أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الإنتقال من الإستعمار التقليدي إلى الإستعمار النخبوي

الإنتقال من الإستعمار التقليدي إلى الإستعمار النخبوي

Spread the love

الحرب

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

نحن الآن في القرن 21 وبعد التحرّر من الاِستعمار التّقليدي، أمام اِستعمار جديد، اِستعمار نخبوي. لا يتعلّق الأمر بتكديس جيوش العدوّ على الأرض المستعمرة بقدر ما يتعلّق باِستعمار عقول القادة الّذين يتحوّلون إلى دمى فاقدة للحسّ والإرادة والقدرة على الاِختيار.

إنّ صرف اِنتباه الشّعوب إلى المخاطر الّتي تحيق بالدّول، أصبح مخرجه الوحيد هو الاِنتقال إلى شنّ الحرب، سواء تعلّق الأمر بالحرب الكلاسيكية بين الدّول، أو بالحرب الدّاخلية، حيث تشنّ الدّولة أو النّظام حربا على الشّعب بالقمع والتّرهيب والتّفقير. وهي الحرب الّتي دمّرت الإتّحاد السّوفياتي سابقا، كما عملت على تشويه صورة الدّولة في بعض الدّول العربية. مع العلم أنّ الحرب الّتي تدار في سوريا اليوم هي حرب تدخل فيما يسمّى بالجيل الرّابع من الحروب.

إنّ اِنتقال التّفكير النّظامي في الدّول العربية خاصّة، من التّفكير التّقليدي، إلى التّفكير الإستراتيجي كان بإمكانه أن يجنّب الدّول العربية من مخاطر الحروب القاتلة والمدمّرة. غير أنّ التّفكير المنمّط لمعظم القادة العرب، وهو تفكير محنّط بطبيعته، عاجز عن الاِنتقال إلى مستوى التّفكير الإستراتيجي. حيث رقعة الشّطرنج منفتحة على أكثر من حركة قبل إسقاط الملك. وما دامت الأنظمة العربية تعيش على مستوى التّفكير الإستراتيجي اِنحسارا فظيعا، فإنّ حروبا أخرى تنتظر أكثر من دولة. فمفهوم السّيادة منعدم لدى قادة هذه الدّول، ماداموا منبطحين لأوامر القوى العظمى ولإستراتيجيّاتها الاِستعمارية الجديدة، الّتي ترتكز أساسا على اِستنزاف خيرات ومقدرات الدّول، واستمالة عقول حكّامها، وربطها ربطا مباشرا بمصالحها الإقتصادية والمالية المباشرة.

لايزال العالم العربي يعيش في زمن الخرافة، والخرافة في تعريفها الإبستمولوجي قصّة يمكن تخيّلها، لكن لا يمكن توقّعها، غير أنّ قراءة بنية الخرافة من الدّاخل يحوّل غير الممكن إلى واقع، ويشكّل منها حدثا تخييليا يعيشه المشبع بالخيالات كحالة مادّية، لا يتحسّس مادّيتها إلاّ هو، وهنا يمكن أن نعدّد كمّ المواطن العربي الّذي يعيش هذه الحالة الخرافية.

فالحروب لا تنشأ صدفة أو من أجل المتعة، بالنّسبة لمن يخوضها، لكنّها تنشأ عبر تصميم وإرادة من أجل المتعة بالنّسبة لمن يخطّطون لها. وهنا لا أتحدّث عن العرب بتاتا، فالعرب منذ زمن بعيد لم يدخلوا حروبا بإرادتهم، بل كلّ الحروب الّتي دخلوها منذ الحرب العالمية الثّانية، كانت حروبا بالإيعاز وبالوكالة. وهذا هو السّبب الأساس الّذي جعل العرب يخرجون من كلّ حروبهم الحديثة منهزمين، من النّكبة إلى النّكسة ثمّ الاِحتلال وأخيرا الدّمار والاِنهيار…، لأنّهم لم يخوضوا حروبهم بقدر ما خاضوا حروب غيرهم. والحرب الوحيدة الّتي دخلوها فعليّا كانت حربا جزئية لشعب بسيط تكالبت عليه جميع قوى العالم -فلسطين-؛ بما في ذلك الاِتّحاد السّوفياتي السّابق الّذي تمّ خداعه من قبل المجموعة الصّهيونية الّتي سرعان ما أدارت له ظهرها، بمجرّد ما تمّ الإقرار لها من قبل عصبة المنتظم الدّولي -الأمم المتّحدة- بأحقّية إنشاء دولة لها فوق أرض عربية، هي أرض فلسطين. إنّ قرار الدّخول في حرب أو شنّها لم يعد قرارا يعتمد على عدد الجيوش ونوعية الأسلحة المدّخرة، بل إنّه يعود اليوم إلى طبيعة وحجم الخسائر الّتي يمكن أن يتكبّدها البلد. من هنا نرى أنّ الدّول الّتي تدخل الحروب في العالم العربي خاصّة، هي دول يتّسم مزاج قادتها حسب تعبير رتشارد .ن. إيدوين بالتهوّر أو حسب نفس الكاتب ” المزاج غير الواعي ” الّذي يطبع عقل وتفكير قادة تلك الدّول. فهي بالإضافة إلى كونها تحكم بلا شرعيّة شعبية وبلا مؤسّسات دستورية، فإنّها تعتمد على نسبة الجهل الكبير الّذي يعمّ شعوبها، وعلى نوع من التّكليف الإلهي في تدبير شؤون تلك الشّعوب أو نوع من الأبوية كما يقول الرّئيس المصري الرّاحل السّادات لشعبه “العيلة” أو “يا ولادي” باللّهجة المصرية، وعلى متوالية من العقود القهرية والإستبداية. ممّا يفسّر عقم تلك الشّعوب على مستويات عديدة، وأشدّها مستوى التّعبير. فهي تعجز أن تعبّر عن رأيها الرّافض لخوض حرب ما، وهذا ما أثبتته الحرب القذرة الّتي شنّتها المملكة السّعودية مع حلفائها الضّعاف على بلد فقير ومستكين وضعيف هو اليمن ومحاولة نقل الصّراع إلى خارج أراضيها، أو كذلك إيران وروسيا ضدّ الشّعب السّوري الّذي طلب الحرّية فكان جزاؤه الدّمار، أو ما فعله القذّافي بشعبه وما يفعلة الآن بشّار بسوريا ببلده كما ذكرنا سابقا بتحالف مع إيران و سوريا. فرغم أنّ هذه الحرب تبدو على الورق محسومة سلفا بالنّظر إلى موازين القوى وإلى الدّول الدّاعمة، مثل الولايات المتّحدة الأمريكية، وروسيا، فإنّ الواقع أظهر عكس ذلك، حيث اِستمات الحوثيّون وأتباع الرّئيس المخلوع صالح اِستماتة أسطورية، وصمدت عدّة مدن سورية صمود الأبطال. وهذا ما يفسّر منطقا آخر بخصوص قرار شنّ الحروب، وهو منطق حلفاء الظلّ، الّذين قد يظهرون بعد خفاء وتنكّر زمني محدّد. وربّما أميل إلى تعريف إيريك فروم للعنف حين ينظر إلى العنف باِعتباره أداة أو وسيلة وليس غاية، في حين أنّ ما نشاهده أمامنا أنّ العنف صار غاية وهدفا. بل أصبح نمط حياة بالنّسبة لبعض ما يسمّى القادة العرب. لكنّ التبصّر الدّقيق والتفحّص الميكروسكوبي ينقلنا توّا إلى النّظر لهؤلاء القادة وقد تحوّلوا أو برمجوا إلى أدوات ووسائل لإنتاج العنف. فالعنف منتوج ككلّ المنتوجات يتمّ تصنيعه في مختبرات ومصانع مكيّفة ومجهّزة بأحدث الأجهزة، ويخضع كغيره من المنتوجات للتّحسينات والتّطويرات، وقد يصير فاعل العنف نفسه منتوجا معروضا للاِستهلاك ولقوانين البيع والشّراء، كما حدث مع صدّام حسين والقذّافي وحسني مبارك وزين العابدين بن علي، وبشّار الأسد وصالح وقبلهم جمال عبد الناصر والقائمة تطول. بل إنّ كثيرا من ملوك ورؤساء الدّول العربية منتوجات اِستهلاكية لها ثمنها ومدّة صلاحيّتها.

فلسفيا فقد بحث المفكّرون في مسألة العنف منذ القديم، منذ الفلسفة اليونانية. حيث يرى هيراقليطيس اِستنادا إلى مفهوم الجدل أنّ العنف ضروري للعالم. ويرى أنّ الحرب هي أب كلّ شيء . لكنّ العنف في الفسلفة أو الفكر والإبستمولوجيا العربية والإسلامية هي ما أثبته القرآن الكريم من قصّة قابيل القاتل وأوّل كائن عنيف فوق وجه الأرض، وتعبيره عن صدمته وتعلّمه من درس الغراب، درس عظيم يؤول العنف في النّهاية إلى النّدم، وهي معادلة رياضية تفضي إلى ما دون الصّفر، مستوى أدنى من السّلبية. فالنّدم هو تمنّي إعادة الحدث إلى سابق عهده دون إتيان نفس الأخطاء. وبما أنّ الأحداث الكبرى كالقتل يستحيل تصحيحها فإنّ العودة على الجريمة يشكّل شكلا من أشكال العدمية. وقد تطوّر مفهوم العنف إلى مستوى التّفكير الفلسفي، بل إلى مستوى القواعد المنظّمة للسّلوك والعلاقات الإنسانية. حيث أنّ مقولة البقاء للأقوى تمّ نسفها من الدّاخل وتحريف مقاصدها العليا. فالقوّة كما تعلّمنا الإبستمولوجيا وصيرورة التّاريخ هي قوّة العقل، قوّة العلم، قوّة المعرفة.