أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات مكافحة الإرهاب وتفكيك التطرف / إلحاحيّة التوصّل لطريقة أفضل للكشف عن اِنضمام/ اِلتزام “الجهادي” الحالي

إلحاحيّة التوصّل لطريقة أفضل للكشف عن اِنضمام/ اِلتزام “الجهادي” الحالي

Spread the love
دنيا بوزار

دنيا بوزار

إبراهيم الزغلامي

إبراهيم الزغلامي

وفقا لـ”دنيا بوزار”، عالمة الأنثروبولوجيا، فإنّ الممارسة المكثّفة لتعاليم الإسلام ليست

كافية لتحديد الجهاديّين المحتملين. بل يجب أن تؤخذ في الحسبان الطّبيعة ثلاثية الأبعاد لعملية الاِلتزام/ الاِنضمام،  وهي العلائقية والعاطفية والإيديولوجية.

بعد بضع ساعات من وقوع هجوم إرهابي، كانت هناك في كثير من الأحيان معلومات تفيد بأنّ منفّذ العمليّة “معروف للسّلطات” ولكنّه لم يصنّف بما يكفي لاِستحقاق الرّصد المستمرّ. وفي أحيان أخرى، لا يصنّف إلاّ كمنحرف. وفي بعض الأحيان لم يقع التفطّن إليه حتّى من قبل عائلته.

إنّ التّقييم الدّقيق والفعّال للمخاطر لا يمكن أن يتجنّب الأخذ في الاِعتبار تحوّل الخطاب “الجهادي”، الّذي تمكّن منذ سنوات من الإطاحة بأفراد مختلفين جدّا، وفقا لطرق مفردة، وفي عديد الحالات غير مرئيّة، ممّا يشكّك في المؤشّرات الّتي كانت تستخدم سابقا للكشف عن الاِلتزامات/ الاِنضمامات “الجهادية” التّقليدية، مثل تنظيم القاعدة.

وبالفعل، فإنّ المؤشّرات التّقليدية للكشف تستند إلى بيانات صريحة من “الجهاديين” الّذين يعبّرون عن رغبتهم في “طاعة الله”، و”تطبيق الشّريعة”، وما إلى ذلك، ممّا يعطي الاِنطباع بأنّه ضروري فقط ربط كشف الاِرتباط بالممارسة المكثّفة لتعاليم الإسلام. وقد أظهرت هذه المراقبة حدودها: فلم يتمّ رصد بعض منفّذي الهجمات الأخيرة (باتاكلان، نيس، أورلاندو) لأنّ لديهم، على سبيل المثال، حياة جنسيّة لا تتماشى وتعاليم الإسلام الصّارمة.

وتبيّن دراسة النّقاشات والحوارات الّتي أجراها المجنِّدين مع الشّباب الّذين تابعناهم أنّه إذا اِعتمدت “القاعدة” أوّلا على مشروع لاهوتي لجلبهم إلى عقيدتهم ومجموعتهم، فإنّ المجنِّدين الحاليّين للشّباب من أجل “الجهاد” يعتمدون في البداية على الينابيع الحميمة للأفراد. ويوضّح ذلك وجود جنرالات سابقين في جيش صدّام حسين، مدرّبين من طرف وكالة المخابرات المركزية الأمريكيّة، ضمن قيادات داعش، وأنّ تقنيات تجنيد هؤلاء الجهاديين الحاليين تقوم على تقنيّات تجنيد الجواسيس: يتمّ تقييم المجنَّدين بعناية ويقع اِختيارهم بسبب وضعهم الشّخصي الهشّ (اِجتماعي واِقتصادي وثقافي وسياسي وهووي ونفسي… وما إلى ذلك) ويعتقدون أنّهم يتغلّبون عليه باِلتزامهم بالإيديولوجية “الجهادية”.

في مرحلة ما، ينجح المجنِّدون في جعل الفرد يتجاوز مرحلة عدم اِرتياحه الشّخصي إلى الاِنضمام إلى الخطاب “الجهادي”. فهم يقنعونه بأنّ عدم اِرتياحه سوف يقع حلّه بتمسّكه باِنضمامهم إلى أيديولوجيتهم، وهي الوحيدة القادرة على إعادة تجديده وتجديد العالم. ويقع بناء علاقة معرفية بين تجربة الشابّ المجنَّد وبين البعد المتسامي للإسلام.

وقد حدّدت أبحاثنا المبكّرة ثمانية أسباب مختلفة للاِنضمامات/ الاِلتزامات، وكلّها مرتبطة بتحقيق عالم أفضل أو “ذات أفضل”. ويكيّف المجنِّدون خطابهم حسب التطلّعات المعرفية والعاطفية لكلّ شابّ، فيبرزون المسألة الإنسانية لأولئك الّذين يجدون أنفسهم مفيدين في هذا الجانب، عالم طوباوي لأولئك الّذين يجدون المجتمع غير عادل، الموت لأولئك الّذين يعانون من الاِكتئاب، الاِنتقام للّذي وقع عليه التّمييز، وتقييد أولئك الّذين يشعرون بالذّنب لميولهم الجنسية، وحماية أولئك الّذين تعرّضوا للاِعتداء أو للاِغتصاب، وهلمّ جرّا.

ويمكننا إذن تعريف الاِنضمام/ الاِلتزام إلى المشاركة “الجهادية” كنتيجة لعمليّة نفسية تحوّل الإطار المعرفي للفرد (طريقته لرؤية العالم، للتّفكير، وللفعل …) وذلك بتأرجحه من البحث عن الذّات إلى إيديولوجية مرتبطة بهويّة جماعية مسلمة وإلى مشروع سياسي شموليّ يريد تنفيذه باِستخدام العنف.

للعثور على مجرم، يجب أن تعرفه، وأن تفهم الدّوافع الّتي أدّت به إلى اِرتكاب الجريمة. ولكشف “جهادي”، فإنّ الأمر يتعلّق بتحديد العناصر الّتي تشكّل تمسّكه بالإيديولوجية وبالجماعة “الجهادية”. ومن أجل إبراز الدّيناميكيّة الأيديولوجية للمتطرّفين قبل أن يصبحوا ناشطين، فإنّه من الضّروري جمع بيانات حول ما شَرَط، بالأساس، اِلتزامهم على المستوى الضّمني.

وبعبارة أخرى، فإنّه من الضّروري الوصول إلى العديد من “الخيوط غير المرئية” لعملية التجذّر “الجهادي”. وهذا يتطلّب جهدا فكريّا لأنّه لم تعد المسألة تتلخّص في العثور على النّموذج الأصلي لـ”الجهادي” الّذي يمكن أن يكون آثاره مرئيّة، وبالتّالي يمكن التّعرّف إليها وتحديدها مسبقا، وإنّما أصبحت المسألة تتطلّب ضبط منهج. ويتطلّب وضع منهج فعّال للكشف الاِعتماد على أساس ثابت يتمثّل في أنّ الجهاديّين الحاليين يستخدمون الأبعاد الثّلاثة التّالية: العلائقي والعاطفي والإيديولوجي وذلك من أجل خلق سبب للاِنضمام/ الاِلتزام يتوافق مع المثل الأعلى لكلّ مجنَّد. وهذا يعمل بشكل أفضل إذا كانت أعمار هؤلاء المجنَّدين، في الغالب، أقلّ من 30 عاما ، حيث تبحث هذه الفئة عن هذه الأبعاد الثّلاثة: مثال أعلى، ومجموعة يأوي إليها ومشاعر قويّة.

فبدلا من رصد ممارسة التّعاليم الدّينيّة أو الرّمز الدّيني المرئي للكشف عن “جهاديّ متدرّب”، فإنّه علينا تحديد النّتائج المترتّبة عن المقاربة العاطفيّة القلقة للمجنِّدين، والّتي تهدف إلى خلق مناخ كامل من عدم الثّقة في المجتمع: ويظهر التطرّف بطريقة يمكن ملاحظتها من خلال تغيير علائقي وسلوكي ومعجمي للفرد. ولإعطاء مثال واحد فقط، فإنّ الأيديولوجيا “الجهاديّة” تخيف المجنَّد وذلك بدفعه إلى الاِعتقاد بأنّ اِحترام التّوحيد (وحدانيّة الله، الرّكن الأوّل من الإسلام) لا يمكن أن يتمّ في أيّ نظام ديمقراطيّ، فتقبّل القوانين البشرية يعود في النّهاية إلى المساواة بين نوّاب الشّعب وبين الله. وهكذا، فإنّ توقيع عقد أو بيان هو نوع من الشّرك… وهذا الاِعتقاد من شأنه أن يقود “الجهادي” إلى التّقدير بأنّ الشّخص الّذي يسلم نفسه للقانون البشري هو شريك للحكومة، الّذي لا يمكن التردّد إليه وبالتّالي فإنّ هذا الأخير يستحقّ الموت. هذا التّغيير في السّلوك يؤدّي إلى خطاب مختلف: ففي حين أنّ السّلفيّين الورِعين يتحدّثون عن “تصحيح “توحيدهم””، فإنّه سوف يعلن اِستعداده لـ”وضع “توحيده” موضع التّنفيذ”…

وينبغي تحديد هذه المؤشّرات من خلال مراقبة الفرد، من خلال الاِستماع إلى مكالماته ومن خلال رصد اِتّصالاته على الإنترنت. وهذا يعني أنّ الإطار المفاهيمي لبرامج الكشف يجب أن يأخذ في الاِعتبار الأبعاد الثّلاثة، العاطفيّة والعلائقيّة والأيديولوجيّة، لعملية الاِنضمام/ الاِلتزام من أجل أن تكون فعّالة.

للاِطّلاع على المقال الأصلي، اُنقر هنا: http://www.liberation.fr/debats/2017/10/02/de-l-urgence-a-mieux-detecter-l-engagement-du-jihadiste-contemporain_1600309