلامس تخوم التحرّر الوطني النّاجز من الهيمنة الغربيّة وتكون سدّا منيعا في مواجهة تحوّلات عربيّة دراماتيكية ذات أفق “مقاوم”.

ويدرك الباجي أنّ قيادات عديدة في النّهضة وطيفا واسعا من الرّعاة الدّوليين يعلمون أنّ التّوافق لا يكون فعّالا ووظيفيّا إلاّ إذا كان بين “الإسلاميّين” و”الدّولة/ القديمة” وأنّ الدّولة/ المنظومة لم يمثّلها رمزيّا إلاّ الباجي زعيما “للمعارضة المدنيّة” سابقا وللدّولة لاحقا. وبهذا المعنى فلا “أمان” يريده “الإسلاميّون” الرّاغبون في الاِندماج في الدّولة ولا اِندماج يقتنع به ويحقّقه لهم “الرّعاة” إلاّ بالتّوافق مع “الباجي” لا مع “القصبة” مهما كان ساكنها.

اِرتباك النّهضة والاِضطراب المؤقّت “للباجي” قبل أن يحسم الأمر في حواره الأخير كان مردّه “غموض” موقف القوى الرّاعية للتّوافق من يوسف الشّاهد. إذ ساد اِنطباع لم تتوضّح حقيقته إلى الآن أنّ “المسؤول الكبير” على الاِنتقال التّونسي قد يكون قرّر إعداد الشّاهد ممثّلا قادما للدّولة/ المنظومة ليكون توافق النّهضة معه كما ساد الاِنطباع أنّ المسؤول الكبير قد قرّر “إنهاء الباجي” في سياق قلق من اِنحراف “المنظومة المرسكلة” إلى نفس سلبيّات المنظومة النّوفمبرية الّتي تحوّلت عبئا على الرّعاة بتحوّلها إلى حكم عائلي عاجز عن الأداء والإنجاز وبعض الإصلاح الضّامن للاِستقرار.

التّجويق الإعلامي والصّعود الغريب للشّاهد وبعض رسائل الإعجاب من دوائر الكفالة الدّولية جعلت “شيخ النّهضة” يحسم أمره بسرعة الجفوة مع “شيخ قرطاج” وقد كانت سرعة الغنّوشي في تغيير الاِصطفاف مفاجئة حتّى لقيادات وازنة في النّهضة لا تقدّر الموقف من نفس هذه الزّاوية.

تحريكة الباجي الأخيرة لقطعه قامت على رسائل حاسمة تدرك أنّ “اللعبة” لم تحسم كما يتوهّم “الشّيخ” الّذي سارع “بنفض يده منه”.

كانت رسائله للدّاخل والخارج قائمة على نصوص وأنغام متنوّعة.. أوّلها إعلان تمسّكه بالمسار الدّيمقراطي ودحض فكرة التّوريث العائلي التّي يتوجّس منها “الرّاعي الدّيمقراطي”.. وثانيها التّأكيد على وعيه “بالتدخّل الخارجي” في نفخ صورة الشّاهد مع إشارة ذكيّة إلى أنّ ما يقرّره هذا الخارج ليس قدرا لأنّ أوراقه كثيرة في إعادة اِستقطاب لا يضمن “الاِستقرار المطلوب دوليّا لتونس” بالزّيجة الجديدة بين الشّاهد والنّهضة، فقد أشار إلى أنّ الاِتّحاد أكبر المنظّمات الوطنية لا يبارك هذه الزّيجة فضلا عن باقي “القوى” المستعدّة دائما للاِستقطاب مع النّهضة. كما كانت إشاراته واضحة إلى ما يملكه من حزام “نخبوي” ليكون مركزا يجعل التّوافق المخطّط له بين “الشّاب” و”الشّيخ النّهضاوي” أضعف من أن يكون هو التّوافق “السّمين” والضّامن للاِستقرار المطلوب الّذي جسّده توافق “شيخين”.

الرّسالة الأبرز كانت جعل “الطّلاق” من جهة النّهضة لا بسبب أخطاء “الاِبن البيولوجي” بل بسبب “غدرها” به بسبب وقوفها مع “عقوق الاِبن السّياسي” وفي ذلك رسالة للرّاعي الدّولي وحتّى للفاعل الدّاخلي بأنّ “الشّيخ الصّديق” لا يؤتمن جانبه في سرعة ترك “الحليف” بمجرّد أن يظهر عليه “ضعف مؤقّت” حين يبدو أنّه “أسير” نتيجة تضافر الخصوم عليه وهذه صورة غير “جدّية” تجعل “الشّيخ النّهضاوي” مجرّد “توافقي يتكتك بالتّوافق” حسب المصلحة الحزبية لا الوطنية تذكيرا بالشّعار المركزي لـ”قعدة” باريس والّذي كان بالعبارة الفرنسية الّتي تقوم على قلب الحروف ليستقيم المعنى “الوطن قبل الأحزاب”.

هذه التّحريكة الأخيرة سرعان ما آتت بعض أكلها بظهور التّصريحات منذ السّاعات الأولى بعد الحوار من قيادات نهضاوية “تتمسّك بالتّوافق” مع “الرّئيس” وتحدّد سقف “العودة” الّذي وضعه صاحب الحوار نفسه: الشّاهد رئيس حكومة إن أراد لكن بلا طموح اِنتخابي ولا شريك غير “النّداء” كما بني أوّلا وكما ستتمّ إعادة قوّته “سبسيّا” والسّيوف في أغمادها… ننتظر ونرى.