إذاعة تونس الثّقافية..

الأستاذ محمد ضيف الله

عندما يتخلّى عن اللّغة العربية كلّ المنشّطين بمختلف البرامج الإذاعية والتّلفزية تقريبا، يظنّ المرء أنّهم يفعلون ذلك للقرب من المتابعين الّذين يُعتقد والحالة هذه أنّهم لا يفهمون لغة الضّاد.

لكن أن يشمل ذلك برامج تبثّها إذاعة تونس الثّقافية، فالأمر مدعاة للتّساؤل، نظرا لخصوصيّة هذه الإذاعة الّتي تتوجّه إلى جمهور المثقّفين.

فهل أنّ الأمر يتجاوز المنشّطين، كأن يكون توجّها تحت الطّلب أو اِستجابة لأوامر وتوجيهات سامية؟

في بلد العربيّة لغته، من المضحك أنّهم يضحكون كثيرا إن اِرتكب أحدهم خطأ في الفرنسية، ولا يضيرهم شيئا إن تكلّم باللّهجة الدّارجة حتّى وإن كان الموضوع حول المسرح العالمي أو المقامات الموسيقية أو قضايا السّينما.

ويبقى السّؤال: ما هي المساحة الّتي بقيت للّغة العربية في بلادنا؟




الرّسالة قبل الأخيرة… 


أكلت يوم غدرني مقرّبون، وتخلّى عنّي من كنت أتصوّرهم ظهرا لي وأنا أحارب الدّولة العميقة وقوى رهيبة لا يسمح المجال لذكرها.
سلاحهم وترهيبهم لم يخفن بل زادني صلابة.
سمّهم لم يقتلن وإن كان ألحق ببدني دمارا شاملا.
لكنّ صمتكم دمّرني.
صمتكم هو ما يقضّ مضجعي.
عن أصدقاء مقرّبون أتحدّث تشاركنا مع بعض الكثير عندما كنت أنا واِنسحبوا بهدوء بعدما صرت إليه.
أتحدّث عن الشّيخ راشد والدّكتور المرزوقي تحديدا لأنّه بيننا عشرة وأكنّ لهما معزّة خاصّة، والأهمّ أنّي أعلم أنّه بإمكانهما فعل شيء بخصوص علاجي بالخارج.
أتحدّث عن صديق الدّراسة والزّميل محمّد عبّو وأختي سامية عبّو الّتي لم أستوعب لحدّ الآن صمتها رغم أنّها تزورنا باِنتظام باِعتبارها صديقة العائلة.
أتحدّث على الأقلّ عن ثلث نوّاب مجلس النوّاب ممّن كنت أعرفهم ووضعنا يوما اليد في اليد وأخصّ بالذّكر منهم عبد اللّطيف المكّي لأنّه رئيس لجنة الأمن والدّفاع وهذا الأمر يهمّه.
أتحدّث عن الحقوقيّين والمناضلين الّذين أراهم يتطوّعون ويدافعون عن كلّ شيء وخرست ألسنتهم حين اِحتجّت إلى كلمة منهم.
أتحدّث عن المحاماة المناضلة الّتي كانت سندا لكلّ مظلوم ومكلوم وسدّت أبوابها أمام زميل لهم إن لم أقل تواطئت مع جلاّدي لتكتمل الجريمة.
زملائي المحامين خصوصا منهم الأصدقاء الّذين عاشرتهم أكثر من عشرين سنة.
عن النّقابات الأمنيّة الشّريفة الّتي جمعني وإيّاهم الميدان بعد الثّورة للتصدّي لكلّ من سوّلت له نفسه الاِنقلاب على الثّورة وأهمس في أذنهم بأنّ ما حدث معي جريمة إرهابية باِمتياز اُستعملت فيها مادّة البولونيوم النّووية وكان أحرى أن تحظى قضيّتي باِهتمامكم لأنّكم جدار الصدّ الأوّل لحماية البلاد من الإرهاب.
أتحدّث عنكم جميعا لأنّكم بقيتم تتفرّجون وإن كانت قلوبكم معي وأفواهكم تلهث لي بالدّعاء فقد نزلتم للشّارع واِعتصمتم من أجل أقلّ من هكذا جريمة بكثير.
أخيرا كلمة لا بدّ منها، إيّاكم أن تتحجّجوا بعدم علمكم بحالتي أو أنّهم “غلطوكم” فملفّي لدى القضاء الّذي بالمناسبة كان الوحيد الّذي وقف معي في محنتي، وأخيرا أحال ملفّي التّحقيقي لقطب الإرهاب بعد أن ثبت بالتّحاليل والتّقارير والاِختبار وجود مادّة البولنيوم ببدني، ولدى محاميّ الأستاذ العيّادي، ولديّ ويمكن لأيّ منكم أن يتسلّم نسخة منه ليعلم الحقيقة كما أنّي نشرت أوراق مهمّة منه على جداري هذا أظنّ أنّها كانت كافية لإفادتكم بحالتي.
تونس في : 2019/02/18
الأستاذ
محمد الشّريف الجبالي
المحامي لدى التّعقيب




إلى من تبقّى من ذيول الردّة

الخال عمّار جماعي

كان يكفي أنّنا وفّرنا لكم “حرّية” لتلعنوا وتخرجوا قيأكم الكريه وتخلّينا كرمًا ومروءة على شعار “لا حرّية لأعداء الحريّة” وقد كنتم كذلك..

كان يكفي أنّنا رفعنا البلد على ظهورنا حتّى لا تنهار الدّولة وخشينا عليكم الحرب الأهليّة الّتي ستخرجكم قردا قردا لنعلّقكم من ذيولكم في “بوتوات الضوّ”..

كان يكفي أنّنا صبرنا وتجرّعنا مرارا وحنضلا ليفتح علينا أمثالكم بالوعته فنسدّ أنوفنا ونقول “بكرة تتعدّل”!!..

كان يكفي أنّنا آمنّا بهذا الشّعب الـ”poussière” فلم يخذل أحلامنا وأشواقنا: مسح دمعنا وجبر بخاطرنا وأقام قيامته..

كان يكفي أنّنا- زمن بن عليّ واضع العصا في أدباركم- حصّنا أنفسنا ضدّ مخبريكم وعواهر الشُّعب الدّستورية وأكلنا خبزنا حافيا مغموسا بكرامة “أولاد البلد”.. كان يكفي أنّنا رأيناكم وعرفناكم “تحت السّفساري” وقلنا “الثّورة تجبّ ما قبلها”..

كان يكفي أن نشعل من شرارة لهبا فترتعش فرائصكم لتقولوا اليوم في وجوهنا “ثورة البرويطة” و”مؤامرة أمّك”!..

كان يكفي أنّنا اِحتملنا منكم ما لا تحتمله الجبال من أذاكم في مستنقعات الإعلام ونعيق غربانها طعنا وترذيلا لنا..

كان يكفي أنّنا نرى حنينكم لعهد بُلنا عليه واقفين حنين العاهرة لقوّادها فجعلناها داخلا في “حرّية الطّحين”…

كان يكفي هذا أو نصفه أو ربعه حتّى، لنقول لكم: نحن هنا أعزّة كفلاّق لم يسلّم سلاحه لزعيم مخصيّ..

مازلنا- يا كناترية وصبيان الفساد وجلاوزة التّعذيب- كزلزال يدكّ صروحكم ويهدم معبدكم.. وأقسم بالله وبرحمة فاطمة العظيمة لن تكون القادمة إلاّ قاصمة الظّهر.. فإذا دررتم بولكم يوما.. فتذكّروا هذا القسم!




خلافا لمزاعم “المغرب” و”سيغما” والزّرقوني.. قيس سعيّد والمرزوقي قبل الشّاهد.. في نوايا التّصويت في اِنتخابات الرّئاسة القادمة..!!

نشرت جريدة “المغرب” اليوميّة، اليوم الأحد، نتائج سبر آراء أنجزته مؤسّسة “سيغما كونساي”.. وأظهر أنّ يوسف الشّاهد هو الأوّل في نوايا التّصويت بالنّسبة للاِنتخابات الرّئاسيّة لسنة 2019 بنسبة 30.7%..
يليه أستاذ القانون الدّستوري قيس سعيّد في المرتبة الثّانية بنسبة 12.5%..
ثمّ رئيس الجمهوريّة الحالي الباجي قايد السّبسي ثالثا بنسبة 10.8%..
ويليه رابعا الرّئيس السّابق محمّد المنصف المرزوقي في المرتبة الثّالثة بنسبة 9%..

الحقيقة أنّ أرقام سبر الآراء هذه مشكوكا فيها بقوّة.. ليس فقط لاِنعدام مصداقيّة حسن الزّرقوني صاحب شركة “سيغما كونساي” القريب على الدّوام من أصحاب السّلطة ومانحي المنافع.. والّتي كذّبت الوقائع والأرقام الحقيقيّة اِستطلاعاته مرارا وتكرارا..
ولكن أيضا لأنّه ووفقا لمعلومات مؤكّدة.. فإنّ أربع عمليّات سبر آراء جرت بطريقة علميّة وجديّة ونزيهة.. دون الإعلان عن نتائجها للعموم.. أنجزتها مؤسّسات مختلفة.. في الفترة ما بين بداية شهر ديسمبر 2018 وبداية شهر فيفري 2019.. أظهرت بوضوح بأنّ مفاجأة حصلت بتصدّر الأستاذ قيس سعيّد لنوايا التّصويت حاليّا منذ إعلانه نيّته الترشّح للاِنتخابات الرّئاسيّة..
يليه في المرتبة الثّانية بنقاط قليلة المنصف المرزوقي..
ثمّ يأتي يوسف الشّاهد في المرتبة الثّالثة.. بفارق يتراوح عموما بين نقطة واحدة وثلاث نقاط..
وبعده يأتي الباجي قايد السّبسي..
كما لوحظ صعود أسهم مهدي جمعة من جديد في عمليّات سبر الآراء.. وهو ما غيّبه اِستطلاع الرّأي لسيغما على ما يظهر..!!

من المعلوم بأنّ جريدة “المغرب” هي على ملك رجل الأعمال المنصف السلاّمي.. الّذي كان ضمن أوّل من اِنشقّ عن حزب نداء تونس.. وقفز مع رئيس الحكومة المتمرّد على حزبه يوسف الشّاهد..واِنضمّ لكتلته في البرلمان.. ودعّم تأسيس حزبه الجديد “تحيا تونس”..
وأنّ حسن الزّرقوني مالك شركة “سيغما كونساي” لاِستطلاعات الرّأي على القياس.. هو مقرّب حاليّا من رئيس الحكومة الشّاهد..
ويبدو أنّ الغرض من تعمّد “المغرب” و”سيغما” نشر اِستطلاعات الرّأي هذه رغم الشّكوك في مصداقيّتها.. وذلك بصفة دوريّة.. هو التّلاعب بالرّأي العامّ وتوجيهه..
ناهيك أنّ إظهار يوسف الشّاهد بكونه الأوّل في نوايا التّصويت في الاِنتخابات الرّئاسيّة بحوالي ثلث النّاخبين.. وبفارق كبير جدّا يبلغ 18 نقطة كاملة عن أقرب منافسيه في المرتبة الثّانية.. يهدف إلى التّأثير بقوّة على الرّأي العامّ ودمغجة النّاخبين.. بإظهار أنّ الرّئاسة محسومة مسبقا وتماما ومطلقا.. للشّاهد..
وبالتّالي بعث اليأس في صفوف منافسيه.. للتّسليم مسبقا أو للعدول عن الترشّح وعن منافسته..

حتّى في أعرق وأعتى الدّيمقراطيّات في العالم.. هناك قاعدة تقول:
إذا أردت أن تربح الاِنتخابات..
اِجمع المال..
واِشتري الإعلام واِستطلاعات الرّأي..!!!




الاِعتداء على مربّ/ توضيح…

أرشيفيّة

هذه تدوينة للأستاذ “مجاهد بكوش” يشرح فيها ظروف اِعتقاله واِستجوابه من طرف “الأمن”:

مشهد العراك من بعيد يبدو كأنّه اِعتداء على دورية مرورية ممّا جعلني أستحضر حادثة بنزرت المتمثّلة في اِعتداء شابّ على عون مرور وصبر الأخير على ظلمه، وقد وثّق الحادثة مواطن بهاتفه الجوّال وهو ما ساهم في خلق موجة تعاطف مع الأمنيّين ورفض شعبيّ للاِعتداء عليهم، وقد كرّم ذلك العون من قبل وزير الدّاخلية واُحتفي به في الإعلام لردّ الاِعتبار له في لفتة جميلة.

لهذا لم أتردّد في توثيق الحادثة إلا أنّ المفاجئ هو ما ظهر في الفيدو وهو متروك للقضاء ليفصل فيه بين طرفي النّزاع.

أمّا ما يخصّني فكنت منسجما مع نفسي ومبادئي عندما نشرت الفيديو من منطلق رفضي لاِستعمال العنف من أيّ طرف كان وخاصّة ونحن نؤسّس لجمهوريّتنا الثّانية وطموحنا لازال كبيرا لترسيخ ثقافة القانون فوق الجميع. المهمّ نشرت الفيديو ويبدو فيه أعوان الأمن يمارسون عنفا غير مبرّر على رجل وزوجته أمام اِبنهما، وأنا أؤكد لكم أنّ تفطّن العون لي وأنا أصوّر هو ما دفعه إلى العودة إلى رشده واِلتزام تطبيق القانون والكفّ عن ممارسات قطّاع الطّرق والباندية مع العلم أنّني لم أعرف الشّخص المعتدى عليه إلاّ في آخر الأحداث ثمّ لم يكن يعنيني من هو.

ولا يمكن أن أخفي حرصي على التّشهير بكلّ من يمارس العنف مهما كان. فهل تشفع لي تلك القناعة نشر الفيديو على شبكة التّواصل الاِجتماعي؟. حقيقة كان نشر الفيديو واجبا أخلاقيّا لم أتردّد لحظة في القيام به دون التّفكير في اِستتباعات ذلك لأنّ فضح هكذا ممارسات نوفمبرية قمين بقبول ضريبته مهما كانت مكلفة. ولسائل أن يسأل: وما الغاية؟. أقول أنّ تعاطف النّاس مع الأمني المعتدى عليه قلّص الهوّة بين الشّعب والأمنيّين وأنّ هذا الفيديو سيكون له ذات الأثر لأنّه سيذكّر الأمنيّين بأخطائهم فيصلحوا من أمرهم. أمّا خطاب اُتركوا الأمنيّين يعملون دون مضايقات فهو خطاب سطحيّ يعيدنا إلى عهود الأجهزة القمعيّة الّتى تعمل بعقليّة العصابات أي دون ضوابط أو محاسبة وهذا ما لم يعد يقبله عاقل.

النّتيجة اِستدعاء لفرقة الأبحاث في المهدية وذلك يوم الخميس 14 فيفري فكنت في الموعد إلاّ أنّ رئيس فرقتها وقبل أن يعرف هويّتي عاملني بطريقة فجّة وبعبارات سوقيّة فضلا عن سبّ الجلالة، ولحسن الحظّ تدخّل عون ثان وطلب منّي العودة يوم السّبت لاِنشغالهم بقضيّة كبيرة حسب قولة، فغادرت مقرّ الفرقة وفي نفسي شعور بالضّيق بسبب هذه البذاءة المجانيّة فكتبت هذه التّدوينة: أعوان مرتبكون يصطنعون الصّرامة وهم خواء إلاّ من رحم ربيّ وهم قلّة.. وكنت أقصد رئيس الفرقة تلميحا لا تصريحا.

ونفس الوقت كنت أبحث عن مبرّرات لتلك السّلوكات الفجّة. يوم الجمعة باشرت عملي الممتدّ من الثّامنة حتّى الواحدة بعد الزّوال وعند السّاعة 11 و35 دقيقة يأتيني السيّد المدير ليعلمني أنّ سيّارة بها أشخاص بلباس مدنيّ يطلبون لقائي لأمر عاجل ولا يحتاج أكثر من عشر دقائق وقال إنّهم من فرقة الأبحاث فذهب ظنّي أنّهم سيسلّمونني اِستدعاء أو ما شابه إلاّ أنّي لم أكن أرغب في مغادرة القاعة فطلبت من المدير أن يقترح عليهم إجراء اللّقاء في مكتبه فدعّم الفكرة وذهب إليهم فوافقوا في البداية دخلوا المكتب وما أن عاد المدير ليطلعني بالأمر وأذهب لملاقاتهم حتّى عادوا إلى السيّارة “ستافات” في باب المدرسة وطلبوا منّا موافاتهم بالباب لأنّ الأمر لا يستحقّ أكثر من دقائق. ذهب المدير إلى مكتبه بينما توجّهت أنا إليهم لكن كنت حريصا على عدم الخروج من الباب وما أن اِقتربت منهم حتّى فتحت كلّ الأبواب وظهرت بين أرجلهم هراوات وفي أيديهم أجهزة وبخّاخات رذاذ الفلفل وأحاطني أحدهم بذراعه وطلب منّي الخروج والدّخول إلى السيّارة. فهمت أنّهم كانوا ينوون بي شرّا وأنّ اِحتمائي بحرمة المدرسة سوف لن تحول دون هدفهم.

وتجنّبا لما قد يحدث من اِعتداء جسدي عليّ أمام التّلاميذ وبعض الأولياء ثمّ لأنّهم لم يتركوا لي خيارا آخر رغم أنّي أعلمتهم أنّ تلامذتي في القسم وسيّارتي في السّاحة إلاّ أنّهم دفعوني إلى خارج الحرم المدرسي وأجبروني على ركوب السيّارة الّتي تبيّن فيما بعد أنّها تحمل لوحة منجميّة أجنبية ثمّ اِنطلقوا بسرعة جنونية وما أن اِبتعدنا قليلا حتّى بدأت الشّتائم والتّهديدات بالضّرب وكانت يد رئيس الفرقة كلّ مرّة تشارف لمس وجهي وهو يحاول ضربي بينما كان يقود السيّارة ولأنّي اِلتزمت الصّمت لأنّه تبيّن عندي أنّ الأمر لا يتعلّق بجرم أو بقضيّة يستوجب أو تستوجب عقابا مستحقّا وإنّما أنا إزاء جماعة تتصرّف كما يتصرّف السيّد في خرفان ضيعته بلا ضوابط وبلا حدود فاِخترت الاِستعداد للأسوإ وتركته غارقا في بذاءته الّتي لم تسلم منها أمّي ولا زوجتي ولا أختي بل تفنّن في اِستحضار أبشع وأحقر أساليب التّعذيب والتّنكيل متوعّدا لي بنهاية أسبوع رهيبة (أستحي من اِستعمال معجمه لأنّه لا يليق بي كمربّ وكفرد من عائلة محافظة) تركته وشردت في شرق المتوسّط لعبد الرّحمان منيف ثمّ عاد بي الزّمن إلى 8 مارس 2008 واِعتقال مشابه بسبب وقفة تضامنيّة غير مرخّص فيها مع أطفال غزّة (حقيقة لم تكن بمثل هذا الرّعب).. كنت مرتديا ميدعتي ونحن نصعد إلى الطّابق الثّاني بينما كان يسبّ الجلالة ويقول كلاما لم أفهمه وعندما دفعني بقوّة من الخلف ثمّ جذب الميدعة وهو يقول: “نحّي عليّ ربّ هالطبلية” قلت له وأنا أنزعها حتّى لا يمزّقها “معقّداتك هالطبلية” فزادت ثائرته الّتي سرعان ما هدأت وتبدّل لون وجهه ما أن رنّ جرس هاتفه ووصلته مكالمة ممّن وضع ربّما حدّا لصلفه وجبروته وظلمه…

الإيقاف دام قرابة الأربع ساعات وعيّنت لي جلسة يوم 5 مارس 2019…
أمّا في ما يتعلّق بردود الأفعال فأنا بصراحة لم أكن أعوّل عليها وأنا أمارس قناعاتي ولكن لا أنفي وجود شرفاء بين أقاربي وأصدقائي وزملائي في التّعليم بصنفيه ومن نشطاء المجتمع المدني الّذين نفتخر بهم على الدّوام. وبالنّسبة لنقابتنا العامّة أعرف أنّ الظّرف صعب وأنّها تجود بما عندها ونحن لا نحمّل نفسا إلاّ وسعها.
ولذاك الغرّ أقول: سأدافع عن حقّي وحق كلّ مربّ أنا أشترك معه في المهنة وسأقاضيك حتّى لا تكون ضيعة لمحروس وحتّى يكون مستقبل تلاميذي أجمل من واقع مازلت أنت أحد نقاطه السّوداء.

(المربّي الأستاذ: المجاهد البكّوش)




الاِنتخابات.. هل نذهب إلى الاِستقرار الدّيمقراطي؟

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

المؤشّرات العامّة ما لم يعقها “خطر داهم” تبدو موحية بالذّهاب قدما إلى اِستحقاقات 2019 في سياقات تشويق محدود تبدو فيه موازين القوى/ الضّعف غير بعيدة عن توازنات المشهد الرّاهن في الحكم والمعارضة.

السّؤال الرّئيس على مشارف هذه الاِنتخابات هو: هل تخرج تونس بعدها من أجواء “الاِنتقال” الدّيمقراطي إلى أجواء الاِستقرار الدّيمقراطي بما هو تمكّن “فريق حكم” حزبيّ أو اِئتلافي بممارسة برنامجه المرحلي وتبلور قوّة معارضة متجانسة تضغط وتراقب كما هو الشّأن في الدّيمقراطيات النّاضجة والمستقرّة؟

لا يبدو الجواب حاسما وأكيدا إذ أنّ توزّع القوى بين الأطراف السّياسية لا يوحي بتشكّل “قوّة سياسيّة” وازنة قادرة على لعب دور “الحكم” المريح وأخرى مؤهّلة لدور المعارضة الفاعلة لضمان “تداول” فعّال يقدّم للنّاس إنجازا يجذبهم إلى “جدوى الدّيمقراطية” الّتي لا تبدو مغرية حاليا في تونس إلاّ للنّخب المرتاحة إلى أجواء الحرّيات السّياسية والقوى الرّاعية الّتي لا ترى في العودة إلى “الاِستبداد” حلاّ معقولا لنموذج تونسي يراد له أن يكون مقترحا لعالم عربي اِنتهى فيه “النّظام القديم” إلى شلل يقتضي بتغييره منعا لفوضى أو تحوّلات راديكالية لا تطمئنّ لها الضفّة الشّمالية للمتوسّط، ولكنّ خيار “الدّمقرطة” لا يبدو لحدّ الآن ضمانة كافية كما حدّدها “صانعو النّموذج” نظرا لما يعتري هذه الدّمقرطة من تعثّرات وتشتّت للقوى وإعاقة للإنجازات الفعليّة اِقتصاديّا واِجتماعيّا الّتي لا مناص منها لضمان “المشاركة الشّعبية” والقبول العامّ “بالدّيمقراطية المسقوفة” درءا للحلول الرّاديكالية الغامضة.

توزّع القوى على مشارف الاِنتخابات القادمة يضفي غموضا على المشهد ولا يفتح على “أمل” اِنتخابات تعقلن وضعا ديمقراطيّا مستقرّا.

النّهضة ممثّلة “الإسلام السّياسي” المعدّل جينيّا وفق تخطيط وطلبات رعاة الاِنتقال التّونسي لا تبدو في وضع يؤكّد “اِندماجها واِستقرارها” ذاتيّا و موضوعيّا. فعلى مستوى حراكها الدّاخلي تبدو سرعات التحوّل داخلها متفاوتة ودون ما يقتضيه “القبول الدّيمقراطي” بها تونسيّا وإقليميّا ولا يقلّ القلق بين مكوّناتها عن القلق الّذي يبديه خصومها التّونسيون باِختلاف أطيافهم في حين يبدو وضعها في الإقليم والمنطقة وفي “المحافل الدّولية” المحدّدة في المشهد التّونسي متراوحا بين التّشجيع لها والتوجّس منها ومزيد الضّغط عليها وصولا حتّى إلى التّخطيط لتحجيمها. وفي هذه الأجواء المتداخلة الّتي تجد نفسها ضمنها ترتبك خطواتها بين أصوات “المراجعات الموجعة” وتوجّس “المحافظة” ومغامرات الاِرتهان بل والإمعان في التّنازلات “الفكريّة والوطنيّة” واِشتداد الحيرة بين محاور عالم عربي ومشهد دولي يشتدّ فيه الفرز بين قوى الهيمنة الّتي تطلب ضرائب تنازلات مؤلمة وقوى التحرّر الّتي يتطلّب الاِنحياز إليها اِستعدادا لتضحيّات قد لا تتحمّلها أجسام سياسيّة هشّة في تونس الصّغيرة.

“أحزاب الدّولة العميقة” أو المشتقّات السّياسية للمنظومة المتصدّعة تتشتّت باِطّراد بعد التوحّد المتعجّل في 2012 و2013 وبعد الاِنتصار المسموم في 2014 ولا يبدو واضحا توجّه “الإدارة” و”مراكز النّفوذ التّقليدية” من مال وأجهزة وماكينة قديمة باِعتبار تشتّت اِستراتيجيّاتها ومصالحها ومواقفها من الاِنتقال والدّمقرطة والعلاقات الدّولية وحتّى الخيارات المجتمعية ممّا يجعل الطّرف “الثّاني” في “معادلة النّموذج التّونسي المخطّط له” لا يقلّ ضعفا واِرتباكا عن “الطّرف الأوّل” أي الإسلام السّياسي.

بعيدا عن طرفي “النّموذج المتعثّر” تبدو قوى المعارضة المسمّاة اِجتماعية ديمقراطية بوسطها ويسارها موزّعة بين “وظيفيّة إكراهيّة” تذعن إليها ضمنيّا عبر اِنخراط في أجندات صراع الطّرفين الأكبرين المتشقّقين خيارات واِستراتيجيّات داخل بيوت الحكم نفسه وبين محاولات محتشمة وعاجزة لفرض التّفاوض الاِنتخابي العامّ بالبرامج في القضايا الاِجتماعية والاِقتصاديّة. الوضع التّنظيمي الهشّ لهذه “المعارضة/ المعارضات” وغياب الكاريزمات القيادية القادرة على صنع “الوجاهة البرامجية الوطنية” بالإضافة إلى ضمور القدرة على صناعة الرّؤية الشّاملة في تحليل القوى والصّراعات وتحديد المعارك محلّيا ودوليّا فضلا عن عقم حقيقيّ في فهم العمق الشّعبي واِنتظاراته وسبل تعبئته.. كلّ هذه العوامل تجعل فعل هذه “المعارضة/ المعارضات” عاجزا عن مغادرة مربّع “مجموعات الضّغط الوظيفي” المقيّدة بوعي أو بدونه في أجندة صراع “قوى الحكم وتيّاراته” ليصبح “نشاطها الاِنتخابي” مجرّد تأثيث لمشهد يصنعه تحيّل قوى الحكم المتصارعة الّتي تتقارع بالملفّات “الأمنيّة” أو “الثّقافية” اِستعدادا لاِستحقاق اِنتخابي يريدونه مرّة أخرى على إيقاع اِستقطاب ثنائي يخدم الطّرفين عبر التّصويت “المفيد”..

لكلّ ما سبق لا نرى على العموم أن تخرج تونس بعد اِنتخابات 2019 من مربّع الاِنتقال الهشّ الّذي لا يذهب إلى الاِستقرار ولكنّه لا يصل إلى الاِنهيار… إدارة دائمة للأزمة تتماشى مع وضع دوليّ مازال بدوره لم يقرّر حسم معالم النّظام العالمي الجديد للقرن الواحد و العشرين في وضع تعادل القوى وتوازن قدراتها بعيدا عن القطب الواحد ولكن قبل ترتيب “ميثاق وقواعد اِشتباك تعدّد الأقطاب”….




ساكنة تونس.. السّلام عليكم 


إنّكم تعلمون أكثر منّي أنّ بلدكم “على مراد الله”! يعني كان الّذي كان من إغراقنا في الوحل والطّحالب والغثاء و”الميلوسي”.. فها نحن من يومنا، نعافر بين بوم وغربان و”بو غلاّب” و”رضا الملّولي” وذات الأحناك الكبيرة.. وطبعا قد قرب “المحفل الاِنتخابي” وإلّي عندها زيت في عكّتها توة يبان على ڨصّتها! وبدأ “الطّرڨ الاِنتخابي” واِجبد ليّ واِجبد ليك.. حتّى يبوء الوضع إلى مستقرّه كسفينة نوح! وكسفينة نوح ستحمل من كلّ زوجين إثنين.. وسوف تعيد تونس إنتاج نفسها كمن يتقيّأ عشاءه!

وإنّي وإن كنت منكم ومثلكم، فإنّي لا أقول إلاّ ما قاله شيخ لنا يكنّى بالمعياري بعد أن اِستراح من حُبسة بول: “أضرب بهيمك على القرط باش ما يطمعش في الشّعير!” وإنّي أرى بهائم كثيرة لها نهيق وضراط وأحسب أنّها بدأت تطمع في “شعير السّلطة”! ولهذا لست أرى- يا ساكنة تونس- إلاّ كلّ طامع بغير حقّ ومسافر بغير زاد ومتكالب بغير أنياب وجماعة من مهرّجي الكلام عفانا وعفاكم الله من نهش وخمش وتمزيق أردية! وسوف تشهدون- وقريبا أيضا- الباطل حقّا والحقّ يتيما والقضايا الـ” فوشيك” تملأ السّمع والبصر وتقوم قيامة كاذبة!

و إنّي إذ أستهدي بحكمة “المعياري”- قبل البول وبعده!- لأرى فيما يرى من كُشف له الغيب وشهد قلبه ما ترى عينه غدا، أنّ “حكمة الشّيخين” قد وصلت مداها فهما ساقطان كورقة ممزّقة من التّاريخ وأنّ الزّمن قُلّب والأيّام دول فلا يغرّ بطيب “التّوافق” إنسان.. أمّا المتصايحون في كلّ واد عنادا في زيد أو نكاية في عمرو فلا شكّ عندي أنّهم لن يغيّروا من الأمر شيئا لأنّ سهامهم طائشة وقسيّهم عوج وأهدافهم خاطئة! ما سوى هؤلاء إنّما هم “ضيوف الرّحمان” ريحهم لا يخصب وإنّما حسبهم لُقيمات يزدردونها على طمع في “شعير السّلطة”!.. وأمّا أصحاب النيّات الحسنة من ذوي المبادرات فـ”المعيارية” تكتفي منهم بـ”شكر الله سعيكم.. ونرجعوهولكم في الفرح”!..

ورغم بهائمنا هؤلاء وشهيقهم ونهيقهم فإنّ لـ”المعياري” رأيا يراه وقد يحسب على الخرف ولكن لا ضير في سماعه. يقول- والعهدة على من وشى به إليّ-: “شوف يا ولد خويا، توّة كيف تحكّ أركابها تبان أمّاليها، ثمّة ذرّ- وموش كلّ ذرّ ذرّي كيفك!- قاعدة تخدم لغدوة.. كاسحة عاضّة ع الحقّ.. فاهمة اللّعبة لعبة وقت ومنهو يشدّ صحيح ويصبر.. يمكن يعثرو لكن ينوضو يا ولد خويا كالجنّ الأرڨط.. هوضة حقّ إلّي يبنو على الصّح.. يمكن من الغبابير ما يبانوش توّة.. لكن وراس العيّاري جايينكم جايينكم”
– منهو العيّاري؟!
– أني قلت “عيّاري”؟! قتلك المعياري يا راس اللّحم… تي بالحرام أني غالط نحكي مع بغل متاع حرث كيفك.. نوض مخيب رهطك!
طبعا لا يهمّنا أواخر الحديث- يا ساكنة تونس اللّذيذين جدّا- لكن حسب ما أعرف عن شيخي “عبد الله المعياري” أنّه لا ينطق عن الهوى!
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

” الخال ”




المرزوقي: عادت الأفعى فعودوا إليها بالنّعال

 

موت الشابّ أيّوب بن فرج في الظّروف الّتي مات فيها في برّاكة السّاحل، البارحة، مأساة إنسانية قصفت حياة ثمينة ككلّ حياة وستذهب ضحيّتها عائلة بأكملها.

لكنّها أيضا ضربة قويّة لمجتمع ظنّ أنّه اِنتهى من هاته المآسي الّتي صاحبت تاريخه المعاصر تحت اِسم ” التّجاوزات الفردية” أي العنف البوليسي لدولة اِستبداديّة.

موت أيّوب بن فرج جرس إنذار لكلّ الأمنيّين: بدأ تعافي المؤسّسة الأمنية بعد الثّورة فلا تسمحوا بعودة المرض وإلاّ الثّمن سمعتكم ومكانتكم.

موت أيّوب بن فرج جرس إنذار للمؤسّسة القضائية: عادت الممارسات القديمة وبدأت تتكاثر، أنتم القضاة الّذين حرّرتكم الثّورة السدّ الأول، إن اِنهار عاد الطّوفان فلا تسمحوا بعودة الطّوفان والأمر لا يكون إلاّ برسالة واضحة لمن يحلم بعودة القديم الدّموي المتعفّن.

موت أيّوب بن فرج جرس إنذار للحاكمين الحاليّين: حقّقوا، لا تغطّوا، اِعتذروا، عوّضوا… وإيّاكم من سياسة النّعامة. لم تعد تنفع ولو كانت تنفع لنفعت صاحب ”بكلّ حزم”

موت أيّوب بن فرج جرس إنذار للحقوقيّين: عادت الأفعى فعودوا إليها بالنّعال.

رحم الله الفتى ورزق أهله جميل الصّبر والسّلوان

ولا بدّ لليل أن ينجلي




شرط اِستقرار الوضع في هذا البلد

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

في تقديري لن يستقرّ الوضع في هذا البلد ليقع التفرّغ لقضايا التّنمية إلاّ بعد أن تتقبّل النّخبة السّياسيّة بعضها البعض وتكفّ عن صراع التّنافي وتدمير الآخر.

التيّار الإسلامي مطالب بتقديم ما يكفي من الضّمانات باِنخراطه الكامل في المنظومة المدنيّة وهذا حاصل بأقدار.

التيّار العلماني مطالب بالاِقتناع بشكل نهائيّ وحاسم أن لا ديمقراطيّة بإقصاء التيّار الإسلامي من خارج الصّندوق.

ويبقى الصّراع الفكري والسّياسي السّلمي الّذي توفّره منظومة الدّيمقراطيّة وحريّة التّفكير والتّعبير مجالا للتّمايز والفرز.

أمّا إيقاف البلد إلى حين تحقّق نفي طرف لطرف واِستئصاله وكسر عظامه فهو سلوك عبثيّ لا يترتّب عنه سوى الفشل الجماعي واِنهيار مسار الثّورة والتّأسيس الدّيمقراطي.




إذا تكلّمتم فلا تقولوا نصف الحقيقة أبدا ولا تتّخذوا نصف موقف ولا تعبّروا عن نصف رأي

الأستاذ عبد اللطيف العلوي

الأستاذ عبد اللطيف العلوي

مع اِحترامي الكامل لأختي وصديقتي محرزية العبيدي، لو كنت مكانها وطرح عليّ نفس السّؤال: “أيّهما أفضل بورقيبة أم المرزوقي؟”، لكان ردّي مختلفا بعض الشّيء.
محرزية الّتي يهاجمها اليوم عبيد الصّنم وكأنّما هي تجرّأت على ركن التّوحيد في دينهم البورقيبيّ العتيد، أنا في رأيي أنّها أخطأت في حقّ المرزوقي إذ قبلت بأن تضعه أصلا في مقارنة مع قاتل، وإن كان رئيسا.
نعم، هذه المقارنة ظالمة ولا تجوز أصلا، إنسانيّا وأخلاقيّا، وحتّى الجواب الّذي قدّمته محرزيّة بأنّ المرزوقي أفضل من بورقيبة، فيه تشريف لبورقيبة هو أصلا لا يستحقّه.
كأن تُسأل مثلا أيّهما أفضل: المتنبّي أم المزغنّي؟ فتجيب إنّ المتنبّي أفضل. أنت بهذه الإجابة تهين المتنبّي وتشرّف المزغنّي، لأنّ أحدهما شاعر والثّاني يخلط الشّعر بالشّعير، أو كأن تسأل أيّهما أفضل رئيسا لمصر: مرسي أم السّيسي؟
هناك مقارنات في حدّ ذاتها تمثّل إهانة، وحطّا من قدر الرّابح فيها وتشريفا لقدر الخاسر، لمجرّد أنّه يوضع في ذلك المقام.
المرزوقيّ مثقّف حقيقيّ واِبن شرعيّ لهذا الشّعب ولد في تربته الأصيلة وعاش فقره وتعبه وجوعه وقهره، وحمل حلمه وناضل من أجله واِحترم كبيره وصغيره وغنيِّه وفقيره وأحبّ جوعاه وجرحاه وبكى شهداءه وحملهم على كتفيه ومسح دموع أمّهاتهم وأخواتهم وجعل من راتبه نصيبا للجرحى والمحتاجين في السّرّ والكتمان وحكم بما يسّره له القانون واُستهدف في عرضه وشرفه فلم يثأر ولم ينتقم وفي يده السّلطة والقوّة، وخرج من باب التّاريخ الواسع كأوّل رئيس عربيّ سابق لا يخرج إلى السّجن أو المنفى أو القبر.
كيف أقارن به رئيسا زوّر تاريخ البلاد، وساهم مع الاِستعمار في تصفية المقاومين في الجبال وصفّى كلّ خصومه السّياسيّين منذ اِنتمى إلى الحزب إلى أن أخرج من القصر واِغتال وسجن وأعدم لزهر الشّرايطي ومن معه وقتل المئات من اليوسفيّين والنّقابيين في 78 والجوعى المنتفضين في 84 واِغتصب الحكم مدى الحياة بلا حقّ ولا شرعيّة وكرّس حكم المافية العائلية ودولة الحزب وحزب الدّولة ودولة البيروقراطية والأجهزة الأمنية وعمّق الجهوية وضرب الهويّة ونمّط المجتمع فخنق تنوّعه واِختلافه ونشر ثقافة العبودية والقوادة والغنيمة وخرج من القصر وقد ترك البلاد رهينة في فم أفعى سامّة هو من خلقها ورعاها وربّاها ورقّاها في سلّم السّلطة حتّى لدغته في خريف العمر واِنتهى عبرة كمن سبقه من الطّغاة.
لم يكن كلّ ذلك يغيب بالتّأكيد عن محرزية. ولا شكّ أنّها أدركت أنّ مجرّد المقارنة هي في حدّ ذاتها قسمة خاسرة، لكنّها اِمرأة حييّة وسياسية ذكيّة تحترم أهواء جزء من الشّعب فقبلت بهذه المقارنة على ظلمها، ومع ذلك لم يرحموها وبالغوا في إيذائها لمجرّد أنّها اِمرأة وسياسيّة حرّة عبّرت عن رأي حرّ وبكلّ ما يجب من أسباب التّحفّظ والخلق السّياسي الكريم.
أرأيتم لماذا أقول دائما، إذا تكلّمتم فلا تقولوا نصف الحقيقة أبدا ولا تتّخذوا نصف موقف ولا تعبّروا عن نصف رأي، ولا تراعوا لهم خاطرا، لأنّهم في كلتا الحالتين سيهاجمونكم ويسبّونكم ويضطهدونكم. قولوا للسّافل أنت سافل مرّة واحدة ودفعة واحدة في وجهه مثل بصقة كبيييرة وعمييقة وشديدة التّركيز تأتي من أعماق الحنجرة، بلا أيّ تحفّظ أو تقسيط، وليكن بعدها ما يكون.