أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / أهداف الثّورة المدسترة والمشروع المعبّئ

أهداف الثّورة المدسترة والمشروع المعبّئ

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

لا يمكن أن تُحكم الشّعوب في اللّحظات الفارقة إلاّ بمشروع يعبّئ طاقاتها ويوجّه دوافعها الغرائزية الهادرة نحو الأحلام الكبيرة والبناء والتّأسيس بعيدا عن عبثية الهدم التّناتوسي القاتل وتفاهة الطّموحات.

أوائل الاِستقلال كان “بورقيبة” زعيما معبّئا لشعب وجّه طاقاته لبناء الدّولة الوطنية الحديثة، وقد تمكّن “الزّعيم” من ترويض شعب فقير وجائع ولكنّه ذاب في ذاته قابلا التّضحية بالحرّية والرّفاه من أجل “حلم وطن”.

تمكّن “بورقيبة” من إزالة كلّ خصومه اليوسفيّين والدّستوريّين ومن تدجين كلّ معارضيه ومن منافسة غرمائه العرب والإقليميّين على اِمتداد الستّينات وأوائل السّبعينات عبر التّعبئة على حلم “البناء الوطني” و”الوحدة القومية” و”فرحة الحياة القادمة” والاِنتقال من “التّعاسة إلى الخصاصة” كما كان يقول. لا بل إنّه أنجز أخطر المهامّ حين تمكّن من حلّ “المجتمع الأهلي التّقليدي” بمقدّساته الدّينية وتعليمه وقضائه وأحواله الشّخصية دون أن يواجه ردّات فعل رافضة من شعب “مُعبّأ” حول زعيم لا يملك إلاّ قدرة على الخطاب وإلهاب المشاعر وتكبير الحلم.

لن يسقط “الزّعيم” إلاّ حين ذبُل ألق مشروعه الوطني والاِجتماعي وظهر زيف الدّيماغوجيا فبدأ يواجه “الاِنشقاق” من أواخر السّبعينات حتّى أخذ مكانه “مشروع التّغيير” بمفرداته الجديدة في “مقاومة الظّلامية” و”الدّفاع على قيم الدّولة والمجتمع المدني” و”مكاسب الحداثة” ليتمّ “تعبئة التّونسيين” مرّة أخرى حول “أحلام الرّفاهية” و”الاِستهلاك” دون اِهتمام بما تنجزه “المؤسّسة القمعيّة” من اِستئصال للإسلاميّين والحقوقيّين والنّشطاء على اِمتداد تسعينات التّرغيب والتّرهيب ما دام للحاكم مشروع معبّئ يضمن به اِلتفاف “الجماهير” حوله.

سيهرب بن علي تحت وقع “ثورة عارمة” ومرعبة ومفتوحة على “التّدمير” حين اِكتشفت الحشود “زيف المشروع ” وأدركت “الفضيحة” الّتي رتّبت تونس في مؤخّرة الدّول الّتي اِستقلت معها من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاّتينية وحين ينهار المشروع المعبّئ تنطلق “غرائز الشّعوب” لتبحث عن مشروع جديد يوجّهها إلى البناء الأيروسي بعيدا عن دمار التّاناتوس.

عجزت التّرويكا بعد 2011 عن تلقّف مفردات المشروع المعبّئ، فقد اِكتشفنا بأثر رجعي أنّها وضعت في المسؤوليّة أسوأ من تملك من وزراء ومستشارين أعاقتهم نزواتهم الخاصّة أو حدود قدراتهم في اِستيعاب اللّحظة فسقطوا تحت وقع مهارة الاِنقلاب الّذي وظّف، ويا للغرابة، أدقّ ما في غرائزيّة الشّعب الّذي توجّه إلى “هدم” من لم يتمكّن من تحمّل الأمانة واِستثمار أرقى ما فيه من قدرة على التّضحية. لو أحسّ الشّعب أنّ “الترويكا” تعبّئه (كما تمنّى حين اِنتخبها) على مشروع وطني ليس له من عنوان آخر إلاّ تفكيك منظومة الاِستبداد والفساد لضحّى معها ولكنّه لم ير منها إلاّ غرقا في زواريب دولة الفساد والاِستبداد ولم ير من بعض مسؤوليها إلاّ التّطبيع سلوكا وممارسات مع قيم ثار لمواجهتها.

لم يذهب إلى اِنتخابات 2014 إلاّ ثلث الشّعب المعنيّ بالتّصويت بعد أن أدرك الثّلثان أنّه لم يعد هناك مشروع للتّعبئة من أجله فلم يعد الأمر متعلّقا إلاّ بطبقة سياسيّة تتناهش جثّة دولة متهاوية بلا مشروع. وعلى اِمتداد سنوات التّيه في صحراء الثّورة لم يعد للتّونسيين من مشروع يجتمعون حوله إلاّ “طموحات الجياع” و”زيادات الأجور” و”الحصول على شغل في الدّولة” وهي لعمري من علامات موت الشّعوب ودولهم. شعوب بلا مشروع وطني هي شعوب في أدنى مراتب “الدّوافع” تنحر وتنتحر.