أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الإحساس أضمن للعبقرية والسّعادة من عقل التّعقيد

الإحساس أضمن للعبقرية والسّعادة من عقل التّعقيد

Spread the love

الأستاذ الهذيلي منصر

يعيش المرء فترة من عمره منجذبا إلى المعقّد والتّعقيد. يبدو عالم الكبار عالم تعقيد بعين الطّفل والصبيّ. تماهيه مع الكبار يجعله يفرّط تدريجيا في البسيط التّلقائي المباشر. لا يفهم التّعقيد محنة وفتنة إلاّ ساعة يغزوه الشّيب ويفعل فيه. يكون منه حينها حنين إلى الطّفولة ومع حنين الطّفولة حنين إلى عالمها ولغتها ومفرداتها ومنهج إدراكها وتعرّفها على ما حولها.

البسيط هو الأصل وهو الأقرب إلى الفطرة وهو الأقرب إلى الطّبيعة وهو هندسة كونية. هناك معقّد جميل محبّب وهو ذلك المعقّد الّذي يكتشف البسيط الّذي فيه، ينتصر له ويبجّله. هناك معقّد مزهوّ فخور، كافر بالبسيط وكافر له. تجد من النّهجين والمنهجين في كلّ التّعبيرات الرّمزية: الأشعار والآداب والفنون والأديان. أكثر من ذلك ألاحظ أنّ الأمر يتجاوز إلى بناء الشّخصية وتركيب المزاج وتوجيه الذّكاء. الواحد منّا قد يمرّ بحالات فيها أقدار من التّركيب والتّعقيد وفجأة لا يجد مفتاحا إلاّ إذا تحرّك فيه البسيط فنطق به أو اِهتدى إلى ما يوجّه نحوه ويشير إليه. زفرة بعد زفرة وحسرة على حسرة ولا مخرج إلاّ بـ”لا حول ولا قوّة إلاّ بالله”. ليس قول هذا أو غيره من التعبّد وكفى. أرى أنّ مثل هذه الصّيغ تنقل من المعقّد إلى البسيط. تنقل من مستوى يضاعف الشّقاء إلى مستوى يقلّصه وقد ينفيه تماما.

عشت فترة من حياتي بسياقات فيها من الحاجة ومن ضعف الإمكانيات وغياب الوفرة والوثير ولكن حضر فيها كثير من البساطة. عشت بعدها سياقات مختلفة هجرت البساطة أو أنّ البساطة هجرتها. أشهد أنّ الحياة المتحرّكة بنا هكذا هي جوهرا من الاِنحطاط والاِنحدار.

أبني على هذا أنّ الخلاص الفردي والجمعي لن يقدّم إلينا من طنين مفاهيم ولا من موسوعات ضخمة. لا. الخلاص لا يأتي إلاّ من بسيط. بسيط الإحساس وبسيط الإبصار وبسيط التّعبير وبسيط السّلوك. مع التّنويه أنّ البسيط هنا ليس مرادف الغباء. البسيط تجربة عميقة والعجز عن عمق البسيط هو الّذي يأخذ إلى متاهات التّعقيد. تقرأ للرّومي فيسقيك كلّ الحكمة بحديث عن نملة وفيل وثعبان وتنّين. تقرأ القرآن فيحدّثك عن موج وإبل ونحل ويدخلك بأبسط البسيط إلى ملكوت السّماء.

أجالس كثيرا من البسطاء وكثيرا من ناقصات عقل ودين وأشعر في كلّ مرّة أنّ المرء قد يرتكب في حياته أخطاء منهجيّة ومعرفيّة قاتلة. أشعر هذه الأيّام بما شعرت به سابقا عندما اِلتقيت بشيخ صوفي. شعور بالجمال والحقيقة وبالعبث الإنساني. هذا عالم ركّبه لنا رجال “فحول” مخصيّو قلوب عقّدوه. شيء بين المرأة والطّفل، بين العري والفقر سينقذنا. الإحساس أضمن للعبقرية والسّعادة من عقل التّعقيد. القوارير القوارير وأقصد كلّ رقيق. به يصلح الذّوق وتقلّم أظافر الوحوش.