أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / إذا غابت المشاريع السّياسية حضرت مناكفات ميليشياوية 

إذا غابت المشاريع السّياسية حضرت مناكفات ميليشياوية 

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

عندما اِشتدّ الاِستقطاب السّياسي بين حكم التّرويكا وجماعة الرّحيل كانت هناك محاولات لدفع الصّراع السّياسي بين شركاء مقاومة الاِستبداد على الأقلّ إلى محاور التّقديرات السّياسية المختلفة حول إشكاليّات “الشّرعية” أو “الاِنقلاب” أو مسار الاِنتقال في سياق الفرز السّياسي بين “القديم” و”الجديد” ومفاهيم “الكتلة التّاريخية” والنّقاش حول قدرات المنظومة القديمة على التطوّر وصوابيّة التّحالف معها في مواجهة الخصم الإيديولوجي أو تفكيكها ودفع المخالف إيديولوجيا إلى التّسويات مع الشّركاء السّابقين في معارضة التسلّط.

لكنّ أطرافا وأتباعا من هذه الجبهة أو تلك كانوا يدفعون الصّراع إلى مناكفات شخصية تحت عناوين “التّكفير” المتبادل بزعم تملّك الحقّ “الحداثي” أو “الدّيني” أو عناوين السّباب الذّاتي وهتك الأعراض والمزايدات على “الثّورية” أو “التقدّمية” أو “الدّيمقراطية”.

وعندما اِندلع الاِختلاف حول المسألة السّورية واليمنية مثلا أيضا بين إسلاميين ويساريين وعروبيين وحتّى مجرّد ليبيراليين وطنيين اِشتركوا في مقاومة الاِستبداد النّوفمبري اِتّجه الصّراع أيضا نحو الهتك المتبادل للأعراض “الوطنية” و”الدّيمقراطية” واِعتمد بعض شباب مغفّل حتّى مفردات “الفتنة المذهبية” النّتنة والاِتّهامات بالعمالة أو المحاكمة الرّخيصة بدعوى مساندة “الاِستبداد” وهم أبعد حتّى عن معرفة من عارضه في سنوات الجمر حين كانوا مشغولين في مدارج الملاعب وحفلات الشّبيبة المدرسية والتّعاونيات الطّلابية التجمّعية.

كلّ ذلك كان يتمّ بسكوت قيادات “عاقلة” بل بتشجيع منها ممّا فوّت على المشهد السّياسي نقاشا أعمق حول المشاريع الوطنية الكبرى الّتي تقدّم لتونس رؤى شاملة وإن اِختلفت حول بدائل سياسية واِجتماعية وثقافية واِستراتيجية وحوّل الأتباع إلى “عوام” متناحرين يهتكون الأعراض ويتطاولون على القامات.

منذ اِنتخابات 2014 وبعد تصدّع الجبهتين التّقليديتين المتواجهتين بعد 2011 تفرّق المتّحدون أيدي سبأ وأصبح نفس السّباب الّذي تواجهت به الجبهتان وتحوّلت نفس الشّتائم الّتي أطلقها هؤلاء على أولئك هو ماعون “الصّراع” بين الأطراف المتصدّعة.

يساري يهتك عرض رفيقه وعروبي يلعن أخاه وتيّار يشنّع على حليفه السّابق بنفس القاموس الّذي اِستعملوه معا تجاه خصومهم ما دامت الحسابات النّقابية قد اِقتضت ذلك.

حراكي أو مؤتمري يلعن نهضاويا ونهضاوي يشلخ تيّاريا وسلفجي يكفّر نهضاويا ومرزوقيا بنفس قاموس المواجهة الّتي كان بعض هؤلاء يناكفون به خصومهم حين كانوا يتوهّمون بذلك أنّهم ينصرون “الثّورة” و”الشّرعية” ويزعمون “اِتّحادا” في مواجهة القديمة.
نرفض ملائكيّة التّوافقات أو كره الصّراع، فبدون الصّراع لا تكون سياسة وحرارة الاِختلاف والتّناقضات والصّرامة في الدّفاع على الموقف هي الّتي تبني المشهد الوطني القويّ بعيدا عن نفاق “السّلمية الزّائفة” أو “التّوافقات الملغومة” لكنّنا نُصرّ على أنّ الصّراع الحقيقي المثمر هو صراع الأفكار والمشاريع والدّفاع عليها بشدّة العارفين وقوّة الخطاب وعنف الإقناع لا بسباب وشتائم السّطحيين.

ماذا نقول الآن لمن أوجعونا بقطعانهم العامية الّتي أطلقوها علينا تنهش ذواتنا دون نقاش أفكارنا.. ماذا نقول لهم وهم يُشربون الآن بعضهم بعضا من نفس الرّداءة الّتي قذفوها على وجوهنا؟ اِحصدوا ما زرعتم من ميليشياتكم بعد أن درتم على بعضكم بعضا.