أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / أحزاب الحكم في مرمى المعارضة.. تشكيل المجال السّياسي في ديمقراطية توازن الضّعف..

أحزاب الحكم في مرمى المعارضة.. تشكيل المجال السّياسي في ديمقراطية توازن الضّعف..

Spread the love

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

في أجواء من الاِحتقان الاِجتماعي وتعثّر الإنجاز يتابع الشّعب التّونسي في هذه السّنة الاِنتخابية صراعا حزبيّا يتراوح بين البرودة والسّخونة وتتداخل فيه المنافسة على عرض البرامج مع التّسابق على حيازة مراكز التّفوذ المؤثّرة في الفعل السّياسي من الإعلام إلى أجهزة الدّولة وصولا إلى مصادر المال والعلاقات الدّولية المتقلّبة ومؤسّسات المجتمع المدني الوليد في تونس.

من جانب إيجابي قد يرى الملاحظ المتفائل بدايات تشكّل مجال سياسيّ متحرّر من الاِستبداد بعد عقود من موت السّياسة. في حين قد يتشاءم المتابع الحذر من نقص منسوب الصّراع على الأفكار والمشاريع وعزوف النّاس عن الشّأن العامّ وتهرّي مصداقيّة الطّبقة السّياسية واِرتهان الاِنتقال السّياسي إلى مؤامرات الغرف الخلفية وتدخّل العوامل “اللاّديمقراطية” في تقرير مصير نتائج الصّناديق في الخريف القادم نهاية هذا العام..

النّهضة بين قفص الجبهة وقصف الأصدقاء القدامى..

يبدو حزب “حركة النّهضة” أكثر الأطراف حرجا وصعوبات في خضمّ مشهد سياسي صاخب.

الإسلاميّون التّونسيون الّذين أضافوا لاِسمهم الأصلي صفة “الدّيمقراطيون” تمكّنوا من تجاوز عواصف اِستهداف “الرّبيع التّونسي” في 2012 و2013 للخروج بأخفّ الأضرار والاِستمرار في “الدّولة” عبر “الحوار الوطني” مع “السّيستام” ثمّ “اِستصحابه” والاِستفادة من تناقضاته إثر اِنتخابات 2014. وبذلك نجوا من مصير “الإخوان” في مصر وتجنّبوا خسائر الحلف القطري التّركي في المسألة السّورية واِحتفظوا في علاقة مع “الدّولة” ومع “المشهد الدّولي” بمسافة الأمان في مواجهة الحلف الإماراتي السّعودي الجريح.

لكنّ هذه النّجاحات لم تمنع “النّهضاويين” من أن يكونوا راهنا في مواجهة اِستهداف مزدوج عبر منافسين يتوزّعون على أطراف مختلفة.

الجبهة الشّعبية العدوّ الإيديولوجي اللّدود للإسلاميين تضع النّهضة في مربّع الاِستهداف عبر الاِشتغال الذكيّ والدّائم على شبهة التّسفير إلى بؤر التوتّر باِعتماد اِصطفافات النّهضة سياسيّا أثناء حكم التّرويكا إلى حلف الحرب على سوريا وعبر اِستحضار ملفّ الجهاز السرّي ودوره في اِغتيال الشّهيدين اِعتمادا على مواطن الغموض الّتي تلازم باِستمرار كلّ تاريخ الحركات السرّية في عهود الاِستبداد وبالخصوص الحركات الإسلامية منذ نشأة الحركة الأمّ في العشرينات بالإضافة إلى حسن اِستغلال الجبهة واليسار عموما في غموض وتداخل الأحداث وضعف أجهزة الدّولة إبّان الثّورة وفي السّنوات الّتي تلت شتاء 2011.

لا شكّ أنّ النّهضة تحاول الردّ على هذا الاِستهداف بالتحصّن بقول المؤسّسة القضائية وشغل الدّولة لكن ما يريد خصومها تحصيله من معركتهم “المشروعة” بالمعنى التّنافسي للكلمة سياسيّا ليس الاِستخلاص “الجنائي” النّاتج عن هذه المعركة بل المكاسب السّياسية في أجواء يحتاج فيها “الإسلاميون” باِستمرار إلى جهود دائمة للإقناع بمدنيّتهم وديمقراطيتهم وتخفّفهم حقّا من إرث “إسلام سياسي عربي” مطالب باِستمرار بتقديم أدلّة اِندماجه في مجال السّياسة العلنيّة المدنية وترتيب علاقته مع “مكاسب الحداثة”.

في خضمّ مواجهة “قفص” الجبهة تجد النّهضة نفسها في السّياق نفسه في مرمى “قصف” أصدقائها من “قوى ثوريّة” تحاكمها في علاقتها “المرتهنة” للـ”قديم” وتحوّلها إلى “حزب دولة” غدر بأهداف “الثّورة” وهادن “الفساد” ونسي “الإنجاز”.

أمّا “المحافظون” من قاعدتها الاِنتخابية فيتركّز قصفهم على نهضة تريد في نفس الوقت أن تطمئن الرّعاة المحلّيين والدّوليين “للحداثة” بأنّها قد “تمدينت” وقطعت مع “دعويّتها المحافظة” ولكنّها تخشى خسران طيف واسع من ناخبيها المعنيّين بالاِطمئنان على “سلامة هوويّة” يأملون اِستعادتها بعد عقود من حكم “دولة تحديث قسري” و”عولمة تنميط ثقافي” مفروض.

حزب الدّولة المتصدّع.. حزب الدّولة المولود مرّة أخرى

الرّكن الثّاني في اِئتلاف حكم منظومة 2014 كان حزب النّداء الّذي لم يضيّع وقتا طويلا بعد نجاحه في الرّئاسية والتّشريعية كي يتصدّع ويتفرّق أيدي سبأ نتيجة تشكّل سريع بلا رؤية في سنوات 2012 و2013 على قاعدة “برنامج الضدّ” الّذي تبلور على شعارات ضبابيّة بعضها ثقافوي وأغلبها خوف مركّب بين قوى إيديولوجية ولوبيات مالية وسياسية متضرّرة من حدث 2011.
وعلى بعد أشهر من اِنتخابات قادمة تمّت اليوم ولادة حزب حكم آخر يواجه بدوره قصفا متعدّد المنصّات بعضها من بقايا الحزب الأمّ وأصدقائه من الأحزاب والقوى الماسكة بدورها بمراكز النّفوذ المالي والإعلامي والإداري أيضا في أعماق الدّولة وبعضها الآخر من معارضة متعدّدة التوجّهات تجمع على التّأكيد بفشل أداء منظومة حكم 2014 وعجزها في كلّ معاركها من مقاومة الفساد إلى دفع الاِستثمار وصولا إلى تحقيق اِنتظارات النّاس الاِجتماعية من تشغيل وتحسّن قدرة شرائية وإنصاف الفقراء والجهات المهمّشة.

الحزب الوليد يخرج على النّاس في أجواء من التوجّس من ممارسات وخيارات “حكومته الأمّ” الّتي لا تبدو مصدر فخر كبير يمكّنه من التّعبئة الاِنتخابية وإن كان أغلب المتابعين لطبيعة الاِنتقال التّونسي يؤكّدون أنّ “أحكام الصّندوق” لا يحدّدها دوما “حسن الأداء” أو “الإنجاز” فما “يصنع” أصوات “النّاخبين” ويوجّه “إرادتهم” هي في الغالب عوامل أخرى أهمّها قدرة الحزب على “اِحتلال” مراكز النّفوذ وصنع الآراء وتشكيل المزاج. وتتوزّع أدوات النّفوذ من الإعلام إلى الإدارة والمال قوام جميع الأعمال والعلاقات الدّولية وأعماق المجتمع “المستعصية” عن قدرة السّياسة العادية عن الفعل فيها.

أحزاب الحكم ووضعها في مواجهة معارضتها هذا وجه أوّل للمشهد، وللمجال السّياسي وجوه أخرى أهمّها وضع المعارضة الّتي تبدو هي أيضا في مواجهة أقدارها الّتي لا تقلّ صعوبة عن أوضاع الحكم… وتلك حكاية أخرى لمقال آخر..