أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الأستاذ راشد الغنّوشي يكتب/ لقاء باريس: الدّروس والتحدّيات والآفاق

الأستاذ راشد الغنّوشي يكتب/ لقاء باريس: الدّروس والتحدّيات والآفاق

Spread the love

تحلّ اليوم 15 أوت 2018 الذّكرى الخامسة للقاء باريس الّذي جمعني بفخامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السّبسي زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والّذي كان منطلقا لمسار حمى البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى من الفتنة والاِنقسام، وهيّأ للثّورة التّونسية سبل النّجاح لتواصل شقّ طريقها لطيّ صفحة الاِستبداد والدّكتاتورية بعد اِنهيار أغلب تجارب الرّبيع العربي.
كانت الأمور تسير نحو الفوضى الّتي لم يكن يفصلنا عنها سوى سلك رفيع يحول بين جمهور المعارضة المحتشد في ساحة البرلمان المعطّل {اِعتصام الرّحيل} واِعتصام {الشّرعية} في نفس السّاحة. وكان التّحريض على أشدّه حتّى تلحق تونس بركب الثّورات المجهضة، وكانت التوقّعات أن تحاول النّهضةـ العمودي الفقري للتّرويكاـ اِستغلال الدّولة لمصادمة معارضيها، وأن يندفع النّداءـ القوّة الأساسية في جبهة الإنقاذـ إلى تأجيج الشّارع لاِستنساخ السّيناريو المصري.
رغم أنّ كلّ أطياف المعارضة يمينا ويسارا قد تداعت على التّسليم بسي الباجي زعيما لجبهة الإنقاذ رغم اِختلافاتها الرّاديكالية معه، إلاّ أنّ سي الباجي أطلّ من شاشات التّلفزة في مثل هذا الشّهر من سنة 2013 مادّا يده للحوار، فلم تتأخّر اِستجابتي، وحتّى من لامني وقتها على الذّهاب إلى باريس للقائه، أجبته لو كان الذّهاب إلى قواتيمالا مفيدا لتونس في درء الفتنة المخيّم شبحها على البلاد ما تردّدت، المهمّ المضمون لا الشّكل، إنّ مصلحة الوطن مقدّمة عندنا على كلّ مصلحة أخرى.

لم تكن المهمّة سهلة بالنّسبة للطّرفين، رغم أنّي كنت قبل أقلّ من أسبوعين قد خطبت في ساحة القصبة يوم 3 أوت 2013 في تلك الجموع الهادرة {قدّرت بأكثر من ربع مليونا} كان المنتظر ربّما من رئيس حركة النّهضة خطابا حماسيّا يردّ على خطاب الكراهية والتّحريض من الطّرف الاخر، وليس الدّعوة إلى الوحدة الوطنية والمصالحة بين التّونسيين.
كان موقفي نابعا من من أنّ تلك الجماهير الهادرة في القصبة أو المتواجدة في ساحة باردو تنتظر من قادتها وزعمائها شيئا آخر غير لغة الحقد والتّحريض، غير الاِستسلام للأمر الواقع وقتها وهو الاِنجرار وراء الفتنة والاِنقسام وفضّ الخلاف بالقوّة لا بالعقل والحوار.

جماهيرنا كانت تحتاج دعوة إلى العيش المشترك ونكران الذّات وتقديم مصلحة الوطن على الأحزاب والكيانات والأفراد والتّأسيس لقيم التّصالح والسّماحة والتّوافق والوحدة الوطنية والقبول بالآخر وملاحقة فكر الاِستئصال والإقصاء والتطرّف الخطر الأعظم على الثّورة بالأمس واليوم وغدا.
لقاء باريس الّذي هيّأ الظّروف لمسار كامل من التّوافق السّياسي والمجتمعي فتح الأبواب أمام الاِستجابة الشّاملة لدعوة منظّمات المجتمع المدني إلى الحوار الوطني وهيّأ لحزبي النّهضة والنّداء سبل النّجاح في قيادة الحياة السّياسية نحو التّهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشّارع وإحلال التّوازن الّذي اِختلّ بعد اِنتخابات أكتوبر 2011.

خرجنا والحمد لله من الأزمة بعد توافق، لم يكن صفقة اِنتهازية أو خيارا تكتيكيّا أو مناورة ظرفية. النّهضة خرجت من الحكم ولكنّها لم تخرج من السّياسة، لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعدّ بل أنقذت باِنسحابها من السّلطة الثّورة من الاِرتداد، أنقذت ما غدا يعرف بالنّموذج التّونسي والاِستثناء التّونسي: واحة للحرّية والدّيمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمّر. لم يعد يسيرا بعدها ترداد: إن كانت كلّ الشّعارات المرفوعة وقتها بأنّ الدّيمقراطية هي بالنّسبة للنّهضويين مجرّد سلّم للوصول إلى السّلطة واِحتكارها إلى ما لا نهاية له.
أمّا النّداء فقد أعطى بتلك الخطوة التّاريخية من زعيمه ومؤسّسه طابعا جديدا للمعارضة في عصر الدّيمقراطية وهي أنّها فعل بناء وإيجابي يرفض العدمية والتطرّف والخيارات القصووية.

منذ لقاء باريس، الّذي أعطى إشارة اِنطلاق سلسلة من اللّقاءات بعيدا عن الصّخب الإعلامي في منزل سي الباجي أو في منزلي، بالتّوازي مع الحوار الوطني وإلى غاية موفّى سنة 2014، لتبدأ تقاليد جديدة في الحوار والتّشاور بين فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حركة النّهضة، أصبحت لتونس تجربة في إدارة الاِختلاف السّياسي بطريقة ديمقراطية قائمة على التّداول السّلمي على السّلطة.
فقد اِنتصر النّداء في اِنتخابات 2014 فبادرت بتهنئة رئيس الحزب الفائز حتّى قبل صدور النّتائج النّهائية مسجّلا حالة أولى من نوعها في بلاد العرب، وقبلت النّهضة بعد أن كانت تقود الحكومة المشاركة الرّمزية في الحكم لتحصين المسار الجديد من العابثين والمتآمرين. وكم سعدنا بأنّ شعبنا كافأنا بالفوز في الاِنتخابات البلدية دون أن يتحوّل هذا الفوز إلى مصدر لإرباك توازنات المشهد القائم، أو مبعثا لغرور وتغوّل، فحاجة البلاد وسكينتها تبحر في بحر متلاطم أحوج اليوم وغدا لنهج التّوافق كما كانت أمس
وذلك بعد سنوات لم تخل من تباين في وجهات النّظر ومن تنازلات متبادلة ومن تعارض أحيانا بين طابع المنافسة الّذي يميّز العلاقة بين الأحزاب الطّامحة دائما لأن تكون في صدارة الاِنتخابات والأكثر تأثيرا في الشّارع، وبين ضرورات الحفاظ على مقوّمات التّعايش وإدارة الاِختلاف تحت سقف الحوار البنّاء. ولكنّنا كنّا نجد أنفسنا والحمد لله عند كلّ اِختبار أكثر تمسّكا بميثاق العيش المشترك، وأكثر اِستعدادا لمواجهة التشدّد في الرّأي، حتّى تبقى الوسطية مفتاح كلّ حلّ والضّامن الأساسي لأمن البلاد ووحدة المجتمع.
وإنّي أؤكّد هاهنا:

أوّلا: الاِلتزام التامّ بخيار التّوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السّبسي واِعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كلّ القضايا للوصول إلى حلول وبدائل وتوافقات، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرّأي، وهو المنهج الّذي توافقنا عليه في باريس وتوفّقنا بعون الله وحمده إلى الحفاظ عليه.

ثانيا: إنّ التّوافق أرضية خصبة لكلّ حوار جدّي بين مكوّنات المجتمع وهو خيار اِستراتيجي لحركة النّهضة وهو ما ظهر جليّا في موقفنا من الدّستور الّذي راهنّا على أن يكون موحّدا لا مقسّما أو مفرّقا وكانت جلسة المصادقة عليه عرسا وطنيا خالدا والحمد لله. ومن المنطلق ذاته ندعو إلى تبنّي نفس اِستراتيجية الحوار والبحث في معالجة المستجدّات والنّأي بالمجموعة الوطنية عن كلّ ما من شأنه إحلال الفرقة والتّطاحن والتّباغض. وفِي هذا السّياق نؤكّد أنّنا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدّولة حول الإرث حين تقدّم رسميّا إلى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنّقاش للوصول إلى الصّياغة الّتي تحقّق المقصد من الاِجتهاد وتجعل من تفاعل النصّ مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدّم لا جدلا مقيتا يفرّق ولا يجمع، ويفوّت على التّونسيين والتّونسيات المزيد من فرص التّضامن والتّآلف، وتساعدنا جميعا على المضيّ قدما في تحقيق اِزدهار المرأة التّونسية. وهذه مناسبة أنوّه فيها باِنتخاب الأخت سعاد عبد الرّحيم أوّل رئيسة لبلدية تونس كما أهنّئ كلّ من حظين بهذا الشّرف في البلديات الأخرى سواء من المترشّحات على قائمات النّهضة {أكثر من أربعين سيّدة} أو القائمات الأخرى.

ثالثا: أنّ دعوتنا إلى الاِستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التّوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية. فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الاِنتخابات البلدية وقبل أن تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليّتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسّسات الدّولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السّياحي في ظلّ تهديدات إرهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف أعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدّستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نوّاب الشّعب.

ومن هذا المنطلق فإنّنا نجدّد دعوة كلّ الأطراف إلى معالجة الاِختلافات حول هذا الموضوع في إطار الحوار والبحث عن الحلول المعقولة سياسيا والمقبولة دستوريا في كنف الاِحترام الكامل للمؤسّسات، والنّأي بوطننا عن كلّ ما من شأنه أن يعيق مسار اِنتقاله الدّيمقراطي ونحن على مشارف سنة اِنتخابية هامّة، وفِي ظلّ وضع اِجتماعي واِقتصادي يحتاج حوكمة رشيدة وعادلة ومستقرّة وناجعة في معالجة مشاكل النّاس قبل تحوّلها إلى أزمات مستفحلة، وفِي مواجهة إرهاب متربّص يرى تونس باِعتبارها نموذجا للتّعايش بين الإسلام والدّيمقراطية خطرا على اِستراتيجيته التّكفيرية الإجرامية الشرّيرة. الّذي نؤكّده اِنفتاحنا على كلّ الحلول عبر الحوار الجادّ بحثا عن التّوافقات الضّرورية.

رابعا: أنّ التّنافس الحرّ هو من صميم الدّيمقراطية وأنّ الطّموح الشّخصي للوصول إلى الحكم عبر الصّندوق حقّ دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فإنّ الدّيمقراطية النّاشئة لها مقتضياتها .فتونس لا يمكن أن تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلّية وأنّ نتيجة الصّندوق لا يجب أن تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التّوافق على منظومة حكم مستقرّة. ولنا في النّموذج الألماني خير مثال وحافز. ومن منطلق خصوصية التّجربة فإنّنا نجدّد التّأكيد على أنّ مواجهة تحدّيات المرحلة القادمة تقتضي تفرّغ الحكومة لمهمّتها في التّنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التّجاذبات الاِنتخابية والحزبية.

خامسا: إدانة حملات التّشويه الّتي تدار بطريقة منهجية عبر ترويج الأكاذيب وبثّ الفتن والتّحريض على الشّخصيات السّياسية والأحزاب ورموز الدّولة وإطاراتها بما قد يعكس لدى البعض رغبة في العودة إلى أجواء الاِحتقان والتشنّج. وإنّنا إذ ندين بكلّ شدّة ما تعرّض له بالخصوص رئيس الدّولة من ثلب وتهجّم فإنّنا ندعو أجهزة الدّولة إلى التحرّك ضمن القانون لضرب العابثين بالشّبكات الاِجتماعية، كما ندعو وسائل الإعلام إلى الاِنخراط في ميثاق وطني ضدّ العنف اللّفظي وثقافة التّشويه ونشر الأخبار الزّائفة حتّى تبقى حرّية التّعبير الّتي أهدتها الثّورة لتونس عنوانا من عناوين الحرّية والدّيمقراطية لا سببا للفوضى والتّشرذم.

سادسا: أنّ التّوافق السّياسي لا ينفصل عن التّوافق الاِجتماعي والمجتمعي وأنّنا نجدّد الدّعوة إلى إعادة الاِعتبار لثقافة العمل والإنتاج والمبادرة باِعتباره السّبيل لتنمية الثّروة الوطنية والتّقليص من الحاجة إلى التّداين. وإذ نعبّر عن دعمنا الكامل لكلّ ما من شأنه تحسين المقدرة الشّرائية للإجراء في تناسب مع إمكانيّات الدّولة والقطاع الخاصّ، فإنّنا ندعو كلّ الأطراف إلى دعم المؤسّسة الاِقتصادية وبذل الحوافز للمستثمرين التّونسيين والأجانب لتشجيعهم على إحداث المشاريع وخلق مواطن الشّغل وخاصّة للشّباب وأبناء المناطق الدّاخلية وإزالة كلّ معوّقات الاِستثمار، ولا سيما ما يتّصل بمنظومة التّشريع وخاصّة في مجال حرّية الصّرف وإزاحة القيود والعراقيل الّتي تكبّل العملاق التّونسي المتحفّز للاِنطلاق.

لقد حقّقنا معا بفضل الله تعالى بلقاء باريس الكثير لوطننا. وإنّنا إذ نحتاج الْيَوْمَ أكثر من اأيّ وقت مضى اِستحضار الدّروس واِستلهام العبر من تلك المبادرة الّتي كانت تبدو وقتها حلما صعب المنال في ظلّ أزمة سياسية ما زالت تراوح مكانها رغم نجاحنا في الحدّ من تأثيرها السّلبي في اِستقرار منظومة الحكم، فإنّنا نؤكّد أنّ الإدارة الجيّدة للتّوافق خلال السّنوات الماضية ماتزال مفتاحا للحلّ وخزّانا للأمل والتّفاؤل بالمستقبل.

لقد نجحنا في كتابة دستور الجمهورية الثّانية وطوينا باِنتخابات 2014 صفحة الحكم الاِنتقالي، لتحقّق الدّيمقراطية أحد أبرز اِنتصاراتها بإجراء الاِنتخابات البلدية والشّروع في تركيز أسس الحكم المحلّي ليبقى الرّهان الاِقتصادي بكلّ تجلّياته مشغلنا الّذي لا يجب أن يغيب عنّا في مرحلة تاريخية تترسّخ فيها قدم وطننا تونس يوما بعد يوم في عالم الدّيمقراطية نموذجا ناجحا صامدا أمام الصّعاب والمخاطر، مؤكّدا أنّ الاِستثمار في الدّيمقراطية والحريّة ومهما بدا مكلفا وشاقّا فإنّه أفضل من الرّهان على الدّكتاتورية الّتي قطعت معها بلادنا دون رجعة والحمد لله.

نحن على يقين بأنّ هذا الشّعب العظيم الّذي صنع ثورة عظيمة لا تزال مصدر إلهام للشّعوب المقهورة، وتمكّن من المحافظة عليها وسط الأعاصير، وحوّلها ديمقراطية معاصرة عبر التّوافق، قادر عبر العمل النّاصب والإبداع والوحدة الوطنية، على أن يواصل مسيرته المظفّرة، فيصنع نموذجا تنمويّا راقيا يوفّر الحياة الكريمة لكلّ الفئات والجهات.

“وقل اِعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشّهادة فينبّئكم بما كُنتُم تعملون” التّوبة 105.