أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / إلى الأغبياء في بلادنا…

إلى الأغبياء في بلادنا…

Spread the love

في تونس نكاد نحلّل كلّ حادث أو حديث بخلفيّة إيديولوجية أو سياسيوية، تحجب عن الشّعب حقيقة المشاكل الّتي يعاني منها اَقتصادنا، فنكرّس الاِصطفاف الحزبي والإيديولوجي دون أن نغوص في عمق الأشياء ومعرفة حقيقة الأسباب المعطّلة لنموّ اِقتصاد بلادنا وما يطرح هذه الأيّام حول شركاتنا الوطنية المفلسة والّتي يحول وضعها دون أيّ تفكير في النّهوض بالوضع التّنموي ووضع اِقتصادنا في طريق الإصلاح، لا يعدو أن يكون صراع ديكة كما نشاهد يوميّا تحت قبّة البرلمان وفي أروقة قرطاج والقصبة.

من الأمثلة المعبًرة عن هذا التّيه الّذي أصابنا ما تتناوله وسائل الإعلام بمحلِّليها ووسائل التّواصل الاِجتماعي بغوغائيّيها لأزمة النّاقلة الوطنية وما أدراك ما “الخطوط الجوية التّونسية” والعقلة الّتي أصدرتها شركة TAV التّركية على هذه الأخيرة بسبب تراكم الدّيون لتصل إلى مبلغ 20 مليون أورو.

ما يلفت الاِنتباه أنّ السّياسيّين والفاعلين الاِجتماعيين والإعلام والشّعب الكريم، لا يرون في أزمة الخطوط الجوّية التّونسية إلاّ شخصيّة مديرتها العامّة الجديدة والبحث عن اِرتباطاتها وولائها وكأنّ بقيّة المسؤولين والمسيّرين هم ملائكة ولاؤهم لتونس لا غير (ميمونة تعرف تونس وتونس تعرف ميمونة) وأنّه جيء بالسيّدة ألفة الحامدي فقط لإفلاس الشّركة والتّفويت فيها للرّأس مال الأجنبي.

كذلك المشكلة القائمة بين شركة TAV التّركية والخطوط التّونسية، تصوّر للرّأي العام على أنّها صراع بين من يعادي تركيا باِعتبار توجّهات قيادتها السّياسية ومن يناصر تركيا على نفس الأساس، لتصفية حسابات سياسيّة وإيديولوجية داخليّة بين الفرقاء السّياسيين الّذين لم نر منهم غير العراك والسّباب منذ سنوات، لهذه الأسباب كان من الأجدر طرح حوار عميق حول جذور الوضعيّة الّتي وصلت إليها النّاقلة الوطنية وكيفيّة علاجها لا “بالشُّو” كما أرادت أن تفعل المديرة الجديدة ولا بالتّصعيد الفوضوي المؤدلج كما شهدناه من خلال الاِستعراضات العضليّة لبعض النّقابيين أو من يتستّر تحت مظلّتهم.

لفهم هذه الأزمة وأغوارها لا بدّ من الغوص في:

1 – ماهي جذور أزمة الخطوط الجوّية التّونسية؟

2- ماهي حقيقة الخلاف مع الشّركة التّركية TAV وما هي حقيقة ونشاطات هذه الشّركة وحجمها على المستوى العالمي؟

‏القسم الأوّل: جذور أزمة الخطوط الجوّية التّونسية:

في حقيقة الأمر الكلّ يدرك وخاصّة مستعملي الخطوط التّونسية، أنّ هذه الشّركة تعيش أزمة تمتدّ إلى عقود وأنّها كشركة وطنية كانت منذ عهد الحقبة النّوفمبرية وربّما حتى قبل ذلك، مجال اَبتزاز وإثراء للدّوائر الفاسدة المحيطة بالسّلطة وأغلبنا يذكر كيف كانت شركة “كارتاڤو” الّتي تملكها ليلى الطّرابلسي زوجة بن علي، تستغّل الخطوط التّونسية. إذًا قبل 14 جانفي ولسنوات عديدة، كانت حالة من الفساد تسيطر على تسيير مكتسبات هذه الشّركة وإدارتها، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، مخازن الخطوط التّونسية كانت تحتوي على قطع غيار جديدة ومهملة من عهد طائرات الكرافال الأولى ولا رقابة على الوقود المستعمل للأسطول الأرضي من عربات وجرّارات. وليس المقصود الكيروزان هنا. لوجيسيال التّسيير لأوقات العمل ومراقبتها لا يستخدم رغم أنّه مستورد وتدفع عليه الشّركة كلّ سنة مبلغا كبيرا للتّحيين وغيرها من الخسائر الّتي تتكبّدها من جرّاء التّأخير في الرّحلات وسرقات أمتعة المسافرين…

جاءت الثّورة فتمّ دمقرطة الفساد واَستفحل لتصبح جهات عديدة تنهب هذه الشّركة الوطنية وليس ليلى بن علي فقط كما كان في السّابق، ثمّ زادت العمليّات الإرهابية الطّين بلّة ليتقلّص عدد المسافرين وفي الأخير أجهزت جائحة كورونا على هذا الجسم المريض كما تجهز على المصابين منّا بأمراض مزمنة، والإدارات المتعاقبة وسلطات الإشراف تغطّ في سبات عميق كأنّ الأمر لا يهمّها، وزير يحلّ وآخر يمشي ومدير ينصّب وآخر يقال بدون برنامج ولا خطّة لإنقاذ هذه الشّركة الوطنية الّتي نرى اليوم، الجميع يذرفون دموع التّماسيح على تدهور وضعها المطّرد والكلّ ينهشها، في حين أنّ شركات أخرى على المستوى الدّولي والإقليمي اِستطاعت تجاوز أزماتها بإعادة هيكلتها ووضع اِستراتيجية متكاملة لإنقاذها وخير دليل على ذلك الخطوط الملكية المغربية.

أمّا النّقطة الثّانية المثارة في هذا الجدل حول أزمة الخطوط التونسية وهي الشّركة التّركية TAV الّتي يركّز عليها الإعلام والرّأي العام وكأنّه يكتشفها اليوم فقط وتُختزل مشاكل الخطوط التّونسية في الإشكال القائم بينها وبين هذه الشّركة، فما هي هذه الشّركة؟ وما هي حقيقة خلافها مع الخطوط الجوية التّونسية؟

‏القسم الثّاني: ما هي حقيقة الخلاف مع الشّركة التّركية TAV وما هي حقيقة ونشاطات هذه الشّركة وحجمها على المستوى العالمي؟

بعد أن تعرّضتُ في القسم الأول إلى البعض من أسباب الأزمة التي تعيشها الناقلة الوطنية وجذورها، خاصّة في ظل العقلة التي قامت بها شركة TAV التركية على الحسابات البنكية للخطوط التونسية. سأحاول بسط بعض المعطيات التاريخية والبيانية لمعرفة شركة TAV وطبيعة خلافها مع الخطوط الجوية التونسية؟

اِنطلق نشاط شركة TAV في مطار أتاتورك الدّولي في إسطنبول سنة 1997 بإدارة الرّحلات الخارجية ثم تطورت فيما بعد لتشرف على خدمات المسافرين والبيانات التقنية في عدد كبير من مطارات تركيا ثمّ مطارات في بلدان أخرى مثل جورجيا ومقدونيا وتونس والسعودية وقطر والبحرين وأخيرا كازاخستان وأوزبكستان. نلاحظ أن رأس المال الذكي لا يعرف الحواجز السياسوية والإيديولوجية، دينه الربح وهو ما لم يفقهه الأغبياء منّا، فكثيرا ما نجد فريقا من التّونسيين يصفّقون لهذا المستثمر ويعترضون على آخر على خلفيات إيديولوجية أو سياسوية وليس على أساس المصلحة الوطنية، والخاسر من هذه التجاذبات التي أصبحت تسمّم حياتنا هو اقتصادنا وتنمية بلادنا.

شركة TAV هي عبارة عن مجمّع ضخم Holding يمتلك رأس ماله مجموعة من الشّركات العالمية ويتوزّع كالتّالي: – شركة Aéroports de Paris الفرنسية تمتلك 46,13 % – شركة Ninety one UK Ud الأنڤليزية- شركة EPE Insaat Sanney SA التركية 5,06 % – شركة US Global Investors inc الأمريكية 3,05 %- والبقية على ملك مجموعة من الشركات الأجنبية الاخرى.

نسبة معاملات هذه الشركة في العالم كالتالي: – نسبة 57 % في تركيا- نسبة 13,1 % في جورجيا- نسبة 6,3 % في تونس- أما بقية النسب فتتوزّع على دول عديدة كالسعودية وأوزبكستان وإسبانيا وغيرها.

دخلت هذه الشركة تونس في عهد بن علي عند إنشاء مطار النفيضة تولّت إدارة تسييره كما أسندت لها إدارة خدمات مطار بورڤيبة بالمنستير، في إطار مشروع متكامل يضمّ المطار ومشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة الذي لم ير النور إلى اليوم. خلاف هذه الشركة مع الخطوط التونسية يتمثّل في عدم تسديد هذه الأخيرة لديونها تجاه شركة TAV والتي ترتفع إلى 20 مليون أورو، عجزت النّاقلة الوطنية عن سدادها في ظلّ وضعيتها المالية المتردّية. هذا الأمر جعل شركة TAV التّركية تقوم بعُقلة على حسابات الخطوط التّونسية بمبلغ 8 مليون أورو مطالبة بالتّسديد الفوري وإعادة جدولة الدّين المتبقي.

من خلال هذه المعطيات، نكتشف أنّ المسألة بعيدة كلّ البعد عن الولاء والعداء لتركيا الذي يرفعه الأغبياء من هذا الطرف أو ذاك، ولكن هي مسألة معاملات تجارية بين شركة عالمية أهم الشركاء في رأس مالها شركة فرنسية. مرّة أخرى تكشف هذه الأزمة أنّ مصيبتنا في إدارة شأن بلادنا وفي العجز عن توفير المناخ المناسب لتشجيع الرأسمال الوطني وجلب الرأسمال الأجنبي لتطوير اقتصادنا دون المساس بمصالحنا وسيادتنا كما فعلت تركيا والمغرب والإمارات وغيرها من الدول التي كنّا بالامس القريب نفاخر عليها “بمنجزاتنا”.!!!

وضْعُنا الاقتصادي لا يستقيم إلاّ بإنقاذ شركاتنا الوطنية الأساسية، مثل الخطوط الجوية التونسية، شركة فسفاط قفصة، السكك الحديدية وغيرها، وهذا الإنقاذ لا يتم إلا بتكريس الحوكمة والشفافية والعدالة الاجتماعية وخاصّة تكريس ثقافة العمل والقطع مع عقلية رزق البيليك.

(الأستاذ الأزهر عبعاب)