الرئيسية / غير مصنف / إصلاح المنهج ممكن لمن يريد، أمّا إصلاح النّفس، فيبدأ بالاِستعداد للتعلّم، والاِعتراف أنّ الهزيمة لم تأت صدفة، وإنّما أنت من سعى إليها بإصرار غريب!

إصلاح المنهج ممكن لمن يريد، أمّا إصلاح النّفس، فيبدأ بالاِستعداد للتعلّم، والاِعتراف أنّ الهزيمة لم تأت صدفة، وإنّما أنت من سعى إليها بإصرار غريب!

Spread the love
الأستاذ عدنان منصر

هناك رسالة أخرى يلقي بها إلينا تصدّر قيس سعيّد للرّئاسيات في دورها الأوّل، ولعلّه من سوء حظّنا أنّ الكثيرين فهموها وتلقّفوها قبلنا.

هذه الرّسالة تتعلّق بالزّهد. البارحة مثلا، ترك الرّجل الإعلام ينتظر أن يقف أمام الكاميرات وعاد ببساطة إلى بيته. في السّياق العادي، لا يفوّت الفائز مثل هذه الفرصة. جماعة “الحوار” لم يفهموا شيئا وبدّا من بعض تعليقاتهم أنّهم يكتشفون ردود فعل رجل يأتي من زمن ما قبل الإعلام. هذا مظهر من مظاهر الزّهد لا يلتقطه إلاّ أصحاب البصيرة.

لماذا عاقب النّاس الجميع بقيس سعيّد؟ لإعادتهم لمثل هذه اللّحظة: لحظة أنّ الصّدق لا يحتاج مرآة مكبّرة. كلّ أولئك الّذين اِعتقدوا أنّهم رموز الثّورة، بدايتها ومنتهاها، سقطوا كقصور من ورق أمامه. لأنّ النّاس لاحظوا شيئا لم يلاحظه المنخرطون في الماكينات: أنّ الصّدق، والزذهد، وغيرهما من الفضائل، تتحوّل في نقطة ما إلى مجرّد أصل تجاري، إلى علامة تجارية، إلى ذريعة تبرّر ولا تفعل غير أنّها تبرّر لأشياء مختلفة تعتمل في دواخل النّفس. يمكن أن تكون زاهدا في المال، أو في المأكل والملبس، ولكنّ الزّهد الحقيقي هو الزّهد في الموقع. هذا هو المثل الحقيقي.

الزّهد يتناقض مع الأنانية، مع اِعتبار أنّك مركز الكون، وأنّك إله صغير ظلّ طريقه إلى السّماء ووجد نفسه، يا للأسف، وسط سديم الرّعاع. أعرف من أصدقاء قيس سعيّد كثيرين، من مستوى جامعي وأكثر من جامعي، ممّن كانت لهم تجارب قصيرة في الأحزاب الّتي خرجت البارحة منهزمة. لومهم الأصلي هو أنّ ما يُفعَلُ هناك، يكشف في منعرج ما، عن تناقضات حزينة بين ما يخرجه المرء للنّاس، وما يضمره في دواخل نفسه. هذا خارق. وأنت تمارس السّياسة، سعيك لإدخال النّاس في بيت مغلق وإبقائهم هناك، تأمرهم وتنهيههم، ووصم المتنطّعين منهم بالخيانة، هو خطيئة منهج، وخطيئة نفس. إصلاح المنهج ممكن لمن يريد، أمّا إصلاح النّفس، فيبدأ بالاِستعداد للتعلّم، والاِعتراف أنّ الهزيمة لم تأت صدفة، وإنّما أنت من سعى إليها بإصرار غريب!