أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / لحظة أخبار / أخبار وطنية / إحدى الضّحايا: “لن أسامح. ما عشته من ويلات وما أعانيه اليوم لم يترك لي أيّة قدرة على التّجاوز”

إحدى الضّحايا: “لن أسامح. ما عشته من ويلات وما أعانيه اليوم لم يترك لي أيّة قدرة على التّجاوز”

Spread the love

هيئة الحقيقة والكرامة

خصّصت جلسة الإستماع العلنيّة السّابعة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، الّتي عقدتها هيئة الحقيقة والكرامة مساء أمس الجمعة، لتسليط الضّوء على الإنتهاكات الّتي طالت نساء تونس طيلة عقود، وذلك بمناسبة الإحتفال باليوم العالمي للمرأة.

وتعلّقت الشّهادات بثلاثة أنواع من الإنتهاكات، من لها صلة بـ”القفّة وسجن الأطفال” وأخرى متعلّقة بالنّاشطات الحقوقيّات، وثالثة طالت ضحايا المنشور عدد 108.

الشّهادة الأولى لضحايا التّعذيب في جلسة الإستماع العلنيّة كانت تحت عنوان “معاناة القفّة والزّيارة” وهي معاناة تعرّضت إليها مباركة التّونكتي، أمّ سجن 5 من أبنائها على خلفيّة إنتمائهم لحركة الاتّجاه الإسلامي (حركة النّهضة حاليا) ونشاطهم الدّعوي والإجتماعي.

أصيبت الضحيّة بالسكّري وبالرّعاش وهي تعاني حاليّا من اضطرابات نفسيّة واكتئاب حادّ. لم تستطع القدوم لتروي شهادتها وحضرت عوضا عنها ابنتها هدى الّتي روت أنّ بداية المحنة انطلقت سنة 1984 (مظاهرات أحداث الخبز). في مظاهرة بمنطقة بن عروس أين وقع إيقاف تلاميذ وضبطت قائمة بأسمائهم لطردهم نهائيّا من معاهدهم. كان من بين هؤلاء عبد الرّؤوف بن مباركة الّذي عاد للمنزل يومها لكنّ أخاه فيصل لم يبت ليلته بالمنزل.

قالت هدى “ليلتها، تتالى الطّرق العنيف على باب منزلنا وهجمت بمجرّد فتحه مجموعة كبيرة من رجال الشّرطة بعضهم أشهر مسدّسه في وجوه الأطفال ودخل آخرون إلى غرفة رؤوف حيث كان نائما بسريره وانهالوا عليه ضربا بالأرجل قبل أن يقتادوه إلى الخارج”. في السّاعة الواحدة من اللّيلة ذاتها تهجم مجموعة أمنيّة أخرى على المنزل تجرّ معها أخاها فيصل بطريقة وحشيّة ليقتادوا معهم بعد ذلك أخاها عبد الرحمان.

تواترت المداهمات اللّيلية لمنزل الضحيّة، وكان الأعوان يتعمّدون ترهيبها وإهانتها. وبلغت المعاناة ذروتها سنة 1990، وفق ما ذكرت هدى. سنتها، تمّ إيقاف الإبن رؤوف الّذي حوكم في ما بعد بـ21 سنة سجنا بتهمة المشاركة في الإعتداء المقصود به تبديل هيئة الدّولة والإنتماء إلى جمعية غير مرخّص لها. ثمّ تمّ إيقاف ابنها الثّاني فيصل فالثّالث مهدي، وسجن بعدهم ابناها الرّابع والخامس منير وعبد المنعم.

وإمعانا في التّنكيل، وزّعوا أبناءها على سجون متفرّقة (9 أفريل وبرج الرّومي وجندوبة والنّاظور وحربوب وسوسة والهوارب وقابس وبرج العامري وقرمبالية والكاف وبنزرت). صارت الضحيّة تقضي أيّام الأسبوع في التنقّل بين السّجون وتحمل لأبنائها “القفّة” بالتّداول. كما تحمل قفّة لزوج ابنتها فوزيّة المسجون أيضا بتهمة الإنتماء إلى جمعية غير مرخّص لها. كانت تتعرّض هي وأفراد عائلتها لشتّى أنواع الإهانات، إذ كان الأعوان يجبرونها على نزع حجابها شريطة رؤية أبنائها ويستغلّون أحيانا أمّيتها ليدّعوا أنّ بطاقة الزّيارة غير سليمة فيمنعونها من الدّخول.

تعرّض الأبناء لشتّى أنواع التّعذيب وللسّجن الإنفرادي عدّة مرّات وأحيانا لأسباب واهية. وطردت هدى ابنتها من المعهد بسبب ارتدائها الحجاب. كانت العائلة وفيرة العدد تتكوّن من أب وأمّ و14 طفلا، وليس لها من عائل سوى الأب الّذي يعمل سائق حافلة ولا يكفي أجره لسدّ رمقهم. اضطرّت مباركة للتنقّل بين الأسواق الأسبوعيّة القريبة من محلّ سكناها تبحث عن بقايا الخضر الّتي يلقي بها البائعون لتوفّر “القفاف” لأبنائها. أصرّت مباركة على عدم الإنقطاع عن زيارة أبنائها، وقالت هدى “القفّة رسالة لأخوتي المسجونين بأنّ لهم سندا”.

تواصل عذاب العائلة حتّى بعد أن أطلق سراح أبنائها المسجونين، فالمتابعة الإدارية حرمتهم من حقّ الدّراسة والعمل، ومات الإبن مهدي سنة 2011 بعد معاناة مع مرض السلّ الّذي أصيب به في السّجن.

قالت مباركة في فيديو مسجّل قدّمته الهيئة خلال جلسة الإستماع ” لن أسامح. ما عشته من ويلات وما أعانيه اليوم لم يترك لي أيّة قدرة على التّجاوز”.

أمّا بالنّسبة للنّاشطات في الحركة النّسويّة في النّظامين السّابقين، فقد قضين حياتهنّ محاصرات في عملهنّ وحياتهنّ العائليّة، مطوّقات أمنيّا، هرسلة وتضييق، تفاصيلهنّ الخاصّة ليست خاصّة، يتنصّت عليهنّ جهاز أمن الدّولة ليلا نهارا، موْسومات بنعوت جنسيّة بذيئة وسمعتهنّ مشوّهة… أمّا العنف اللّفظي والجسدي والإيقافات فتفاصيلها لا تغيب عن كلّ رواية قدّمتها ضحيّة من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

تعرّضت الرّئيسة السّابقة للجمعية التّونسية للنّساء الدّيمقراطيات أحلام بلحاج، الّتي كانت شهادتها مسجّلة بسبب ظروف خاصّة منعتها من حضور جلسة الإستماع، بالحديث لما تعرّضت له من عنف نفسيّ وجسدي وسياسيّ خلال نشاطها ضمن الحركة النّسوية وخاصّة صلب هذه الجمعيّة الّتي التحقت بها منذ تأسيسها في أوت 1989.

وقالت “إنّ التّصادم بدأ مبكّرا مع سلطة لا تخجل ولا تحترم أحدا”، مشيرة إلى أنّ نشاط الجمعيّة واهتمامها بالنّساء ضحايا العنف ومرافقتهنّ وطرحها لفكرة التّمييز الإيجابي لفائدة المرأة كان مرفوضا من قبل كلّ الحساسيّات، من النّظام في حدّ ذاته ومن اليسار الّذي يرفض حركة نسويّة مستقلّة ومن الإسلاميّين الّذين يرفضونه باعتباره تشبّها بالغرب.

هذا النّشاط جعل الجمعيّة ومناضلاتها وكلّ من يتردّد عليها من ضحايا العنف وغيره هدفا للقمع البوليسي، وفق بلحاج، كما أنّ مناضلات الجمعية كنّ كغيرهنّ من النّاشطات في الحركة النّسوية معرّضات للهرسلة اليوميّة في العمل وفي التدرّج المهني ولدى استخراج الوثائق الشّخصية وفي المشاركة في المناظرات…

اشتدّ هذا التّصادم وبلغ أوجه في بداية التّسعينات، “حين انكشف الوجه الحقيقيّ للدّيكتاتورية”، حسب ما روته الضّحية، الّتي بيّنت أنّها تعرّضت إلى كافّة أنواع العنف اللّفظي والجسدي والجنسي والسّياسي، حيث كانت عضوات الجمعيّة ممنوعات من النّشاط خارج مقرّ الجمعية ومن الظّهور في الإعلام إضافة إلى تطويق المقرّ أمنيّا وقطع الأنترنت والتعرّض للتّنصّت على هاتف الجمعيّة وكذلك هواتف كلّ من ينشط فيها، وبالتّالي انتهاك حياتهنّ الخاصّة. وضمن هذا المناخ المتميّز بالتّضييقات وممارسة القمع، مرّت الضحيّة بسنوات صعبة كانت خلالها محاصرة في حياتها اليومية، في استقبالها للضّيوف في بيتها، في الدّخول والخروج منه، تحطّمت سيّارتها وتعرّض أبناؤها للهرسلة. كما تمّ سجن زوجها مرّات عدّة، مع السيل المتواصل للإهانات ووسمها بنعوت جنسيّة بذيئة في إطار تشويه سمعة النّاشطات في هذه الجمعيّة.

أمّا الحالة الثّانية الّتي اختارتها هيئة الحقيقة والكرامة فهي روضة الغربي. حقوقيّة ونقابيّة وناشطة في المجتمع المدني، متحصّلة على شهادة الأستاذية في علم النّفس وشهادة الدّراسات المعمّقة في علم الإجتماع. التحقت بسلك التّدريس بالمعاهد الثّانوية سنة 1973 وانضوت في صفوف الاتّحاد العام التّونسي للشّغل منذ التحاقها بسلك التّدريس.

تعرّضت روضة الغربي إلى تضييقات بلغت حدود الإيقاف في فيفري 1972 على خلفيّة نشاطها في بداية السّبعينات مع حركة “برسبكتيف”، وهي مكوّن نقابيّ طلابي سياسي كان يدعو إلى اتّباع سياسة إشتراكية وعدم الخضوع لإملاءات صندوق النّقد الدّولي، غير أنّ النّظام البورقيبي واجه هذه الحركة بالتّضييق على حرّية أعضائها في التّعبير. ومارس في حقّهم عدّة انتهاكات طالت حقوقهم السّياسية والمدنيّة انتهت بمقاضاة أغلبهم بتهم مختلفة في عدّة محاكمات. كما تمّ إيقافها في مناسبات عديدة لاحقا، في 1973 و1974 فيما يعرف بقضيّة العامل التّونسي. وفي 19 مارس 1975 تمّ إيقافها واستنطاقها في مقرّ فرقة سلامة أمن الدّولة على خلفيّة نشاطها صلب منظّمة العامل التّونسي المحظورة، وتمّ إيداعها بغرفة مدّة ثلاثة أشهر تعرّضت خلالها للتّعذيب وسوء المعاملة.

بعد خروجها من السّجن في كلّ مرّة دون إدانة، ورغم التّضييقيات والتّهديدات، واصلت روضة الغربي النّضال النّسوي الحقوقي صلب نادي الطّاهر الحدّاد والجمعية التّونسية للنّساء الدّيمقراطيات، حيث تعرّضت كغيرها من عضوات الجمعيّة إلى الهرسلة وإلى حملات تشهير وثلب وتشويه طالت أعراضهنّ للضّغط عليهنّ وتخويفهنّ. كما نشطت روضة الغربي صلب الرّابطة التّونسية للدّفاع عن حقوق الإنسان بداية التّسعينات، وعلى إثر انعقاد مؤتمر الرّابطة بعد الثّورة تمّ انتخابها صلب هيئتها المديرة.

وقدّمت إيناس الجفناوي شهادتها ضمن الشّهادات الّتي طالت ضحايا المنشور عدد 108. تساءلت إيناس عند تقديمها لشهادتها “هل حقّا أنا متخلّفة؟ هذا السّؤال ظلّ يلاحقني 14 سنة ولم أظفر بإجابة”.

تعرّضت إيناس للحرمان من اجتياز امتحان آخر السّنة بالمعهد الأعلى للتصرّف بسبب ارتدائها الحجاب. تقول إيناس “أنا من جيل “القطن”. كان أولياؤنا يخافون علينا من كلّ شيء وكنّا نجهل أمور السّياسة… إجتزت امتحان الباكالوريا بتفوّق واخترت التوجّه إلى المعهد الأعلى للتصرّف، حلمي منذ الصّغر”. فجأة قرّرت إيناس أن ترتدي الحجاب، وكان ذلك في الرّابع من أكتوبر سنة 2002، وبدأت معاناتها مع التّضييقات داخل المعهد الّذي تدرس فيه. لم تعد تحضر الدّروس الّتي كانت قاعاتها قرب الإدارة ومنعت من إجراء الإمتحانات رغم تفوّقها.

رفضت إيناس نزع الحجاب رغم كلّ الضّغوط الّتي تعرّضت إليها من الكاتبة العامّة للمعهد على وجه الخصوص الّتي قامت في أحد الأيّام بجذبها من غطاء رأسها ممّا أدّى إلى طرحها أرضا، واستمرّت في جرّها ثمّ اصطحبتها إلى مكتبها ونعتتها بالمتخلّفة. وأمام إصرارها على عدم نزع الحجاب افتكّت منها بطاقة الطّالب ومنعتها من دخول المعهد.

في فترة الإمتحانات كانت إيناس تستقلّ ثلاث وسائل نقل من محلّ سكناها إلى المعهد لتقف أمامه تشاهد جموع الطّلبة وهم يدخلون لإجراء الإختبارات، فأصيبت جرّاء ذلك بانهيار عصبيّ. وتروي إيناس أنّها حين عادوا بها إلى منزل أبويها، أصيبت أمّها عندما شاهدتها على تلك الحالة بالذّعر، الأمر الّذي تسبّب لها في ما بعد في الإصابة بالسّكّري، وقالت وهي تغالب انفراط دمعها “لا أريد أن أبكي ولكن أطلب الصّفح من أمّي”.

وحتّى حين التحقت إيناس بالمعهد الأعلى لتكنولوجيا الاتّصالات سنة 2005 لاحقتها المضايقات، ممّا اضطرّها إلى الإنقطاع عن الدّراسة. تزّوجت إيناس سنة 2006 وهي الآن أمّ لثلاثة أطفال، لكنّها لم تقدر على الظّفر بعمل بسبب حجابها. وروت إيناس عديد الطّرائف الّتي تعرّضت لها أثناء معاناتها، ممّا أضفى على الجلسة بعض المرح.

الشّهادة الثّانية كانت للضّحية نجاة عيشاوي، الّتي أفادت بأنّها ارتدت الحجاب منذ أن كان سنّها 14 عاما، ونتيجة لذلك تعرّضت للطّرد المؤقّت من المعهد والإحالة على مجلس التّأديب عديد المرّات. كما تمّ منعها من الدّخول إلى المعهد. وفي 9 نوفمبر 1987 توجّهت صحبة العديد من صديقاتها المحجّبات إلى وزارة التّربية للمطالبة بإرجاعهنّ للدّراسة، وفي الطّريق تمّ إلقاء القبض عليهنّ واقتيادهنّ إلى مركز أمن القصبة حيث تمّ احتجازهنّ ثماني ساعات كاملة، وتمّ بحثها دون تحرير محضر أو توجيه أيّ تهمة حين تمّ تعمير بطاقة إرشادات في حقّها وإجبارها على إمضاء إلتزام بنزع الحجاب، ثمّ تمّ إطلاق سراحها.

انتسبت نجاة للإتّحاد العام التّونسي للطلبة دون أن تنتمي إلى حركة الإتّجاه الإسلامي (النّهضة حاليّا) ونتيجة الملاحقات الأمنيّة اضطرّت إلى الفرار إلى موريتانيا لمواصلة تعليمها. وفي سنة 1994، تمّ اعتقالها إثر عودتها من موريتانيا.

تعرّضت الضّحية إلى الإهانة والتّعذيب، وحكم عليها بالسّجن لمدّة عام بتهمة الإنتماء إلى جمعيّة غير مرخّص لها. وبعد زواجها تواصل التّنكيل بالمتابعة الإدارية، إذ كان لزاما عليها الحضور خمس مرّات بمركز الأمن للإمضاء. ووجّهت إليها وإلى زوجها تهمة مجاوزة الحدود خلسة. وتعرّضت بمركز الأمن ببن عروس إلى التّعذيب وتعريتها وزوجها أمام أنظار أعوان الشّرطة.

(أحمد المسعودي)