أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الأزمة اللّيبيّة: أبعاد وطبيعة ودوافع وتحدّيات الوساطة الجزائريّة

الأزمة اللّيبيّة: أبعاد وطبيعة ودوافع وتحدّيات الوساطة الجزائريّة

Spread the love

الأزمة الليبية

تُكثِّف الجزائر من تحرّكاتها لتسوية الأزمة اللّيبية، من خلال تواصلها مع أطراف الأزمة خاصّة بالمنطقة الشّرقية بعدما كانت تُركّز تحرّكاتها في السّابق على قوى الغرب في هذا البلد. كما رفعت أيضا مستوى التّنسيق السّياسي والأمني مع تونس لتسويّتها، حيث أعلنت الدّولتان في (6 مارس 2017) عن توصّلهما إلى إتّفاق للتّعاون الأمني بشأن ليبيا، وتعزيز التّشاور بينهما فيما يتعلّق بتسوية الأزمة هناك.

وتستهدف الجزائر من تحرّكاتها المكثّفة لحلحلة الأزمة اللّيبية ترجمة رؤيتها لدفع عمليّة الحلّ السّياسي على أرض الواقع بما يحول دون تجدّد الحرب الأهلية وعودة الأزمة إلى مربّع الصّفر، والّتي ستكون لها آثار سلبيّة على الجزائر، وذلك بعد مرور أكثر من عام على الإتّفاق السّياسي اللّيبي المُوَقَّع عليه من قبل أطراف الأزمة اللّيبية في (17 ديسمبر 2015) بمدينة الصّخيرات دون تنفيذ بنوده على أرض الواقع.

أبعاد الرّؤية:

تنطلق الرّؤية الجزائرية لدفع الحلّ السّياسي في ليبيا، وتعديل إتّفاق الصّخيرات من مجموعة من الثّوابت، يتمثّل أبرزها في الآتي:

1- مشاركة كافّة الأطراف اللّيبية الفاعلة دون استثناء في عملية الحوار والمسار السّياسي الجاري في البلاد، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتعديل الإتّفاق السّياسي اللّيبي.

2- إشراك كوادر النّظام اللّيبي السّابق وأنصاره في عمليّة الحوار السّياسي، إنطلاقا من أنّهم يتمتّعون بقدر من النّفوذ لدى جزء من المجتمع اللّيبي؛ بما قد يُسهم في إتمام عمليّة المصالحة الوطنية.

3- إنشاء مجلس عسكري أعلى يتولّى منصب القائد الأعلى للجيش اللّيبي ويمارس مهامّه، ويضمّ في تشكيلته ثلاثة أطراف هي: أعضاء من المجلس الرّئاسي، والمشير خليفة حفتر، ورئيس “مجلس النوّاب” عقيلة صالح؛ وذلك لمعالجة أزمة إنقسام القوّات المسلّحة اللّيبية، وكمخرج لمعضلة من يتولّى قيادة الجيش اللّيبي الّتي تُعدّ إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين قوى الشّرق اللّيبي الدّاعمة لحفتر من جهة، والقوى الإسلامية في الغرب الرّافضة لوجوده على رأس الجيش من جهة أخرى.

4- تفعيل دور الهيئات اللّيبية المنبثقة عن الإتّفاق السّياسي اللّيبي ودعم قدراتها، وهو ما يعكس الدّعم الجزائري للمجلس الرّئاسي لحكومة الوفاق وللمجلس الأعلى للدّولة، والمهيمن عليهما من قبل الإسلاميّين، واللَّذين يلقيان دعما من الغرب اللّيبي، إحدى مناطق النّفوذ الأساسية للجزائر.

5- دعم قدرات الحكومة اللّيبية الشّرعية، في إشارة إلى حكومة الوفاق الوطني؛ لتمكينها من مكافحة الإرهاب ووقف تدفّق المهاجرين، ومواجهة المشكلات الإقتصادية والإجتماعية، وهو ما يعكس الرّفض الجزائري للحكومات الأخرى القائمة، سواء الحكومة المؤقّتة بالشّرق برئاسة “عبدالله الثني” أو حكومة الإنقاذ السّابقة بالغرب اللّيبي برئاسة “خليفة الغويل”.

6- رفض كافّة أنواع التدخّل العسكري الأجنبي في ليبيا، إنطلاقا من أنّه لن يحلّ الأزمة بل يزيد من تعقيداتها.

طبيعة التحرّكات:

يُمكن تناول طبيعة التحرّكات الجزائرية تجاه الأزمة اللّيبية على مستويين أساسيين هما:

المستوى الأوّل- مستوى أطراف الأزمة اللّيبية:

انتهجت الجزائر سياسة جديدة تقوم على بناء علاقات جيّدة مع كافّة الأطراف اللّيبية بما في ذلك قوى الشّرق اللّيبي، ومن أبرز التحرّكات في هذا الصّدد إستقبالها للمرّة الأولى منذ إندلاع الأزمة المشير “خليفة حفتر” في 18 ديسمبر الماضي، والّتي سبقها إستقبال “عقيلة صالح” وعدد من نوّاب “البرلمان اللّيبي” في 26 نوفمبر 2016.

ويُعدّ ذلك تحوّلا في الموقف الجزائري من أطراف الأزمة اللّيبية، حيث يُعتبر إستقبال المشير “حفتر” بمثابة إعتراف جزائري بثقله في الشّرق، وأهمّية وجود دور له في مستقبل هذا البلد؛ لإيجاد مخرج للأزمة اللّيبية المتعثّرة. وهو ما ينطبق أيضا على إستقبالها رئيس “مجلس النوّاب”، وبحث إمكانيّة تطوير العلاقات البرلمانية بين البلدين.

كما تقوم الجزائر بالتّواصل مع عدد من المسؤولين اللّيبيين السّابقين في عهد العقيد “معمّر القذّافي”، والشّخصيات اللّيبية المعروفة بقربها من النّظام السّابق؛ للنّظر في مدى إمكانية قيامهم بدور إيجابي في إتمام عمليّة المصالحة اللّيبية-اللّيبية. وتعتمد الجزائر في ذلك على إستضافتها عددا من كوادر وأنصار “القذّافي”.

المستوى الثّاني- مستوى دول الجوار اللّيبي:

شارك وزير الشّؤون المغاربية والإتحاد الإفريقي الجزائري “عبدالقادر مساهل” في إجتماع ثلاثي مع وزيري خارجيّة مصر وتونس عُقد في تونس إستمر لمدّة يومين في 19 و20 فيفري الماضي (2017)، وتمّ خلاله التوصّل إلى “إعلان تونس” الّذي أكّد رفض أيّ حلّ عسكري للأزمة اللّيبية، وأيّ تدخّل خارجي في الشّؤون الدّاخلية لليبيا، وإشراك كافّة الأطراف في عمليّة الحوار مهما كانت توجّهاتهم أو انتماءاتهم السّياسية، والعمل على ضمان وحدة مؤسّسات الدّولة المنصوص عليها في الإتّفاق السّياسي بما في ذلك الحفاظ على وحدة الجيش اللّيبي، والسّعي الحثيث إلى تحقيق المصالحة الشّاملة في إطار الحوار اللّيبي-اللّيبي بمساعدة من الدّول الثّلاث وبرعاية أمميّة.

كما رفعت الجزائر من مستوى تنسيقها مع تونس في الأزمة اللّيبية، خاصّة وأنّ الدّولتين تتبنّيان وجهة نظر متقاربة تجاه كيفيّة حلّ الأزمة، وتقدّمان دعما للأطراف والقوى السّياسيّة في غرب ليبيا، حيث أعلنت الدّولتان في 6 مارس الجاري (2017) عن توصّلهما إلى اتّفاق للتّعاون الأمني بشأنها، وتعزيز التّشاور بين البلدين فيما يتعلّق بتسوية الأزمة اللّيبية.

وتعتمد الجزائر لإحداث إختراق بالأزمة اللّيبية، على إستغلال نفوذ رئيس حركة النّهضة التّونسية “راشد الغنّوشي” لإقناع قوى المتبنّية لـ”لإسلام السّياسي” اللّيبية بتغيير موقفها من الشّخصيات اللّيبية المحسوبة على النّظام السّابق، والقبول بمشاركتهم في المرحلة المقبلة باعتبارهم قوّة لا يُستهان بها، وتقديم تنازلات فيما يتعلّق بالإتّفاق السّياسي اللّيبي.

وعلى الرّغم من أنّ “الغنّوشي” صرّح في فيفري 2017 بأنّه تمّ تكليفه من قبل الرّئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة للتّواصل مع الإسلاميّين اللّيبيين، وإقناعهم بلعب دور إيجابي في حلّ الأزمة اللّيبية، فإنّ المفارقة أنّ أحمد أويحيى -مدير عام ديوان رئاسة الجمهورية الجزائرية- نفى في تصريح له في الشّهر نفسه تكليف بلاده للغنّوشي بذلك الدّور.

دوافع التحرّك:

تستهدف الجزائر من تحرّكاتها تجاه الأزمة اللّيبية تحقيق مجموعة من الأهداف يتمثّل أهمّها في الآتي:

1- سرعة إيجاد حلّ سياسي للأزمة اللّيبية، حيث تتخوّف الجزائر من أنّ إستمرار تدهور الأوضاع الأمنية في هذا البلد سيزيد من أعبائها الأمنية، خاصّة وأنّها تفرض إجراءات عسكرية إستثنائية على حدودها مع ليبيا منذ أكثر من خمس سنوات، وهو ما قد يُشكِّل إستنزافا لقوى الأمن والجيش الجزائري الّذي يتصدّى في الوقت ذاته للتّهديدات القادمة من شمال مالي.

2- إقامة علاقات جيّدة مع مختلف الأطراف اللّيبية وتعزيز نفوذها بالشّرق اللّيبي لموازنة النّفوذ المصري الدّاعم للمؤسّسات القريبة منه كـ”مجلس النوّاب” وقوّات حفتر.

3- محاولة الجزائر تقديم نفسها أمام الدّاخل اللّيبي والأطراف الإقليمية والدّولية على أنّها وسيط محايد في الأزمة اللّيبية يمكن الإعتماد عليه لدفع عمليّة الحلّ السّياسي، بعدما كان يُنظر إليها على أنّها منحازة للمجلس الرّئاسي والقوى السّياسية الدّاعمة له بالغرب اللّيبي. وهو ما يؤهّلها خلال الفترة المقبلة للعب دور الوسيط بين أطراف الأزمة اللّيبية، وإستضافة حوار وطني ليبي-ليبي يمكن أن يُسفر عن دفع الحلّ السّياسي في هذا البلد.

4- ضمان بقاء قوى الإسلام السّياسي والقوى المجتمعية بالغرب اللّيبي الّتي تُقدّم الجزائر الدّعم لها وتعتمد عليها كأحد المصادر الأساسية لنفوذها في هذا البلد، وذلك في مواجهة الدّعاوى المتصاعدة بإستبعاد التيّارات الإسلامية من الحكم، وتصنيفها على أنّها تيّارات متطرّفة، وتزيد تلك الدّعاوى مع تولّي “دونالد ترامب” رئاسة الولايات المتّحدة لتبنّيه رؤى متشدّدة تجاه تيّارات الإسلام السّياسي في المنطقة، إلى جانب سعي روسيا للعب دور محوريّ في الأزمة اللّيبية.

تحدّيات الوساطة:

رغم التحرّكات الجزائرية المكثّفة تجاه كافّة أطراف الأزمة اللّيبية بالفترة الأخيرة في محاولة لدفع الحلّ السّياسي، وإقناعهم برؤيتها لحلّ الأزمة؛ إلاّ أنّ تلك التحرّكات تواجه بمجموعة من التحدّيات قد تشكّل قيدا على الدّور الجزائري، لعلّ من أبرزها:

1- وجود عدد من التيّارات الإسلامية بالغرب اللّيبي، وتحديدا تلك التّابعة للمفتي بالعاصمة طرابلس “الصادق الغرياني” غير الخاضعة للنّفوذ الجزائري، والّتي تُشكّل تحدّيا لتيّارات الإسلام السّياسي ولحكومة الوفاق الوطني ومجلس الدّولة المدعومين من قبل الجزائر. فقد قامت تلك الجماعات في الـ12 من جانفي 2017 باقتحام عدد من المقرّات الحكومية التّابعة لحكومة الوفاق بالعاصمة طرابلس ومقرّ المجلس الأعلى للدّولة، وأعلنت عودة حكومة الإنقاذ الوطني والمؤتمر الوطني العامّ المنتهية ولايته لممارسة مهامّهما من جديد، رافضة الإعتراف بشرعيّة الإتّفاق السّياسي اللّيبي.

2- التحرّكات المصرية والرّوسية المكثّفة بالشّرق اللّيبي الدّاعمة لمليشيات حفتر، والّتي تخشى الجزائر من أن تؤثّر على موازين القوى حال تعديل إتّفاق الصّخيرات.

3- نشوب معارك مسلّحة في الهلال النّفطي، حيث إنتزعت سرايا الدّفاع في بنغازي (ميليشيا يدعمها المفتي الغرياني مكوّنة من مجالس شورى إسلامية في بنغازي وأجدابيا) ميناءين نفطيّين (السّدرة ورأس لانوف) من سيطرة المليشيات التّابعة لحفتر في شهر مارس الجاري، وهو الأمر الّذي أدّى إلى نشوب معارك مسلّحة في المنطقة ستؤّثر على جهود الجزائر لتسوية الأزمة اللّيبية.

ثلاثة مسارات:

في إطار تلك التحدّيات الّتي تواجه التحرّكات الجزائرية لتسوية الأزمة اللّيبية وفقا لرؤيتها، من المرجّح إتّجاه الجزائر لاتّباع المسارات التّالية:

1- إستغلال رغبة روسيا في لعب دور محوريّ لتسوية الأزمة اللّيبية للتّنسيق معها في ليبيا، وتعتمد الجزائر في ذلك على إعتبارها من أقرب حلفاء روسيا بمنطقة المغرب العربي، حيث تتبنّى الدّولتان مواقف متطابقة تجاه الأزمتين السّورية والعراقية، فضلا عن التّقارب العسكري الكبير بينهما، فتسليح الجيش الجزائري يعتمد بصفة أساسية على السّلاح الرّوسي.

2- رفع مستوى التّنسيق السّياسي والأمني مع تونس في ليبيا لتبنّي مواقف مشتركة حول كيفيّة تسوية الأزمة اللّيبية، ومن ثمّ خلق جبهة إقليمية داعمة للرّؤية الجزائرية لكيفيّة حلّ الأزمة اللّيبية والّتي تميل إليها تونس، في مواجهة الجبهة الإقليمية الدّاعمة لحفتر والرّافضة لإشراك تيّار الإسلام السّياسي في الحكم.

3- إستمرار التّنسيق الجزائري مع التيّارات الإسلامية اللّيبية وإقناعها بتقديم تنازلات لحلحلة الأزمة، بما يحقّق هدف عدم إستبعادهم من مستقبل الحكم، وذلك في ظلّ تغيّر موازين القوى الدّولية لصالح “حفتر” بعد التّقارب الرّوسي معه، وتوجّهات الإدارة الأمريكية الجديدة المعادية للتيّار الإسلامي.