وزير العدل يلغي العمل بمذكّرة المتفقّد العام حول العدالة الاِنتقالية

الأستاذ أحمد الرحموني

بلغ إلى علمنا، اليوم الجمعة 22 جوان، أنّه على إثر الاِنتقادات “الحادّة” الّتي صدرت من جهات عديدة بشأن المراسلة الّتي وجّهها المتفقّد العام بوزارة العدل بتاريخ 28 ماي 2018 إلى الرّؤساء الأول لمحاكم الاِستئناف والوكلاء العامّين لديها ورؤساء المحاكم الاِبتدائية ووكلاء الجمهورية لديها ورؤساء الدّوائر الجنائية المتخصّصة في العدالة الاِنتقالية وذلك في الموضوع الخاصّ بتطبيق مقتضيات الفصل 42 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلّق بإرساء العدالة الاِنتقالية، فوجئت الأوساط القضائية، يوم أمس الخميس 21 جوان على غير العادة، بمراسلة صادرة عن وزير العدل السيّد غازي الجريبي موجّهة إلى الرّؤساء المعنيّين بمذكّرة المتفقّد العامّ فحواها إعلامهم بإلغاء العمل بتلك المذكّرة المؤرّخة في 28 ماي 2018.
ويلاحظ أنّه تبعا لتداول تلك الوثيقة في الفترة الأخيرة أثيرت حولها تعليقات تدعو إلى اِلتزام الحياد من قبل السّلطة التّنفيذية وخصوصا وزارة العدل وتستهجن التدخّل في موضوع قضائي وهو ما يستعيد قضاء التّعليمات في العهد السّابق (اُنظر http://lahdha.tn/قضاء-التّعليمات-يتهدّد-العدالة-الاِن/ ).
وأمام هذا التحرّك الّذي تفاعل من خلاله وزير العدل مع الاِنتقادات العديدة لتلك المذكّرة نرى أنّ ذلك يعدّ إقرارا بعدم وجاهتها ويمثّل في حدّ ذاته رجوعا إلى الحقّ. وقديما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته إلى أبي موسى الأشعري “ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحقّ؛ فإنّ الحقّ قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحقّ خير من التّمادي في الباطل!”.




أين مبدإ الاِنسجام في القوانين؟

أرشيفيّة

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

من “مكاسب” التّقرير اِحترام حقّ الفرد في التصرّف في جسده وحياته الخاصّة، لذلك تسامح مع عديد العلاقات الجنسيّة الّتي تقوم على التّراضي بين الرُشَّد مهما كانت مخالفة لأعراف المجتمع مثل الزّنا واللّواط والمساحقة، بل دعا إلى تخفيف عقوبة الخنا أي البغاء من السّجن التّي تصل إلى عامين إلى خطيّة ماليّة بـ500د وأسقط منها العلاقات العرضيّة العابرة ولو كانت بمقابل من خلال حذف عبارة صدفة في الفصل 231.

ولكنّه في المقابل تشدّد في الزّواج المبرم على غير الصّيغ القانونيّة أو ما يسمّى بالزّواج العرفي غير الموثّق، حيث يقضي القانون الحالي الّذي أقرّه التّقرير بإبطال الزّواج ومعاقبة الزّوجين بشكل مبرم بثلاثة أشهر سجنا، مع زيادة عقوبة سجنيّة بستّة أشهر في حالة اِستئناف المعاشرة.

محصّل ذلك لو ضبط رجل واِمرأة متلبّسين بزواج عرفيّ يكفي أن يصرّحا أنّهما في معاشرة جنسيّة حرّة بالتّراضي لإيقاف التتبّع بحقّهما وربّما كانت تهمة الخنا أرحم بهما من السّجن بتهمة زواج غير قانونيّ.

لسنا مع الزّواج العرفيّ، ولكننّا مع مبدإ الاِنسجام في القوانين.




في ذكرى اِستشهاد معلّم الثّورة

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

ولد علي شريعتي في منطقة خراسان الإيرانية في ديسمبر 1933. 
اِنضمّ في صباه إلى شباب الجبهة الوطنية بقيادة مصدّق، وبعد الاِنقلاب على مصدّق كان شريعتي الشّاب من محرّكي المظاهرات واُعتقل لمدّة ستّة أشهر.

تخرّج من كلّية الآداب باِمتياز، ليُرشّح لبعثة لفرنسا عام 1959، وحصل على شهادتي دكتوراه في تاريخ الأديان وعلم الاِجتماع.
تعاون في باريس مع جبهة التّحرير الجزائرية، وأسّس حركة الحرّية لإيران وتعرّف على سارتر والمستشرقين لويس ماسينيون وجاك بيرك، وعالم الاِجتماع جورج غورفيتش، وترجم فرانز فانون إلى الفارسية. إثر اِغتيال المخابرات البلجيكية لباتريس لوممبا الزّعيم الأفريقي تظاهر في باريس وتمّ اِعتقاله لفترة قصيرة.

منتصف الستّينات عاد علي شريعتي إلى إيران مدرّسا بجامعة مشهد وأسّس مع الفيلسوف ورجل الدّين الثّوري مرتضى مطهري “حسينية ارشاد” فكانت مركزا إسلاميا ثوريا في مواجهة المعمّمين من علماء السّلطان. واِلتفّ حوله جيل كامل من الشّباب سيكون من قيادات الثّورة آخر السّبعينات توزّعوا بين “خطّ الإمام الخميني” وحركة مجاهدي خلق في فترة تحالف القوى الإسلامية الثّورية. تتّفق كلّ التيّارات على اِعتبار “علي شريعتي” معلّم الثّورة.

أغلق الشّاه والسّافاك حسينية ارشاد سنة 1973 وتمّ القبض على شريعتي، ولن يُفرج عنه إلاّ بوساطة جزائرية ليبقى تحت الرّقابة ممنوعا من النّشاط حتى مغادرته إيران سنة 1977، وبالضّبط في شهر ماي، ليُعثر عليه ميّتا بعد شهر واحد في 19 جوان بمقرّ إقامته في لندن. ورغم زعم النّظام وفاته بسكتة قلبية فالجريمة كانت واضحة.

رفضت السّلطات الشّاهنشاهية دفنه في إيران، فووري جسده الطّاهر في الحرم الزّينبي بدمشق وصلّى عليه الإمام موسى الصّدر الّذي سيغيب بدوره في ظروف غامضة بين ليبيا وإيطاليا بعد أقلّ من سنتين..

تقوم أفكار “علي” كما يحلو لأحبابه تسميّته على “بناء الذّات الثّورية” وهو عنوان أحد كتبه. فالثّورة عنده يتمّ بناؤها في الذّات، فلا يمكن أن تظلّ مخلصا للثّورة وطريقها ما لم تكن ثوريّا قبلها. وبناء الذّات الثّورية يقوم على ثلاثة أعمدة: المعرفة الوجدانية، والسّعي للعدل والمساواة، وأخيرا التّوق للحرّية، وعبر ثلاث وسائل هي: العبادة والعمل والنّضال السّياسي.

ميّز في كتابه “مسؤولية المثقّف” بين المثقّف المقلّد والمثقّف العضوي كمنتوج محلّي ينجز “اِشتباكا معرفيا وثقافيا ودعويا”، مثل نبيّ بلا نبوّة يسعى بين النّاس بوظائف النّبوة.

صاغ مفهوم “النّباهة” بما هي صفات الذّات الفاعلة الّتي تجعل المجتمع مستعصيا على الاِستبداد والاِستعمار في مقابل مفهوم ” الاِستحمار” المناسب لنشوء الاِستبداد.

نقده للحوزة والتديّن الشّيعي قام على تفنيد «التشيّع الصّفوي» أي التشيّع المستعار القائم على فهم رجعيّ للعترة والإمامة والعصمة والتقيّة والسنّة والتّقليد والّذي خدم سلطة الدّولة الصّفوية في مواجهة المدّ العثماني والّتي حرفت التشيّع العلوي لأغراض الاِستبداد مثل الدّولة الأموية الّتي حرفت مبادئ المذهب السنّي لتبرّر السّيطرة على مقدرات البلاد والعباد.

في المسألة النّسوية دعا شريعتي المرأة إلى الاِقتداء بـ«فاطمة» والتعلّم منها لتحرير المرأة من نير التّقاليد والرّجعية الذّكورية الّتي زيّفت الدّين لاِضطهاد النّساء.

حين اِنتصرت الثّورة كان “علي” شهيدا قبلها بسنتين فتجرّأ عليه بعض الرّجعيين من قياداتها الدّينية لكنّه سرعان ما اِستعاد مكانته في دولة الثّورة، فكلّ الثّوريين تلاميذه.




القيادات- الّتي تفكّر في حيوية أحزابها- تصنع أحيانا محاور نقاش لتستفزّ القواعد للتّفكير

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

اِختلاف وجهات النّظر بين قيادات ومناضلي حزب أو تيّار علامة قوّة وحياة. ليس هناك سياسة اِتّصالية أكثر جاذبية ومردودية من ناطق أو رئيس حزب يقول للنّاس بفخر واِعتزاز “وفي هذا الموضوع فإنّ هناك اِختلاف في وجهات النّظر وقد ذهب الموقف الأكثري إلى إقرار كذا مع حفظ حقّ الأقلّية في التّعبير والدّعوة إلى الإقناع بمواقفها داخل الحزب أو خارجه”.

مثل هذا التّصريح يمنح الحزب صورة حيوية مرنة ويغري كثيرا من المعنيّين بالاِنتماء الحزبي إلى الاِلتحاق به لأنّهم سيكونون مطمئنّين بأنّهم لن يلتحقوا بطائفة أو جماعة مغلقة بل بفضاء حيّ تتعايش فيه الرّؤى وتحافظ فيه الفرديات على خصوصيّتها ككائنات عاقلة مفكّرة دون أن تتحوّل إلى قطعان أو علب متشابهة.

الرّعب من بروز الاِختلافات وتباين وجهات النّظر داخل الجسم السّياسي الواحد وهرسلة المختلف وإرعابه إلى درجة التبرّؤ من موقفه أحيانا هو تحويل للحزب كظاهرة اِنتظام سياسي حديثة إلى جماعة كظاهرة اِنتظام ما قبل حداثي. تلك هي جذور أزمة الدّيمقراطية في الوجدان العربي كما كتب عنها باِمتياز حسن حنفي في أحد مقالاته الشّهيرة الّتي تربّينا عليها في زمان الأيديولوجيا القاتلة للتّفكير فلقحتني شخصيّا من داء قتل ذاتي الفكرية وسط الجماعة القاهرة.

في الأحزاب الغربية الحديثة تستطيع أن تقرأ في المواقع الحزبية العامّة المفتوحة لكلّ القرّاء وجهات النّظر المتعدّدة داخل هذا الحزب أو ذاك. وفي مؤتمرات هذه الأحزاب تصاغ القوانين الدّاخلية الّتي تمنح كلّ التيّارات إمكانية التّواجد داخل المكاتب القيادية، بل إنّ المفكّرين والمثقّفين والمختلفين داخل هذه الأحزاب تصاغ القوانين على المقاس لضمان تواجدهم داخل مراكز القرار لهذه الأحزاب دون أن يغادر هؤلاء المثقّفون والمختلفون مكاتبهم للقيام بحملات اِنتخابية وسط اِصطفافات القواعد.

الأحزاب الحيّة توجد اِختلاف وجهات النّظر وتخلقها حتّى إن لم توجد. فالقيادات الّتي تفكّر في حيوية أحزابها تصنع أحيانا محاور نقاش لتستفزّ القواعد للتّفكير في كلّ الاِتّجاهات والسّيناريوهات ووجهات النّظر حتّى لا يتكلّس الحزب ولا يتسكتر.




قضاء التّعليمات يتهدّد العدالة الاِنتقالية!

الأستاذ أحمد الرحموني

في مراسلة “غريبة” (تمّ نشرها أخيرا) موجّهة إلى إدارات المحاكم الاِستئنافية والاِبتدائية– ممثّلة في رؤسائها وأعضاء نيابتها- فضلا عن رؤساء الدّوائر المتخصّصة في العدالة الاِنتقالية لا يجد المتفقّد العامّ بوزارة العدل (السيّد رياض بالقاضي) حرجا في إصدار تعليمات مباشرة (ما أنزل الله بها من سلطان!) تحت غطاء “الحرص على تطبيق مقتضيات الفصل 42 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلّق بإرساء العدالة الاِنتقالية وتنظيمها” فيما ينصّ عليه من إحالة هيئة الحقيقة والكرامة للملفّات الخاصّة بالاِنتهاكات الجسيمة على النّيابة العمومية.
ومن الواضح أنّ التّعليمات الّتي تضمّنتها المراسلة قد صدرت تحت إشراف وزبر العدل بصفته عضوا في الحكومة طالما أنّ المتفقّد العام هو من بين المسؤولين القضائيين (السّامين) الملحقين بوزارة العدل والخاضعين لإشرافها (وتأثيرها!).
وتكمن التّعليمات المقصودة في محاولة “المسؤول السّامي” الإيحاء (للقضاة طبعا) بأنّ من توابع اِختصاصاته (الّتي يتوسّع فيها بقدر ما يستطيع!):
1- إصدار مذكّرات أو تعليمات أو توجيهات في شأن العدالة الاِنتقالية الموكول تطبيقها إلى دوائر قضائية مستقلّة ومتخصّصة يتمّ إحداثها بالمحاكم الاِبتدائية المنتصبة بمقارّ محاكم الاِستئناف في حين أنّ القانون المتعلّق بتنظيم العدالة الاِنتقالية يخلو تماما من أيّ ذكر إو إشارة للتفقّدية العامّة أو وزارة العدل.
2- إعطاء تأويل أو تفسير لنصوص قانونية- مهما كانت طبيعتها- تتعلّق بتعهّد النّيابة العمومية أو الدّوائر المتخصّصة في العدالة الاِنتقالية. من ذلك تأويل المتفقّد العام للفصل 42 من القانون المذكور وضرورة أن يكون تعهّد الدّوائر المتخصّصة في الآجال الّتي يحدّدها القانون المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 (أي باِنتهاء يوم 31 ماي 2018) وخصوصا عدم اِعتبار ما يتعلّق بالتّمديد في عمل هيئة الحقيقة والكرامة. في حين أنّ ذلك يدخل في اِختصاص الدّوائر نفسها ويبتّ– بصفة تحكّمية– في شروط قبول الدّعوى فضلا عن اِنضمامه لوجهة نظر “سياسيّة” يتبنّاها أعضاء بمجلس نوّاب الشّعب وأطراف حكومية!.
ويذكر في هذا السّياق أنّ الفصل 8 من القانون المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 المذكور لا يشترط لتعهّد الدّوائر المذكورة– بالنّسبة لعدد من الاِنتهاكات الجسيمة– صدور الإحالة من هيئة الحقيقة والكرامة وهو ما يجيز– طبق وجهة نظر أخرى– رفع الدّعوى مباشرة لدى الدّوائر المتخصّصة الّتي تتعهّد بالنّظر “في القضايا المتعلّقة بالاِنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على الاِتّفاقيات الدّولية المصادق عليها” وعلى معنى أحكام القانون المتعلّق بالعدالة الاِنتقالية وذلك تطبيقا لحقّ التّقاضي وعدم إمكانية تعطيله أو الحدّ منه.
3- الاِنتصاب في موقع الضّامن “لحسن سير القضاء ومبادئ المحاكمة العادلة بعيدا عن كلّ ما من شأنه أن يمسّ من حياد السّلطة القضائية واِستقلاليتها” وهو ما يبدو من قبيل المفارقات “المثيرة” الّتي لا تتناسب مع إصدار تعليمات مباشرة في شكل مذكّرة أو مراسلة موجّهة إلى قضاة الدّوائر الحكمية في شأن تطبيقها للقانون!.
4- تكليف القضاة– في صيغة “صادمة “- بإعلام المتفقّد العام بما قاموا به للغرض في الإبّان (كذا) وهو ما يتجاوز- بداهة– الحدود المقبولة في خطاب القضاة ويتنافى مع موقع الهيئات القضائية واِستقلاليتها.




على هامش التّقرير في اِنتظار المتن

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

أستمتع بقراءة تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة وما ينطوي عليه من مقترحات وجيهة يمكن أن تكون مكسبا للحرّيات الفرديّة والمساواة مثل حماية الحياة الشّخصيّة والسّلامة الجسدية من التّعذيب وغيرها من المقترحات الموفّقة.

ولكن هناك كذلك مقترحات عبثيّة مرتجلة لم يقدّر من صاغوها تبعاتها بل صيغت فقط في إطار الاِلتصاق الحرفيّ بالتصوّر الشّكلانيّ للحرّيات الفرديّة والمساواة.

خذ مثالا على ذلك إلغاء عدّة المطلّقة والأرملة بدعوى أنّ تطوّر الطبّ يمكن أن يثبت براءة الرّحم من الحمل مباشرة بعد المفارقة بالطّلاق أو الترمّل، وحتّى لو أخطأ التّشخيص الطبيّ وحصل حمل فإنّ التّحليل الجيني يمكن أن يمنع اِختلاط الأنساب بإثبات نسب من ولد بعد أن حملت به أمّه في فترة العدّة الملغاة في إطار عقد زواج جديد، كلّ ذلك في إطار اِحترام حريّة الزّواج وعدم تقييده أو تعطيله بحدود زمنيّة والمساواة بين المرأة والرّجل الّذي لا تشمله عدّة مثل المرأة.

محصّل ذلك زواج غير مأمون العواقب في علاقة باِختلاط الأنساب وهويّة المولود والاِنخراط في إجراءات تحليل جينيّ في ظلّ رابطة زوجيّة جديدة في اِنتظار إثبات النّسب وما يمكن أن يتسبّب فيه ذلك من إرباك وإثارة للشّكوك والنّزاعات والعبث بحرمة طفل وكرامته ومصيره.

كلّ ذلك تعسّف وتكلّف وحرفيّة في تمثّل الحريّة الفرديّة والمساواتيّة الشّكليّة واِستعجال في عقد رابطة زوجيّة على أنقاض رابطة أخرى لم تَنْقَضِ متعلّقاتها، فهل تشكّل هذه الأشهر القليلة الّتي تعتدّ فيها المرأة حاجزا أمام المساواة وحريّة الزّواج؟ هل هذا مطلب مجتمعيّ ملحّ يحتاج إجراءً قانونيّا؟

أمثلة عديدة على هذا التعسّف في الفهم من قبيل إسناد لقب الأمّ للمولود وتخيير الرّاشد في ذلك وحذف عبارة حاضنة لأنّها تقيم الحضانة على أساس جنسيّ بإسنادها للأمّ غالبا، والتّنصيص على أنّ تسجيل المولود في مصالح الحالة المدنيّة موكول للأب والأمّ رغم الإقرار بالسّياقات والملابسات والآجال الّتي تمنع النّفساء من القيام بذلك، فضلا عن القصد من التّنصيص على دور الأب في الإعلام وهو الإقرار المدني والشّرعي بالأبوّة وتوثيقها بعد ثبوت الأمومة بالحمل والوضع، وإعطاء الحقّ للأحياء في تقرير شكل التصرّف في ما كانوا يمتلكونه في حياتهم بعد أن اِنتفت ملكيّتهم له بوفاتهم…

وخذ مثالا آخر حول رفع تجريم اللّواط والمساحقة باِعتبار أنّ العلاقات الجنسيّة بين راشدين بالتّراضي من صميم الحريّات الفرديّة ولا دخل للدّولة والمجتمع فيها، وهو قول مجانب للصّواب لأنّ المثليّة الجنسيّة رغم طابعها الحميمي الشّخصي فهي تشكّل تهديدا لأسس الأسرة الغيريّة القائمة على زوج وزوجة وأب وأمّ كما اِستقرّ عليه الضّمير العامّ، بل تفتح ضرورة إن عاجلا أو آجلا على الزّواج المثليّ والأسر مثليّة الأبوين familles homo parentales والأكيد أنّ دعاة المثليّة على وعي تامّ بأنّ رفع التّجريم هو خطوة في ذلك الاِتّجاه الّذي يطمحون إليه، ألا يعدّ ذلك اِعتداءً على هيئة الاِنتظام الاِجتماعي الّتي اِستقرّ عليها المجتمع منذ غابر الأزمان؟

أسئلة كثيرة تطرح بين يدي هذه الوثيقة الّتي يعتقد أصحابها بكلّ وثوق أنّها مشروع شامل للإصلاح يسير على نهج روّاد حركة الإصلاح في البلد ويستأنف مسيرتهم الإصلاحيّة…




تنطّع علماني فجّ!

الأستاذ أحمد الرحموني

يبدو أنّ التّسجيل المتضمّن قراءة الفاتحة وتلاوة الدّعاء من قبل المنتخب الوطني وطاقمه الفنّي قبل مباراته الأولى بكأس العالم قد أثار غبارا كثيفا من التّعليقات والاِتّهامات تجاوز في حدّته التّعليقات الصّادرة بشأن المباراة نفسها!. وذهب بعضهم إلى حدّ القول بأنّ ذلك كان مفروضا على أولئك “القارئين” بضغط من المدرّب نفسه!.
فهل يمكن أن نجد تفسيرا لهذه “الشّراسة ” أو “الحساسيّة” في مواجهة تقليد ديني- اِجتماعي؟!. وكيف لبعض المثقّفين أن يفسّروا موقفهم ذاك لعموم النّاس المتديّنين أو المواطنين “البسطاء”؟!. وفي الأخير هل يمكن أن نجد في تلك القراءة أو التّلاوة ضررا أو تجاوزا أو مخالفة قانونية أو أخلاقية؟!.
ألا يبدو ذلك من قبيل “التنطّع العلماني” الفجّ أو الفهم الخاطئ للعلمانية (الّتي لا يتبنّاها دستور الدّولة)؟!. ومتى تهتدي بعض نخبتنا إلى المعنى الحقيقي للعلمانية (الّتي ترفض تدخّل الدّين في سياسة الدّولة وتدخّل الدّولة في شؤون الدّين) حتّى لا يختلط في أوهامهم أنّ العلمانية هي عداء فكري للدّين وتنديد بالمظاهر الدّينية وشتم للمتديّنين؟!




هلوسات المؤرّخ الجمهوري

الأستاذ نور الدين العلوي

اِطّلعت على مقال المؤرّخ التّونسي الأستاذ خالد عبيد المنشور بموقع كابتاليس التّونسي تحت عنوان (التمرّد النّاعم) بتاريخ 13 حزيران/ جوان 2018 والّذي أراد من خلاله تبيان تحايل السيّد راشد الغنّوشي على يوسف الشّاهد واِستعماله غطاء سياسيا لخطّة أسلمة المجتمع التّونسي. وسأحاول مناقشة المقال قدر الاِستطاعة وأنا موقن سلفا أنّ السيّد عبيد لن ينزل من علياء المؤرّخ للاِطّلاع على النّقاش ولكنّنا نشكر له رغم ذلك كِبْرَه التّعليمي الّذي كشف لنا خواء المؤرّخ البورقيبي في القرن الواحد والعشرين.

المنطلق الخاطئ يؤدّي إلى نتائج خاطئة

اِنطلق الأستاذ خالد عبيد والّذي سأشير إليه بالمؤرّخ تخفيفا للمقال من مقارنة خاطئة ثمّ بنى عليها بقيّة الخيال السّياسي الّذي حكم المقال فجاءت أفكاره منسجمة مع منطلقاته ولكنّها بعيدة كلّ البعد عن الواقع التّونسي كما نعيشه لا كما يتخيّله المؤرّخ الّذي لم نعرف له خيالا روائيا نحن الّذين نعرف كيف نركب الحكايات ونرمي المعني في باطن الجمل.
المقارنة الخاطئة هي أنّ يوسف الشّاهد يستعمل الآن في خطّة المهدي بزركان بما يجعل راشد الغنّوشي هو خميني تونس. أي يطبّق كما الخميني خطّة التخفّي خلف واجهة صفيقة حتّى يتمكّن من الظّهور بوجهه الحقيقي البشع طبعا.
الخطأ الفاحش الأوّل هو أنّ ثورة تونس ليست الثّورة الإيرانية. تونس لم تقم بثورة دينيّة بخلفية مذهبية. ولم يكن لها من قيادة إلاّ عفوية الشّارع المنتفض ضدّ الفساد والاِستبداد ولم تقم بتصفية معارضي الثّورة في السّاحات ولم تنصب المشانق. وراشد الغنّوشي لم يقد هذه الثّورة والبعض مازال يكرّر أنّ حزبه لم يشارك فيها وهذا موضوع آخر يسقط كلّ أطروحة المؤرّخ.
هذا في المنطلق، أمّا في المآلات فإنّ الثّورة التّونسية وإن اِتّجهت إلى تأسيس جمهورية جديدة بدستور جديد (وليس باِقتراح من الغنّوشي ولا بأمر منه) فإنّها وجدت صيغا سياسية لعدم الحسم الدّموي والقضائي مع الّذين ثار عليهم النّاس، وهذا أمر يقلّل من كلّ زعامة. والغريب أنّ الغنّوشي قاد عملية تجنيب البلاد الحسم الثّوري بمنعه من داخل المجلس التّأسيسي لقانون تصفية التجمّع. بما يضعه في الموقع النّقيض من الخميني منذ البداية ولا يضطرّه لاحقا للاِختفاء خلف واجهة للقيام بما لم يقم به وهو يملك أن يفعل في موجة الثّورة.
غنيّ عن القول هنا أنّ دفع هذه المقارنة المغالطية إلى مداها تجعل من نظام بن علي هو نظام شاه إيران ومخابرات بن علي الّتي لم تؤذ المؤرّخ هي السّافاك اللإيراني.

تحليل التّاريخ العام بمعلومة سرّية وخاصّة

يبني المؤرخ روايته على معلومة خاصة حصل عليها بطرق خاصة مفادها أن الغنوشي أراد استعمال مهدي بازركان أول قبل يوسف الشاهد هو السيد أحمد المستيري. فأهان الرجل وتاريخه إهانة بعيدة عن كل لياقة أخلاقية. السيد المستيري لمن لا يعرفه سياسي نظيف.قاد عملية تمرد من داخل حزب الدستور في مؤتمر المنستير سنة 1971 واستقل عنه بمجموعة أثثت الديمقراطية التونسية هي مجموعة الأحرار التي صارت أول حزب معارض (حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والتي لا تزال الساحة التونسية تتحرك داخل أدبياتها. وقد كانت له مع الغنوشي مودة وتقدير كبيرين لا يمكن أن تحوله إلى (شخشيخة) عند الغنوشي. ذلك التقدير المتبادل بين الرجلين جعلت الغنوشي ينحاز وحزبه غير القانوني سنة 1981 إلى المستيري ويمنحه تصويتا مطلقا هدد به عرش حزب الدستور وبورقيبة ذاته حتى تم تزييف النتائج على يد حزب الدستور وقد اعترف بذلك على شاشة الجزيرة السيد الباجي قائد السبسي وتكرر الأمر تقريبا في انتخابات 1989 التي زيفت بدورها.
وقد اطلعنا على مذكرات السيد احمد المستيري فلم يشر فيها ولو بجملة واحدة إلى أنه تلقى عرضا ليكون واجهة لانقلاب عسكري كانت حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي) تخطط له سنة 1987. وقد تحدثت كل الشخصيات السياسية لزمن بورقيبة بما فيها وزراء داخلية مطلعين على كل الأخبار فلم يشر أي منهم إلى هذه المعلومة التي تفرد بها المؤرخ ومن مصدر لم يكشف عنه.
وإذا كان الغنوشي قد فكر في ذلك أو سعى فيه فإن ذلك يحسب له لا عليه لأنه كان سيضع على رأس الدولة رجلا محترما ومقبولا لدى كل التونسيين بلا استثناء إلا البورقيبيين الذين لم يغفروا للمستيري تأسيس خطاب ديمقراطي متعدد في تونس ولو فعلها الغنوشي لكان جنب البلاد ربع قرن من حكم الفساد والإفساد الذي صنع أمثال المؤرخ.
أنا لا أعلم المؤرخ مهنته لكن كتابة التاريخ بالاستناد على معلومة خاصة وغير منشورة يفقد الكلام المبني عليها كل مصداقية علمية وعليه لن نسلم للمؤرخ بأن أحمد المستيري كان يوما ما بزركان للنهضة ولا شيء فيه يؤهله لدور مماثل بما ينزّه الغنوشي عن هلوسات المؤرخ. وهكذا تسقط كل أطروحة شيطنة الغنوشي الانقلابي الذي يتخفى وراء كل كمبارص ليأسلم المجتمع. يمكن أن نقف هنا ونهنئ الغنوشي بفصاحة خصومه فالأطروحة منذ بدايتها مضروبة في العمق ولكن مازال في المقال مغالطات أخرى سنتدرج معها.

إهانة الباجي في سياق شيطنة الغنوشي.

في سياق بحث الغنوشي عن كمبارص حط المؤرخ من قدر رئيس الدولة وهو من فريقه السياسي. فقد صوره كشخص غافل (يجري الماء تحت ساقيه) وهو لا يعلم. فالشاهد ابن روحي للباجي وهو من جاء به لكن انقلب عليه وتحالف مع الغنوشي ضده هذا يجعل الباجي السياسي المحنك جاهلا بمعادن رجاله كما لو أنه بورقيبة في آخر أيامه يعين في الصباح ويقيل في المساء.إنه ينفي عنه كل الحنكة السياسية التي كانت رصيده في 2011 و 2014 وفي تأسيس النداء وقيادة الدولة. وفي سياق تشكيك الباجي في إخلاص الغنوشي له ظهر الغنوشي ثعلبا غدارا والباجي خروفا طيبا. ولو كان أحد يريد إهانة سياسي في تجربة الباجي لما وجد أفضل من هذا الموضع الذي وضعه فيه مؤرخه الجمهوري.
إن القول بأن الشاهد قلب ظهر المجن للباجي يهرب من مواجهة ارتدادات نتائج الانتخابات البلدية التي آلمت الباجي كثيرا نتيجة تراجع رصيد حزبه وهي مسؤولية نجله قبل مسؤولية الشاهد. ولذلك لا يمكن تخيل رفض الباجي لتمرد الشاهد كما لو أنه غدر به وهو غافل.
لقد كان الباجي يعمل على رفع مكانة الحزب في أفق انتخابات 2019 وكان وضع ثقته في ابنه وفي فريقه واستبعد بقوة كل المناوئين له خاصة من وجوه اليسار التي ساهمت في تشكيل الحزب وأرادت ركوبه لمصالحها الأيديولوجية المعروفة. فانكشف أن الابن ليس بكفاءة أبيه. ولذلك وافق أخيرا على استبعاده دافعا الشاهد إلى موقع متقدم ليرمم ما يمكن ترميمه. وهنا يظهر الغنوشي غير ذي تأثير على موقع الشاهد الحالي إلا أن يكون متوافقا مع الباجي وأن التحالف بينهما لم يكن تحالف ثعلب مع خروف بل تحالف مصلحة وطنية قام المؤرخ بالطعن فيها فسقط في قراءة غير تاريخية.
لقد غيب المؤرخ معطى مهما هو حرص الغنوشي على عدم الحسم في مفاوضات وثيقة قرطاج 2 وخاصة النقطة 64 وحرص على إعادة الملف إلى الرئيس لتكون له الكلمة الفصل وقد فصل بما هو من صلاحياته والتي وضعها الغنوشي قبل مصلحته الحزبية. قام الغنوشي هنا بما لم يقم به المؤرخ لقد أحسن تقدير رئيس الدولة وهو في موقع ضعف وكان بإمكانه الإجهاز عليه.
الغنوشي قروندايزر
صورة البطل الآلي الخارق الذي كان يبث في مرحلة مراهقة المؤرخ لا تزال عالقة بذهنه فأسقطها على الغنوشي فالغنوشي من القوة بحيث عبث برئيس الدولة ومنعه من تغيير الحكومة. والغنوشي استعمل ابن الرئيس لتفكيك النداء ثم رماه كما ترمى قشرة بطيخة ثم التفت إلى الشاهد فرفعه إلى رئيس دولة قادم ثم وبحسب المؤرخ سيرميه كما رمى البقية ليمر هو إلى سدة الحكم. ما هي الخوارق الباقية التي سيقوم بها الغنوشي؟ لا ندري لكن تضخيمه ينقذ المؤرخ المختص في التاريخ السياسي من الإجابة على سؤال مهم ومركزي في ما يجري الآن لماذا أفلح الغنوشي في بناء حزب قوي ومتماسك ويربح الانتخابات رغم انه فشل في الحكم ذات يوم.؟
إن الشروع في البحث عن إجابة لهذا السؤال تغيّر مركز اهتمام المؤرخ وتدفعه إلى نقد جربة حزب النداء ونقد شخصياته المؤسسة ونقد أداور مثقفيه بدءا بالمؤرخ نفسه. لماذا نجح الغنوشي حيث فشل النداء؟ المؤرخ يحيل فشل النداء إلى قوة الغنوشي. هل الغنوشي بهذه القوة ؟ من أين استمدها؟ كأنني نسمع هنا تبريرات معلق رياضي يتحدث عن العبرة بالمشاركة. ولا يمكنني إلا أن أتذكر التي خانها ذراعها فزعمت أنها مسحورة.
لماذا يتم تضخيم دور الغنوشي؟ إن ذلك مفيد في تحذير صف (الحداثة) من خطر داهم لكن كل تخويف ينتج خوفا فعليا ومن يتلقى هذا للخطاب وإن كتب بالفرنسية ليس من يريدهم المؤرخ فقط بل عامة الناس ومن عامة الناس من يحب القوي ويركن إليه لحمايته واعتقد أن المؤرخ يغفل أن التخويف من الغنوشي دفع ويدفع كثيرين إلى الاحتماء به لأنه قوي وقادر على الحماية. ولا نخال الغنوشي إلا مرحبا بهذا لتخويف الذي يحوله إلى منقذ.

الوزير الوطني الذي من الساحل

إن إقالة الوزير براهم تخسر الشاهد ولاء منطقة مهمة وهي بالطبع ليست الشمال الغربي بل الساحل منبت الوزير المقال إن المؤرخ هنا يسقط سقوطا أخلاقيا وسياسيا لا حضيض بعده. فهو ليس مهددا للشاهد بتمرد الساحل عليه فحسب بل هو يبني الحكم الجمهوري على تقسيم مناطق النفوذ وتوزيع المواقع بحسب الجهة لا بحسب الكفاءة (ثمة طعنة خفية هنا في ولاء ووطنية أهل الساحل فكأنهم جميعا واقفون وراء السيد براهم من أجل الفوز بالسلطة). الصورة كما تظهر من مقال المؤرخ. الساحل (السياسي) قام بزرع وزير في الداخلية ليحكم من خلاله وليقضي بأسلوب أمني (على طريقة بن علي طبعا)على النهضة المرفوضة من ساكنة الساحل.
إن هذه الصورة تجعل كل الساحل متآمرا لا على الشاهد وحكومته فحسب بل على كل تونس بوزارة الداخلية إذ يصير أمن التونسيين ملك جهة واحدة تضغط به من أجل مكاسبها في مجالات أخرى إنها ليست أقل من تهمة بوصم جهة الساحل بالإرهاب.
وفوق ذلك يتعمد المؤرخ إغفال أمر مهم لأنه يفسد عليه الصورة الساحل صوّت بنسب كبيرة لحزب النهضة في كل استحقاق انتخابي. والأرقام تقول ذلك وليس نوايا المؤرخ. بما يجعل الساحل جمهوريا لا ساحليا ويحشر المؤرخ في أيديولوجيا جهوية بغيضة يبدو أنه ورثها من بورقيبة الذي يتصدى للدفاع عنه في كل منبر.
مرة أخرى يقدم المؤرخ للغنوشي خدمة مجانية فهو السياسي القادم من الجنوب يدعم رئيس حكومة من العاصمة متجاوزا الجهويات ويُسْقِط( إن فعل) وزيرا وصل بالجهويات ليهدد أمن تونس. ماذا يريد السياسي غير مؤرخ أحمق يمهد له الطريق؟
لكن أبعد من ذلك لا يرى المؤرخ السياسي غضاضة في تشريع الحكم بالولاء للجهة لا بالولاء للوطن وهنا سقوط لا يمكن تأويله إلا بالعمى السياسي الذي يفقد المؤرخ كل سمعته العلمية ويحوله بوقا حزبيا مثل الموقع الذي نشر به.

الشاهد سيء لكن من البديل ؟

مدار المقال ترذيل يوسف الشاهد فلم يترك المؤرخ وصما إلا وصمه به. من الغباء والجهل بالسياسة إلى ضعف الشخصية إلى الغرور الأحمق. ليكن كذلك لكن من بديله في الظرفية المضطربة الراهنة؟ هل هو حافظ قائد السبسي؟ لقد أنكر الأب ابنه لغبائه فعلى من يدافع المؤرخ؟.
لا يقدم المؤرخ حلولا بل يقف عند الطعن في الموجود. ولذلك لا يخرج عمله عن أحد معنيين إما كتابة مأجورة لجهة تملك أن تدفع. أو انحياز إيديولوجي يستعيد تقسيم التونسيين إلى حداثيين ورجعيين وهنا لا نجد للمؤرخ أي سبق معرفي يمكن أن يرفع من قيمة مقاله معرفيا وسياسيا. لقد فات القطار كل القائلين بهذا التقسيم.
لقد نجا الغنوشي من هذا التقسيم وفرض مكانة لحزبه في المشهد السياسي المحلي والدولي وصار برغم الإقصاء حجة استقرار في البلد. وربما حجة الاستقرار الوحيدة ونرجح أن المؤرخ يكتب تحت وطأة الشعور بالقهر من هذا الاختراق النهضاوي الذي يشعره الآن بأنه ينحدر إلى شخص مضمون الوجود بالغنوشي لا شخص يتفضل على الغنوشي بالأكسيجين.
مقال من زمن مضى ليس الشاهد فيه إلا ذريعة وليس بزركان إلا وهما متخلدا بعقل المؤرخ من بقايا كوابيس خطاب الإقصاء الثمانيني. وعلى كل حال أن الخميني الشيطان الذي استعمل بزركان هو الذي صنع دولة تمارس الممانعة في سوريا فتلقي المؤرخ هناك يسند نظام الأسد فلولا بزركان ما كانت الممانعة والأمور بخواتمها والمؤرخ كبير ويعرف.




في تتفيه “النّخب”.. سياسة “العوامّ”

 

 

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

من الاِنتقادات الشّجاعة الّتي تتوجّه إلى مخطّطات “دمقرطة” البلدان المولى عليها الّتي تعدّها دول النّفوذ الغربي هو صناعة “طبقة سياسية” و”مجتمع مدني” و”مشهد إعلامي” جديد سهل التّوجيه والاِختراق عبر منحه لمن لا ثقافة ولا تجربة سياسية عندهم.

مقولات “موت الأيديولوجيا” و”نهاية الأفكار الكبرى” وتحوّل السّياسة إلى “صنعة” و”مهارة براغماتية” واِنتشار “مراكز ودورات التّكوين السّياسي” هدفها التخلّص من “طبقة سياسية” معارضة ومجرّبة وتعويضها “بالهواة الجدد” في كلّ الأحزاب.

فكرة “تمكين الشّباب” كانت كلمة حقّ أريد بها باطل. فقد اِستولى شباب مندفع بلا تجربة ولا ذاكرة ولا معرفة بالبلاد والنّاس والأفكار على المواقع المتقدّمة في قيادة الأحزاب وعلى المواقع المتقدّمة في الإعلام والتّدوين وإدارة المواقع والصّفحات وصناعة الرّأي العامّ ويتمّ عادة إبعاد الشّباب المثقّف وصاحب التّجربة السّياسية.

لا شكّ أنّ مصير البلاد اليوم بل إنّ الصّراع فيه فكريا وسياسيا يدور بين عدد من الفاعلين المحدّدين للمشهد والمتصارعين عليه دون تملّك الحدّ الأدنى من المعرفة والقيم اللاّزمة الّتي تجعل صراعهم منتجا لأفق وطني نطمئنّ على البلاد في سياقه.

لا نقصد بالمعرفة أنّنا نميل إلى “حكم التّكنوقراط” من حملة الشّهادات، فهو أبشع من “حكم التّفاهة”، بل إنّ حكم التّفاهة نفسه يتمّ عبر “أصحاب الشّهادات”، فلم يكن أسهل منذ سنوات الألفين من “إحراز إجازة أو ماستير أو دكتورا” في جامعة تونسية أصبح النّجاح فيها هو “القاعدة” في عهد فرحة الحياة النّوفمبرية.

أقصد بالمعرفة أنّ ممارسة السّياسة أو الإعلام والمساهمة في تقرير مصير البلاد سياسيا وفكريا يحتاج عارفين بالسّاحة السّياسية والصّراعات المحلّية والإقليمية وتعمّقا في الرّؤى والتصوّرات، وهذا يقتضي تجربة طويلة في العمل السّياسي لا نظنّ أنّ الفاعلين حاليا في أغلبهم يحملونها.

إنّ الدّول القومية الرّاسخة في التّاريخ والدّيمقراطيات المستقرّة قديما وحديثا كانت محصّنة بآليات اِستبعادية لا تسمح بالتدخّل في القرار إلاّ لمن اِكتسب ما يجب من تجربة “للحلّ والعقد” أمّا نحن وباِسم “الحرّية” والتّجديد فقد أصبح “الذرّي” هو من يقرّر مصائر البلاد فكرا وسياسة وصراعات. يسيطر هذا “الذرّي” على المشهد في الحكم وفي كثير من منصّات إعلام وفعل تدّعي المعارضة وهو في كلّ الحالات ليس الشّباب العميق والوطني فذاك مقصيّ لا حول ولا قوة له مادام لا يحسن مداهنة القادة والمسؤولين على مصائر البلاد.
إنّها مخطّطات “الميديوكراسي”.




الاِنقلاب

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

من يبحث عن “الاِنقلاب” سيجده في تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة… وعبارة الاِنقلاب هنا وصف مجرّد ومحايد وليس له دلالة معياريّة… نعم ما ورد في التّقرير منذ ديباجته حتّى الجرد القانوني الشّامل لما يفترض أنّه مناقض للمساواة والحقوق الفرديّة في المنظومة القانونيّة هو بمثابة اِنقلاب تشريعيّ ناعم بغلاف تأصيليّ دينيّ… يعيد هندسة الأسرة والمجتمع والعلاقات العامّة بشكل يستجيب كما ورد في الوثيقة لتحوّلات بنيويّة وسويولوجيّة عميقة وجذريّة في بنية المجتمع والقيم والأدوار… “فكلّ تغيير يطرأ على بنى المجتمع سواء كان ماديّا أو رمزيّا يحدث تغيّرات في أنماط العلاقات وأشكال الوظائف ونظام الرّموز والقيم والتصوّرات”… ليس هو في تصوّر اللّجنة مجرّد تقرير فنّي لتعديل قوانين مخلّة بالمساواة والحريّات الفرديّة بل مشروع للإصلاح عنوانه المساواة والحريّات الفرديّة وهو مشروع كلّ التّونسيين والتّونسيّات وفق تصوّر اللّجنة.

الخيط النّاظم لهذا المشروع الإصلاحي كما يرى أصحاب التّقرير هو الإعلاء من شأن الفرد الّذي وقع التّضحية به لصالح الجماعة في المنظومة الفقهيّة الوسيطة، فبعد ما أحدثته مجلّة الأحوال الشّخصيّة من تغيّرات جوهريّة على بنية الأسرة حوّلتها من أسرة نوويّة إلى أسرة ذريّة مقتصرة على والدين وأبناء واِضمحلّت معها تدريجيّا الأسرة الموسّعة حدّ الاِندثار… بعد ذلك جاء دور مكوّنات الأسرة الذريّة نفسها لتشملها الإصلاحات الّتي تمكّنها من التّعبير عن فرديّتها وذاتيّتها في إطار “تحقيق الرّغبة في الاِستقلاليّة والتخلّص من الضّغط الاِجتماعي والعائليّ الّذي يعيق التمتّع بهذه الاِستقلاليّة”.

كلمة السرّ إذن هي الفرديّة إلى حدّ الفردانيّة، فبعد تشظّي العائلة يتشظّى الفرد ليتحوّل إلى سمات جندريّة تتعدّد بتعدّد النّوازع الذّاتيّة والميولات والأمزجة حتّى الحميميّة منها… بل تتحوّل الفردانيّات إلى هويّات قائمة بذاتها تحتاج للتّعبير عن ذاتها إلى تكسير الحواجز القانونيّة الّتي تحول دون ذلك سواء كانت مرجعيّتها دينيّة أو عرفيّة أو متعلّقة بما اُتّفق على أنّه آداب عامّة.
ووقع الاِستناد في إضفاء المشروعيّة على هذا التصوّر على رصد وظيفيّ موجّه لمظاهر التحوّلات الاِجتماعيّة ثمّ على آليّة الاِجتهاد من خلال القياس والمقاصد…

هذا المشروع الإصلاحي المفترض الّذي وقع تفصيله في بقيّة الوثيقة يعبّر عن رؤية اللّجنة المكلّفة من رأس السّلطة التّنفيذيّة كما يعبّر عن وجهة فئات من التّونسيين قلّوا أو كثروا، لكن هل هو اِستجابة لطلب مجتمعيّ؟ وهل يعبّر عن حاجة المجتمع؟ وهل يتلاءم حقيقة مع حاجات التّونسيين والتّونسيّات في هذه اللّحظة الرّاهنة؟

في كلّ الحالات هذا المشروع المفضي إلى منظومة تشريعيّة جديدة هو بمثابة دستور جديد للبلاد في أبوابه المتعلّقة بالحقوق والعلاقات العامّة وبنية الأسرة والمجتمع… وهو اِنقلاب جذريّ سيترتّب عنه تفكيك ناعم وتدريجيّ لمنظومة مجتمعيّة ثقافيّة قيميّة رمزيّة قائمة وتشكيل أخرى بقوّة القوانين والتّموقع في السّلطة بعيدا عن حراك المجتمع المنشغل بتحصين الاِنتقال الدّيمقراطيّ والمطالب التّنمويّة…