أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الأستاذ الزّريبي: ما صادق عليه البرلمان ليس “مصالحة” بل تفسيرا للقاعدة العامّة الّتي وردت في الفصل 42 من المجلّة الجزائية

الأستاذ الزّريبي: ما صادق عليه البرلمان ليس “مصالحة” بل تفسيرا للقاعدة العامّة الّتي وردت في الفصل 42 من المجلّة الجزائية

Spread the love

مانيش مسامح

 

الأستاذ أكرم الزّريبي

الأستاذ أكرم الزّريبي

ما صادق عليه البرلمان ليس “مصالحة” بل تفسيرا للقاعدة العامّة الّتي وردت في الفصل 42 من المجلّة الجزائية منذ صدور تلك المجلّة. 

فرق كبير بين مضمون مشروع المصالحة الشّاملة الّذي عرضته رئاسة الجمهورية منذ أكثر من عام وبين مضمون مشروع القانون الّذي صادق عليه البرلمان اليوم والّذي حصر نطاق المشمولين به فقط في الإداريين الّذين نفّذوا أوامر من رؤسائهم دون ثبوت حصولهم على أيّ نفع ماديّ. علما بأنّ أصل المشروع من البداية لم يشمل الرّاشين والمرتشين.

الغريب في الأمر أنّ الأطراف الحزبية والظّواهر الفايسبوكية الرّافضة لمجرّد سماع مصطلح “مصالحة” مع أيّ شيء آخر، لم يغيّروا خطابهم ولم يعدّلوا تصريحاتهم ولم ينسّبوا مواقفهم، وواصلوا سبّا وشتما لهذه “المصالحة المغشوشة” مع السرّاق، مراهنين على اللّبس الحاصل في أذهان النّاس، حينما يربطون أوضاع الإداريين بالمصالحة مع أرباب الأموال والمستكرشين الّذين نهبوا ثروات الشّعب المغلوب على أمره.

أعتبر شخصيا أنّ تمرير هذا المشروع في صيغته النّهائية ليس سوى “حفظا لماء الوجه” لمن سعى إلى فرض مشروع المصالحة الأصلي وفشل في التّسويق إليه، فأفرغ المشروع من مضمونه ولم يعد مصالحة، لأنّ الموظّف المعنيّ به لم يقبض شيئا من الفعل المنسوب إليه وليس مطالبا بالتّعويض عن شيء، فقد أبقى على جزء فقط، هو محسوم منذ البداية في القانون الجزائي التّونسي، وهو الخاصّ بالموظّفين أو أشباه الموظّفين الّذين اِرتكبوا فعلا بمقتضى إذن من السّلطة الّتي لها نظر.

هؤلاء كانوا من البداية محصّنين بالفصل 42 من المجلّة الجزائية، وإنّما جرفهم الاِندفاع والحماس الثّوري الّذي ساد الإعلام والقضاء والمشهد السّياسي بعد 14 جانفي 2011.

الفصل 42 من م.ج. لا نفهمه إلّا في إطار الأفعال الّتي تنسب إلى موظّف وتكون مخالفة للقانون، أي مبدئيا تلك المشمولة بنطاق تطبيق الفصل 96 من المجلّة الجزائية والّذي جُرْجِرَ بموجبه كلّ من تمّ تتبّعهم بعد الثّورة من وزراء وموظّفين ورجال أعمال، ممّا يجعل الموظّفين المتورّطين في تلك الأعمال على معنى الفصل 96 وثبت أنّهم نفّذوا تعليمات وأوامر من سلطة لها نظر كرئاسة الجمهورية خاصّة، ولم يثبت أنّهم حصلوا على نفع مادّي لقاء ذلك، متمتّعين بمبدأ عدم المؤاخذة الجزائية الّذي أقرّته القاعدة العامّة الواردة بالفصل 42. فلا معنى أن نقول أنّ الفصل 42 لا يتعلّق بالإخلالات بالتّراتيب والقوانين الّتي يرتكبها الموظّف، وأنّه حتّى لو جاءه أمر من رئيسه أو وزيره فيه مخالفة للقانون، فعليه أن يعصي ذلك الأمر، لأنّنا في هذه الحالة سنفرغ الفصل 42 من مبرّرات تشريعه، وسيصبح فصلا زائدا لا معنى له، إذ لو كان المقصود هو الأفعال الّتي يقوم بها الموظّفون طبق القانون فلا حاجة للتّكرار إذ ذكر الفصل 42 صورتين يفترض إنّهما مختلفتان: (1) الفعل المرتكب بمقتضى نصّ قانوني (2) الفعل المرتكب بإذن من سلطة لها النّظر. المنطق القانوني يفرض أن تكون الصورتان مختلفتين، بمعنى أنّ الفعل المرتكب بإذن من السّلطة ذات النّظر يكون بالضّرورة فعلا مخالفا للقانون وإلاّ لاِكتفى المشرّع بالصّورة الأولى دون لزوم للثّانية.

إذن ما صادق عليه البرلمان التّونسي ليس قانون “مصالحة” ولا علاقة له بالمصالحة بل هو حسن تطبيق لقاعدة أوردها المشرّع الجزائي في القسم الأوّل المتعلّق بالأحكام العامّة في مسالة “عدم المؤاخذة بالجرائم” واِعتبر أنّ لا عقاب لمن اِرتكب فعلا بمقتضى نصّ قانوني أو إذن من السّلطة ذات النّظر.
ولكنّ المعارضين للمشروع الأصلي للمصالحة وبدل أن يصارحوا الشّعب بأنّ المشروع تمّ تعديله ولهم أن ينسبوا إلى أنفسهم شرف الضّغط لتغيير مضمونه إن لزم الأمر، فإنّهم آثروا المضيّ في لعبة خداع الشّعب والمتاجرة بالقيم وواصلوا اِنتقادهم لمشروع القانون بالشدّة نفسها الّتي كان عليها المشروع الأصلي غير مكترثين بأيّ تعديل جوهري وحاسم طرأ عليه.
وطالما أنّ الأمر كذلك فلماذا لم نسمع في السّابق أيّ حقوقي أو فَقِيه في القانون ينتقد الفصل 42 المذكور وينعى عليه تبييض الفاسدين والمجرمين والحال أنّه فصل موجود ضمن المبادئ العامّة للمؤاخذة الجزائية منذ صدور المجلّة!؟
ربّما من ساهم في حصول هذه اللّخبطة وشجّع المعارضة على مزيد المتاجرة السّياسية بهذه القضية أنّ من أعدّ المشروع الأصلي الّذي يهمّ مصالحة فعلية. وبصرف النّظر عن مساندة ذلك المشروع أو رفضه، فإنّه تمّت المحافظة على التّسمية نفسها حتّى لا يُفْهَم الأمر على أنّه فشل سياسيّ لمن تقدّم بالمشروع الأصلي فالحقيقة أنّ ما بقي منه ليس سوى تفسير لقاعدة قانونية موجودة ولا تمتّ بصلة إلى المصالحة.