أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / إرادة القصر وإرادة الشّعب

إرادة القصر وإرادة الشّعب

Spread the love

قصر قرطاج

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

كثيرا ما أخجل من الكتابة عن تجربة الرّئيس، وعن وزرائه وقادة حزبه. وقبل أن أطرق أيّ موضوع بخصوصهم، أحاسب نفسي عن كتاباتي عن الآخرين. سواء كانوا من أعضاء الدّولة العميقة، أو من أعضاء الأحزاب العقيمة. فأحاول مرارا وتكرارا الموازنة بين غير القابل للموازنة، والمواءمة بين مفارقات لا يمكن التّقريب بينها إلاّ من باب؛ ليس بين القنافذ أملس. فالاِقتراب من دائرة السّلطة بتونس شبيه من الاِقتراب بمثلّث برمودا، فالنّتيجة واضحة اِبتلاع بهضم بطيء.

منذ أكثر من سنة كنت قرّرت مع نفسي تحاشي الكتابة عن رؤساء الحكومة ووزرائهم، لما لمسته في خطاباتهم ولغتهم وإشاراتهم من ترهّل وبشاعة. وقد كتبت على حائطي الفيسبوكي هذه العبارة وذيّلتها بكون الوزراء في تونس قد رفع عنهم القلم. غير أنّني نكثت قراري وكتبت عنهم مقالات لا تتجاوز حسب ما أظن المقالان، محافظا في نفس الآن على نفس المسافة الّتي تفصلني وتجمعني بهم وبغيرهم ممّن أنتقدهم في كتاباتي بما في ذلك رئيس الدّولة باِعتباره مسؤولا على الجمهورية الثّانية من زاوية رئاسته للدّولة.

فالكتابة السّياسية في تونس كتابة لها حقّا خصوصيّتها، لها إكراهاتها وتعقيداتها، خاصّة إذا كانت كتابة تروم الموضوعية والمصداقية، وتهدف إلى تأسيس جانب من النّقد البنّاء في قراءة المشهد السّياسي بتونس. ذلك النّقد المؤسّس على البحث عن الثّغرات والأخطاء قصد إصلاحها. وإن كانت منهجيّة الفاعل السّياسي هي منهجيّة الصّمت واللاّمبالاة وعدم الاِكتراث بما يكتبه الكتّاب المستقلّون. فهذا لا يعني الكاتب النّزيه في شيء، مادام الإيمان بالتّراكمات يدعّم التّجربة النّقدية ويمنحها عنفوان الكشف عن المنحنيات والتّجاويف الّتي تكتنف مسار السّياسة في تونس. وهذا ما يجعلني اليوم، أقف على ربوة الإنخراط في الهمّ السّياسي التّونسي من موقع المفكّك لمآلات صيرورة العمل السّياسي وهندسته الخارجية، دون القطع بيقينيّة التّحليل، لكن ثمّة نسبة كبيرة من القراءة العقلانية تغذّيه وتمنحه خصوصيّته. فاللاّعب السّياسي الوحيد اليوم في تونس هو الرّئيس. ولا يستطيع أيّ حزب أن ينفلت من أساره إلاّ عبر لغة خشبية، والوعود الكاذبة. وهو ما ينفي عن السّياسة بتونس أيّ تعريف غير التّعريف الّذي يربطها بالقوّة. والقوّة هنا تتفكّك إلى مستويات عديدة، في تبريرات العنف عبر مختلف الآليات والإمكانيات المتاحة. أو قوّة الدّهاء عبر اِستقطاب كوادر ونخب سرعان ما يتمّ تمييعها وتحريفها ونزع كلّ مصداقية عنها، أو وجوه قديمة اُستهلكت واِنتهت صلاحيّتها السّياسية منذ العهد البائد وتحاول التّموقع من جديد وإعادة إنتاج نفسها. أو قوّة الإغراء بمنح اِمتيازات لا حدود لها، هي في نهاية التّحليل ترتدّ إلى رشاوى عينيّة ورمزيّة. أو منح وميض السّلطة الّذي سرعان ما ينطفئ بعد اِستنفاذ الوظيفة. فكما أنّ السّياسة تتطوّر وتتقلّب، فإنّ مفهوم القوّة أيضا يتطوّر ويتقلّب، ويخضع لنفس مسارات السّياسة أحيانا. لكن هل هذا المنطق وهذه المعادلة تنطبق على فعل ومسار السّياسة بتونس؟. لنكون واضحين ونعلنها منذ البداية أنّها لاتخضع لهذا المنطق.

فإذا كان علماء السّياسة يعرّفونها باِعتبارها علاقة بين الحاكم والمحكوم عبر آليّات متعدّدة، كالبرلمان والحكومة والجماعات المحلّية. فإنّ هذه الوسائط تنحلّ بدورها إلى جهة المحكومين، لينفرد القصر مباشرة بتعيين وتحديد نوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وتتقلّص هذه العلاقة إلى فعل مباشر. إرادة القصر وإرادة الشّعب، والحكومة والبرلمان وممثّلو الشّعب هم مجرّد أثاث وأكسسوارات تجمّل الدّيكور وتضفي عليه نوعا من صورة الدّولة الدّيمقراطية..