أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الاِستثمار السّعودي الملتبس في تونس

الاِستثمار السّعودي الملتبس في تونس

Spread the love

 

نشر مركز كارنيغي للبحوث ورقة بحثية علی موقعه تحت عنوان Saudi Arabia’s Uncertain Investment in Tunisia تحدّث فيها عن تطوّر العلاقات بين تونس والرّياض الّتي شهدت دينامية مطّردة في الفترة الأخيرة، وخاصّة بعد زيارة وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان إلی تونس والحفاوة الّتي لقيها من الرّئيس التّونسي وتوسيمه بوشاح الشّرف وهو أعلی أوسمة البلاد… نصّ الوثيقة:

على الرّغم من أنّ القيادة التّونسية تتقرّب، على ما يبدو، من السّعودية في مرحلة حسّاسة بالنّسبة إلى المملكة، إلاّ أنّه ليس بإمكان الرّياض أن تعوِّل على ولائها.

عندما وصل وليّ العهد السّعودي الأمير محمّد بن سلمان إلى العاصمة تونس في 27 تشرين نوفمبر، اِستقبله الرّئيس التّونسي الباجي قائد السّبسي بحفاوة شديدة، وأقام حفلا كبيرا على شرفه في القصر الرّئاسي. حتّى إنّه منح الأمير السّعودي وشاح الجمهورية الأكبر، وهو وسام الشّرف الأعلى في تونس. وأدلى بن سلمان، بدوره، بتصريح موجز لعدد من وسائل الإعلام الّتي كانت حاضرة في الحفل، مشدّدا على أنّه لطالما جمعت بين الرّياض وتونس “علاقات إيجابيّة”، وعلى أنّ السّبسي أشبه بـ”الأب”. كانت تونس واحدا من العديد من البلدان “الصّديقة” الّتي زارها وليّ العهد السّعودي خلال “جولة العودة” الّتي اِمتدّت لأسبوعين، وهي أوّل رحلة يقوم بها بن سلمان إلى الخارج منذ مقتل الصّحافي السّعودي جمال خاشقجي في الثّاني من أكتوبر الماضي. وقد عرض بن سلمان، الّذي تُوجَّه إليه أصابع الاِتّهام بإصدار الأوامر بقتل خاشقجي، حوافز ماليّة على البلدان الّتي شملتها جولته، في خطوةٍ رأى فيها المراقبون مسعى للتطلّع أبعد من تورّطه المزعوم في الجريمة.

في الشّكل، ربّما يؤشّر اِحتضان السّبسي راهنا لبن سلمان، إلى علاقات إيجابية بين الرّياض وتونس، وهو اِنطباع ساهمت في تعزيزه الزّيارة الّتي قام بها رئيس الوزراء التّونسي يوسف الشّاهد إلى الرّياض في 13 ديسمبر بناءً على دعوة من وليّ العهد. في الواقع، تعتبر السّعودية أنّ مصالحها في تونس– تحديدا كبح تأثير الإسلام السّياسي– ظلّت ثابتة طوال عقود. لكن في الأعوام الأخيرة، كان لاِصطفافات القادة التّونسيين إلى جانب الكتل الإقليمية الدّاعمة لصعود الإسلام السّياسي، بما في ذلك الإخوان المسلمون والتيّارات المشابهة، أو المناهِضة له، تأثيرها على هذه العلاقة.

حتّى قبل ظهور المخاوف المتزايدة بشأن صعود الإسلام السّياسي، لطالما أثّرت الأمزجة السّياسية لتونس في التّبادل الدّبلوماسي بينها وبين الرّياض. اُستؤنفت العلاقات الرّسمية بين الرّياض وتونس في العام 2003 بعد خلاف اِستمر لفترة طويلة على خلفيّة دعم الرّئيس زين العابدين بن علي للرّئيس العراقي صدّام حسين خلال حرب الخليج الأولى، في خطوة كانت بمثابة إدانة دبلوماسية للأجندة السّعودية. وبعد هذا التّقارب، شهدت العلاقة مزيدا من التقلّبات. وفي أعقاب إطاحة بن علي في العام 2011، سعى معسكران في المنطقة– تركي-قطري وسعودي-إماراتي، لكلّ منهما مصالحه الجيوسياسية وتطلّعاته الأيديولوجية المختلفة عن المعسكر الآخر– إلى التّأثير في السّياسة التّونسية. واِمتدّ التّنافس على النّفوذ بين الكتلتين في مختلف أنحاء المنطقة في إطار خصومةٍ تصاعدت حدّتها وصولا إلى فرض الحصار على قطر والّذي يستمرّ منذ العام 2017. لقد دعّمت قطر وتركيا حركة النّهضة، وهي الحزب الإسلامي الأساسي في البلاد، والّتي تأثّرت في الأصل بجماعة الإخوان المسلمين؛ ولا يزال صعودها خلال المرحلة الاِنتقالية في تونس مدعاة قلق للسّعودية والإمارات. وقد عكست السّياسات الخارجية والدّاخلية التّونسية هذا التصدّع في الأعوام السّبعة الماضية، فكانت تميل لصالح كتلة أو أخرى، بحسب الحزب الّذي يحكم قبضته بصورة أكبر على السّلطة.

لقد أدّت الدّينامية بين نداء تونس بقيادة السّبسي وحركة النّهضة إلى اِهتزاز العلاقات بين الرّياض وتونس في الأعوام الأخيرة، لكنّها ساهمت أيضا في توجيهها. في العام 2014، شكّل نداء تونس الّذي ترشّح اِنطلاقا من برنامج مناهض للإسلاميّين حصل على الدّعم من السّعوديين والإماراتيين، حكومة اِئتلافية براغماتية مع النّهضة، ما أدّى إلى تشنّجٍ في العلاقات مع المملكة والإمارات. وفي واقعة غريبة تسبّبت بأزمة دبلوماسية بين ديسمبر 2017 وجانفي 2018، منعت شركة طيران الإمارات المملوكة من الدّولة الشابّات التّونسيات من السّفر على متن رحلاتها، الأمر الّذي رأى فيه محلّلون كثر مؤشّرا عن اِستياء من جانب أبو ظبي.

يجب أن يُقرأ التّقارب الأخير بين تونس والسّعودية، بما في ذلك الحفاوة الشّديدة الّتي استُقبِل بها بن سلمان، على ضوء “الطّلاق” بين نداء تونس والنّهضة في سبتمبر، والأزمة المستفحلة داخل حزب نداء تونس. ففيما يجد السّبسي أنّ الأرضية السّياسية تزداد اِهتزازا تحت قدمَيه يوما بعد يوم، غالب الظنّ أنّ الحصول على الدّعم من حليف إقليمي بات أمرا أكثر جاذبية. قال الشّاهد للمراسلين، بعد الزّيارة الّتي قام بها مؤخّرا إلى الرّياض واِستمرّت ثلاثة أيّام، إنّ المملكة تعهّدت بتقديم نحو 830 مليون دولار– بما في ذلك حوالي 500 مليون دولار لتحقيق توازن في الموازنة، و120 مليون دولار للمشاريع الزّراعية– مضخِّما بذلك الأرقام السّابقة الّتي جرى تداولها بعد اِنتهاء زيارة بن سلمان إلى تونس. وقد شكّلت زيارة الشّاهد إلى السّعودية مفاجأة لعدد كبير من المراقبين التّونسيين، فرئيس الوزراء في خلاف مع حزب نداء تونس الّذي كان ينتمي إليه سابقا، وهو يحظى الآن بالدّعم من النّهضة. لقد أثار توجيه المملكة دعوة إلى خصم السّبسي الجديد لزيارتها بعد الدّعم الّذي أظهره الرّئيس التّونسي لبن سلمان، أسئلة عن مستقبل الاِنخراط السّعودي مع تونس– وعن الحزب المحلّي الّذي هو المستفيد الأكبر من دعم المملكة.

يؤدّي عاملان مهمّان آخران دورا في العلاقات التّونسية- السّعودية، وهما السياسة الدّفاعية في تونس والتحدّيات المالية الّتي تواجهها البلاد. في العامين 2013 و2014، وقّعت الحكومة بقيادة النّهضة اِتّفاقات أمنية مع تركيا وقطر. لقد سعى السّبسي، الّذي يُمسك بزمام السّياستين الدّفاعية والخارجية، إلى توطيد العلاقات مع الرّياض منذ تسلّمه سدّة الرّئاسة في العام 2014 .1 وفي العام 2016، عزّزت تونس تعاونها العسكري مع السّعودية. ثمّ في مطلع أكتوبر الماضي– بعد أيّام من مقتل خاشقجي– نفّذت تونس تدريباتها الجوّية العسكرية الأولى مع سلاح الجوّ السّعودي. حتّى إنّ موقف السّبسي طبعَ الردّ التّونسي الرّسمي على مقتل الصّحافي السّعودي. فعلى الرّغم من أنّ وزير الخارجية التّونسي خميس الجهيناوي وصف مقتل خاشقجي بأنّه “جريمة شنيعة”، وطالب بتحقيق لكشف “الحقيقة”، إلاّ أنّه أشار أيضا إلى اِلتزام تونس إلى جانب الرّياض، وحذّر من مغبّة “اِستغلال” المسألة لزعزعة الاِستقرار في المملكة.

فضلا عن ذلك، تتحوّل الأوضاع المالية في تونس، بصورة متزايدة، إلى عامل محرّك في سياستها الخارجية. تحتاج تونس إلى الاِستثمارات السّعودية، فالبطالة المرتفعة، والإضرابات المتكرّرة، والأزمات السّياسية تسبّبت بتعطيل النموّ الاِقتصادي، ناهيك عن سلسلة الهجمات الإرهابية الّتي سدّدت ضربة قويّة للقطاع السّياحي. في العام 2016، تعهّدت السّعودية بتقديم مساعدات قدرها 850 مليون دولار خلال مؤتمر “تونس 2020″، ووقّعت الدّولتان ثمانية اِتّفاقات إضافية في العام 2017، مع العلم بأنّه ليست هناك أرقام واضحة عن قيمة المبالغ الّتي سُدِّدت حتّى الآن. في أعقاب زيارة بن سلمان الأخيرة إلى تونس، تحدّثت تقارير عدّة غير مؤكّدة عن موافقته على منح تونس قروضا بقيمة 500 مليون دولار مع أسعار فوائد تفضيليّة.

لكن في المقابل، لم تحصل السّعودية على الدّعم السّياسي الّذي أرادت من تونس أن تُقدّمه لها في مسائل أساسية في السّياسة الخارجية. فقد حافظت تونس على حيادها في موضوع الخلاف مع قطر، ووجّه أعضاء حكومة الوحدة الوطنية دعوةً إلى الحوار بين جميع الأفرقاء لتجاوز الأزمة. واقع الحال هو أنّ قطر هي أيضا من كبار المانحين لتونس، عبر التعهّد بتقديم مبلغ يصل إلى 1.25 مليار دولار خلال مؤتمر “تونس 2020” في نوفمبر 2016، وهو رقم أعلى بكثير من التعهّد السّعودي. كذلك، عندما أطلقت السّعودية تدخّلا لمجلس التّعاون الخليجي في اليمن في مارس 2015، دعت وزارة الخارجية التّونسية في البداية إلى التوصّل إلى “حلّ عربي” عن طريق الحوار، لكنّها خفّفت من لهجتها الاِنتقادية عبر القول بأنّها “تتفهّم” الدّوافع السّعودية وراء التدخّل. ومنذ ذلك الوقت، عبّرت تونس عن الموقف نفسه الدّاعِم بطريقة معتدلة.

يبقى الدّعم السّعودي لتونس ضئيلا بالمقارنة مع المبالغ الّتي يُقدّمها، مثلا، الاِتّحاد الأوروبي وأعضاؤه. ولطالما منحت السّعودية مبالغ أكبر لمصر، على سبيل المثال، فهي تعتبرها حليفا قويّا على المستوى الإقليمي وأكثر اِستراتيجية إلى حدّ كبير. بيد أنّ الاِقتصاد الضّعيف قد يدفع بتونس إلى التقرّب من الرّياض أكثر من أيّ وقت مضى. وتُشكّل التطوّرات الّتي قد تطرأ في مجال التّعاون الدّفاعي بين البلدين مؤشّرا أساسيّا عن المنحى الّذي ستسلكه المقاربة السّعودية، والتّعاطي التّونسي معها. ومن العوامل الأخرى الّتي ستطبع العلاقة بين البلدين الاِنتخابات الرّئاسية والبرلمانية في العام 2019: فمع تداعي الحزب الأساسي في تونس– والذي يُعتبَر الحليف الأكبر للسّعودية في البلاد– قد تسفر الاِنتخابات عن ظهور اِئتلاف حاكم جديد. ومن شأن ذلك أن يؤدّي، على الأرجح، إلى اِنعطافة جديدة في الموقف التّونسي من المملكة.

للاِطّلاع على النصّ الأصلي للبحث، اُنقر هنا: https://carnegieendowment.org/sada/78005?lang=ar