شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | أسباب تزايد جماعات الكراهية الأمريكية في عهد “ترامب”

أسباب تزايد جماعات الكراهية الأمريكية في عهد “ترامب”

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

شهدت الولايات المتّحدة خلال العام الماضي (2018) تنامي ظاهرة الشّعبوية اليمينيّة، ومعاداة السّامية، وتصاعد أعمال الإرهاب الدّاخلي، وزيادة جرائم الكراهيّة، وتفجّر العنف في الشّوارع. وهو ما يمكن تفسيره في ظلّ توقّع مكتب الإحصاء الأمريكي بتحوّل البيض إلى أقلّية بحلول عام 2044 من ناحية، وصعود “دونالد ترامب” بمذهبه القومي وتعصّبه العرقي من ناحية أخرى. وعلى إثر ذلك أخذت مظاهر الكراهيّة منحنى جديدا، وتزايدت المخاوف لدى الأمريكيّين البيض جرّاء التّداعيات المحتملة على التّركيبة السكّانية سريعة التغيّر.

نجح اليمين المتطرّف على مدار عقدين من الزّمان في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضدّ المهاجرين من المسلمين وغير البيض

وفي هذا الإطار، تبرز أهمّية التّقرير نصف السّنوي المعنون “عام الكراهيّة والتطرّف: سباق ضدّ التّغيير”، الصّادر عن “مركز قانون الفقر الجنوبي” في فيفري 2019، والّذي تساءل عن إمكانيّة بناء ديمقراطيّة سلمية متعدّدة الثّقافات في ظلّ تصاعد القوميّات البيضاء، وتنامي الإرهاب الدّاخلي، وبروز السّياسات العنصرية، وبخاصّة في ظلّ تزايد عدد التّنظيمات الّتي تنشر الكراهيّة، والّتي بلغت قرابة ألف جماعة في عام 2018، بزيادة تقدّر بحوالي (7%) عن عام 2017، ممّا يُقوّض الدّيمقراطية الأمريكية؛ إذ تحتقر الغالبيّة العظمى من تلك الجماعات الأقلّيات العرقيّة والدّينية.

1- اليمين المتطرّف

يجادل التّقرير بأنّ العام الماضي (2018) كان الأكثر دمويّة على الإطلاق؛ حيث زاد عدد القتلى في الولايات المتّحدة وكندا عن 40 شخصا، وذلك على يد أنصار اليمين المتطرّف، ممّا يعكس اِستمرار العنف على نحوٍ لا يمكن التنبّؤ به من ناحية، ونجاح اليمين المتطرّف في نشر العنصريّة خاصّة بين الرّجال البيض في منتصف العشرينيّات من ناحية أخرى.

وتشمل جرائم القتل كلًّا من: حادثة الدّهس باِستخدام سيّارة “فان” بتورنتو، وإطلاق النّيران في إحدى المدارس الثّانوية بولاية فلوريدا، والهجوم على الكنيس اليهودي بولاية بنسلفانيا، والطّعن الوحشي خارج ملهى ليلي في مدينة بيتسبيرج بولاية “بنسلفانيا”. وترتبط كافّة تلك الجرائم بإحدى جماعات الكراهيّة المعروفة باِسم “بديل اليمين Alt-Right” الّتي تدعو إلى تشويه سمعة المرأة، وتجريدها من إنسانيّتها، وفي بعض الأحيان اِستخدام العنف الجسدي والجنسي ضدّها، بجانب التّرويج للقتل الجماعي، ونشر الشّائعات عن الجماعات اليهودية، ودورها المزمع في تهديد العرق الأبيض عن طريق تأييد ودعم اللاّجئين والمهاجرين.

وقد نجح اليمين المتطرّف في تأسيس واحدة من أبرز جماعات الكراهيّة المعروفة باِسم “براود بويز”، الّتي شاركت بالفعل في أعمال الشّغب والاِضطرابات الّتي عُرفت بمظاهرات “حرّية التّعبير” بمدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا في 2017. ومنذ تأسيسها في 2016، صوّر أنصارها أنفسهم بالمتطرّفين الغربيّين الّذين يحتفلون بالرّأسمالية، ويحاربون الفاشية، ويشيدون بالأدوار التّقليدية للجنسين، ويفضّلون الحديث عن الاِختلافات الثّقافية لا العرقيّة، ويقبلون بعضويّة غير البيض. ونتيجة لذلك، لا يمكن وصفهم بالعنصريّين، على حدّ قول التّقرير.

ويُشير التّقرير إلى جماعة أخرى من جماعات الكراهية، ألا وهي Atomwa، الّتي تتطلّع إلى الماضي، وتدعّم النّازية الجديدة الّتي يروّج لها المتفوّقون البيض منذ سنوات. وتعتقد أنّ الحضارة الغربية يجب تدميرها بالكامل، وإعادة بنائها من جديد، دون اليهوديّة وغير البيض، وإعادة النّظام الشّامل للاِشتراكية القومية. ومن ثمّ يروّجون لفكرة الاِشتراكية القومية الّتي تأخذ شكل الصّليب المعقوف، والّتي ترتفع على أنقاض الولايات المتّحدة المدمّرة تماما. وينخرط أعضاؤها في التّدريب على الأسلحة التّكتيكية في الغابات. ولديها حوالي 80 عضوا على المستوى الوطني.

ويسلّط التّقرير الضّوء على حركة “Rise Above” الّتي أعلنت عن وجودها في مارس من العام الماضي، في تجمّع مؤيّد لـ”ترامب” بالقرب من شاطئ هنتنجتون في كاليفورنيا، ويسودها العرق الأبيض، ولا تمانع في اِستخدام العنف ضدّ أعداء اليمين المتطرّف، ويدّعي أعضاؤها أنّهم ليسوا عنصريّين، لكنّهم يروّجون لعقيدة النّازيّين الجدد على وسائل التّواصل الاِجتماعي. ولبعضهم سجلّات جنائيّة بفعل اِستخدام العنف.

وقد شارك بعض أعضائها في مسيرات عدّة مثل: “مسيرة ضدّ الشّريعة” كجزء من سلسلة اِحتجاجات وطنية نظّمتها جماعة الكراهيّة المعادية للمسلمين المعروفة باِسم “ACT for America” في سان بيرناردينو بكاليفورنيا في منتصف جوان 2017. وعلى الرّغم من اِنسحاب الحركة من المشهد الرّاهن إلاّ أنّها تروّج لأفكارها باِستخدام وسائل أخرى.

ويُضيف التّقرير إلى ما سبق الجماعات القومية السّوداء الّتي زاد عدد فصائلها من (233) فصيلا في 2017 إلى (264) في 2018. ولذا، مثّلت تلك الجماعات ربع جماعات الكراهيّة في 2018. وتعادي تلك الجماعات السّامية، وتشجّع المتعصّبين العنصريّين، وتناهض كلّا من: المثليّين، ومغايري الهوية الجنسيّة، والبيض. وعلى عكس جماعات الكراهيّة البيضاء ذات التّأثير في البيت الأبيض، لا يملك القوميّون السّود أيّ تأثير يُذكر في السّياسات الأمريكية.

2- عوامل مفسّرة

أرجع التّقرير تزايد عدد جماعات الكراهية خلال العام الماضي (2018) إلى سياسات الرّئيس “ترامب” من جانب، والكثير من العمليّات الإرهابية الّتي سبقت اِنتخابات التّجديد النّصفي للكونغرس في نوفمبر 2018 من جانب آخر. ويشير التّقرير إلى أنّ الرّئيس الأمريكي اِستطاع نشر أفكاره المعادية للمهاجرين والمسلمين في عموم البلاد، ممّا أثار المخاوف من ظهور ما يُسمّى بـ”دولة الأقلّيات”. بالإضافة إلى تصريحاته العنصرية المتكرّرة ضدّ المكسيكيّين، منذ اليوم الأوّل لحملته الاِنتخابية، إلى حدّ وصفهم بـ”المغتصبين”. وعقب أسبوعين من اِنتخابات التّجديد النّصفي للكونغرس، تأجّج غضب “ترامب” ضدّ المهاجرين، حيث وصف أغلبهم بـ”المجرمين”، ولاجئي أمريكا الوسطى بالغزاة.

يُدرك معظم الأمريكيّين أنّ الرّئيس “ترامب” يشجّع المتعصّبين من البيض ويساعدهم على تقوية الجماعات الّتي ينتمون إليها. ودلّل اِستطلاع الرّأي الّذي أجراه معهد أبحاث الدّيانة العامّة في أكتوبر الماضي، على أنّ أغلبيّة الأمريكيّين تعتقد أنّ الرّئيس الأمريكي شجّع بالفعل الجماعات المتعصّبة، غير أنّه لم يكتفِ بذلك، إذ عيّن عددا من الأشخاص ذوي آراء متطرّفة في إدارته. ويشير التّقرير إلى أنّه لا يمكن إنكار الصّلات الّتي تربط بين بعض المسؤولين الأمريكيّين في إدارة “ترامب” بالجماعات الّتي تحرّض على الكراهيّة ضدّ المهاجرين، بما في ذلك اِتّحاد إصلاح الهجرة الأمريكيّة “FAIR”.

وقد خلُص مركز “AP-NORC” لاِستطلاع الرّأي العام في أحد اِستطلاعاته إلى إيمان معظم الأمريكيّين بعنصريّة “ترامب”، غير أنّ سياساته تعاقب على الكراهيّة؛ فقد حاول- على سبيل المثال- فرض حظر على القضاة والمتحوّلين جنسيّا في المؤسّسة العسكرية، ممّن لديهم سجلاّت عنصريّة.

ويعتقد ما يقرب من (6%) من الأمريكيّين غير البيض في الولايات المتّحدة- والبالغ عددهم 198 مليون نسمة- أنّ السّياسات الأمريكية يجب أن تعزّز مصالح البيض فوق مصالح الجماعات العرقيّة الأخرى. ولا يسود ذلك الاِعتقاد في الولايات المتّحدة فحسب؛ فالشّعبوية اليمينية الّتي يُغذّيها الحماس المناهض للمهاجرين تنتشر في جميع أنحاء العالم، وبخاصّة في المجر، وبولندا، والنّمسا، وإيطاليا، والبرازيل. كما أظهرت الأبحاث الّتي أجرتها صحيفة “الجارديان”- بالاِشتراك مع أكثر من 30 عالما سياسيّا- أنّ واحدا من بين كلّ أربعة أوروبيّين يصوّتون الآن للأحزاب الشّعوبية.

وبالعودة إلى الولايات المتّحدة، أكّد اِستطلاع “رويترز/ إبسوس” في أكتوبر الماضي أنّ الهجرة هي القضيّة الرّئيسة لدى مؤيّدي الجمهوريّين، خاصّة كبار السنّ منهم. وفي الاِستطلاع ذاته، رأى (23%) من الجمهوريّين أنّ الهجرة هي “المشكلة الأكثر أهمّية” الّتي تواجه البلاد، بزيادة (4%) عن جانفي 2012. وفي الأعوام الخمسة الماضية لم تكن القضيّة مثيرة للاِنقسام، وما يدلّل على ذلك إقرار مجلس الشّيوخ في عام 2013 مشروع قانون للهجرة بدعم من الحزبين الدّيمقراطي والجمهوري، وهو أمر غير مرجّح اليوم، وفقا للتّقرير.

ويرى التّقرير أنّ الاِستقطاب العنصري الحادّ- الّذي يعدّ عنصرا مهمّا من عناصر الاِنقسام الحزبي المتنامي في الولايات المتّحدة- قد تمّ بالفعل تجاوزه في اِنتخابات التّجديد النّصفي؛ حيث إنّ أعضاء مجلس النوّاب من الجمهوريين- ممّن تمّ اِنتخابهم في عام 2018- الأقلّ ثراءً وتعليما بجانب المقاطعات البيضاء، والإنجيليّين، والرّيفيّين، والعمّال ذوي الياقات الزّرقاء. ويُمثّل التّحالف الدّيمقراطي كلّا من: الأقلّيات، والشّباب، والنّاخبين البيض ذوي التّعليم الجامعي. وهو تحالفٌ ديموغرافي، يؤيّد تعدّد الثّقافات، ممّا يثير سخط العنصريّين البيض، ويهدّد مخاوفهم من “الإبادة البيضاء الجماعيّة”.

3- آليات الاِنتشار

تلجأ جماعات الكراهيّة إلى وسائل التّواصل الاِجتماعي لنشر أفكارها وتجنيد أتباعها. فعلى سبيل المثال، اِستخدم “سيزار سايوك“- الّذي قام بإرسال طرود مفخّخة لمعارضي “ترامب”- الإنترنت لبثّ خطابات الكراهيّة ضدّ الأقلّيات المسلمة، والمهاجرين غير الشّرعيّين، بل والدّيمقراطيين. وتكرّس حساباته على مواقع التّواصل الاِجتماعي نظريّات المؤامرة اليمينيّة المتطرّفة الّتي تهاجم اللّيبراليين البارزين، أمثال: جورج سورس، وهيلاري كلينتون. كما قام أيضا بنشر أفكاره التّآمرية عن المهاجرين غير الشّرعيين والمسلمين، وهدّد الدّيمقراطيين بوصفهم أحد أسباب اِنحطاط الثّقافة الأمريكية.

من المتوقّع تزايد عنف اليمين الرّاديكالي واِستمراره خلال الفترة القادمة بغضّ النّظر عن سياسات “ترامب” المستقبليّة

ويشير التّقرير إلى أنّ السّلطات الأمريكية تمكّنت من إلقاء القبض عليه عقب خمسة أيّام من إرساله الطّرود المفخّخة. وتتمثّل أبرز التّهم الّتي وُجّهت إليه في تهديد الرّؤساء السّابقين، وحيازة المتفجّرات غير المشروعة. ومن ثمّ لا تتّصل الجرائم السّابقة بإساءة اِستخدام مواقع التّواصل الاِجتماعي، ممّا يدلّل على عدم الرّغبة في التصدّي لإساءة اِستخدامها من قبل المتطرّفين.

ويتحدّث التّقرير عن أنّ شركات التّكنولوجيا لا تأخذ جرائم الكراهية على محمل الجدّ، وتنتظر إلى أن يحدث عنفٌ مادّي ضدّ الضّحايا قبل اِتّخاذ إجراءاتٍ ذات مغزى. وكذلك كان الحال في أعقاب أعمال الشّغب الّتي أسفرت عن مقتل شخص واحد، وإصابة ما يقرب من (20) آخرين بولاية فرجينيا، في مسيرة “توحيد اليمين” في عام 2017، وهي أكبر مظاهرة لتمييز العنصريّين البيض، والّتي تمّت الدّعوة إليها من قبل اليمين المتطرّف العنصري من خلال موقع فيسبوك. وهو ما يعكس الصّعوبات الّتي تواجه شركات التّكنولوجيا على صعيد فهم ومعالجة كيفيّة اِستخدام جماعات الكراهيّة للفضاء السّيبراني للتّنظيم والدّعاية. فلم تعد غالبيّة الجماعات القومية والنّازية الجديدة جماعات تقليدية بقيادة محدّدة. وعوضا عن ذلك، تأخذ جماعات الكراهية شكل الشّبكات المحلّية المنظّمة الّتي تعتمد بالأساس على الدّعاية والإنترنت.

ولا تدرك شركات التّكنولوجيا مدى خطورة بثّ خطابات الكراهية باِستخدام مواقع التّواصل الاِجتماعي، ولا يملكون الوسائل الّتي تحول دون ذلك، فلا يمكنهم التصدّي للإرهاب الإلكتروني. وما يدلّل على ذلك، تلقّي “جورج سورس” واحدا من الطّرود المفخّخة قبيل الاِنتخابات النّصفية للكونغرس مباشرة. ومع سعي شركات التّكنولوجيا لتنظيف منصّاتها، تبرز مواقع إلكترونية أخرى ذات شروط خدمة فضفاضة للغاية، يسهل على النّازيين الجدد وغيرهم من المتطرّفين اِستخدامها.

وختاما، غذّى ترامب واِستغل ردّ الفعل العنيف على التّركيبة السكّانية المتنوّعة للبلاد، لكنّه لم يخلقه. وقد نجح اليمين المتطرّف على مدار عقدين من الزّمان في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضدّ المهاجرين من المسلمين وغير البيض. ومن المتوقّع تزايد عنف اليمين الرّاديكالي واِستمراره خلال الفترة القادمة بغضّ النّظر عن سياسات “ترامب” المستقبليّة.

للاِطّلاع على التّقرير في نسخته الأصليّة، اُنقر هنا: http://The Southern Poverty Law Center, “The Year in the Hate and Extremism: Race against Change”, Intelligence Report, Issue 166, Spring 2019.

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail
%d مدونون معجبون بهذه: