أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / أمّي الحُرّة

أمّي الحُرّة

Spread the love

الأستاذ سالم المساهلي

لَم تكُن أمّي ولا نسَاءُ قَريَتنا يَنتَظِرنَ الثّالثَ عشَر من أوت كَي يخرُجنَ إلى خِدمةِ الأرضِ في الحُقولِ، أو جَلبِ المنَافِع المختَلفَة. كانت والدَتي الكريمَة وَسَائر من عَرفتُ من النّسَاء هناك، يقُمن بواجبَاتهنّ داخلَ البيتِ وخارِجَهُ دون شُعورٍ بالدّونيّة، بل عرَفتُ منهنّ سيّداتٍ قوّاماتٍ على البيُوت والأسَر، تجدهنّ في السّوق، سوق الخضر أو الدّواب، وفي غيره من الأماكن العامّة، يجادلنَ عن أنفسهنّ في كفاءة واِقتدار. وحين أذكُر الآنَ أنّ أمّي هي الّتي ناضَلَت وكافحَت كَي أُرَسّمَ للدّراسة بمدرسَة بانو الرّيفيّة التّابعة لمعتمدية القصور، وكيفَ كانت تُحَاججُ مُدير المَدرَسة آنذاكَ كاللّبُؤة، في غياب الوَالد رحمَه الله، الّذي كان يشتغل بمنجَم أمّ العرائس، أعترِف لها بما يَجلّ عن الوَصفِ من مَشاعِر العِرفان والإجلال، وبما لا تَستَطيعُهُ اللّغة من معانِي التّقدير والإكبار، لما كانت عليه من الرّجولة والمسؤولية، وما كانت تتمتّع به من شجاعةٍ وجُرأة وشُعورٍ أصيلٍ بالحُرّيّة، وهو شأن كثيراتٍ من أمّهاتِنا في ريفنا العَالي.

ممّا أذكر مِن مواقِفها الصّلبة، أنّ معلّمي في السّنة الثّانية اِبتدائيا- على ما أذكر-، عاقبني، لسبب نسيته الآن، بأن حبَسني بعد نهايةِ الحصّة الدّراسيّة على السّاعة الخامسة مساء، وكان الوقت شتاء، يصادف فيه ذلك التّوقيت موعد الغروب. فلمّا تأخّرت عودتي، اِلتحقَت بي أمّي إلى المَدرسَة، ولمّا تبيّنَت سبب تأخّري، واجَهت المعلّمَ بكلماتٍ ماتزالُ تتردّد في أذني حيث صاحت في وجهه: “أنت بيدك تستحقّ التّربية.. كان كلاه الذّيب وإلاّ فجعو كلب.. وين ماش تحطّ روحك؟.. نجيبك من كرش حوتة..!”، وبقدر اِعتزازِي بموقفها وإحساسي بالأمان وهي تمسك بيدي وتنتقم لي، شعرت بخجل ماحق وحرج كبير. غير أنّ المعلّم كان ذكيّا فاِمتصّ غضبها قائلا: “عندك الحقّ خالتي.. عندك الحقّ، إن شاء الله ماعادش تتعاود”. كان درسا بيداغوجيّا في آليّات العقاب، حفظه سيّدي جيّدا.

من هناكَ، رسَخَ في وجدَاني وفكرِي أنّ الرّجُولَة قيمَة منفَصِلةٌ عن الجِنس، وأنّه لا فرقَ بين الرّجُل والمَرأة إلّا في طبائعِ الخَلقِ. ليس هذا الكلامُ إنكارًا لما جاءت بِه مجلّة الأحوال الشّخصيّة من مكاسبَ حقوقيّة، ولا ما قد يتحقّق للمرأة من مكاسبَ مستَقبلا، وإنّما هوّ رفضٌ للتّوظيف السّياسيّ الرّديء لخطابِ تحرير المرأة الّذي يُنسَبُ حصرًا لفَردٍ بعَينِه، في حين أنّ الحرّية أصيلةٌ متجذّرة في تربتنا الثّقافية، ولم نستوردها من أوروبا.

لقَد حرّرتنِي أمّي من الجَهل لأنّها كانت فِعلا حُرّة، وتعلّمتُ من حِكمتِها وتجرِبتِها الحياتيّة الكثير. عرفتُ أمّي (الأمّيّة)، متَحدّثةً حكيمَةً، حيث كنتُ أحضرُ بجوارِها وهي تتدخّلُ في مسَائل كثيرة إلى جانب وجُوه القرية، وأقسِم أنّ عددا منهم كان يأتينا إلي بيتنا الصّغير، ليتشاور معها في شأن ما. أرى اليومَ ما تدّعيه بعضُ النّساء من تحرّر خالٍ من المعنَى والمعرفة والقيم، وأرى كيف يوظّف السّياسيّ شعارَ الحرّيّة ليضحك عليهنّ ويناور بخطابه. أقول لأمّي مُداعبًا: بنات اليوم خير… فتُجيبني بحكمَتها المعهُودة: “فاش وليدي..؟ في الكشْف، الله لا يكشفنا، آما هذاكا الوقت، كلّ دولة تخدمها رجالها”.

تناهى إلى سمعي، عبر إذاعة الكاف، وأنا أخطّ هذه الفقرة، نغم: (يا بنت المدينة عليك نغنّي) للمغربي معطي بنقاسم، فصدح وجداني فخورا بنغم التّونسي علي الرّياحي: (زينة يا بنت الهنشير، يا بنت الغلّة والشّجرة، بنت القمح وبنت شعير، بنت الشّمس وبنت القمرة).