من أنت؟.. ومن تكون؟..

المخرج أسامة عكنان

عندما لا تتجاوز مساحتك الـ0,4% من مساحة اليابس على سطح كوكب الأرض، ويتعاملون معك مع ذلك وكأنّك أكبر من مجرّة درب التبّانة.. فمن أنت؟!

وعندما لا يتجاوز عدد سكّانك الـ1% من عدد سكّان العالم، ويتفرّج على مأساتك مع ذلك خائفين مذعورين مرتبكين مضطربين، متكالبين أو عاجزين، سكّان الدّنيا والآخرة، الأحياء منهم والأموات.. فمن أنت؟!

وعندما تكون قد مُزِّقْت كلَّ مُمَزَّق، وقُطِّعْتَ ألف قطعة وقطعة، وطُعِنْتَ بكلّ السّيوف المسمومة، وترنَّحْت كي لا تقوم لك قائمة، ويستمرّون في تمزيقك وتقطيع أوصالك مع ذلك حريصين على تحويلك إلى ذرّاتٍ وهباء، رعبا من بقايا خلاياك ونثارات أنفاسك.. فمن أنت؟!

وعندما يحشدون عليك العالم بأسره منذ أكثر من مائة عام، متقدّمِه ومتخلِّفِه، قويِّة وضعيفة، كي يمنعوك من التنفّس، وكي يجعلوك تقتنع بأنّك أصبحت جثّة نافقة لا قيامة لها، ويبقون مع ذلك مصوّبين فوهات بنادقهم ومدافعهم إلى جثّتك المرتعشة وهي تحتضر خشية أن تقوم لهم من مرقدك كقيامة المسيح.. فمن أنت؟!

وعندما يزرعون في جسدك خازوقا بحجم الكون اِستجلبوه من كلِّ الأكاذيب والأساطير، وحقنوه بكلّ الخرافات والخزعبلات في زمن العلم وفي زمن الإنسان، ويصرّون مع ذلك على قبول أن يوصفوا بالأوغاد والحقراء والدجّالين وأسياد الشّعوذة، كي تضيعَ البوصلة عن كلِّ النّاس، وكي تبقى غيرَ قادر على أن يفهم أحد في العالم قضيّتك.. فمن أنت؟!

وعندما يتمّ تصويرك وحدك عدوّا للدّيمقراطية، وعدوّا لحقوق الإنسان، وعدوّا للسّامية، وصانعا للإرهاب، ومحاربا لله وللإنسان، ومدمّرا للأرض وللسّماء، ويصرّون مع ذلك على أنّك لست أهلا للحضارات الّتي كنتَ مهدَها، وعلى أنّك تنكَّرْتَ لقيم العالم الّذي كنت مركزه.. فمن أنت؟!

وعندما تُخَصَّص تسعة أعشار اِجتماعات مجلس الأمن لإصدار قرارات لا تهدف إلاّ لإخماد أنفاسك كلّما رأوا صدرك يضجّ بالحياة من صميم الموت، ولا تجد منظّمات حقوق الإنسان المتهافتة على محنتك من كلّ حدب وصوب، شغلا لها تفعله سوى أشلاء أبنائك، ويعتبرون مع ذلك أنّهم يجتمعون لحماية الكون منك ومن جرائمك ومن كوارثك.. فمن أنت؟!

عندما تتحالف إيران الفارسية مع الشّيطان ضدّك، وعندما تستنفر تركيا كلّ شعوذتها العثمانية ضدّك، وعندما يتجمّع دجّالو الأديان وحملة أسفار السّماء توراة وإنجيلا وقرآنا ضدّك، ويحلفون بالله مع ذلك أنّهم يحرّرون الله من كفرك، والقرآن من إلحادك، والتّاريخ من دمويتك، والحضارة من بدائيتك الّتي لا يستطيعون إنكار أنّك كانت منارة نقلتها لكلّ البشرية.. فمن أنت ومن تكون؟!

عندما يرونك تموت، ويحسّون رغم ذلك بشهقاتك الأخيرة تزلزل كلَّ عروشهم، ويستيقظون مع ذلك فزعين كلّما رأوك في أحلامهم، تعود إلى سابق عهدك.. فمن أنت ومن تكون؟!

عندما يحدث كلّ ذلك، بل وأكثر منه بكثير، فاِعلم أنّك أنت “الهلال الخصيب”!!

ولك وللإنسانية وللتّاريخ وللجغرافيا وللماضي وللحاضر وللمستقبل كلُّ الفخر وكلّ الاِعتزاز بأنّك كنت وما تزال وستبقى الجزء الأهمّ من هذا الكون!!




الشّعب مسلم… ولكنّ الدّولة غير مدنيّة

الأستاذ زهيّر إسماعيل

توقّفتُ في خاتمة النصّ السّابق عند فكرة العلمانية، وقد ذكرتها في سياقين: سياق سياسي كانت سمته مواجهة الاِستبداد وقد أرادها بن علي مواجهة مع الإسلاميين وقد ساعدوه في جانب من “أدائهم” على ما أراد. وفي وطيس المعركة الّتي عمّت النّاس وخصّٰتهم كان ينجح، من حين لآخر، في اِستعارة “الخطاب الحداثي” وجرّٰهم إلى الاِتّكاء على “الخطاب الشّريعي”. والحرب في جوهرها صورة، وكانت المواجهة على مدى عشريّتين قلقة بين صورتين: صراع اِستبداد/ حريّة، وصراع إسلاميين/ نظام علماني حداثي. وكان هذا التوتّر محكوما بأداء المتواجهين، ومثلما ساعدت مواقف بعض “الحداثيين” من النّخبة التّونسية المنخرطة في الصّراع إلى جانب بن علي على تغليب الصّورة الثّانية كان لمواقف بعض المنظّمات الحقوقية العالمية دور في إظهار البعد الحقوقي والإنساني رغم أنّٰ مثل هذه المنظّمات لا ترتاح إلى “الإسلاميّين ومرجعيّتهم” ولكنّها مستعدّة للدّفاع عنهم باِعتبارهم موضوعا “حقوقيّا إنسانيّا”. ومرّة أخرى كان “الخطاب الشّريعي” عائقا دونهم وفهم حقيقة المواجهة. وكان عائقا دون سلب نظام بن علي “عنوان المعركة الّذي يشهره”. فَلَو قيل يومها إنّ نظام بن علي نظام شمولي لا يختلف في شيء عن الأنظمة الشّمولية العقدية والدّينية وأنّ العلمانية (التي لن تعني سوى الحرّية) بما هي رفع الدّولة يدها عن عقائد النّاس والتدخّل في خصوصيّاتهم واِحتكارها تمثيل الإسلام (حامي الحمى والدّين) مطلب قوى التّغيير، لكُسب نصف المعركة. أمّا لو كانت الخطوة أبعد، والقرب من روح القرآن وثورته الدّائمة أشدّ، فإنّ أثر المواجهة سيتواصل بعد الثّورة ولا نحتاج إلى الاِنخراط في “اِستقطاب هووي” أشدّ من الّذي كان في مرحلة الاِستبداد.
وكانت حركة 18 أكتوبر 2005 تحوّٰلا مهمّا في مواجهة الاِستبداد، واِتّسعت رقعة الاِستبداد لتطول كلّ قوى الحركة الحقوقية والسّياسية سببا أساسيّا في تجاوز الفرز على قاعدة الإيديولوجيا إلى فرز على قاعدة الحرّية. وكان لحركة 18 أكتوبر مثيلاتها في المجال العربي: ربيع دمشق، حركة كفاية بمصر، الحراك الجنوبي باليمن… ومن الملاحظ أنّٰ الأقطار الّتي عرفت الرّبيع هي الّتي عرفت هذا التحوّل المتقدّم في الفرز (من الإيديولوجيا إلى الحرّية). وقد ذهب البعض- تعليقا على اِنتخابات 23 أكتوبر التّأسيسية- إلى أنّٰ الشّعب اِختار 18 أكتوبر (التّرويكا: كانت من مكوّنات 18 أكتوبر)، ولكنّه عاقب مكوّنا من يمينها تشبّه بنظام بن علي، واِقترح تنقيحا للدّستور القديم بدل التّأسيس (الشّابي وحزبه الـ PDP)، ومكوّنا من يسارها اِنخرط بقوّة في الاِستقطاب الإيديولوجي (حزب العمّال وجانب من التيّار القومي).
ولكنّ الّذي يعنينا من حركة 18 أكتوبر ما تبلور من وثائق مهمّة حول المرأة والدّولة والإسلام والحريّات الفردية والجماعية. وبالاِنتباه إلى مضمون هذه الوثائق يلاحظ بيسر “مطلب علمانية الدّولة” (بمعنى من معاني العلمانية) وإن لم تنطق به. وكان منطق التّراكم يقتضي الاِنطلاق منها، بعد الثّورة، ولو كان ذلك لكنّا أمام مسار تأسيسي آخر، ومشهد سياسي مغاير ووضع اِقتصادي اِجتماعي مختلف. ولكنّ الفاعلين من المحسوبين على الجديد اِختاروا خلاف ذلك. واِرتدّ النّقاش بمناسبة التّقرير وقبله، إلى ما دون وثائق 18 أكتوبر.
المواجهة بين النّظام والإسلاميين مثلما اِحتجزت الإسلام رهينة بينهما في المرحلتين البورقيبية وحكم بن علي، كان لها بالغ الأثر على قضايا الفكر والسّياسة الكبرى.
بورقيبة واجه الإسلاميّين، ليس لأنّهم إسلاميّون، وإنّٰما لأنّهم قدّموا “قراءة للإسلام” من خارج قراءة الدّولة الّتي كانت تعتبر نفسها ناطقا رسميّا باِسمه، وعلى عكس ما قيل من عداء بورقيبة للإسلام يثبت الفصل الأوّل من دستور 59 رغبته في تمثيل الإسلام ومنع اِستثماره من أيّ جهة كانت، فلم يكن أمامه إلاّ سجنه في الدّولة من خلال الفصل الأوّل. وشبيه بهذا ما فعله أتاتورك مؤسّس الجمهورية التّركية الحديثة، غير أنّٰ خطوته كانت أبعد حين مزج بين الدّين والقومية تحت تأثير فكر “الاِتّحاد والترقّي”. ومن مألوف المؤسّسين ألاّ يتركوا المعاني الكبرى كالدّين والقومية في متناول الجميع ويعمدون إلى صهرها في “مشاريعهم التّأسيسية”.
والّذي كان في تونس هو مواجهة بين “دين الدّولة” و”دين الجماعة” وبقي “دين الشّعب” على حاله رغم أنّٰ كلاّ منهما يدّعي تمثيله، واليوم يلتقيان عند “دين الشّعب” مع تذكيرهم باِعتداله وسماحته وجذوره الضّاربة في حركة الإصلاح التّونسية منذ خير الدّين. والأهمّ من كلّ هذا “التّوافق” على مواصلة سجن الدّين في الدّولة من خلال الاِحتفاظ بالفصل الأوّل من دستور 59 ليكون الفصل الأوّل من دستور الثّورة 27 جانفي 2014.
الدّين في الفترة البورقيبية وما بعدها صار مكوّنا من مكوّنات شرعيّة الدّولة، وهي تقاتل الصّياغات الخارجة عن صياغتها بشراسة ليس لذاته وإنّٰما للسّبب الّذي ذكرنا وهكذا هي السّلطة في علاقتها بالمقدّس وبمقوّمات القوّة والسّلطة، وهكذا هي اِستراتيجيتها في محاربة القوى المهدِّدة. ولو أمكن لليسار أن يبني حالة اِجتماعية وسياسية مؤذنة بتغيير في ميزان القوى لحورب من قبل دولة بورقيبة باِسم الإسلام ولاُعتُبر خصما للدّين وشريعته. مثلما وُصِم الإسلاميون بمحاربة التقدّم ومناهضة الحداثة والذّكاء الإنساني.
كتبت مقالا، في هذا المعنى سنة 2009، بعنوان “في تحرير الإسلام” ( الجزيرة نت) ومن ضمن ما ورد فيه أنّٰ هناك اِتّجاها عامّا في المجال السّياسي العربي إلى تحرير الإسلام من الإسلاميّين والعروبة من القوميّين والعدل من الإشتراكيين والحرّية من اللّيبراليين، وهو ما يعني أنّٰ قيم الإسلام والعدل والعروبة والحرّية صارت معاني مشتركة ولم يعد بإمكان هذه العائلة السّياسية الفكرية أو تلك تجعل من هذه القيمة أو تلك “أصلا تجاريا” لها دون سواها. هذا المشترك أثّر على هويّة الأحزاب، بعد الثّورة، خاصّة في أنّٰها تخرج من “العقدي ” إلى “السّياسي”، ونعتبر هذا من مستويات العلمنة الّتي يعرفها المجتمع. ومن الملاحظ أنّٰ نسق تعلمن المجتمع أسرع ممّا هو عليه في الدّولة. ونعتبر أنّٰ تحرير الدّين من الدّولة سيكون خطوة مهمّة في هذا الاِتّجاه، ومثلما لم يعد من معنى لوزارة الإعلام، سيُصبِح لا معنى لوزارة الشّؤون الثّقافية ولا معنى لوزارة الشّؤون الدّينية. فالدّين والثّقافة للمجتمع وهو كفيل بتنظيمها وفق مؤسّساته وتنظيماته المحلّية. وفي ما يتعلّق بالدِّين يمكن تنظيمه محلّيا فتصبح المساجد من مؤسّسات الحكم المحلّي والدّيمقراطية المباشرة، ويختار المصلّون أئمّتهم وطرق تنظيم مساجدهم، وللعلماء والمختصّين أن يبعثوا المجامع العلمية الّتي لها أن تجتهد وفق شروط علمية مرعيّة دون أن يكون اِجتهادها ملزما ويكون الأخذ به طوعيّا. وكذلك شأن مؤسّسة الإفتاء أن تتحرّر من الدّولة، وبذلك يكثر التّأليف في العلوم الشّرعية وفي تجديد الدّين… والأمر نفسه في الثّقافة ولم لا حتّى في الرّياضة. وقد يعترض البعض على هذا “التّحرير” بالخشية من أن يكون رفع الدّولة ليدها عن المساجد والشّأن الدّيني أن تصبح المساجد فضاء للفكر التّكفيري وجماعات الإرهاب، وينسى هؤلاء أنّٰ الّذي حمى المساجد في فترة اِرتخاء يد الدّولة من التّكفيريين ليس الدّولة وإنّما جماهير المصلّين، ومع ذلك يمكن الجمع بين المقاربتين وتعزّز كلّ ذلك بقانون للمساجد يصوغه روّادها يضبط دورها وعلاقتها بالحياة السّياسية خاصّة.
هذا مستوى من العلمنة السّياسية مهمّا ( قياسا إلى الدّولة)، سنتوقّع فيه في النّص القادم متوقّفين عند صنفين من العلمانية: “علمانية مسيحية ” هي العلمانية الحديثة (تتوتّر بين الجزئية والشّاملة) وهي سليلة الإصلاح الدّيني والفلسفي في القرن السّابع عشر، و” علمانية إسلامية ” (لا نجد تسمية أخرى ويقترح الفيلسوف طه عبد الرّحمان مصطلح الاِئتمانية)، وهي سليلة الإصلاح المحمّٰدي ( سنقف عند العلاقة بين الإصلاحيّين). فإذا كانت العلمانية المسيحية نتيجة للتّمييز أو الفصل بين الدّيني والسّياسي، فإنّ “العلمانية” الإسلامية نتيجة أحد أهمّ مبدئين للإصلاح المحمّدي وهما: نفي الوسيط، وتحرير المعنى: الدّين هو ما يفهمه النّاس من الدّين. وهو ما يعني اِرتفاع ثنائيّة الدّيني/ السّياسي، ولا يبقى غير السّياسي (أي فهم الدّين، أي التّاريخي، والبشري) وهو ما يعني أيضا أنّٰ الدّولة الدّينية كما ظهرت في أوروبا في العصر الوسيط والأطوار الّتي مرّت بها (أيضا جانب مهمّ من تجربة الدّولة في تاريخ المسلمين) هو اِنحراف عن الإصلاح المحمّدي (أي “العلمانية” الإسلامية).
(يتبع)




الخصومة الفلسفية حول مسألة الحرّيات الفردية

الأستاذ أحمد غيلوفي

ما يدفع للكتابة في هذه المسألة هو طرافتها النّادرة، حدّ الإضحاك أحيانا: إنّها تكشف لك أنّ المختلفين ظاهريا لا تفصلهما حيطان عالية وخطوط حمراء كما يدّعيان، وإنّما بينهما علاقات قربى لا واعية وتبادل عجيب في المواقف. في مسألة الحرّيات يكون الإسلامي ليبراليا في الاِقتصاد، ماركسيّا شيوعيّا في الحرّيات الفردية، ويكون اليساري الماركسي شيوعيّا في الاِقتصاد، ليبراليا متطرّفا في الحرّيات. ولله في خلقه شؤون.

أوّلا، من الخطأ الاِعتقاد أنّ الخصومة حول الحرّيات الفردية لا تُطرحُ إلاّ في فضاء عربي إسلامي. هذا تبسيط وسوء نيّة: إنّها موجودة في فرنسا وكندا والولايات المتّحدة والصّين وروسيا، لأسباب سوف نأتي عليها لاحقا. وليس السّجال بين “جهلة” و”ظلاميون” من ناحية وعلماء وحداثيون من ناحية أخرى. إنّه سجال فكري، وعلى مستوى رفيع بين فلاسفة كبار: ر.دواركين، بيرس اكرمان، جون راولس، من ناحية،  والسادير ماكانتير، ميكايل صاندال وشارل تايلور، من ناحية أخرى. والحقيقة، وقبل الفريقين جميعا، كان ماركس في “المسألة اليهودية”. إنّهما نظرتان للإنسان والمجتمع. الفردانية والجماعتية. نظرة ترى أنّ الحقوق والحرّيات يجب أن تُوضع ضمن “سياق” اِجتماعي وثقافي، ونظرة ترى أنّ الفرد وحقوقه أسبق من المجتمع والثّقافة الخصوصية (سوف نعود لهذه المسألة بالتّفصيل). كيف نشأت الخصومة في القرن العشرين؟

1- الخيبات الكبرى

اِنبنى التّفكير اللّيبرالي على مفاهيم ثلاثة: التقدّم والعقل والفرد. إذا اِتّبع الفرد سلوكا عقلانيا (بحث عن مصلحته الخاصّة) سوف يتقدّم المجتمع وتتحقّق السّعادة للجميع. ما حدث هو العكس: فشل ذريع لأيديولوجيا التقدّم: الحرب العالمية الأولى والثّانية، القنابل النّويية، الأزمات الاِقتصادية والمجاعات، والأنظمة الفاشية في بداية القرن العشرين. الأخطر من هذا فكرة “الحدود” الّتي فرضتها الأيكولوجيا: الإنسان يعيش في سياق إيكولوجي سيدمّره ويدمّر نفسه إذا واصل البحث عن مصلحته الفردية والآنية. لأوّل مرّة يعترف الفكر اللّيبرالي بوجود حدود متعالية على الفرد وعليه اِحترامها لكي يواصل العيش.

2- أصل المشكل

تتأسّس النّظرية اللّيبرالية على فكرة الحقوق الذّاتية، المؤسّسة بدورها على أنثروبولوجيا فردانية. “اللّيبرالية هي فردانية، والحرّية الّتي تتحدّث عنها هي حرّية الفرد المعزول”. الفرد هو مرجع ذاته، مرجع ما يراه صالحا أو مُضرّا. هنا تلتقي اللّيبرالية بالحداثة: الفرد هو مرجع العلم والأخلاق. هذه الفردانية تطرح نفسها أيضا كفردانية- كونية بفضل المصادرة القائلة بتساوي الحقوق بناء على تعريف مجرّد للفرد: كلّ فرد هو فاعل أخلاقي مستقلّ، “مالك بشكل مطلق لقدراته”– ومنها جسده طبعا- والّتي يستعملها لإشباع رغباته الّتي يختار هو بشكل حرّ إشباعها، من هنا علينا أن نفهم “لا خمار لا خموري” وحقوق المثليّين. تقوم إذن اللّيبرالية على الفرضية التّالية: الفرد المفصول عن الجماعة، وهو “كُلّ” مكتف بذاته، يبحث عن مراكمة مصالحه، متّبعا خياراته الحرّة والإرادية والعقلانية، بدون أن تكون هذه الأخيرة خاضعة لأيّ تأثير من السّياق الاِجتماعي.
من أين جاءت هذه الحقوق؟ من الطّبيعة البشرية. لم يعطها للفرد لا المجتمع ولا الدّين ولا الثّقافة، لذلك هي “ما قبل سياسيّة”، بل من أجل الحفاظ عليها دخل الأفراد في المجتمع عبر العقد الاِجتماعي. أي إنّ هذه الحقوق سابقة ومستقلّة عن المجتمع، بل إنّ المجتمع مجرّد أداة خارجية لتنفيذ الحقوق وإشباع الرّغبات الفردية. ما هي نتائج هذه الفلسفة؟
– الاِنتماء لا يُضيف شيئا للفرد ولا يجب أن يسلبه حقّه في أن يوجّه حياته كما يختار.
– ليس هناك تناظر بين الحقوق والواجبات: لأنّ حقوق الفرد طبيعيّة وسابقة عن المجتمع، ولأنّ المجتمع مجرّد أداة لإشباع رغبات الفرد والمحافظة على حقوقه، فما يطلبه الفرد من المجتمع أكثر بكثير ممّا يقدّمه له. ليس للرّأسمالي أيّ واجبات تجاه الأفراد الفقراء.
– العادل سابق للخير: العادل هو ما يُطابق الحقوق الفردية النّابعة عن الطّبيعة. الخير هو ما تعتبره مجموعة ما أنّه كذلك. ترفض اللّيبرالية فكرة الخير لأنّها تتحكّم في الفرد من أعلى وتحدّد الحقّ الفردي، لذلك تجعل العادل سابقا للخير: الخير هو جملة الأشياء والسّلوكات الّتي تحقّق منفعة الفرد. منفعة الفرد كما يراها هو. وعندما يتناقض “العادل” مع الصّالح العام؟ يجيب راولس “للعادل أسبقيّة مطلقة حتّى عندما يتناقض مع الصّالح العامّ” (نظرية العدالة).
– الدّولة محايدة تجاه “الغايات”: لا تتدخّل في أسلوب حياة الفرد وفي شكل ومفهوم السّعادة الّتي اِرتضاها لنفسه.

3- النّقد الجماعاتي

قبلهم جميعا كان نقد ماركس في “المسألة اليهودية”. يسأل ماركس “حقوق من؟” فيجيب اللّيبرالي “حقوق الأنا”. إذن هناك “أنا” سابقة على الحقوق، أي وعي بالذّات وبالحقوق، وهذا الوعي جاء عبر اللّغة أي عبر السّياق الاِجتماعي، أي إنّ المجتمع سابق على هذه الأنا وهو من حدّدها وجعلها تتمثّل حقوقها “ليس وعي النّاس هو من يحدّد وجودهم ولكنّ وجودهم…”. الوعي بالذّات وتمثّل الحقوق محكوم بسياق اِجتماعي، لذلك سوف يكتب فيما بعد تايلور “منابع الذّات”. مع فارق جوهري: ماركس يقسّم المجتمع الرّأسمالي إلى طبقتين فقط: البرجوازية والبروليتارية، والصّراع الطّبقي بينهما فقط حول ملكيّة وسائل الإنتاج. بالنّسبة لماركس ليس هناك طبقة اِسمها طبقة النّساء في صراع مع طبقة الرّجال، لذلك اِصطدمت الحركة النّسوية منذ الستّينات بالعناد الماركسي. يرى إنقلز في “أصل العائلة” أنّ البطريقية ستزول بزوال الملكيّة الخاصّة، لذلك فالحركة النّسوية حركة برجوازية لإلهاء البروليتارية عن حقيقة الصّراع الطّبقي. يجب أن يتحرّر المجتمع حتّى تتحرّر المرأة والرّجل معا.
– إذا كان الفرد سابقا للمجموعة فلماذا تحشر الرّأسمالية أبناءها وتجعلهم يموتون “من أجل الأمّة”؟ أيّة أمّة؟ كيف يفسّر إذن اللّيبرالية ضروب الاِلتزامات: نحو العائلة، نحو الوطن، نحو الإنسانية؟
يلتقي الفكر الجماعاتي مع ماركس وإنقلز كما يلتقي مع الهيرمينوطيقا وذلك في قولهم أنّ الوقائع الاِجتماعية “مبنيّة” وفق عمليّة تأويليّة: لا نستطيع أن نفصل بين تشكّل الهوية وبين السّياق الاِجتماعي والتّاريخي، أي إنّ وعيي بذاتي وتمثّلي للقيم “العادلة” ولضرب الحياة الّتي أريد اِتّباعها رهين باِنتمائي لجماعة ما. إنّه اِنطلاقا من “شكل حياة موجود” تتمّ اِختياراتي، بما فيها الاِختيارات المضادّة لشكل الحياة الموجود. من نتائج هذا أنّ الخير سابق للعادل، والسّياسي سابق للاِقتصادي والجماعة سابقة للفرد، وأنّ الحرّية محدودة بأفق اِجتماعي وأنّ على الفرد أن يراعي الصّالح العام والحسّ المشترك.

خلاصة: نلاحظ أنّ من يرفضون الفكر اللّيبرالي في مستواه الاِقتصادي وفي نتائجه الإمبريالية يدافعون على نواته الصّلبة ورأس حربته: الحرّية الفردية المستقلّة تماما عن السّياق الاِجتماعي، والّذين يرفضون ماركس في معاداته للدّين ويقبلون باللّيبرالية في الاِقتصاد يلتقون معا في رفضهم للحرّيات المنسلخة عن الجماعة. ربّما يرجع هذا لأنّ الماركسية شكل أخير من أشكال الدّين: للإنسان رسالة هي تأمين تواصل البشر على هذا الكوكب وذلك عبر نفي الظّلم وتحقيق العدل. فقط عند ماركس يتحقّق العدل عبر التخلّص من الملكية الخاصّة، بينما يتحقّق العدل عند الآخرين بتطبيق الشّريعة. الأوّل خلاصه دنيوي، والآخرون خلاصهم أخروي.




يوم قال بورقيبة: “هاذيكا فيها نصّ”!

الأستاذ أحمد الرحموني

أورد الأستاذ ساسي بن حليمة في معرض تعليقه على مبادرة رئيس الجمهورية بشأن المساواة في الإرث قوله: “سبق لنا شخصيّا أن ألقينا على الرّئيس بورقيبة سؤالا يتعلّق بموقفه من المساواة في الإرث بين الذّكر والأنثى، فأجابنا بالحرف الواحد: (هاذيكا فيها نصّ).” (الصّريح أونلاين- 15 أوت 2018).
وفي نفس السّياق يورد الأستاذ احميدة النّيفر أنّ لجنة من رجال القانون المدني التّونسي طرحت سنة 1981 قضيةَ «المساواة في الإرث» على الرّئيس بورقيبة الّذي لم يقبل تعديل مجلّة الأحوال الشّخصية بهذا الخصوص. (الإرث وأسئلة الزّمن المُتَوَقِّف- ليدرز العربية- 22 سبتمبر 2017).
ويبدو من الرّوايتين أنّ الرّئيس الرّاحل لم يكن ليجرؤ على محاولة تغيير قاعدة “للذّكر مثل حظّ الأنثيين” الواردة نصّا بالقرآن الكريم رغم ما كان يتمتّع به من سلطات واسعة وما فرضه- عند صدورمجلّة الأحوال الشّخصية- من أحكام جديدة (الطّلاق أمام المحكمة- تجريم تعدّد الزّوجات- تحريم الزّواج بالمطلّقة ثلاثا…الخ).
ويظهر أنّ عائق النصّ هو الّذي حال دون إقرار قاعدة المساواة في نظام الإرث الإسلامي السنّي (وتحديدا المالكي) الّذي كانت تتبنّاه مجلّة الأحوال الشّخصية.
ومهما كانت الأسباب الأخرى (سياسية أو اِجتماعية، وطنية أو دولية) الّتي لم تكن تشجّع بورقيبة على مخالفة صريحة للنصّ القرآني، فقد كان واضحا أنّ منهج تأويل النّصوص الدّينية- فيما له مساس بالعبادات أو الأحوال الشّخصية خصوصا- قد اِرتبط بشخصيّة الرّئيس الرّاحل لاِعتقاده بأنّ ذلك من شأنه الإقناع بالأفكار أو الإصلاحات الّتي يرتئيها.
ورغم أنّ الأمر لم يسر دائما على نفس المنهج (كإقرار التبنّي مثلا)، فقد حاول بورقيبة شخصيّا (وكذلك فريق الدّعاية المرتبط به) أن يجد لبعض الدّعوات (الإفطار في رمضان) أو الحلول التّشريعية (منع التعدّد، منع التيّاس أو المحلّل، الوصيّة الواجبة…الخ) أدلّة- ولو شكليّة- من النّصوص الأصلية أو أقوال الفقهاء.
وفي هذا الشّأن نقل عن الرّئيس الرّاحل- إضافة للرّوايتين أعلاه- أنّه سأل المرحوم محمّد الفاضل بن عاشور- قبل إقرار الأحكام الجديدة الواردة بالفقرة الثّانية من الفصل 143 مكرّر المدرج بباب الميراث بمجلّة الأحوال الشّخصية- إن كان يوجد مذهب إسلامي يقول بحجب البنت لإخوة المورّث وأعمامه واِنفرادها بالتّركة دونهم؟ فأجاب بالنّفي بغرض صرفه (على ما يبدو) عن أحد الأحكام المخالفة لكافّة المذاهب السنّية.
إلاّ أنّه يروى أنّ الرّئيس الرّاحل طرح نفس السّؤال على المرحوم محمّد العنّابي (الرّئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب) الّذي ردّ عليه بالإيجاب مؤكّدا أنّ الشّيعة الإمامية (الإثنا عشرية) تقول بذلك اِستنادا إلى قراءة مختلفة لآيات المواريث (يطول شرحها). فما كان جواب بورقيبة إلاّ أن قال: “اش بيه!؟، الشّيعة مذهب إسلامي!!!”.
فكان ذلك سند الدّولة غير المكتوب لإقرار مقتضيات الفقرة 2 من الفصل 143 مكرّر من مجلّة الأحوال الشّخصية المصادق عليه بمقتضى القانون المؤرّخ في 19 جوان 1959.
ويبدو في ضوء ذلك أنّ قول الرّئيس الرّاحل– بشأن المساواة في الإرث–: (هاذيكا فيها نصّ) يرجع إلى أنّ قاعدة “للذّكر مثل حظّ الأنثيين” لا تحتمل التّأويل (على حسب منهجه) أو أنّ محاولاته ربّما قد باءت بالفشل!.
ومغزى الرّواية– في الأخير– هو أنّ تلاميذ بورقيبة (ومناصريه) “يزايدون” الآن على ملهمهم- المجاهد الأكبر- خصوصا حين يقولون “أحنا معدناش علاقة بحكاية الدّين والقرآن واحنا نتعاملو مع الدّستور! ونحن في دولة مدنية والقول أنّ تونس دولة لها مرجعيّة دينيّة خطأ وخطأ فاحش!”.




محمّد عبّو يكتب: كلام في الدّولة والدّين والدّستور والنّفاق

كنّا مع الدّستور يوم أراد البعض الاِنقلاب على نتائج الصّناديق، ولم نكن في خدمة النّهضة، بل كنّا في خدمة وطننا.
وكنّا مع الدّستور يوم أراد قايد السّبسي الاِنقلاب على العدالة الاِنتقالية، ولم نكن في خدمة هيئة الحقيقة والكرامة، بل كنّا في خدمة وطننا.
واليوم نحن مع الدّستور لمّا طرحت مبادرة لتفعيل مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات الوارد فيه، ولا يمكن أن نكون في خدمة قايد السّبسي- الّذي حذّرنا النّاس من اِنتخابه أكثر من غيرنا- بل كنّا في خدمة وطننا.
يلومنا بعض النّاس عن موقفنا لكونه غير شعبي، فنقول لهم لو لم نتّخذه ما كنّا لنحترم أنفسنا. نحترم شعبنا نعم، ونعمل من أجله نعم، من أجل الواعي فيه وغير الواعي، اليساري واليميني، المحافظ والتقدّمي، المهتمّ بالسّياسة وغير المهتمّ، ولكن لا نسقط أبدا في الشّعبوية، فقد تأسّس التيّار كما ورد في بيانه التّأسيسي ليكون مختلفا عن الوضع البائس السّائد.
نحترم شعبنا ونحترم إرادته لمّا يصوّت لمن يختاره وندافع على شرعيّة اِختياره حتّى لو كنّا نعتبره اِختيارا كارثيا، ولكن لسنا ممّن يعتقد أنّ الشّعب على حقّ دائما، ثمّ وهل هناك رأي واحد للشّعب؟ عن أيّ جزء من الشّعب نتحدّث؟

يوم ضرب الإرهاب مركز التّجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001 كان الموقف الظّاهر لشعبنا هو الاِبتهاج، ولمّا كانت جرائدنا بعد سنة 2003 تتحدّث عن أبطال يفجّرون أنفسهم في الشّرطة العراقية كان النّاس يتناقلون هذه الأعمال الإرهابية في المقاهي وجزء منهم يفتخر، ولمّا ضرب الإرهاب تونس بعد الثّورة أصبح الموقف الظّاهر لشعبنا كره الإرهاب والتّنديد به وحتّى بمن يجرؤ على تفسيره كظاهرة. هذا أيضا شعبنا.. شعبنا الّذي اِحتلّ أبناءه في التّنظيمات الإرهابية المراتب الأولى في العالم قبل الثّورة وبعدها مع ملاحظة أنّهم غالبا يكونون الأكثر دمويّة وإجراما.
عندما كان الآلاف من أبناء تونس مرميّين في السّجون في التّسعينات، كان الموقف السّائد لشعبنا التّنديد بِ”الاخوانجية”، وبعد الثّورة صوّت لهم أغلبية الشّعب.. هذا أيضا شعبنا..
اليوم يصرخ الكثير من أبناء شعبنا “لبّيك إسلاماه” تصدّيا لمشروع قانون مخالف لنصّ صريح في القرآن، وهل كان سكوتهم مطابقا لنصّ صريح في القرآن يوم كانت النّساء تغتصبن في مراكز الاِعتقال فلا نسمع لهم صوتا ولا نرى لهم من أخلاق المعتصم وشجاعته شيئا؟ هذا أيضا شعبنا الّذي لو نصر الحقّ والعدل واِنتصر لأخيه المواطن وإن اِختلف معه في الرّأي لما حصل ما حصل ولما تمكّن حاكم من اِنتهاك حقوق التّونسيين وإذلالهم..
يتخلّف العالم الإسلامي بسبب مسلمين اِنهزموا حضاريا وأخلاقيا قبل أن ينهزموا عسكريا واِقتصاديا، مسلمون تحرّك جزء كبير منهم العواطف الدّينية في القضايا العامّة أحيانا، ويعيشون في حياتهم اليومية بلا مرجعيّة دينية في معاملاتهم، فيسود الإرشاء والاِرتشاء والاِعتداء على حقوق الغير والكذب والخداع وغياب الإخلاص في العمل. هؤلاء أيضا جزء منهم موجود بين شعبنا.
إسلاميّون تونسيّون يضربون المثل بتركيا باِعتبارها الدّولة الإسلامية الوحيدة المتقدّمة، لكون يحكمها حزب ذي مرجعية إسلاميّة، ويتجاهلون أنّها لائكيّة، هذا أيضا شعبنا…
بين شعبنا حزب يصادق على دستور يتضمّن دولة مدنيّة ومساواة بين الجنسين، وعند التّطبيق ينقلب على الدّستور ويدخل في تأويلات اِنقلابية لنصّ كان عليه عهد أن يطبّقه وألاّ ينقلب عليه وهو الطّرف الأكثر عرضة للاِنقلاب ولاِنتهاكات الحقوق.. هذا أيضا شعبنا…
وفي شعبنا نخب يدّعي بعضها الحداثة، ولا ترى للدّستور قداسة عندما ينتصر خصومها، في حين يصبح الدّستور مقدّسا يوم يخدم تصوّرا يرونه حقّا.. هذا شعبنا أيضا.. بعضهم كان يمتنع عن إمضاء بيان يتضمّن مطالبة بالعفو التّشريعي العامّ وإطلاق سراح خصومهم من سجون القهر، واليوم يرفع راية الحقوق والحرّيات للجميع.. هذا أيضا شعبنا…
وفي شعبنا أناس عقلانيّون، وتحرّكهم مبادىء لا يتخلّون عنها مهما كانت اِنتماءاتهم الفكرية… هذا أيضا شعبنا…
أيّ شعب يريدوننا في التيّار الدّيمقراطي أن نتّبع خطاه حتّى يرضوا عنّا إذن؟ وهل دورنا أصلا أن نتّبع وأن نسكت على السّلوكات المخطئة، وأن نغالط النّاس ونسايرهم في أخطائهم؟
نحن في خدمة الشّعب، نحبّه بسلبيّاته وبإيجابيّاته، ونفهمه جيّدا ونعرف أنّ جزءا كبيرا منه عاطفي ومتقلّب المزاج، ونقوم بدورنا في التّعامل معه كمسؤول لا كفريسة نستغلّ ضعفها لاِصطيادها اِنتخابيا. ونعرف أنّ هذه البلاد ستتقدّم يوما ما طال الزّمن أم قصر.
بعد الحرب العالمية الثّانية تطوّرت منظومة حقوق الإنسان بفضل مساجين سابقين جرّبوا ويلات المعتقلات النّازية والفاشية، ووصل بعضهم إلى السّلطة وموضع صنع القرار. نحن لسوء الحظّ لدينا آلاف المساجين السّياسيين السّابقين، ولا ينظرون إلاّ إلى اللّحظة الّتي هم فيها وإلى موضعهم، ولا يهمّهم الإصلاح، بقدر ما تهمّهم السّلطة الآن وهنا.. سلطة بلا أيّ نتيجة إيجابية، فلا يهمّ.
من أصلح في الغرب، فعل ذلك وهو في مأمن من أن يكون مجدّدا ضحيّة، ولكنّه تعلّم أن يكره لغيره أن يعاني ما عاناه هو، وبعض نخبنا تعرف أنّنا لم نبلغ هذه المرحلة من الاِستقرار لنظامنا الدّيمقراطي الهشّ، ورغم ذلك تأخذهم العزّة بالإثم فيتمادون في الاِنتصار لحساباتهم الحزبية على حساب حقوق الدّولة ومن يختلفون معهم.
دعوة إلى أبناء التيّار الدّيمقراطي للثّقة في توجّهات حزبهم المستندة إلى دستور البلاد، جامع كلّ التّونسيين وحاميهم بمختلف توجّهاتهم واِعتقاداتهم وتأويلاتهم للدّين، والمستندة إلى وثيقة هويّته وخطّ سياسيه الّتي ضبطت بدقّة وبشكل حصري العلاقة بين الدّولة والدّين ولم تذكر من بينها التّشريع الّذي يضعه مواطنون يبحثون عن المصلحة العامّة وليس عليهم في ذلك أيّ سلطة دينية.

لن نندم يوما على موقف مبدئي أخذناه، أمّا هم، فليواصلوا شعبويّتهم وتلاعبهم بالعواطف الدّينية وتحريك آلتهم للاِستثمار الحزبي، وهم أكثر النّاس ضحيّة للاِستثمار لو بقيت لهم ذاكرة، وليواصلوا اِغترارهم بكسب عابر قد لا يطول. جزء غير واع من الشّعب يساندهم في موقفهم اليوم، هو نفسه قد يقع تحريكه ضدّهم يوما ما بآلة رهيبة قد تباغتهم وقد لا يجدون بينه نصيرا، وحتّى بعض شركائهم السّابقين، الّذين قالوا لهم يوم الاِتّفاق على تشكيل حكومة: سنشارككم الحكم حماية للبلاد من الفوضى ونحن نعرف أنّنا خاسرون، فسعوا لضرب حزبهم من الدّاخل ثمّ نشروا حولهم الأكاذيب لإقناع قواعدهم بأنّهم يتآمرون عليهم، لا يرون فيهم اليوم إلاّ ضحايا، الدّفاع عنهم واجب إذا ظُلموا، ولا يرونهم حزبا ذا مصداقية يمكن أن يكون محاورا أو شريكا في أيّ مشروع كان بقطع النّظر عن حجمهم الّذي سيتقلّص يوما لا محالة.

ما نريده اليوم هو المساهمة في بناء مجتمع يؤمن بحقّ الاِختلاف ويحترم آراء غيره ويمارس ديمقراطيّته بوعي وفي حدود ما سطّره الدّستور الّذي حرص واضعوه على غلق بعض فصوله بمفتاح وإلقاء هذا المفتاح في البحر، بأن جعلها غير قابلة للتّعديل، حرصا على ألاّ يأتي كلّ مرّة طرف أغلبي فيغيّر أحكامه، هذا لإقرار العقوبات الجسدية بدعوى الاِستناد إلى تصورّه للدّين، وذاك بحظر الأحزاب الّتي لها نفس ديني، اِستنادا إلى تصوّره للحداثة.
تونس الّتي نحبّها هي تونس الّتي يتعايش فيها الجميع مهما كانت مرجعيّاتهم الفكرية، تحت سقف دستور وضع أسس هذا التّعايش، دستور يؤوّله المختصّون وتفصل في أيّ خلاف فيه محكمة دستورية نرجو أن يُختار أعضاؤها لكفاءتهم ونزاهتهم وحيادهم، مجتمع منظّم بقوانين ويؤمن بالحرّيات للجميع ما لم تتجاوز ما نصّ عليه الدّستور والقانون، مجتمع مشغول بالكدّ والجدّ للنّهوض بنفسه ومقاومة الفقر والتسيّب والفساد الّذين نخرا مقدرات البلاد والّذين لم تتصدّ لهم الحكومات المتعاقبة سواء كانت “إسلامية” أو “حداثية”.. مجتمع لا يختار فيه النّاخبون من يحكمهم على أساس من مع تطبيق الشّريعة ومن ضدّ الدّين، وإنّما على أساس القدرة على حماية حرمة الجميع وحرّياتهم، وتوفير الأمان لهم وفرض اِحترام القانون على الكافّة والقدرة على الإصلاح والنّهوض باِقتصاد البلاد باِستقلالية عن كلّ مراكز النّفوذ في الدّاخل والخارج وعن مصالح الحزب أو العائلة.
هل للدّولة علاقة بالدّين؟ نعم فدستورنا أشار إلى الإسلام في فصله الأوّل ونصّت توطئته على تعلق الشّعب بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاِعتدال، وهذا يلزمها بالإشراف على أماكن العبادة وحسن تكوين الأئمّة وحماية المقدّسات، ويمكن للحكومة في حالات معيّنة أن تعطي توجيهات للأئمّة للخوض في خطبهم في مواضيع معيّنة تهدف لغرس قيم معيّنة يحتاجها الوطن، كقيم الإخلاص في العمل والأمانة والثّقة… على أن يكون ذلك ببلاغ ينشر للعموم حتّى تكون تحت رقابة الشّعب لعدم اِستغلالها الخطاب الدّيني لمصلحة حزبية أو اِنتخابية، وعليها أن تحسن اِختيار برامج التّربية الدّينية في اِتّجاه الإسلام المتفتّح والمعتدل الّذي نصّت عليه توطئة الدّستور، كما عليها أن تسهّل للمواطنين أداء شعائرهم الدّينية وأن تحمي حرّيتهم هذه ما لم تخلّ بالأمن العامّ، وأن تعتبر نفسها جزءا من العالم الإسلامي تسعى في حدود إمكانيّاتها لمصالحه المشتركة، غير ذلك، فليس من أهداف الدّولة أن يدخل مواطنوها الجنّة أو يصلون نارا، فكلّ حرّ في اِختياراته وفي معتقده.
إن لا قدر الله، لم يتطوّر الوعي بما فيه الكفاية ووقع النّاس مجدّدا في الاِستقطاب الثّنائي المغشوش، فسنتحمّل معا وزر اِختيار الأغلبية، ولكنّ التيّار سيبقى مهما كان وزنه ليفضح التحيّل على العقول واِستغفال التّونسيين وحكومات حماة الفساد والتسيّب الّتي ستتشكّل كنتيجة طبيعيّة لهذا الاِستغفال، وسيكون إيجابيا في تعامله معها لو اِتّجهت في أيّ إصلاح بقطع النّظر عن كلّ مصلحة حزبية.
على هذا تأسّس التيّار وسيبقى مخلصا لوثيقة هويّته وخطّه السّياسي الّتي وضعت عند التّأسيس، ويبقى في خدمة التّونسيين لا بالاِنقياد لأهواء جزء منهم مهما كانت نسبته.




الأستاذ راشد الغنّوشي يكتب/ لقاء باريس: الدّروس والتحدّيات والآفاق

تحلّ اليوم 15 أوت 2018 الذّكرى الخامسة للقاء باريس الّذي جمعني بفخامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السّبسي زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والّذي كان منطلقا لمسار حمى البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى من الفتنة والاِنقسام، وهيّأ للثّورة التّونسية سبل النّجاح لتواصل شقّ طريقها لطيّ صفحة الاِستبداد والدّكتاتورية بعد اِنهيار أغلب تجارب الرّبيع العربي.
كانت الأمور تسير نحو الفوضى الّتي لم يكن يفصلنا عنها سوى سلك رفيع يحول بين جمهور المعارضة المحتشد في ساحة البرلمان المعطّل {اِعتصام الرّحيل} واِعتصام {الشّرعية} في نفس السّاحة. وكان التّحريض على أشدّه حتّى تلحق تونس بركب الثّورات المجهضة، وكانت التوقّعات أن تحاول النّهضةـ العمودي الفقري للتّرويكاـ اِستغلال الدّولة لمصادمة معارضيها، وأن يندفع النّداءـ القوّة الأساسية في جبهة الإنقاذـ إلى تأجيج الشّارع لاِستنساخ السّيناريو المصري.
رغم أنّ كلّ أطياف المعارضة يمينا ويسارا قد تداعت على التّسليم بسي الباجي زعيما لجبهة الإنقاذ رغم اِختلافاتها الرّاديكالية معه، إلاّ أنّ سي الباجي أطلّ من شاشات التّلفزة في مثل هذا الشّهر من سنة 2013 مادّا يده للحوار، فلم تتأخّر اِستجابتي، وحتّى من لامني وقتها على الذّهاب إلى باريس للقائه، أجبته لو كان الذّهاب إلى قواتيمالا مفيدا لتونس في درء الفتنة المخيّم شبحها على البلاد ما تردّدت، المهمّ المضمون لا الشّكل، إنّ مصلحة الوطن مقدّمة عندنا على كلّ مصلحة أخرى.

لم تكن المهمّة سهلة بالنّسبة للطّرفين، رغم أنّي كنت قبل أقلّ من أسبوعين قد خطبت في ساحة القصبة يوم 3 أوت 2013 في تلك الجموع الهادرة {قدّرت بأكثر من ربع مليونا} كان المنتظر ربّما من رئيس حركة النّهضة خطابا حماسيّا يردّ على خطاب الكراهية والتّحريض من الطّرف الاخر، وليس الدّعوة إلى الوحدة الوطنية والمصالحة بين التّونسيين.
كان موقفي نابعا من من أنّ تلك الجماهير الهادرة في القصبة أو المتواجدة في ساحة باردو تنتظر من قادتها وزعمائها شيئا آخر غير لغة الحقد والتّحريض، غير الاِستسلام للأمر الواقع وقتها وهو الاِنجرار وراء الفتنة والاِنقسام وفضّ الخلاف بالقوّة لا بالعقل والحوار.

جماهيرنا كانت تحتاج دعوة إلى العيش المشترك ونكران الذّات وتقديم مصلحة الوطن على الأحزاب والكيانات والأفراد والتّأسيس لقيم التّصالح والسّماحة والتّوافق والوحدة الوطنية والقبول بالآخر وملاحقة فكر الاِستئصال والإقصاء والتطرّف الخطر الأعظم على الثّورة بالأمس واليوم وغدا.
لقاء باريس الّذي هيّأ الظّروف لمسار كامل من التّوافق السّياسي والمجتمعي فتح الأبواب أمام الاِستجابة الشّاملة لدعوة منظّمات المجتمع المدني إلى الحوار الوطني وهيّأ لحزبي النّهضة والنّداء سبل النّجاح في قيادة الحياة السّياسية نحو التّهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشّارع وإحلال التّوازن الّذي اِختلّ بعد اِنتخابات أكتوبر 2011.

خرجنا والحمد لله من الأزمة بعد توافق، لم يكن صفقة اِنتهازية أو خيارا تكتيكيّا أو مناورة ظرفية. النّهضة خرجت من الحكم ولكنّها لم تخرج من السّياسة، لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعدّ بل أنقذت باِنسحابها من السّلطة الثّورة من الاِرتداد، أنقذت ما غدا يعرف بالنّموذج التّونسي والاِستثناء التّونسي: واحة للحرّية والدّيمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمّر. لم يعد يسيرا بعدها ترداد: إن كانت كلّ الشّعارات المرفوعة وقتها بأنّ الدّيمقراطية هي بالنّسبة للنّهضويين مجرّد سلّم للوصول إلى السّلطة واِحتكارها إلى ما لا نهاية له.
أمّا النّداء فقد أعطى بتلك الخطوة التّاريخية من زعيمه ومؤسّسه طابعا جديدا للمعارضة في عصر الدّيمقراطية وهي أنّها فعل بناء وإيجابي يرفض العدمية والتطرّف والخيارات القصووية.

منذ لقاء باريس، الّذي أعطى إشارة اِنطلاق سلسلة من اللّقاءات بعيدا عن الصّخب الإعلامي في منزل سي الباجي أو في منزلي، بالتّوازي مع الحوار الوطني وإلى غاية موفّى سنة 2014، لتبدأ تقاليد جديدة في الحوار والتّشاور بين فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حركة النّهضة، أصبحت لتونس تجربة في إدارة الاِختلاف السّياسي بطريقة ديمقراطية قائمة على التّداول السّلمي على السّلطة.
فقد اِنتصر النّداء في اِنتخابات 2014 فبادرت بتهنئة رئيس الحزب الفائز حتّى قبل صدور النّتائج النّهائية مسجّلا حالة أولى من نوعها في بلاد العرب، وقبلت النّهضة بعد أن كانت تقود الحكومة المشاركة الرّمزية في الحكم لتحصين المسار الجديد من العابثين والمتآمرين. وكم سعدنا بأنّ شعبنا كافأنا بالفوز في الاِنتخابات البلدية دون أن يتحوّل هذا الفوز إلى مصدر لإرباك توازنات المشهد القائم، أو مبعثا لغرور وتغوّل، فحاجة البلاد وسكينتها تبحر في بحر متلاطم أحوج اليوم وغدا لنهج التّوافق كما كانت أمس
وذلك بعد سنوات لم تخل من تباين في وجهات النّظر ومن تنازلات متبادلة ومن تعارض أحيانا بين طابع المنافسة الّذي يميّز العلاقة بين الأحزاب الطّامحة دائما لأن تكون في صدارة الاِنتخابات والأكثر تأثيرا في الشّارع، وبين ضرورات الحفاظ على مقوّمات التّعايش وإدارة الاِختلاف تحت سقف الحوار البنّاء. ولكنّنا كنّا نجد أنفسنا والحمد لله عند كلّ اِختبار أكثر تمسّكا بميثاق العيش المشترك، وأكثر اِستعدادا لمواجهة التشدّد في الرّأي، حتّى تبقى الوسطية مفتاح كلّ حلّ والضّامن الأساسي لأمن البلاد ووحدة المجتمع.
وإنّي أؤكّد هاهنا:

أوّلا: الاِلتزام التامّ بخيار التّوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السّبسي واِعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كلّ القضايا للوصول إلى حلول وبدائل وتوافقات، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرّأي، وهو المنهج الّذي توافقنا عليه في باريس وتوفّقنا بعون الله وحمده إلى الحفاظ عليه.

ثانيا: إنّ التّوافق أرضية خصبة لكلّ حوار جدّي بين مكوّنات المجتمع وهو خيار اِستراتيجي لحركة النّهضة وهو ما ظهر جليّا في موقفنا من الدّستور الّذي راهنّا على أن يكون موحّدا لا مقسّما أو مفرّقا وكانت جلسة المصادقة عليه عرسا وطنيا خالدا والحمد لله. ومن المنطلق ذاته ندعو إلى تبنّي نفس اِستراتيجية الحوار والبحث في معالجة المستجدّات والنّأي بالمجموعة الوطنية عن كلّ ما من شأنه إحلال الفرقة والتّطاحن والتّباغض. وفِي هذا السّياق نؤكّد أنّنا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدّولة حول الإرث حين تقدّم رسميّا إلى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنّقاش للوصول إلى الصّياغة الّتي تحقّق المقصد من الاِجتهاد وتجعل من تفاعل النصّ مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدّم لا جدلا مقيتا يفرّق ولا يجمع، ويفوّت على التّونسيين والتّونسيات المزيد من فرص التّضامن والتّآلف، وتساعدنا جميعا على المضيّ قدما في تحقيق اِزدهار المرأة التّونسية. وهذه مناسبة أنوّه فيها باِنتخاب الأخت سعاد عبد الرّحيم أوّل رئيسة لبلدية تونس كما أهنّئ كلّ من حظين بهذا الشّرف في البلديات الأخرى سواء من المترشّحات على قائمات النّهضة {أكثر من أربعين سيّدة} أو القائمات الأخرى.

ثالثا: أنّ دعوتنا إلى الاِستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التّوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية. فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الاِنتخابات البلدية وقبل أن تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليّتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسّسات الدّولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السّياحي في ظلّ تهديدات إرهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف أعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدّستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نوّاب الشّعب.

ومن هذا المنطلق فإنّنا نجدّد دعوة كلّ الأطراف إلى معالجة الاِختلافات حول هذا الموضوع في إطار الحوار والبحث عن الحلول المعقولة سياسيا والمقبولة دستوريا في كنف الاِحترام الكامل للمؤسّسات، والنّأي بوطننا عن كلّ ما من شأنه أن يعيق مسار اِنتقاله الدّيمقراطي ونحن على مشارف سنة اِنتخابية هامّة، وفِي ظلّ وضع اِجتماعي واِقتصادي يحتاج حوكمة رشيدة وعادلة ومستقرّة وناجعة في معالجة مشاكل النّاس قبل تحوّلها إلى أزمات مستفحلة، وفِي مواجهة إرهاب متربّص يرى تونس باِعتبارها نموذجا للتّعايش بين الإسلام والدّيمقراطية خطرا على اِستراتيجيته التّكفيرية الإجرامية الشرّيرة. الّذي نؤكّده اِنفتاحنا على كلّ الحلول عبر الحوار الجادّ بحثا عن التّوافقات الضّرورية.

رابعا: أنّ التّنافس الحرّ هو من صميم الدّيمقراطية وأنّ الطّموح الشّخصي للوصول إلى الحكم عبر الصّندوق حقّ دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فإنّ الدّيمقراطية النّاشئة لها مقتضياتها .فتونس لا يمكن أن تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلّية وأنّ نتيجة الصّندوق لا يجب أن تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التّوافق على منظومة حكم مستقرّة. ولنا في النّموذج الألماني خير مثال وحافز. ومن منطلق خصوصية التّجربة فإنّنا نجدّد التّأكيد على أنّ مواجهة تحدّيات المرحلة القادمة تقتضي تفرّغ الحكومة لمهمّتها في التّنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التّجاذبات الاِنتخابية والحزبية.

خامسا: إدانة حملات التّشويه الّتي تدار بطريقة منهجية عبر ترويج الأكاذيب وبثّ الفتن والتّحريض على الشّخصيات السّياسية والأحزاب ورموز الدّولة وإطاراتها بما قد يعكس لدى البعض رغبة في العودة إلى أجواء الاِحتقان والتشنّج. وإنّنا إذ ندين بكلّ شدّة ما تعرّض له بالخصوص رئيس الدّولة من ثلب وتهجّم فإنّنا ندعو أجهزة الدّولة إلى التحرّك ضمن القانون لضرب العابثين بالشّبكات الاِجتماعية، كما ندعو وسائل الإعلام إلى الاِنخراط في ميثاق وطني ضدّ العنف اللّفظي وثقافة التّشويه ونشر الأخبار الزّائفة حتّى تبقى حرّية التّعبير الّتي أهدتها الثّورة لتونس عنوانا من عناوين الحرّية والدّيمقراطية لا سببا للفوضى والتّشرذم.

سادسا: أنّ التّوافق السّياسي لا ينفصل عن التّوافق الاِجتماعي والمجتمعي وأنّنا نجدّد الدّعوة إلى إعادة الاِعتبار لثقافة العمل والإنتاج والمبادرة باِعتباره السّبيل لتنمية الثّروة الوطنية والتّقليص من الحاجة إلى التّداين. وإذ نعبّر عن دعمنا الكامل لكلّ ما من شأنه تحسين المقدرة الشّرائية للإجراء في تناسب مع إمكانيّات الدّولة والقطاع الخاصّ، فإنّنا ندعو كلّ الأطراف إلى دعم المؤسّسة الاِقتصادية وبذل الحوافز للمستثمرين التّونسيين والأجانب لتشجيعهم على إحداث المشاريع وخلق مواطن الشّغل وخاصّة للشّباب وأبناء المناطق الدّاخلية وإزالة كلّ معوّقات الاِستثمار، ولا سيما ما يتّصل بمنظومة التّشريع وخاصّة في مجال حرّية الصّرف وإزاحة القيود والعراقيل الّتي تكبّل العملاق التّونسي المتحفّز للاِنطلاق.

لقد حقّقنا معا بفضل الله تعالى بلقاء باريس الكثير لوطننا. وإنّنا إذ نحتاج الْيَوْمَ أكثر من اأيّ وقت مضى اِستحضار الدّروس واِستلهام العبر من تلك المبادرة الّتي كانت تبدو وقتها حلما صعب المنال في ظلّ أزمة سياسية ما زالت تراوح مكانها رغم نجاحنا في الحدّ من تأثيرها السّلبي في اِستقرار منظومة الحكم، فإنّنا نؤكّد أنّ الإدارة الجيّدة للتّوافق خلال السّنوات الماضية ماتزال مفتاحا للحلّ وخزّانا للأمل والتّفاؤل بالمستقبل.

لقد نجحنا في كتابة دستور الجمهورية الثّانية وطوينا باِنتخابات 2014 صفحة الحكم الاِنتقالي، لتحقّق الدّيمقراطية أحد أبرز اِنتصاراتها بإجراء الاِنتخابات البلدية والشّروع في تركيز أسس الحكم المحلّي ليبقى الرّهان الاِقتصادي بكلّ تجلّياته مشغلنا الّذي لا يجب أن يغيب عنّا في مرحلة تاريخية تترسّخ فيها قدم وطننا تونس يوما بعد يوم في عالم الدّيمقراطية نموذجا ناجحا صامدا أمام الصّعاب والمخاطر، مؤكّدا أنّ الاِستثمار في الدّيمقراطية والحريّة ومهما بدا مكلفا وشاقّا فإنّه أفضل من الرّهان على الدّكتاتورية الّتي قطعت معها بلادنا دون رجعة والحمد لله.

نحن على يقين بأنّ هذا الشّعب العظيم الّذي صنع ثورة عظيمة لا تزال مصدر إلهام للشّعوب المقهورة، وتمكّن من المحافظة عليها وسط الأعاصير، وحوّلها ديمقراطية معاصرة عبر التّوافق، قادر عبر العمل النّاصب والإبداع والوحدة الوطنية، على أن يواصل مسيرته المظفّرة، فيصنع نموذجا تنمويّا راقيا يوفّر الحياة الكريمة لكلّ الفئات والجهات.

“وقل اِعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشّهادة فينبّئكم بما كُنتُم تعملون” التّوبة 105.




فصل روائي أخير “الولادة الأخرى”

الخال عمّار الجماعي

القمر البازغ يهب المشهد فجر النّشأة الأولى. كنت على بضع خطوات منها لكنّها لا تراني فقد كانت منشغلة بنفسها تتشمّم الرّمل النّديّ وتضرب بالحافر.. نزل الماء فتراخت.. نخرت وزحمت للطّلق العسير.. تراخت إلى الأرض وفتحت منخريها للهواء الرّطيب القادم من الواحة.. عبّت منه ودفعت متشنّجة حملها فما اِستجاب.. حمحمت للألم وفتحت فمها فبانت أسنانها القويّة.. اِنكسر صهيل في صدرها كمن يدعو حبيبا مفارقا ودفعت أكثر.. أكانت تأمل أن يراها سعيد في موقفها هذا؟!.. أنا على يقين أنّها كانت تريده أن يربّت على عنقها فتجد عطره.. ألم تكن فرسه الرّابحة؟!.. حاولت أن تقف على قائمتيها فخذلتاها.. سقطت على جنبها الآخر واِستسلمت للحظة يائسة.. كان الموت يرخي سدوله ويتأهّب لغرس نابه.. صوت اِبن آوى وقد اِستقدمته رائحة الوضع يكسر الصّمت.. كانت عيناه تبرق خلف أجمة غير بعيدة..
كتمت أنفاسي وتركت الطّبيعة تدبّر أمرها.. عيني على فرس سعيد وقلبي منصرف لها.. ولا أدري والله ما أفعل!!
حفرت ساقاها الأرض ودفعت أكثر من ذي قبل وأطلقت صهيلها عاليا.. خرج رأس المهر الصّغير وساقاه.. اِلتفتت نحوه ورمقته بعين ذابلة.. ودفعت دفعتها الأخيرة فخرج ملتفّا في كيسه يحاول أن يمزّقه ليتنفّس.. واِستسلمت هي للوجع فأغمضت عينيها الدّاعجتين! اِقتربت عينا اِبن آوى من النّخلة المنفردة.. شمّت الفرس ريحه فقامت على قوائمها.. وجذبت الحبل السرّي بأسنانها.. وقامت للمهر تلحسه وتشمّه في رأفة وحنوّ.. كان الله قريبا جدّا وأنا أدعوه بكلّ جوارحي: “اللّهم سلّم”..
اِلتفّ اِبن آوى بالنّخلة وتأهّب.. اِلتفتت الفرس نحوه وضربت بحافرها فتراجع قليلا.. كان المهر الصّغير يسعى للوقوف فيسقط.. حتّى اِستقام واِهتدى لضرع أمّه فألقمته حلمته..
والله، لقد رقص قلبي كما رقص لسعيد حين خطف لنا أنجما من السّماء.. واِنتصر لنا.
تحرّكت الفرس نحو النّخلة فتبعها مهرها.. لفّت رقبتها على جذعها كمن يقبّل حبيبا.. واٍندفع الصّهيل صافيا من صدرها.. واِنطلقت في البريّة كريح لا تدري زمن هبوبه يتبعها مهرها.. واِختفت عنّي في غبارها..
تسلّل اِبن آوى إلى السّلاء يتشمّمه ويخطفه خطف جائع ويعدو به.. كنت أرى المشهد وألعن بنات آوى.. فقد أخذوا في حكايانا الحزينة أكثر من وجه..
مال اللّيل إلى أواخره.. وسمعت آذان الفجر واضحا.. واضحا كدموعنا الّتي سالت من عشق جنوبيّ.. يبدأ من النّخل وينتهي عنده.




المساواة في الميراث: مبادرة الرّئيس وما وراءها!

الأستاذ أحمد الرحموني

الّذي يظهر من خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 أوت الفارط هو الإيهام بأنّ المقترح الّذي تقدّم به بشأن المساواة في الميراث هو حلّ توفيقيّ يأخذ في الاِعتبار “مصالح” المعارضين للمساواة أو الرّاغبين في تطبيق الشّريعة مع مراعاة أحكام الدّستور الّتي تقتضي التّسوية بين المواطنين والمواطنات!. وهو ما بدا للبعض (أفرادا وأحزابا) خروجا من الجدل وترضية للفريقين!.
لكنّ التأمّل في مضمون هذا المقترح ومقاصده ينتهي إلى اِكتشاف “المغالطات” الخلفيّة الّتي تستهدف- بطريقة متدرّجة- إلغاء نظام التّوريث الحالي المستمدّ من الشّريعة الإسلامية:

     1- فمن جهة أولى، تفترض المبادرة- كيفما عرضت- إقرار قاعدة المساواة كمبدإ عامّ اِعتقادا بأنّها تمثّل “القانون العصري” المستمدّ من الدّستور والآخذ في آن واحد باِستثاء “ثانوي” هو إرادة المورّث الصّريحة في تطبيق قاعدة “للذّكر مثل حظّ الأنثيين” على قسمة تركته الخاصّة.
وبصيغة أخرى الاِتّجاه إلى اِعتماد قاعدة المساواة ضمن قانون مشترك ذي اِنطباق عامّ يجد مجاله الواسع في التّطبيق سواء عند سكوت المورّث أو سهوه ودون حاجة لأية شكلية حتّى وإن كانت إرادة المورّث الضّمنية تتّجه إلى رغبته في تطبيق أحكام الشّريعة الإسلامية. ولا يخفى من هذا المنظور الموقع “المتدنّي” للقاعدة الشّرعية (ذي التّطبيق الخاصّ) الّتي يراد اِختراقها بدعوى اِنتمائها إلى قانون “تقليدي” و”غير عادل”!

     2- أمّا من جهة ثانية، فيؤدّي المقترح طبق ذلك التصوّر إلى إنشاء نظامين قانونيين (متفاوتي القيمة) يمكن تطبيقهما على نفس المال المتروك (في صورة تعاقب الوفيّات وتعدّد التّركات).
ومن شأن ذلك أن يحدث ما يعرف بالتّعددية القانونية الّتي تفترض في هذه الحالة وجود نظامين مختلفين للميراث: أوّلهما (وهو الدّخيل) مستمدّ من القانون الغربي، وثانيهما (وهو الأصيل) مستمدّ من الشّريعة الإسلامية.
لكن يبدو واضحا أنّ اِختيار قاعدة المساواة كقانون مشترك سيؤدّي لا محالة إلى “التفوّق المبدئي” لنظام التّوريث المستمدّ من القانون الغربي في مقابل “تهميش” القاعدة الشّرعية ذات التّطبيق الخاصّ.

     3- أمّا من جهة ثالثة، فإنّ ترسيخ القاعدة “الدّخيلة” كحكم مبدئي سيسمح بتطوير نظام متكامل لما يمكن تسميّته بنظام الميراث العصري ومن المتوقّع أن يتمّ ذلك بصفة مستقلّة عن نظام الميراث الإسلامي الّذي تتبنّاه مجلّة الأحوال الشّخصية. ومن الوارد أن يمهّد ذلك لحلول ميراث بديل عن أحكام المواريث الشّرعية في نهاية المطاف.

     4- أمّا من جهة أخيرة فيمكن التّأكيد في ضوء ما سبق أنّ الأخذ بنظام التّوريث الإسلامي (وخصوصا بقاعدة للذّكر مثل حظّ الأنثيين) سيكتسي صبغة وقتية في صورة نجاح المبادرة الرّئاسية وسنرى- قريبا أو بعيدا- دعوات لإلغاء هذا الاِستثناء وتوحيد النّظام القانوني والتخلّي عن “الموروث القديم”!




حديث إلى وعن نساء تونس

الأمين البوعزيزي

الأمين البوعزيزي

بعيدا عن حروب الأجندات الذّكورية الّتي تتّخذ من أجسادهنّ ساحة وغى:
منذ عشرة آلاف عام ساعة كان نمط الإنتاج والغذاء يعتمد الصّيد؛ حيث كان الرّجال يقطعون المسافات الطّويلة وراء طرائدهم. عمدت النّساء اللّواتي بقين يحرسن الأطفال القصّر إلى تدجين الدّجاج والنّعاج لتوفير الطّعام واِستبقاء أزواجهن قربهنّ… فكانت الحصيلة اِستقرار بالمكان وتشييد علاقة خاصّة بالأرض… زراعة وحفر آبار وتحويل مجاري أنهار… ستتحوّل تدريجيّا إلى أوطان… بدايات شيّدتها النّساء…. نساء بصمن تاريخ بلاد المغرب الكبير بنمط مجتمعي أمُومي طبع التّاريخ اللاّحق…

أساطير التّأسيس في بلدي عنوانها علّيسة ومرافقاتها….

ملاحم المقاومة في بلدي عنوانها الكاهنة تقود الرّجال المحاربين….

ملاحم النّهضة العمرانية عنوانها الأميرة عطف تشيد الجوامع والكنائس جنبا إلى جنب….

أكبر ملاحم الذّاكرة الجمعية في بلدي سيرة هلاليّة تتصدّرها الجازية المخبّلة في شعرها حكيمة لقومها وبالكاد يظهر بوزيد الهلالي بطل الملحمة في ذاكرة شرقنا العربي….

العمل الخيري في بلدي تتصدّره عزيزة عثمانة…

حق النّساء في التّعليم زمن الاِحتلال الفرنسي تتصدّره بشيرة مراد….

اِختبار صدقية بورقيبة في تحرير وأهليّة النّساء وكفاءتهنّ تتصدّره راضية الحدّاد الدّستورية الّتي دفعت من حرّيتها وسمعتها الكثير لاِختبار صدق الدّعوة من وصاية الدّعاية….

معركة الحرّيات واِستقلالية المنظّمات زمن النّوفمبرية عنوانها نزيهة رجيبة وراضية النّصراوي وميّة الجريبي وسهام بن سدرين وزكيّة الضيفاوي وكلثوم كنّو…

ملحمة سبعطاش ديسمبر طبعتها خالة محمّد البوعزيزي عشيّة لحمه المشوي تندب بالصّوت العالي تستنفر قومها غضبة هماميّة تدكّ عروش البايات والبايات الجدد…

ملحمة سبعطاش ديسمبر وقودها ملاحم نساء بوزيان وتالة يد ترمي البطش النّوفمبري بحجارة من سجّيل وشفاه تزغرد ساعة اِنسحاب جحافل البطش مدحورة ذليلة… ويهتفن عاليا؛ آمس خرّجنا فرانصا واليوم نخرّجوا الاِستقلال (لصّ الاِستقلال)….

نساء بلادي يعمّرن تونس بجبالها وصحاريها وسهولها ومصانع 72 سارقة أعمارهنّ وجهدهنّ…. هزّني هذا المساء 13 أوت هتافهنّ الّذي يكثّف كلّ تاريخ النّساء في بلدي وهنّ يهتفن حرّيات حرّيات ضدّ كلّ الرّجعيات…

أمّا مشهد كرستين لاغارد رسولة الإذلال الوطني والاِجتماعي وهي تتصدّر المشهد في قصر قرطاج جنبا إلى جنب مع بشرى بلحاج حميدة مناشدة بنعلي ليلة هروبه فقد أدمى قلبي وحفّزني إلى اِمتشاق قلمي والرّد بالكتابة writers Back… ولسان حالي يصرخ مع المفكّرة النّسوية الدّيكولونيالية الفلسطينية ليلى أبو لغد ساعة صرخت كتابة:
?Do Muslim Women need saving
هل تحتاج المسلمة إلى إنقاذ؟
صرخة إدانة وفضح لجريمة تدمير وإبادة الشّعب الأفغاني تحت راية “الرّجل الأبيض يحرّر نساء الشّرق من غطرسة الرّجال”!!!
قبلها صرخت المفكّرة النّسوية Gayatri C. spivak: هل بمقدور التّابع الكلام؟ ?can the subaltern speak
صرخة اِحتجاج يفضح أيديولوجيا تدمير الإنجليز بلدها الهند تحت شعار تحرير نساء الهند من جريمة الساتي الذّكورية!!!
شاركتهنّ الردّ بالكتابة المقاومة المفكّرة النّسوية الجذرية Chandra Muhanty:
scholarship and colonial discourse حذّرت فيه من اِرتباط النّضال النّسوي في الأمم المضطهدة من ربط نضالاتّهن بالأجندات الكولونيالية لأنّ ذلك يزيد من حدّة الاِضطهاد الذّكوري المحلّي الّذي يضاعف هيمنته على النّساء ظنّا منه أنّه يحميهن مجالا خارج السّيطرة والاِستباحة الكولونيالية…

  • باِسم الإرث الأمومي في تونس وباِسم تاريخ بلدي وأساطير بلدي المطبوع بأنفاس وعرق ودماء نسائه وعطرهنّ من حقيّ أن أصرخ:
    هل تحتاج نساء بلادي إلى كريستين لاغارد وسفير فرانصا برتبة مقيم عام لإنقاذهنّ من رجال هنّ من أنقذنهم من مخاطر صيد الضّواري واِستبقائهم إلى جانبهنّ يصنعون معا خبز وأغنيات الماضي والحاضر والمستقبل!!!
  • هل تحتاج نساء بهذا الإرث أن ينقذهنّ سفير فرانصا ورسولة الإذلال الاِجتماعي والوطني كريستين لاغارد ممّا يسمّونه “غطرسة رسالة الإسلام” الّتي دشّنتها خديجة باِحتضان نبيّها وتدثيره ودشّنتها أمّ سلمة بأوّل صرخة نسوية مخاطبة زوجها ونبيّ الإسلام قائلة: “يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النّساء في الهجرة بشيء”؟
    فخصّها تعالى بآية “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ…”.
  • هل تحتاج نساء بهذا الإرث الملحمي إلى كريستين لاغارد وسفير فرنسا مفسديْ معاركٍ في نبل النبوّات؟!
    بإسمكن جميعا؛

أهدي هذا النصّ إلى ثلاث شابّات من تونس أراهنّ عناوين لمعارك نساء تونس التنوّع والأعماق؛ لا معركة أدلوجة المرأة التّونسية المنمّطة في أجندات وكلاء الاِغتراب الزّماني والمكاني.
مها عبد الحميد Maha Abdelhamid
عائدة بن كريّم  Aida Benkraiem
خولة الفرشيشي  Khaoula Ferchichi




الدّين ليس مجرّد “حكاية”!

الأستاذ أحمد الرحموني

“أحنا معدناش علاقة بحكاية الدّين والقرآن واحنا نتعاملو مع الدّستور! 
ونحن في دولة مدنية والقول أنّ تونس دولة لها مرجعيّة دينية خطأ وخطأ فاحش؟؟؟”

لا أدري إن كان رئيس الجمهورية الباجي قائد السّبسي بقوله هذا يعي- وهو الّذي يسهر على اِحترام الدّستور- أنّ الدّولة لها علاقة بالدّين وبقيمه ومقوّماته وذلك بمقتضى أحكام الدّستور نفسه، الّذي ينصّ في توطئته على تمسّك شعبنا “بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاِعتدال “فضلا عن أنّ تونس كانت دوما بنصّ الدّستور دولة حرّة، الإسلام دينها والعربية لغتها (الفصل 1 من الدّستور) وأنّ الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية هو حقّ لكلّ تونسيّ دينه الإسلام” (الفصل 74 من الدّستور).

كما لا أدري إن كان رئيس الجمهورية يعي أنّنا- وإن كنّا في “دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشّعب وعلويّة القانون” (الفصل 2 من الدّستور)- فلا يتضمّن ذلك أنّ تونس “هي جمهورية علمانيّة” مثلما تنصّ على ذلك المادّة الأولى من الدّستور الفرنسي. وعلى هذا الاِعتبار فليس خطأ أن نقول إنّ “الإسلام دين الدّولة” وأنّه لا يجوز أن يتولّى رئاسة الجمهورية تونسيّ “ملحد” أو أحد المعتنقين لديانة أخرى غير الإسلام.

ولذلك يبدو أنّ الدّين (والقرآن أيضا) ليس مجرّد “حكاية “- كما يقول الرّئيس- وأنّ علاقتنا به يقتضيها الدّستور والدّولة المدنيّة!