صحيفة نيويورك تايمز: محمّد بن زايد “يظنّ أنّه ميكافيلي ولكنّه يتصرّف كما لو كان موسوليني”

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تقريرا مطوّلا وشاملا عن وليّ عهد أبو ظبي محمّد بن زايد آل نهيان تناول الكثير من جوانب شخصيّته وسياساته في المنطقة.

وبحسب التّقرير الّذي ترجمته عربى 21 فإنّ العديد من الخبراء وصفوا بن زايد بأنّه ميكافيلي ويتصرّف كموسيليني، في إشارة إلى أنّه أصبح يمارس القمع والسّلطة على غرار وطريقة ما كان يفعل الزّعيم الفاشي موسوليني الّذي اِنتهى إلى الإعدام بعد هزيمته مع حليفه النّازي هتلر في الحرب العالمية.

كما نقلت الصّحيفة عن تمارا كوفمان ويتس، المسؤولة السّابقة في وزارة الخارجية الأمريكية والباحثة في معهد بروكينغز، قولها إنّ الأمريكيّين صنعوا من محمّد بن زايد “فرانكشتاين” صغير، في إشارة إلى أنّ أسطورة “وحش فرانكشتاين” الّذي هو “مخلوق هائل الحجم غاية في القبح، خُلق في مختبر جامعي،  ثمّ قام المخلوق المسخ بالاِنتقام من صاحبه وأصدقائه وقتلهم”، بحسب الرّواية الأمريكية، ما يعني أنّها تشير إلى أنّ اِبن زايد أصبح يهدّد السّياسات والمصالح الأمريكية في المنطقة على الرّغم من أنّه يتلقّى الدّعم من الولايات المتّحدة.

ترجمة الجزء الأوّل من التّقرير: 

على الرّغم ممّا كان بينهما من خلافات حادّة، ظلّ الأمير محمّد محتفظا بعلاقة ودّية مع السيّد أوباما، وكان الرّئيس يظنّ أنّ الرّجلين يتبادلان الاِحترام، وذلك طبقا لما صرّح به أربعة من كبار المسؤولين في البيت الأبيض. ولذلك، حينما طلب الأمير لقاء أخيرا، كما يقول الأصدقاء، وافق السيّد أوباما على ترتيب غداء داخل البيت الأبيض في ديسمبر من 2016.

إلاّ أنّ الأمير محمّد تراجع عن الغداء دون إبداء أسباب، وطار بدلا من ذلك إلى نيويورك لحضور أوّل لقاء جمعه وجها لوجه مع جاريد كوشنر ومع غيره من مستشاري مرشّح الرّئاسة دونالد جيه ترامب.

لترتيب تلك اللّقاءات، توجّه الأمير محمّد نحو المموّل ريتشارد جيرسون، مؤسّس فالكون إدج كابيتال، والّذي عمل مع الأمير لسنوات، وكان في نفس الوقت صديقا لكوشنر.

في رسالة نصّية خاصّة كتبها بعد الاِنتخابات ووجّهها إلى الأمير، قال جيرسون: “أنا موجود هنا باِستمرار لأكون بمثابة قناة خلفيّة موثوقة لعائلتكم في أيّ وقت تحتاجون لتمرير شيء بشكل سرّي”. كانت تلك واحدة من عدّة رسائل حصلت عليها نيويورك تايمز من طرف ثالث وأمكن تأكيد صحّتها بشكل مستقلّ. في رسالة أخرى وجّهها جيرسون إلى اِبن زايد، وقّع عليها بعبارة “جنديّكم الوفيّ”.

كان من المفروض أن تظلّ تلك الرّحلة طيّ الكتمان، إلاّ أنّ وكالات المخابرات تمكّنت من تحرّي وصول الأمير، الأمر الّذي صعق مستشاري السيّد أوباما. إلاّ أنّ الأمير محمّد كان قد اِنهمك حينها في جهد يستهدف قلب سياسات الإدارة، وبدأ يتحدّث مع مستشاري السيّد ترامب حول مخاطر إيران وحول محادثات السّلام الفلسطينية، بحسب ما يقوله شخصان اِطّلعا على تفاصيل الاِجتماعات.

كتب السيّد جيرسون يقول للأمير بعد الاِجتماعات: “لقد أعجبوا جدّا بك وباتوا على قناعة بأنّك صديقهم الحقيقيّ وحليفهم المقرّب”.

كان الأمير محمّد يقدّم نفسه أيضا كوسيط للمحادثات مع روسيا.

وفعلا، قام أحد أشقّاء الأمير محمّد الأصغر منه سنّا بتعريف السيّد جيرسون على رجل أعمال روسي يقوم بدور ضابط الاِتّصال بين الرّئيس فلاديمير بوتين وممالك الخليج الفارسي، بحسب ما ورد في تقرير المحامي الخاصّ. اِجتمع رجل الأعمال الرّوسي كيريل دميترييف وأسرّ إليه بشأن “خطّة مصالحة” بين الولايات المتّحدة وروسيا، وقبل تنصيب ترامب بوقت قصير سلّم السيّد جيرسون ملخّصا للخطّة من صفحتين إلى السيّد كوشنر.

رفض السيّد جيرسون التّجاوب مع طلب تقدّم به كاتب هذا التّقرير للتّعليق على المسألة.

في الشّهر التّالي، في جانفي، دعا الأمير محمّد السيّد دميترييف إلى منتجع إماراتي في سيشيلز للاِلتقاء بشخص آخر كانوا يظنّون أنّه يمثّل فريق ترامب. كان ذلك هو السيّد برينس، مؤسّس بلاكووتر الّذي كان يجنّد المرتزقة لصالح دولة الإمارات العربية المتّحدة.

مازال موضع جدل لماذا سعى الأمير محمّد إلى ربط روسيا بالدّائرة المحيطة بالسيّد ترامب، ولكنّه عمل لسنوات في محاولة لإغراء السيّد بوتين بالاِبتعاد عن إيران، بحسب ما يقوله دبلوماسيّون أمريكيّون وبحسب ما ورد في رسائل إيميل مسرّبة من حساب السّفير الإماراتي في واشنطن.

إلاّ أنّ فريق المدّعي العامّ يحقّق أيضا في نشاطات قامت بها عناصر أخرى ووسطاء كانوا يعملون لصالح الأمير وحاولوا التسلّل إلى الدّائرة المقرّبة من السيّد ترامب.

ومازال المحقّقون يبحثون في مسألة الاِتّصالات الّتي كانت تقوم بها حملة ترامب مع شخص إسرائيلي مختصّ في التّلاعب بمواقع التّواصل الاِجتماعي، والّذي كان قد عمل مع الأمير محمّد، وكذلك مع رجل أعمال أمريكي من أصل لبناني قام بدور المبعوث. بينما يقوم محقّقون آخرون بالتّحقيق فيما إذا كان أحد كبار المتبرّعين الجمهوريّين، الّذي عملت شركته الأمنيّة لصالح الأمير، كان يتوجّب عليه أن يسجّل بشكل قانوني بوصفه كان يعمل وكيلا عنه.

واِستجوب مكتب المحقّق الخاصّ راشد المالك، تاجر العقارات الإماراتي الّذي يتّخذ من لوس أنجلوس مقرّا له والمقرّب من الأمير محمّد ومن شقيقه رئيس المخابرات الإماراتية. كما أنّ السيّد المالك مقرّب من صديق السيّد ترامب توم باراك، ويتساءل المحقّقون ما إذا كان السيّد المالك جزءا من مخطّط للنّفوذ غير القانوني، بحسب ما صرّح به شخصان على اِطّلاع بالمسألة.

ويقوم تحقيق آخر، بدأ على إثر معلومات قدّمها أحد الوشاة، بالبحث في إمكانيّة أن تكون الإمارات العربية المتّحدة قد اِستخدمت وسائل التجسّس على الإنترنيت، والّتي حصلت عليها من عملاء أمريكيّين سابقين، للتجسّس على مواطنين أمريكيّين.

ومع ذلك لم تتضرّر علاقة الودّ الّتي بين إدارة ترامب والأمير، بل لقد حصل الأمير محمّد بن زايد خلال العامين والنّصف منذ لقائه الأوّل مع السيّد كوشنر على كلّ ما طلبه من البيت الأبيض.

خطّة كوشنر

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، قالت الصّحيفة: إنّ مقترحات وليّ عهد أبوظبي لـ”السّلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، هي جوهر خطّة كوشنر للسّلام”، والّتي باتت تعرف بصفقة القرن.

وأضافت الصّحيفة: “الشّيخ محمّد بن زايد، أوّل من قدّم رؤية، لتسوية من الخارج للقضية الفلسطينية وتبنّتها إدارة ترمب”.

أمير لا يهاب

في كلّ شتاء، يدعو الأمير محمّد المموّلين والمسؤولين السّابقين إلى أبوظبي للمشاركة في صالون يستدلّ منه على ما بات يتمتّع به من نفوذ عالمي.

تضمّنت قائمة الضّيوف في ديسمبر الماضي رئيس الوزراء البريطاني السّابق توني بلير، والرّئيس الفرنسي السّابق نيكولا ساركوزي ووزيرة الخارجية الأمريكية السّابقة كونداليزا رايس، والسيّد هادلي مستشار الأمن القومي في عهد الرّئيس بوش، والمستثمرين الأمريكيّين محمّد أ. العريان ودافيد م. روبنستاين وتوماس س. كابلان، وعالم الكومبيوتر والمستثمر الصّيني كاي-فو لي.

كما كان من ضمن الحضور السيّد دميترييف، رجل الأعمال الرّوسي وثيق الصّلة بالسيّد بوتين.

لم تسهم تدخّلات الأمير محمّد ما بعد ثورات الرّبيع العربي في تعزيز الاِستقرار في المنطقة، بل لقد عاد بخفيّ حنين وبإحباط شديد مبعوثه إلى القاهرة، والّذي أرسله ليساعد في تدوير الاِقتصاد المحتضر هناك.

مازالت الحكومة المصرية المسنودة من قبل العسكر عالة على مليارات الدّولارات من المساعدات الّتي تأتيها من الإمارات العربية المتّحدة ومن حلفائها الخليجيّين، وعلى الرّغم من المساعدة الإماراتية والضّربات الجوّية الإسرائيلية لم تتمكّن القاهرة حتّى الآن من القضاء على التمرّد العسكري في شمال سيناء.

لم يُجد عزل قطر نفعا ولم يحملها على تغيير سياساتها. وأمّا في ليبيا، فقد علق خليفة حفتر في مستنقع دموي من الصّراع الّذي بات عاجزا عن حسمه.

ونجم عن تدخّل الأمير محمّد في القرن الأفريقي إشعال لهيب التّنافس على العبور والنّفوذ بين خصومه من مثل تركيا وقطر. وفي الصّومال، وعلى إثر مزاعم صدرت عن الحكومة المركزية الهشّة بدفع رشاوى، اِنتقلت القوّات الإماراتية إلى منطقة أرض الصّومال شبه المستقلّة.

وفي العام الماضي لجأت جيبوتي، الّتي شكت من الإهمال، إلى اِستبدال الإدارة الإماراتية لمينائها بإدارة صينيّة منافسة.

يقول بروس ريديل، الباحث في معهد بروكنغز والمسؤول السّابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية:

وفي المملكة العربية السّعودية، أحرج الأمير الإماراتي بما خلصت إليه وكالة المخابرات الأمريكية من أنّ صديقه وليّ العهد السّعودي هو الّذي أمر بجريمة القتل البشعة الّتي تعرّض لها السيّد خاشقجي، المعارض السّعودي الّذي كان مقيما في فرجينيا ويكتب عمودا في صحيفة الواشنطن بوست. وفي اليمن، تحوّل تدخّلهم بعد مرور أربعة أعوام إلى ما يشبه المستنقع، مع تصاعد أعداد الضّحايا بين المدنيّين يوما بعد آخر.

يقول عضو الكونغرس رو خانا، وهو نائب الحزب الدّيمقراطي عن كاليفورنيا: “لقد أصبحت الإمارات العربية المتّحدة لطخة في ضمير العالم– فالإمارات العربية المتّحدة كما تدار شؤونها اليوم باتت تنتهك كلّ واحد من أعراف وقيم العالم المتحضّر”.

ومع ذلك مازال الأمير يتمتّع بوضع قويّ داخل إدارة ترامب، وباتت المقترحات الخاصّة بالسّلام بين الإسرائيليّين والفلسطينييّن والّتي تجاهلتها إدارة أوباما في الصّميم من مخطّطات السيّد كوشنر للسّلام.

أعرب السيّد ترامب مرارا وتكرارا عن مساندته لمواقف الأمير الإماراتي، وذلك من خلال إعادة الاِعتبار لصديقه السّعودي بعد مقتل خاشقجي، ومن خلال إشادته بعزل قطر بالرّغم من معارضة كلّ من وزير خارجيّته ووزير دفاعه لذلك، ومن خلال إلغاء صفقة النّووي مع إيران، ومن خلال السّعي إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظّمة إرهابية، ومن خلال الاِعتراض على تشريع كان يستهدف قطع الدّعم العسكري الأمريكي للقوّات السّعودية والإماراتية في اليمن.

وفي الشّهر الماضي، بارك السيّد ترامب زعيم المليشيا المفضّل إماراتيّا في ليبيا، وذلك بعد يوم واحد من اِتّصال هاتفي مع الأمير محمّد– وذلك على الرّغم من أنّ وزير الخارجية مايك بومبيو كان مسبقا قد طالب نفس الزّعيم بالاِنسحاب.

ألقى السيّد ماتيس، وزير الدّفاع الأمريكي السّابق، محاضرة في أبوظبي الشّهر الماضي برعاية من الأمير محمّد. عندما اِنضمّ إلى إدارة ترامب كشف السيّد ماتيس عن أنّه تلقى 242 ألف دولار أمريكي على شكل رسوم سنوية بالإضافة إلى خيارات أسهم قيمة بوصفه عضو مجلس إدارة في شركة جنرال دايناميكس، والتي لديها مصالح تجارية كبيرة في أبوظبي. كما عمل مستشاراً بلا أجر لدى الأمير محمد.

تساءل السيد ماتيس في محاضرته: “إنه عام التسامح. كم من البلدان في العالم تحتفل الآن بعام التسامح؟ لا أعرف بلداً واحداً يفعل ذلك سواكم، فأنتم النموذج”.

 




الاِتّحاد الأوروبي/ حظوظ الأحزاب المشكّكة في جدوى الوحدة الأوروبية بعيدة عن تحقيق الأغلبيّة

يتوجّه أكثر من 400 مليون ناخب في الدّول الأعضاء في الاِتّحاد الأوروبي إلى مراكز الاِقتراع من 23 إلى 26 ماي 2019 لاِنتخاب برلمان أوروبي جديد، في اِقتراع يتوقّع أن تسجّل فيه الأحزاب الشّعبوية اِختراقا جديدا، مدفوعة بقضيّة الهجرة السّاخنة.

لكنّ الأحزاب المشكّكة في جدوى الوحدة الأوروبية بعيدة عن تحقيق أغلبيّة، كما تفيد اِستطلاعات الرّأي. لكنّها يمكن أن تساهم في تغيير التّوازنات التّاريخية في البرلمان الأوروبي الّذي تهيمن عليه منذ 1979 وبلا اِنقطاع تقريبا، أحزاب اليمين واليسار المؤيّدة لأوروبا.

من المفارقات أنّ التّصويت سيبدأ في بريطانيا المضطرّة للمشاركة فيه لأنّه لم تتمّ المصادقة بعد على اِتّفاق اِنفصالها عن الاِتّحاد الأوروبي. وستنتهي الأحد مع تصويت المقترعين في دول كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

سيتابع المراقبون بدقّة نتائج أحزاب اليمين القومي “التجمّع الوطني” الّذي تقوده مارين لوبن في فرنسا و”الرّابطة” بزعامة ماتيو سالفيني في إيطاليا وحزب بريكست الّذي يقوده نايجل فاراج في بريطانيا.

يتّسم الاِقتراع لتجديد البرلمان الأوروبي المؤلّف من 751 عضوا تقليديّا بنسبة اِمتناع كبيرة مع أنّ هذه الهيئة مكلّفة صياغة القوانين الأوروبية.

هذه اللاّمبالاة من النّاخبين اِزدادت منذ أول اِقتراع جرى في 1979. وقد اِرتفعت نسبة الّذين لم يصوّتوا في تلك الاِنتخابات من 38 بالمائة حينذاك إلى 57.4 بالمائة في 2014، آخر اِقتراع جرى. وكانت مرتفعة جدّا في دول في شرق أوروبا مثل سلوفاكيا (87 بالمائة).

وكشف اِستطلاع للرّأي أجراه معهد يوغوف في ثماني دول أوروبية وشمل 8021 شخصا أنّ النّاخبين يعتبرون الهجرة وحماية البيئة القضيّة الّتي ظهرت مؤخّرا مع تعبئة لشبّان في عدد من الدّول، التّحدّيين الرّئيسيّين لمستقبل الاِتّحاد الأوروبي.

جرى الاِستطلاع الّذي نشرت نتائجه في ماي في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبولندا والمجر والسّويد.

بعد أربعة أعوام على بدء أزمة الهجرة في 2015 ومع أنّ عدد الوافدين تضاءل منذ ذلك الحين، يواصل اليمين القومي التّركيز في خطابه على هذه القضيّة.

حول هذه القضية الّتي تحوّلت مسألة شرخ يقسّم القارّة، يحاول سالفيني ومارين لوبن تشكيل جبهة مشتركة للقوى القوميّة.

يتوقّع أن يرتفع عدد أعضاء تحالف اليمين المتطرّف “أوروبا للأمم والحرّيات” في البرلمان الأوروبي الجديد إلى 62 نائبا (أكثر بـ25 نائبا عن البرلمان الحالي)، يتوزّعون على 26 نائبا إيطاليّا من حزب الرّابطة (مقابل 6 فقط في البرلمان الحالي) و20 نائبا من حزب التجمّع الوطني (مقابل 15 نائبا حاليّا)، وفق آخر تقرير نشره البرلمان الأوروبي اِستنادا على تحقيقات في 28 بلدا.

وفق التّقرير، يمكن أن يصل عدد نوّاب التّحالف في البرلمان الأوروبي إلى 173 نائبا، إذا أضيف إليهم الشّعبويّون والمناهضون لأوروبا من تحالف “أوروبا الحرّية والدّيموقراطية المباشرة”، الّذي يضمّ حركة النّجوم الخمس الإيطالية والبريطاني نايجل فاراج، وكذلك المشكّكون في أوروبا من تحالف “المحافظون والإصلاحيون الأوروبيّون”.
يضمّ هذا التّحالف الأخير حزب المحافظين البريطاني وحزب “القانون والعدالة” الحاكم في بولندا.

ويرى رئيس منظّمة روبرت- شومان، جان دومينيك غولياني أنّ “نسبة المشكّكين في أوروبا في البرلمان الأوروبي يمكن أن ترتفع إلى 35%، فيما هي حاليا 25%”.

يضيف “لن يكونوا قادرين على التّعطيل في البرلمان، لكن سيكون حضورهم قويّا حيث سيؤثّرون على أحزاب اليمين أو اليسار المتطرّف في بعض المواضيع”.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذه الأحزاب الّتي تريد تغيير الاِتّحاد الأوروبي من الدّاخل، قد تلتقي على موضوع المهاجرين، لكنّها قد تختلف على مسائل مهمّة أخرى، مثل الموقف من روسيا فلاديمير بوتين.

بالنّسبة للتيّارين الأساسيّين في أوروبا، حزب الشّعب الأوروبي اليميني والاِشتراكيون الدّيموقراطيون في اليسار، يخسر كلّ منهما 37 مقعدا، ما يفقدهما الغالبيّة، وفق تقرير البرلمان الأوروبي.

قد يكسب الخضر الّذين ربّما يستفيدون من الحركة المؤيّدة للبيئة في أوروبا خصوصا في ألمانيا وبلجيكا، خمسة نوّاب.

في ظلّ هذا المشهد المقسّم، يأمل اللّيبراليّون تحقيق نتيجة جيّدة. ويريد اللّيبراليّون لعب دور مفصليّ بتحوّلهم للقوّة الثّالثة في البرلمان الأوروبي الجديد، دفعٌ قد ينجحون في تحقيقه بدخول نوّاب فرنسيّين جدد من حزب إيمانويل ماكرون “الجمهورية إلى الأمام” إلى البرلمان.

يوضّح غولياني “تحقيق غالبيةّ سيتطلّب تحالف ثلاث قوى على الأقلّ، أمر جديد بالنّسبة للبرلمان الأوروبي”.

ستكون لعبة التّحالفات هذه حاسمة في تحديد من سيترأس مؤسّسات التكتّل الأوروبي مستقبلا واِختيار خَلَفٍ لرئيس المفوّضية الأوروبية جان كلود يونكر، وهي لعبة ستنطلق وتتسارع منذ اليوم الأوّل لاِنتخاب البرلمان الجديد.

علما وأنّ التّشكيك بأوروبا لا يدخل دائما في الاِنقسامات السّياسية التّقليدية. فبعض أحزاب اليمين المتطرّف لا تشكّك في الاِتّحاد الأوروبي بخلاف قسم من اليسار الرّاديكالي الّذي يريد الاِنفصال.

وفيما يلي عدد من الدّول الّتي تتضمّن أحزابا مشكّكة بالاِتّحاد ومعادية للمؤسّسات والهجرة:

بريطانيا

المشكّكون بأوروبا هم مبدئيّا غالبيّة في بريطانيا نظرا إلى اِختيار نحو 52% من النّاخبين بريكست خلال اِستفتاء 23 جوان 2016.
لكنّ أزمة بريكست وتمديد مهلة مغادرة بريطانيا مرّتين بعد موعد أوّلي حدد في 29 مارس، تعني أنّ بريطانيا ستشارك في الاِنتخابات البرلمانية الأوروبية.
في الاِنتخابات الأخيرة في 2014، اِستغلّ حزب اِستقلال المملكة المتّحدة (يوكيب) المشاعر القويّة المعارضة للاِتّحاد الأوروبي ليحصل على 24 مقعدا من عدد النوّاب البريطانيين الـ73. وتشتّت نوّاب الحزب بين من ظلّوا داخله والّذين اِنضموا إلى زعيمهم التّاريخي نايجل فراج في حزب بريكست الّذي أظهر تقدّمه في اِستطلاعات الرّأي.

المجر

يركّز رئيس الوزراء فيكتور أوربان في حملته الاِنتخابية على اِنتقاد المؤسّسات الأوروبية، وخصوصا فيما يتعلّق بسياسة الهجرة.

فبعد أن اِنتقد بشدّة حصص اِستقبال اللاّجئين أمام محكمة العدل الأوروبيّة، طلب البرلمان الأوروبي فرض عقوبات عليه بحجّة أنّه يملي نهجا محدّدا على الإعلام والقضاء والجامعات.

جمهورية تشيكيا

عارض رئيس الوزراء اندريه بابيش من حزب “أنو” الشّعبوي (نائبان من أصل 21 لكن بعد الحصول على 30% من الأصوات في الاِنتخابات التّشريعية في 2017) والّذي عيّنه الرّئيس التّشيكي المشكّك بأوروبا والمؤيّد لروسيا ميلوش زيمان، ملفّ الهجرة في بروكسل وقد يتعرّض لإجراء أوروبي حول تضارب المصالح بسبب اِمبراطوريّته الصّناعية.
ويطمح حزب مشكّك بأوروبا من اليمين المتطرّف هو الحزب الاِشتراكي الدّيموقراطي للدّخول إلى البرلمان الأوروبي (19 نائبا وطنيا من أصل 200).

إيطاليا

تصدّت الحكومة الشّعبوية لمعظم شركائها وأغلقت حدودها أمام اللاّجئين، وتواجهت في اِختبار قوّة مع المفوّضية الأوروبية حول موازنة العام 2018 اِنتهى بتسوية.
وتضمّ الحكومة حزب الرّابطة بزعامة ماتيو سالفيني (ستّة نوّاب من أصل 73) وحركة 5 نجوم بزعامة لويجي دي مايو (12 نائبا أوروبيّا) وحقّقت نجاحات في الاِنتخابات بفضل خطاب معاد للهجرة والاِتّحاد الأوروبي لكنّها لم تذهب إلى حدّ الدّعوة للخروج من منطقة اليورو.
ودعا سالفيني جميع الأحزاب القومية في أوروبا لضمّ جهودها وتشكيل اِئتلاف جديد بعد الاِنتخابات.

النّمسا 

اِنضمّ زعيم حزب الحرّية اليميني المتطرّف في النّمسا هاينز كريستيان شتراخه إلى حكومة المستشار المحافظ سيباستيان كورتز في 2017، لكنّه تعرّض لأزمة السّبت مع إعلان شتراخه اِستقالته من منصب نائب المستشار.
شتراخه الّذي يعدّ من أبرز قادة اليمين المتطرّف في أوروبا، متّهم في تقارير صحفيّة بأنّه قدّم وعودا بمنح عقود حكومية في مقابل دعم اِنتخابي من مناصر روسيّ مفترض قبل اِنتخابات 2017.
وهذا الحزب المتشدّد في ملفّ الهجرة (ثلاثة نوّاب أوروبيّين من أصل 18) علّق مطلبه الخروج من الاِتّحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو.

البرتغال

تدعّم الكتلة اليسارية الّتي تعتزم الخروج من منطقة اليورو وليس من الاِتّحاد الأوروبي، والحزب الشّيوعي الّذي يعتزم الخروج من منطقة اليورو والاِتّحاد الأوروبي الحكومة الاِشتراكية بدون المشاركة فيها. وهذان الحزبان يمثّلان أربعة من النوّاب الأوروبيين البرتغاليّين الـ21.

فنلندا 

يؤيّد حزب الفنلنديّين الحقيقيّين (نائبان من أصل 13) الخروج من منطقة اليورو لكنّه تغاضى عن برنامجه المعادي لأوروبا أثناء مشاركته في الحكومة بين عامي 2015 و2017 وحقّق فوزا كبيرا في الاِنتخابات التّشريعية في 14 أفريل. بفضل خطابه المتطرّف والمناهض للهجرة والمشكّك في قضايا المناخ حلّ في المرتبة الثّانية بعد الاِشتراكيين الدّيموقراطيين.

فرنسا

حزب الجبهة الوطنية بزعامة مارين لوبن (14 نائبا أوروبيا من أصل 74) الّذي غيّر اِسمه إلى التجمّع الوطني، خفّف من لهجته المعادية لأوروبا الّتي اِستخدمها خلال حملة الاِنتخابات الرّئاسية في 2017 لكنّه لم يغيّر خطابه المعادي للهجرة. وينافسه حزب “فرنسا الأبيّة” أو “الوطنيّون” (لكلّ حزب نائبان أوروبيان).

على جبهة اليسار، تدعو حركة “فرنسا المتمرّدة” (ثلاثة نوّاب أوروبيين) بزعامة مرشّح سابق للاِنتخابات الرّئاسية هو جان لوك ميلانشون، إلى عدم اِحترام المعاهدات الأوروبية في مجال الموازنة بدون الخروج رسميّا من الاِتّحاد الأوروبي.

ألمانيا 

حزب “البديل لألمانيا” المناهض لليورو والهجرة الّذي تمّ تأسيسه في 2013 حصل على 12.6% من الأصوات في الاِنتخابات التّشريعية في سبتمبر 2017 ما غيّر قواعد اللّعبة السّياسية.
بسبب الاِنشقاقات، لم يعد “البديل لألمانيا” الّذي حصل عام 2014 على سبعة من المقاعد الألمانيّة الـ96 في البرلمان الأوروبي، يملك سوى مقعد واحد.

هولندا

في مارس 2017 أصبح حزب “الحرّية” المعادي للإسلام بزعامة غيرت فيلدرز (4 نوّاب أوروبيين من أصل 26) القوّة الثّانية في البرلمان الهولندي حيث يشغل 20 مقعدا من أصل 150 مقعدا.
ينافسه حزب “منتدى من أجل الدّيموقراطية” الّذي يتزعّمه تييري بوديه (لا نوّاب أوروبيين بل اِختراق في مجلس الشّيوخ الهولندي في مارس). ويؤيّد هذا الحزب الاِنسحاب من الاِتّحاد الأوروبي.




السّلفية المدخليّة سلاح الدّكتاتورية العربيّة

المدخليّة اللّيبيّة

يشير تنامي نفوذ السّلفية المدخلية في العالم العربي عقب الاِنقلابات العسكرية العنيفة على الحراكات الثّورية الاِحتجاجية الّتي اِندلعت في 2011 إلى طبيعة وماهيّة السّلفية المدخلية كجهاز إيديولوجي وسلاح قمعي بيد الأنظمة الدّكتاتورية العسكرية، فالمدخلية تيّار دينيّ مذهبيّ محافظ تقوم إيديولوجيّته على نهج براغماتي شديد الواقعية، ينفر من الثّورة والتّغيير وينشد الاِستقرار والحفاظ على الأمر الواقع، فهي تستند إلى معحم دينيّ هويّاتي سلفيّ إحيائيّ يمجّد طاعة “وليّ الأمر المتغلّب بالقوّة” كسلطة شرعيّة ما دامت توفّر الاِستقرار وتقيم الشّعائر الدّينية الإسلامية الظّاهرة، فالأنظمة العربية الدّكتاتورية تملك شرعيّة دينيّة حتّى لو كانت علمانيّة، وهي تناهض الدّيمقراطية والعمليّة السّياسية والنّظام الحزبي والتّداول السّلمي للسّلطة، وتحارب “الثّورة” باِعتبارها تجسيدا لـ”الفتنة” والفوضى، وتتعامل مع كافّة قوى التّغيير السّياسي في المجتمع كجماعات من “المبتدعة”، وفرق من”الخوارج” المارقين، فشرعيّة الحكم الّتي تحكم سلوك المداخلة تنصّ على أنّ “من اِشتدّت وطأته وجبت طاعته”، وشرعيّة السّلطة تقوم على أنّ “سلطان غشوم خير من فتنة تدوم”.

لم تكن السّلفية المدخلية قبل حرب الخليج الثّانية سوى تيّار هامشي، وسط صعود تيّارات الإسلام السّياسي عموما، وجماعة الإخوان المسلمين خصوصا، وتنامي حضور السّلفية الجهادية والسّلفية الإصلاحية، والسّلفية العلمية، إذ تعود بدايات الظّهور العلنيّ للسّلفية المدخلية إلى زمن حرب الخليج الثّانية 1991 في المملكة العربية السّعودية، وقد ظهر التيّار المدخلي بداية في المدينة المنوّرة علي يد محمّد أمان الجامي (1930- 1996)، ومنه أخذ اِسم “الجامية”، وقد تطوّرت مدرسته بصورته الرّاهنة على يد ربيع بن هادي المدخلي (1931- ) بصورة أساسيّة، وإليه يُنسب التيّار “المدخلي”، وقد برز التيّار المدخلي بداية من خلال مناهضة حركات الإسلام السّياسي والسّلفيات الجهادية والإصلاحيّة والعلميّة عموما، و”دعاة الإسلام الصّحوي” في السّعودية خصوصا؛ أمثال سفر الحوالي، وناصر العمر، وسلمان العودة، ومحمّد سعيد القحطاني، وغيرهم، ممّن اِستنكر وأدان الاِستعانة بالقوّات الأجنبية الّتي تقودها الولايات المتّحدة الأمريكية لمحاربة العراق، حيث أفتى المداخلة بمشروعيّة دخول القوّات الأجنبية إلى السّعودية والاِستعانة بها ضدّ العراق، اِنسجاما مع توجّه علماء المؤسّسة الوهّابية الرّسمية السّعودية.

صبّت السّلفية المدخلية جام غضبها على جماعة الإخوان المسلمين باِعتبارها سندا إيديولوجيّا للسّلفية الحهادية، وصنّفت عشرات الكتب والرّسائل في التّحذير من أفكارها عموما وفكر سيّد قطب خصوصا، وأصدرت منتصف تسعينيات القرن الماضي تقريرا للأجهزة الأمنية بعنوان “التّنظيم السرّي العالمي بين التّخطيط والتّطبيق في المملكة العربية السّعودية”، أوصت فيه “السّلطات السّعودية لا بدّ أن تتحرّك بأسرع وقت ممكن، لوضع حدّ لأنشطة المنظّمة المذكورة”، حيث شنّت السّلطات السّعودية حملة اِعتقالات واسعة على الدّعاة والعلماء المحسوبين على تيّار الصّحوة الإسلامية في المملكة، وحظرت أنشطتهم.

تبنّت السّلطات السّعودية السّلفية المدخلية واِستدخلتها في أجهزتها الإيديولوجية بعد حرب الخليج الثّانية، وتنامت أدوارها وزاد نفوذها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث باتت السّلفية المدخلية أحد أهمّ أركان الجهاز الإيديولوجي للدّولة، وعملت السّعودية على دعم السّلفية المدخلية في كافّة أرجاء العالمين العربي والإسلامي، لمواجهة أطروحات التيّارات الإسلامية السّياسية، وقد مكّنت مقاربة الرّعاية/ الولاء السّلفية المدخلية من التّموضع داخل المؤسّسات التّعليمية والإعلامية والمساجد والمؤسّسات المعنيّة بالشّؤون الدّينية.

شهدت الحراكات الاِحتجاجية الثّورية العربية 2011 الّتي شكّلت تحدّيا لشرعيّة وبنية الدّكتاتوريات العربية تحوّلا نوعيّا في أدوار السّلفية المدخلية، فإلى جانب أدوارها التّقليدية الإيديولوجية استدخلت في إطار الأجهزة القمعية، وشرعت بتأسيس هياكل عسكرية ومليشيات مسلّحة، إذ لم تكتفي بإصدار فتاوى مناهضة للحراكات والمظاهرات والاِحتجاجات الثّورية العربية، حيث أفتى الشّيخ ربيع المدخلي وأتباعه بحرمة الثّورات والاِحتجاجات والمظاهرات، لكنّه سرعان ما دعا إلى الاِنخراط في الأعمال القتالية وتشكيل مليشيات مسلّحة ضدّ حركات الإسلام السّياسي والجهادي باِعتبارهم من الـ”خوارج” و”البغاة” المتمرّدين على سلطة “وليّ الأمر”، وناشري الـ”الفتن”.

سرعان ما اِنتشرت السّلفية المدخلية في معظم البلدان العربية والإسلامية، ففي مصر برز محمّد سعيد رسلان صاحب الفتوى الشّهيرة لجنود السّيسي بوجوب قتل المعارضين من أهالي كرداسة وغيرهم، وظهر أسامة القوصي، ومحمود لطفي عامر، وطلعت زهران، وغيرهم، في فتاوى الولاء للحكم العسكري والبراءة من الإسلام السّياسي، ولم تقتصر حملة السّلفية المدخلية على مناهضة جماعة الإخوان المسلمين، والتيّار الجهادي، بل طالت حركات المقاومة الفلسطينية، لاسيما حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، الّتي نعتها رسلان بـ”خوارج العصر”، اِستنادا إلى فتوى ربيع المدخلي بأنّ “الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلا من أصول الإسلام إلاّ نقضوه”.

في سياق التحوّل من الدّور الإيديولوجي إلى المجال العسكري، شرعت السّلفية المدخلية بتأسيس هياكل عسكرية ومليشيات مسلّحة، في الدّول الّتي تفتقر إلى وجود مؤسّسة عسكرية فاعلة، حيث باتت السّلفية المدخلية تتمتّع بحضور قويّ وبارز في ليبيا واليمن بالتّحالف مع دكتاتوريّات محلّية ناشئة، وبإسناد من السّعودية والإمارات ومصر، فخلال وجودهم في مجموعات مسلّحة رئيسيّة في شرق وغرب البلاد على السّواء حسب “مجموعة الأزمات الدّولية”، فإنّهم يمارسون نفوذا سياسيّا على الحكومتين المتنافستين اللّتين نشأتا بعد العام 2014. إنّ صعودهم داخل القطاع الأمني يتماشى مع نمط شائع لدى الفصائل اللّيبية المتحاربة الأخرى، الإسلامية وغير الإسلامية، الّتي سعت إلى توسيع نفوذها باِختراق الجهاز الأمني وتغيير منظور أفراده للعالم. أمّا الآن، فقد أثارت أجندتهم المعادية للدّيمقراطية ورفضهم للتنوّع الدّيني والثّقافي في ليبيا مخاوف متنامية لدى الكثير من اللّيبيين، وهو ما يتطابق مع الحالة اليمنيّة.

كان ظهور السّلفية المدخلية كمليشيات مسلّحة في اليمن ميسّرا، نظرا لوجود هياكل ناجزة منذ زمن الشّيخ مُقبل بن هادي الوادعي (ت: 2001)، والّذي يعدّ مؤسّس السّلفية المعاصرة في اليمن، وقد خرج من رحم مدرسته تيارات سلفية عديدة، ومنها المدخلية، ومن أبرز رموزها خليفة الوادعي وتلميذه الأقرب يحيى بن علي الحجوري، وذلك بناء على وصيّة الوادعي بأن يخلفه الحجوري على كرسيّه في دار الحديث، واصفا الحجوري في وصيّته بأنّه “ناصح أمين”، والّذي شدّد على وجوب طاعة وليّ الأمر وحرمة الخروج عليه، وقد وقف موقفا صارما ضدّ الثّورة اليمنية في فبراير 2011، وهاجم مَن يطالبون بتنحّي علي عبد الله صالح من العلماء والمتظاهرين، وأكّد أنّ معظم الشّعب يحبّ الرّئيس، وقد تماهى لاحقا مع الأجندة الإماراتية والسّعودية وهاجم قطر وإيران، ونادى بوجوب محاربة الحوثيّين وقاد الحرب بنفسه، مع طلبته، لكن سرعان ما سيطر الحوثيّون على دمّاج مقرّ دار الحديث الّتي يرأسها الحجوري 2014، ويقيم الحجوري اليوم في السّعودية.

ظاهرة السّلفية المدخلية المسلّحة في اليمن سوف تظهر بقوّة مع كتيبة أبي العبّاس، وهو الشّيخ عادل عبده فارع (أبو العبّاس) مؤسّس كتائب أبي العبّاس السّلفية أو “حماة العقيدة” في (تَعْز)، ودرس أبو العبّاس في “دار الحديث” وتتلمذ على يد الوادعي والحجوري، أمّا هاني بن بريك فقد تتلمذ كذلك على يد الوادعي في دار الحديث بدماج، وعيّن وزيرا (أقيل لاحقا) لدوره في قتال الحوثيّين وقوّات صالح بعد اِنقلابه على طاعته، وعلاقاته الوثيقة مع الإمارات، ويقود بريك قوّات “الحزام الأمني”في محافظة عدن، والّتي أسّستها وتدعّمها الإمارات ويجمع تحت قيادته 12 ألف مقاتل.

في ليبيا تمتّع الفكر المدخلي برعاية القذّافي، عن طريق اِبنه السّاعدي، نظرا لمواقفه الصّارمة بحرمة الخروج على وليّ الأمر ووجوب طاعته، ومناهضته لجماعات الإسلام السّياسي والجهادي باِعتبارهم من “الخوارج”، حيث فسح نظام القذّافي للمداخلة المجال واسعا للاِنتشار والتّمكين، ولذلك دعّم التيّار المدخلي القذّافي مع اِنطلاق ثورة 17 فبراير 2011، وعارض الثّورة وأفتى رموزه بحرمة المشاركة فيها، وعقب نضوج الثّورة المضادّة أصبح التيّار المدخلي فاعلا مسلّحا مع تدشين “عمليّة الكرامة” في ليبيا منتصف 2014 بقيادة اللّواء المتقاعد خليفة حفتر، الّذي بات في نظرهم وليّا للأمر تجب له السّمع والطّاعة والقتال تحت رايته.

اِستخدم حفتر التيّار المدخلي كما فعل القذّافي، لمواجهة الجماعات الإسلامية والحركات السّياسية المناهضة له، حيث ظهرت كتائب مدخلية مسلّحة ، ككتيبة 604 مشاة، وكتيبة التّوحيد، وسيطر المداخلة على مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمّة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة، وقد أفتى ربيع المدخلي بقتال الإخوان وغيرهم في ليبيا حيث قال: “وعلى السّلفيين في ليبيا النّصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم؛ فالإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام”.

تمكّن المداخلة تحت ولاية حفتر من تولّي العديد من المناصب في الجيش، كتولّي العقيد ميلود الزوي المدخلي البارز، مهمّة النّاطق باِسم القوّات الخاصّة في بنغازي، والرّائد علي الثّابت ناطقا باِسم قوّات البحرية في بنغازي، والملازم محمد البوعيشي كآمر لقوّة مكافحة الإرهاب في أجدابيا، ومن أبرز الرّموز المدخلية المسلّحة اللّيبية وأكثرهم عنفا محمود الورفلّي، وهو آمر محاور قوّات الصّاعقة، ومطلوب دوليّا من قبل محكمة الجنايات الدّولية لتورّطه في “جرائم حرب”، بعد أن ظهر في عدّة مقاطع مصوّرة وهو يقوم بتصفيّة ميدانيّة بلا محاكمة وخارج القانون لعدّة أشخاص، واصفا ضحاياه بـ”كلاب أهل النّار” و”خوارج العصر”، واِنتشرت مقاطع مماثلة لقيادات بارزة من التيّار المدخلي كعبد الفتّاح غلبون، ومجموعات أخرى تصدر بيانات يدعّمون فيها الورفلّي ويسمّونه بــ”قاهر الخوارج والإخوان والتّكفيريّين”.

رغم شهرة الورفلّي، إلاّ أنّ المداخلة في ليبيا ينتشرون بقوّة من خلال رموز عدّة، أمثال قجة الفاخري، وهو أحد مسلّحي التيّار المدخلي اللّيبي، وشارك في قتال مسلّحي “مجلس شورى بنغازي”، وكلّف بإمرة قوّة سلوق في بنغازي، الّتي يتكوّن أغلب مقاتليها من أتباع التيّار المدخلي، وأشرف الميار وهو رائد بجيش حفتر يعتبر المؤسّس لأولى كتائب السّلفية بقوّات حفتر، والّتي اِشتهرت بكتيبة التّوحيد، ونشرت فروعا لها في بنغازي وأجدابيا. اُشتهر بوصف “مفتي حفتر”، وصاحب الفتوى الشّهيرة بقتل أسرى خصومه بدعوى أنّهم “آمنوا ثمّ كفروا”، ومن القيادات المدخلية أحمد الحاسي آمر فرقة القبض الخاصّة، المشكّلة من قبل قيادة حفتر، اُتّهم من قبل عدد من قيادات حفتر والسّياسيين الموالين له بالتورّط في عمليّات اِختطاف وتصفيّات، وقد قُتل الحاسي في ظروف غامضة، ويعدّ الملازم عبد الرّؤوف كاره، قائد قوّة الرّدع الخاصّة الموجودة فى طرابلس والّتي لم يعد لها منازع في السّيطرة على وسط المدينة، وأغلب الأماكن الحيويّة، من أبرز الوجوه التّابعة للسّلفية المدخلية، وتتّخذ من مطار معيتيقية مقرّا لها، فضلا عن سرّية باب تاجوراء المجاورة، حيث بدأت تدريبات عسكرية في معسكر في عين زارة وفي محميّة طبيعيّة على السّاحل.

خلاصة القول أنّ السّلفية المدخلية تعمل كجهاز إيديولوجي وسلاح قمعيّ بيد الأنظمة الدّكتاتورية العسكرية العربية، فطبيعتها الدّينية المذهبية المحافظة، شكّلت إيديولوجية براغماتية شديدة الواقعية تمجّد القوّة الفجّة بذريعة جلب الاِستقرار، فالمعجم الدّيني الّذي تنهل منه يمتاز بطابع هويّاتي تقوي سلفي إحيائي، يقوم على مسلّمة طاعة “وليّ الأمر المتغلّب بالقوّة”، ويمنحه سلطة شرعيّة ما دام يوفّر الاِستقرار ويقيم الشّعائر الدّينية الإسلامية الظّاهرة، وهي لا تجد حرجا في نقل ولاءها إلى من تتوافر فيه صفة “القوّة والغلبة”، وتكمن خطورتها في إمكانيّة التحوّل من “يوتوبيا” الاِستقرار إلى “دستوبيا” الفوضى، فهي تناهض الدّيمقراطية والعمليّة السّياسية والنّظام الحزبي والتّداول السّلمي للسّلطة، وتحارب “الثّورة” باِعتبارها تجسيدا لـ”الفتنة” والفوضى، وتتعامل مع كافّة قوى التّغيير السّياسي في المجتمع كجماعات من “المبتدعة”، وفرق من”الخوارج” المارقين، و”البغاة” و”المحاربين”، وبهذا يسهل توظيف السّلفية المدخلية، لكن يصعب التّعايش معها. (الأستاذ حسن أبوهنيّة)




السّودان بين تصميم تجمّع المهنيّين السّودانيّين ومجلس عسكريّ مصرّ على عدم إفساح الطّريق أمام عمليّة اِنتقالية بقيادة مدنيّة

بعد أن قادت المظاهرات الّتي أطاحت بالرّئيس السّابق عمر البشير، تقف الجماعة المعارضة الرّئيسة في السّودان في مواجهة مع الحكّام العسكريين الجدد فيما يمثّل اِختبارا لقدرتها كقوّة سياسيّة. ونال تجمّع المهنيّين السّودانيين تأييدا واسعا خلال أكثر من أربعة أشهر من الاِحتجاجات الّتي نسّقها وساعد من خلالها في الحصول على سلسلة من التّنازلات من المجلس العسكري الاِنتقالي الّذي يحكم البلاد منذ أن عزل البشير يوم 11 أفريل.

لكن بينما يحاول أعضاء النّقابات والنّشطاء في تجمّع المهنيّين السّودانيّين رسم طريق إلى الدّيمقراطية متكاملة الأركان فإنّهم أمام منافس قويّ لم يظهر إلى الآن بادرة تذكر على اِستعداده لإفساح الطّريق أمام عمليّة اِنتقالية بقيادة مدنيّة.

ولخيبة الأمل النّاتجة عن عدم إحراز تقدّم، دعت قوى إعلان الحرّية والتّغيير، وهي اِئتلاف واسع من جماعات المعارضة يقوده تجمّع المهنيّين السّودانيين، يوم الأربعاء إلى حملة عصيان مدنيّ لزيادة الضّغط على الجيش.

وقال أحمد ربيع، وهو عضو قيادي في تجمّع المهنيّين السّودانيين، لرويترز “جميع خياراتنا مفتوحة من الآن فصاعدا”. وأضاف “إذا صمّم (المجلس العسكري الاِنتقالي) على التمسّك بالسّلطة سنعتبر هذا اِنقلابا عسكريّا وسنصّعد أساليبنا سلميّا”.

المتظاهرون السّودانيون/ رويترز

وقال تجمّع المهنيّين السّودانيين إنّه من المرجّح أن تركّز مثل هذه الحملة على الإضرابات العامّة الّتي حقّقت نجاحا في اِنتفاضات سابقة بالسّودان بعد الاِستقلال. ولاقت الإضرابات الّتي دعا لها تجمّع المهنيّين قبل الإطاحة بالبشير اِستجابة محدودة، لكنّ العمّال قد يكونون أقلّ خوفا بعد عزله.

ومن الممكن أن تدعو قوى إعلان الحرّية والتّغيير أيضا إلى مقاطعة السّلع غير الأساسية والخدمات العامّة في محاولة لحرمان الحكومة من إيرادات الضّرائب، وأن تدعو كذلك لتكثيف المظاهرات والاِعتصامات في أنحاء البلاد. وصار الاِعتصام المستمرّ الّذي بدأ في السّادس من أفريل خارج القيادة العامّة للقوّات المسلّحة، النّقطة المحوريّة للاِنتفاضة.

وقال المجلس العسكري الاِنتقالي إنّه لن يستخدم القوّة لإنهاء الاِعتصام. لكن من الممكن تقويض تجمّع المهنيّين السّودانيين من خلال المناورة لاِفتقاره للخبرة السّياسية. وقال المحلّل السّوداني مجدي الغزولي “حان وقت السّياسة. وهذا ملعب قد لا يكون تجمّع المهنيّين جاهزا له كما يبدون”.

وفي محاولة منه لتهدئة المحتجّين غيّر المجلس العسكري الاِنتقالي أوّل رئيس له بعد يوم واحد من تشكيله، وأطاح كذلك بحلفاء رئيسيّين للبشير، وأعلن إجراءات لمكافحة الفساد، كما تحرّك لإعادة هيكلة أجهزة الأمن والمخابرات.

رويترز
تحضير الإفطار للمتظاهرين في السّودان/ رويترز

وينزل البشير، وهو مطلوب أيضا من المحكمة الجنائية الدّولية لمزاعم جرائم حرب في دارفور، في سجن في العاصمة الخرطوم.

لكن بينما تريد قوى إعلان الحرّية والتّغيير مجلسا اِنتقاليا يقوده مدنيّون لإدارة فترة اِنتقالية مدّتها أربع سنوات، أشار المجلس العسكري إلى أنّه يريد الاِحتفاظ بكامل السّيطرة على أيّ مجلس سياديّ يضمّ عسكريّين ومدنيّين.

وفي الوقت الّذي طال فيه أمد المحادثات بين الجانبين، اِتّهم تجمّع المهنيّين قادة الجيش بتوسيع سلطاتهم. وقال المجلس العسكري إنّه مستعدّ لمزيد من الحوار، وإنّ الاِنتخابات يمكن أن تجرى خلال ستّة أشهر إذا لم يتمّ التوصّل إلى اِتّفاق على حكومة مؤقّتة. وهذا يسبق بكثير الفترة الاِنتقالية الّتي قال المجلس إنّها يمكن أن تصل إلى سنتين.

ويمكن أن يفرض العصيان المدني الّذي دعا إليه تجمّع المهنيّين السّودانيّين ضغوطا على المجلس العسكري بالنّظر إلى ضعف الاِقتصاد. وتعاني البلاد‭‭ ‬‬بالفعل من تضخّم هائل ونقص حادّ في السّيولة والسّلع الأساسيّة. لكنّ المجلس العسكري لديه داعمون أقوياء وأثرياء.

فالفريق أوّل ركن عبد الفتّاح البرهان رئيس المجلس ونائبه الفريق أوّل محمّد حمدان دقلو تربطهما علاقات بالسّعودية ودولة الإمارات اللّتين تعهّدتا بثلاثة مليارات دولار للسّودان لدعم البنك المركزي وتمويل مشتريات الوقود والقمح والأدوية.

ويقود دقلو الّذي يعرف باِسم حميدتي قوّات الدّعم السّريع مرهوبة الجانب والّتي قاتلت في دارفور وتشارك في التّحالف الّذي تقوده السّعودية في اليمن. وتنتشر هذه القوّات أيضا في أنحاء الخرطوم.

وقالت الكاتبة والمعلّقة السّودانية ريم عبّاس “هذه مؤسّسة جيش وهم لا يريدون أن يفقدوا السّلطة”. وأضافت “هناك الكثير من الأشياء قد يخسرونها. الموارد والأراضي والحصانة من جرائم الحرب”.

على النّقيض من ذلك، تشكّل تجمّع المهنيّين السّودانيين في 2016 من نقابات مهنيّة موازية غير رسميّة خارج أجهزة الدّولة. ويمثّل التجمّع أطبّاء ومحامين وصحفيّين وغيرها من المهن.

وكان التجمّع يطالب بزيادة الأجور عندما اِندلعت المظاهرات ضدّ البشير في أنحاء السّودان اِبتداء من 19 ديسمبر الماضي بسبب الأزمة الاِقتصادية المتفاقمة. ودفعت المظاهرات بتجمّع المهنيّين إلى دور منسّق الاِحتجاجات. ومنذ ذلك الوقت اِتّسع التجمّع ليضمّ أكثر من 20 نقابة.

وقال ربيع، وهو مدرّس فيزياء في مدرسة ثانوية ويقيم في منطقة الحاج يوسف في ضواحي الخرطوم، إنّ الصّفة غير السّياسية للتجمّع كانت السّبب في نجاحه في الإطاحة بالبشير بعد 30 عاما قضّاها في الحكم.

وعلى الرّغم من التّأييد الواسع الّذي يتمتّع به تجمّع المهنيّين الآن، يقول إنّه لن يتحوّل إلى حزب سياسي. وليس للتجمّع قائد أو هيكل قيادي صارم. وكان يعمل في السرّ بشكل كبير حتّى وقت قريب. وقد يحدث فراغ سياسيّ نتيجة ذلك.

وخلال حكم البشير كانت أنشطة أحزاب المعارضة محدودة كما تراجعت العضوية فيها. ويقول محلّلون إنّ أمام أحزاب المعارضة الكثير من العمل لتصبح قوى سياسيّة فاعلة.

وتواجه المعارضة أيضا تحدّيا يتمثّل في تشكيل جبهة موحّدة. وتتكوّن قوى إعلان الحرّية والتّغيير من مجموعة واسعة من الأحزاب السّياسية ومنظّمات المجتمع المدني والجماعات المسلّحة من أنحاء السّودان، وأصدرت بالفعل بيانات متعارضة عن مواقفها في المفاوضات.

ويعتقد كثير من المحتجّين أنّه كان على تجمّع المهنيّين ألاّ يتفاوض إطلاقا مع الجيش. ويهتف هؤلاء “المدنيّة خيار الشّعب”. وسعى التجمّع إلى طمأنتهم إلى أنّه سيكون ضمانة للثّورة والدّيمقراطية خلال الفترة الاِنتقالية.

وقال ربيع، الّذي سجن من الرّابع من جانفي إلى ما قبل سقوط البشير بقليل “دائما نجتهد للحصول على الدّيمقراطية في هذا البلد ثمّ نفقدها”. وأضاف “لقد اِجتهدنا للحصول عليها وإن شاء الله يمكننا حمايتها” هذه المرّة.




جولة العدوان على غزّة.. حرب شاملة أم تتوقّف بتفاهمات؟

 

في ضوء تصاعد التوتّر بين المقاومة الفلسطينية بغزّة والاِحتلال الصّهيوني، تحدّث مختصّون عن مستقبل هذه الجولة “الشّرسة” من التّصعيد العسكري، والّتي تأتي في ظلّ “ظروف حسّاسة” تمرّ بها “إسرائيل” الّتي لم تلتزم بتفاهمات تخفيف الحصار عن قطاع غزّة.

وأدّت الغارات المدمّرة الّتي شنّتها طائرات الاِحتلال، إلى اِستشهاد 9 فلسطينيّين من بينهم سيّدة وجنينها ورضيعة، وتدمير العديد من المنشآت العامّة والمباني السكّانية، ومواقع ونقاط تابعة للمقاومة في قطاع غزّة، في حين قتل مستوطن صهيوني وأصيب العديد جرّاء قصف المقاومة للمستوطنات.

وحول جولة التّصعيد الحالية بين المقاومة الفلسطينية والاِحتلال الصّهيوني، أكّد المختصّ مأمون أبو عامر، أنّ “هذه الجولة تختلف عن سابقاتها من الجولات”.

ونوّه أبو عامر في حديثه لـ”عربي21″ إلى أنّ “إسرائيل من ناحيتها، قد تكون في اِتّجاه التنصّل من التّفاهمات السّابقة الّتي أعطتها للمقاومة لحظة الضّغط في فترة الاِنتخابات، وهي الآن تسعى إلى تغيير قواعد هذه التّفاهمات وأقلّ من قبل وقصر التّحسينات على الأوضاع الاِقتصادية إلى مستوى محدود يمنع تفجّر الوضع ووصول القطاع إلى حالة كارثة إنسانية لا تريد إسرائيل تحمّل تبعاتها أمام المجتمع الدّولي”.

وتريد “تل أبيب” بحسب أبو عامر، أن “تنفّذ التّفاهمات الحالية المتّفق عليها في حال نجحت في التوصّل مع المقاومة على ترتيبات أمنية تحلّ مشكلة الجنود الأسرى الإسرائيليّين وموضوع الأنفاق ومسألة اِمتلاك المقاومة منظومة الصّواريخ؛ لضمان عدم تطوير المنظومة الحالية، وترك هذه المنظومة ليأكلها الصّدأ مع الوقت”.

وأضاف أنّ “كلّ ذلك من أجل إحداث تحسينات فعلية تحدث تغيّرا في الوضع المعيشي في قطاع غزّة”، موضّحا أنّ “المستقبل السّياسي لقطاع غزّة، هو مسألة تحتاج إلى تغيّرات في التوجّهات السّياسية للقوى المسيطرة على القطاع، وهو أمر يعتمد على العامل الزّمني ويحتاج أن تمرّ سنوات من الهدوء”.

وحذّر المختصّ من إمكانية “وجود سيناريو هو أكثر خطورة وغير مرتبط بمسألة قطاع غزّة نفسه بقدر ما هو مرتبط بحلول سياسيّة إقليميّة؛ ضمن إطار ما يسمّى بـ (صفقة القرن)”، مضيفا أنّ “هذا يحتاج لمزيد من المعلومات والّتي قد يحسمها تقدّم الحدث الجاري؛ هل ستنتهي عن قريب أم إنّنا ذاهبون إلى الحرب؟”.

حرب متدحرجة

وأكّد أنّه “في حال تطوّرت الأمور نحو حرب شاملة، فستكون الجولة الختامية لتنفيذ صفقة القرن، وسيكون الهدف منها إعادة هيكلة المشهد الفلسطيني بما يتناسب مع تنفيذ الصّفقة، وهو ما قد يتوافق مع ما نشر من أنّ الصّفقة سيتمّ نشرها بعد رمضان أي بعد أن تكون الحرب قد وضعت أوزارها”، بحسب رأيه.

من جانبه، أوضح أستاذ العلوم السّياسية هاني البسوس، أنّ “هذه هي الموجة العاشرة من التّصعيد منذ حرب 2014، وهي الأشرس”، معتقدا أنّ “كلا الطّرفين غير معنيّين بالحرب أو المواجهة العسكرية المفتوحة، ولكنّ كلّ طرف يحاول تحقيق مكاسب سياسيّة”.

وأضاف البسوس في حديثه لـ”عربي21″ أنّ “الجيش الإسرائيلي يحاول فرض معادلة اِشتباك وردع مع فصائل المقاومة الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية تضغط على إسرائيل لإنهاء الحصار أو على الأقلّ الاِلتزام ببنود التّهدئة السّابقة”.

وفي حين، “لم يفلح الوسيط المصري حتّى الآن في الوصول إلى وقف إطلاق النّار، في الوقت الّذي يعتبر فيه أنّ كلاّ من الفصائل الفلسطينية وجيش الاِحتلال على جهوزيّة عالية لكلّ الاِحتمالات”، بحسب البسوس.

وقدّر أنّ “التوجّه العامّ قد يكون التوصّل إلى وقف إطلاق نار مع تقديم وعود إسرائيليّة بتخفيف الحصار بوساطة مصريّة”، لافتا إلى أنّ “اِحتمال الحرب المتدحرجة موجود لكنّه ضعيف، كما أنّ اِحتمال التّصعيد يزداد إذا حدث اِغتيال لشخصيّات فلسطينية أو قتلى في صفوف المستوطنين”.

أمّا الكاتب والمحلّل السّياسي إيّاد القرا، فقد أكّد أنّ “الاِحتلال هو الّذي يتحمّل مسؤولية التّصعيد الأخير، لأنّه هو الّذي بدأ باِستهداف المدنيّين في مسيرات العودة شرق البريج”، موضّحا أنّ “المقاومة تمارس حقّها الطّبيعي في الردّ على عنجهيّة الاِحتلال وبطشه المستمرّ”.

مناسبات حسّاسة

وأشار القرا في حديثه لـ”عربي21″، إلى أنّ “الشّعب الفلسطيني يلتفّ حول مقاومته الّتي رسمت مشاهد عزّ وفخار، بعدما رأى الصّواريخ وهي تخرج من باطن غزّة المحاصرة لتعانق الغلاف وبلداتنا المحتلّة، وذلك في رسالة واضحة أنّ شعبنا لن يقبل الموت البطيء والمماطلة في تطبيق التّفاهمات ورفع الحصار”.

وحول توقّعه للسّاعات والأيّام القادمة؛ في ظلّ عدم اِلتزام الاِحتلال بعد كلّ جولة تصعيد يتمّ التوصّل فيها إلى تهدئة بتنفيذ ما تمّ التّفاهم عليه، أوضح القرا، أنّ “الاِحتلال يتنصّل دوما من التّفاهمات ورفع الحصار الظّالم عن أهل غزّة”، معتقدا أنّ “المقاومة في هذه الجولة لن تقبل أن يسود الهدوء على حساب خنق غزّة، لأنّها تعيش مرحلة ركوض وعدم وجود سيولة أموال مع النّاس، خاصّة مع قرب دخول شهر رمضان المبارك”.

ولفت الكاتب إلى أنّ “المقاومة أمام تحدّ كبير بالضّغط على العدوّ لينفّذ ما تمّ الاِتّفاق عليه وإلاّ فإنّه لا يوجد عندنا في غزّة ما نخسره”، على حدّ قول القرا.

ونوّه المختصّ في الشّؤون “الإسرائيليّة”، سعيد بشارات، إلى أنّه “إذا ما اِستمرّت المفاوضات واِستجاب الاِحتلال لتفاهمات مؤقّتة، فستنتهي هذه الجولة خلال السّاعات القادمة، لأنّ إسرائيل غير معنيّة بإطالة هذه الجولة من التّصعيد”.

وأوضح بشارات لـ”عربي21″، أنّ “لدى الاِحتلال بعض المناسبات الحسّاسة الّتي تحتاج للهدوء، منها ما يسمّى ذكرى الاِستقلال ومسابقة الأغنية الأوروبية، الّتي يخشى في حال اِستمرّ التّصعيد أن لا تأتي الوفود الأوروبية المشاركة”.

ونوّه بشارات إلى أنّ “الاِحتلال كعادته، يريد أن يحصل على ما يريد دون مقابل، وفصائل المقاومة تدرك ذلك، ومن هنا تريد أن تحصل على بعض الأمور عبر الضّغط على الاِحتلال في هذه الفترة الحسّاسة بالنّسبة له”، مؤكّدا أنّ رئيس حكومة الاِحتلال بنيامين نتنياهو “لا يريد أن تزيد العمليّة عن حدّها كي لا تصل الصّواريخ إلى وسط تل أبيب، لذا فهو معنيّ بأن ينهي تلك الجولة خلال السّاعات القادمة”.




مستقبل علاقة أميركا وروسيا: اِنفراج أم تنافس لمزيد من التوتّر


رؤية الرّئيس ترامب للعلاقات الاِستراتيجية مع موسكو تعارضت مع توجّهات المؤسّسات الحاكمة منذ صعوده “السّياسي”، وهو الآتي من قطاع العقارات والصّفقات التّجارية وتكديس الأرباح، ولم يشاطر المؤسّسة نظرتها “العدائية لروسيا والمكلفة مادّيا” دون مردود ربحي، حسب أولويّاته.

باِستطاعة ترامب، بعد صدور تقرير المحقّق الخاصّ موللر وعدم إدانته بتهمة التّواطؤ مع روسيا، الاِستمرار في شنّ هجومه على خصومه الدّاخليّين ولبس رداء العداء لروسيا دون القلق من اِتّهامه “بالنّفاق أو صرف الأنظار”، اللّهم باِستثناء ما يضمره رؤساء لجان الحزب الدّيموقراطي في مجلس النوّاب لمواصلة محاصرته قانونيّا علّها تسعف الحزب في ترجيح كفّة الاِنتخابات نحو مرشّحيه وطموحه في الإطاحة وهزيمة الرّئيس ترامب.

العلاقات الأميركية الرّوسية من العناوين الثّابتة والبارزة في الجدل الدّاخلي الأميركي، لكنّها “مستعصية على الحلّ” وفق توصيف معهد هدسون اليمينيّ، في معظم الحقبات الزّمنية، وتحتلّ مرتبة الأولويّة في جدول أعمال الطّرفين.

هاجس روسيا في أميركا مستمرّ منذ قرن ونيف من الزّمن “لكن دون تحقيق نجاحات كبيرة”، كما يمضي المعهد، باِستثناء سقوط الاِتّحاد السّوفياتي ونهوض روسيا القوميّة مجدّدا في مواجهة الولايات المتّحدة؛ بينما “لا تشبه أوروبا الغربيّة اليوم سابقتها الواثقة من مستقبلها بعد اِنهيار جدار برلين”.

المشهد الدّاخلي الأميركي، فيما يخصّ روسيا تحديدا، واِمتدادا للقوى الدّولية الصّاعدة الأخرى كالصّين، يتّسم بفرضيّة ثابتة بأنّ مستقبل المؤسّسة الحاكمة رهن اِستمرار عدائها لتلك القوى وتحديث مناخات الحرب الباردة؛ ويرجّح اِستحداث عقوبات اِقتصادية ومالية ضدّ روسيا في المديين الرّاهن والمتوسّط، لا سيما عند الأخذ بعين الاِعتبار “سلاح النّفط”، من إنتاج وتسعير وتسويق، الحاضر دوما في جعبة السّياسة الأميركية، أقلّها لمحاصرة المنتجات النّفطية والغازية الرّوسية على المستوى العالمي؛ وكذلك الأمر مع إيران وفنزويلا.

اِستنادا إلى التّصريحات والمواقف الأخيرة لإدارة ترامب، فيما يخصّ تدفّق النّفط على السّوق العالمية، واِتّكاله على كلّ من “السّعودية والإمارات.. لتعويض حصّتي إيران وفنزويلا”، يمكننا القول أنّ أحد الأهداف المرئيّة في هذا الشّأن هو تذليل ما اِستطاع من عقبات لاِستبدال منظّمة “الأوبك” العالمية بأخرى أميركية للتحكّم المباشر بتلك السّلعة الحيويّة؛ ومحاصرة روسيا من خلال تلك الوسيلة.

ما يعزّز ذاك التوجّه لدى الإدارة هو تصدّر الولايات المتّحدة المرتبة الأولى عالميّا في إنتاج النّفط، وتسخير تلك الميزة لبسط سيطرتها الكاملة على الدوّل الأخرى، منتجين ومستهلكين؛ وترجمة حقيقيةّ للشّعور القومي الشّوفيني الّذي يمثّله ترامب “لنعيد عظمة أميركا”.

علاوة على ذلك، يمكننا القول اِستنادا إلى رصد ردود الأفعال داخل أوساط اليمين الأميركي المتطرّف، ووسيلته الإعلامية الأبرز، فوكس نيوز، أنّ موجة العداء لروسيا اِتّشحت برداءة إضافية بعد صدور تقرير المحقّق الخاصّ موللر، قائلة أنّ “الصّراع السّياسي الدّاخلي” حول العداء لروسيا سيستمرّ في المدى المنظور، مؤكّدة أنّ وسائل الإعلام الرّئيسة الأخرى “تغذّي مشاعر الهلع والقلق لدى الرّأي العام بغية تعزيز العداء لروسيا لديه” (25 مارس الماضي).

من بين السّيناريورهات “الإيجابيّة” المتاحة لدى المؤسّسة الأميركية الحاكمة، فيما يخصّ مستقبل العلاقات الرّوسية الأميركية، نرصد التّالي، دون ترتيب معيّن:

إعادة الدّفء لعقد قمّة روسية أميركية قريبا، كما درجت العادة بين الدّولتين العظميين منذ وبعد نهاية الحرب الباردة، على ضوء تقرير موللر، ربّما العام المقبل قبل موسم اِشتداد التّنافس الاِنتخابي؛ وإعادة الأولويّة لمناقشة الأسلحة النّووية عند الطّرفين ورغبتهما معا في ضمّ الصّين لاِتّفاقية شبيهة بالسّابقة للحدّ من اِنتشار الأسلحة النّووية عالميّا. بيد أنّ الرّغبة الأميركية قد لا تقابلها حماسة روسية نظرا لطبيعة العلاقة المتينة الّتي تربطها بالصّين وعزمهما مواجهة النّفوذ الأميركي. أمّا الصّين، في هذا الشّأن، فهي ليست على عجلة من أمرها وتمضي باِستغلال موقعها المتحلّل من القيود النّووية الدّولية في تطوير ترسانتها.

ثانيا، مستقبل العلاقة يعتمد أيضا على المكتسبات والإنجازات الصّينية، كما أسلفنا، خاصّة بعد فشل مراهنة واشنطن على لعب ورقة “الصّراع الصّيني الرّوسي” مرّة أخرى، بل اِستمرار تقاربهما اِقتصاديا وعسكريا، والفرص الهائلة أمام الدّولتين الّتي ستنجم عن اِستكمال الصّين بناء “طريق الحرير” الجديد، الّذي سيشكّل ما لا يقلّ عن 30% من الإنتاج السّنوي العالمي يستفيد منه مباشرة نحو 40% من سكّان العالم قاطبة؛ والأهمّ أنّه يضمّ أوروبا ويستثني الولايات المتّحدة.

ثالثا، ليس مستبعدا بنظر بعض المراقبين أن يفاجئ الرّئيس ترامب الجميع بترجمة بعض تصريحاته السّابقة حول علاقة مستقبلية مع سوريا والرّئيس الأسد في المدى المنظور، وفق معطيات فرضها الميدان باِنتصار سوريا على المؤامرة متعدّدة الجنسيّات، ممّا يعتبر نصرا صافيا في خانة روسيا الّتي حافظت على سرديّتها “بدعم حكومة علمانية مستقرّة، والحفاظ على وحدة وسيادة الدّولة على أراضيها”. ويعتقد بعض خبراء مراكز الدّراسات في واشنطن أنّ الطرفين في هذه الجزئية يتشاطران في “تحجيم” النّفوذ الإيراني في سوريا، وإن بدرجات متفاوتة. بيد أنّ سيل العقوبات الأميركية على كلّ من روسيا وإيران حفّز موسكو وطهران على التّقارب أكثر من ذي قبل في مواجهة العنجهيّة الأميركية.

رابعا، توثيق العلاقة بين كوريا الشّمالية وروسيا، عبر القمّة الرّئاسية الأخيرة، ضاعف المأزق الأميركي دون المساس بالصّين الحليف الطّبيعي لكوريا الشّمالية؛ وقد يشكّل حافزا للرّئيس ترامب توسيط الرّئيس بوتين في الشّأن الكوري الشّمالي مقابل تنازلات معيّنة.

ما تقدّم لا يشكّل أرضيّة كافية لعودة دفء العلاقات بين العظميّين، لاسيما في عصر تصدّر اليمين الأميركي المتطرّف للمشهد والقرار السّياسي. بل ستمرّ العلاقات في ثنائيّة المدّ والجزر بينهما الاِصطدام المباشر في أيّ من السّاحات الدّولية.

السّياسة “الواقعية الأميركية محاصرة وتعاني من شحّ فرصها”، وفق توصيف معهد هدسون سالف الذّكر، وتجمع النّخب السّياسية والفكرية الأميركية على اِستمراريّة الوضع الرّاهن بكلّ ما يتضمّنه من معاني وفرص وأزمات. فعلاقة العظميّين “لم ولن تكون على ما يرام، لكنّها ليست بمقدار السّوء المتخيّل، وشائكة دوما”.

(مركز الدّراسات الأمريكية والعربيّة)




معالجة صعود السّلفية المدخليّة في ليبيا

يحقّق أتباع المذهب السّلفي المدخلي حضورا بارزا على جانبي الاِنقسام اللّيبي، الأمر الّذي يثير المخاوف حيال الأجندات المتشدّدة الّتي يتمّ فرضها من خلال المؤسّسات العسكرية والدّينية. ينبغي أن يضمن المفاوضون أن تكون قوّات الأمن الّتي تجري إعادة بنائها حياديّة سياسيّا وأن يتعهّد المداخلة باِحترام التّعددية.

ما الجديد؟ لقد اِكتسب السّلفيون المداخلة، وهم أتباع مذهب مسلم سنّي شديد المحافظة نشأ في السّعودية، نفوذا كبيرا في سائر أنحاء ليبيا، بما في ذلك في مجموعات مسلّحة ومؤسّسات دينيّة رئيسيّة. رغم أنّهم ساعدوا في محاربة تنظيم الدّولة الإسلامية ويوفّرون الأمن، فإنّ صعودهم مثار اِنقسام ومن شأنه أن يعقّد الجهود الرّامية إلى تسوية الصّراع اللّيبي.

ما أهمّية ذلك؟ يشعر كثيرون، من أنصار المجتمع المدني إلى السّلفيين إلى التيّارات الدّينية الأخرى، بالرّعب من النّفوذ الّذي يحظى به المداخلة، ومن أفعالهم الّتي تنضح بعدم التّسامح ومن أجندتهم المعادية للدّيمقراطية. كما أنّ أيديولوجيّتهم تضعهم على الطّرف النّقيض من الإسلاميّين السّياسيين مثل الإخوان المسلمين، الأمر الّذي يعكس اِنقسامات إقليميّة. إنّ وجودهم في مجموعات مسلّحة قويّة يجعلهم لاعبين محوريّين في الصّراع اللّيبي.

ما الّذي ينبغي فعله؟ ينبغي على الأطراف السّاعية إلى التوصّل إلى حلّ سياسيّ للصّراع اللّيبي أن تضمن، في سياق بناء الجهاز الأمني، منع تسييس قوّات الأمن عبر أيّ نوع من التّأثير الأيديولوجي. كما ينبغي على المداخلة الاِلتزام باِحترام حرّية التيّارات الدّينية والفكرية الأخرى ومنظّمات المجتمع المدني وحياديّة المؤسّسات الدّينية.

الملخّص التّنفيذي

يتنامى نفوذ السّلفيين المداخلة (“المداخلة” اِختصارا)، وهم أتباع مذهب إسلامي سنّي شديد المحافظة، في سائر أنحاء ليبيا منذ سقوط نظام القذّافي في العام 2011. إنّهم يمارسون نفوذا عسكريّا كبيرا من خلال وجودهم في مجموعات مسلّحة رئيسيّة في شرق وغرب البلاد على السّواء؛ ونتيجة لذلك، فإنّهم يمارسون نفوذا سياسيّا على الحكومتين المتنافستين اللّتين نشأتا بعد العام 2014. إنّ صعودهم داخل القطاع الأمني يتماشى مع نمط شائع لدى الفصائل اللّيبية المتحاربة الأخرى، الإسلامية وغير الإسلامية، الّتي سعت إلى توسيع نفوذها باِختراق الجهاز الأمني وتغيير منظور أفراده للعالم. أمّا الآن، فقد أثارت أجندتهم المعادية للدّيمقراطية ورفضهم للتنوّع الدّيني والثّقافي في ليبيا مخاوف متنامية لدى الكثير من اللّيبيّين. ينبغي على اللاّعبين السّياسيين اللّيبيين الّذين يتفاوضون على حلّ للصّراع أن يسعوا إلى بناء جهاز أمني اِحترافي معزول عن أيّ نفوذ أيديولوجي من أيّ نوع كان. كما ينبغي على المداخلة من جهتهم أن يعلنوا اِلتزامهم باِحترام التيّارات الدّينية والفكرية الأخرى.

يشكّل المداخلة مكوّنا مهمّا في القوّات العسكرية الشّرقية الّتي تشنّ حاليا هجوما على مقرّ الحكومة في طرابلس، لكنّ صعودهم والتوتّرات الّتي يثيرها في ليبيا لا تشكّل بأيّ حال من الأحوال خطّ الصّدع الرّئيسي في الصّراع. ثمّة خطوط صدع أخرى عديدة تلعب دورا مهمّا، مثل الاِدّعاءات المتناقضة للحكومتين باِمتلاك الشّرعية، والمحاولات الفاشلة لتوحيد الجيش المنقسم في البلاد، والاِنقسامات بين القوى الدّولية المعنيّة، والعمليّة السّياسيّة الّتي ترعاها الأمم المتّحدة الّتي وصلت إلى طريق مسدود، والحوافز الاِقتصادية القويّة للاّعبين المحلّيين لإطالة أمد الأزمة. بعبارة أخرى، فإنّ المداخلة يشكّلون عاملا واحدا فقط. لكن تمّ التّغاضي عنهم، على الأقلّ جزئيّا بسبب وضعهم المبهم وغموض أهدافهم السّياسية. غير أنّ دورهم المتنامي يضيف بُعدا آخر إلى الصّراع متعدّد الأبعاد أصلا.

كما في مناطق أخرى من العالم العربي، فإنّ التيّار المدخلي– الّذي يحمل اِسم الشّيخ ربيع المدخلي، رجل الدّين السّعودي الّذي يلتزم أتباعه أيديولوجيا محافظة متشدّدة لكنّها تنزع إلى المهادنة سياسيّا– نما بسرعة في ليبيا في السّنوات الأخيرة. التيّار، الّذي تساهل معه معمّر القذّافي قبل اِنتفاضة 2011 بسبب تبعيّته السّياسية، والّذي أصبح لاعبا ثانويا بعد سقوط النّظام مباشرة، اِكتسب عددا كبيرا من الأتباع منذ بداية الصّراع الحالي في العام 2014 وعزّز وجوده في مؤسّسات رئيسيّة. في طرابلس، للمقاتلين المداخلة تمثيل كبير في المجموعات المسلّحة الرّئيسية الّتي عملت مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليّا لتحقيق الأمن في العاصمة. إنّهم يسيطرون أو يمارسون نفوذا كبيرا على بعض مرافقها ومؤسّساتها الرّئيسية، الّتي يوفّرون لها الحماية. في الشّرق، يشكّلون مكوّنا مهمّا في الجيش الوطني اللّيبي، ولعبوا دورا محوريّا في معركة اِستعادة بنغازي بقيادة المشير خليفة حفتر، ويتحرّكون الآن غربا مع الجيش الوطني اللّيبي لاِنتزاع السّيطرة على طرابلس من حكومة فايز السرّاج المدعومة من الأمم المتّحدة والمجموعات المسلّحة المتحالفة معها.

كما سيطر المداخلة على مؤسّسات دينيّة مهمّة، واِستخدموها لنشر معتقداتهم الّتي تثير الاِنقسام أحيانا. رغم عدم اِنخراطهم مباشرة في السّياسات الاِنتخابية بسبب رفضهم للدّيمقراطية، فإنّهم رغم ذلك يشكّلون مجموعة ضغط مهمّة تدعو إلى إعطاء دور أكبر للدّين في الحياة العامّة، بما في ذلك تطبيق الحدود القصوى للشّريعة، وهو ما يرون أنّه ينبغي أن ينعكس في أيّ دستور مستقبلي. حتّى الآن، لم يرفضوا نظام محاكم الدّولة (كما فعلت فصائل إسلامية أخرى في ليبيا بما في ذلك تنظيم الدّولة الإسلامية والمجموعات المتحالفة مع القاعدة في الماضي). على نحو مماثل، ورغم أنّ بعض أعضائهم دعوا إلى درجة أكبر من الفصل بين الجنسين، فإنّ الحركة لم تحاول حتّى الآن فرض تطبيق مثل هذه المطالب بشكل شامل. إلاّ أنّ السّلوك السرّي للجماعة واِستعدادها للاِنخراط في تعاون تكتيكيّ مع القوّات شبه العسكرية في شرق وغرب ليبيا على حدّ سواء يطرح أسئلة حول أهدافها بعيدة المدى.

يتمتّع المداخلة– أو تمتّعوا في الماضي– بدرجة معيّنة من الشّعبية في أوساط اللّيبيّين، الّذين يتّفقون مع نزاهتهم المفترضة، وفي بعض المناطق، لمساعدتهم في اِستعادة النّظام. لقد جعلتهم أيديولوجيتهم ذات الطّبيعة المميّزة– الّتي تعارض في الوقت نفسه الإسلاميّين السّياسيين غير العنيفين من جهة والمجموعات الجهادية العنيفة من جهة أخرى– حلفاء في المعركة ضدّ تنظيم الدّولة الإسلامية، لكنّها أدّت أيضا إلى تعميق أحد الاِنقسامات في الصّراع اللّيبي بين أنصار وخصوم تنظيمات مثل الإخوان المسلمين. في الواقع، فإنّ معارضتهم الأيديولوجية للإخوان المسلمين تضعهم مع أحد طرفي اِنقسام إقليمي أوسع أطال أمد الصّراع. على عكس بعض المجموعات الثّورية الّتي ظهرت في العام 2011، فإنّهم لم يسعوا إلى معاقبة أو تهميش الموالين السّابقين للقذّافي؛ إذ تسمح لهم أيديولوجيّتهم بالتّسامي على الاِنقسامات القبلية، والعرقية والجهوية؛ وقد يكونون فريدين ربّما في فرض وجودهم في سائر أنحاء البلاد، والتّحالف مع القوى المحلّية على طرفي الصّراع.

لكن بالنّسبة لمنتقديهم، فإنّ المداخلة متطرّفون ينفّذون أجندة لتغيير المجتمع. ويرون في الهجمات اللّفظية، وأحيانا الجسدية، للمجموعة على جملة من الأهداف تتراوح بين العلمانيّين، والإسلاميين الآخرين، وأفراد الطّرق الدّينية مثل الإباضيّين، والصّوفيين، والنّشطاء من نساء وشباب، واِستخدام المؤسّسات الدّينية للدّولة لنشر عقيدتهم المحافظة المتشدّدة كاِستراتيجية لفرض أعراف ثقافيّة ومجتمعيّة جديدة. إنّ هذا، إضافة إلى النّفوذ العسكري المتزايد للمداخلة على المراكز السّياسية والقوى الأمنية الرّئيسية، وعدم وضوح طموحاتهم النّهائية، وصعودهم السّريع منذ العام 2011، بات مصدرا كبيرا للقلق.

إضافة إلى ذلك، فقد قدّم المداخلة دعمهم العلني لحفتر، وهو شخصيّة مثيرة للاِنقسام العميق، حيث دعا إلى إجراء الاِنتخابات لكن يتّهمه خصومه بالرّغبة بتأسيس ديكتاتورية عسكرية، ما يطرح اِحتمال أن يلجأ المداخلة المتحالفون حاليا مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، الّتي يعارضها حفتر، إلى تغيير ولائهم. كما دفعت الشّكوك بأنّ فتاوى المداخلة مدفوعة بالمصالح السّياسية والأمنية للسّعودية إلى ظهور مخاوف من أنّ التيّار يخدم أجندة خارجيّة. وقد عزّز الدّعم الظّاهري الّذي أبدته الرّياض للهجوم الّذي يقوده حفتر على طرابلس في مطلع أفريل مثل هذه المخاوف.

ينبغي على أولئك السّاعين إلى دفع الأطراف اللّيبية المتصارعة إلى طاولة المفاوضات للتوصّل إلى حلّ سياسي للصّراع أن يأخذوا بالاِعتبار ليس فقط الموقع الفريد للمداخلة، بل أيضا اِحتمالات إثارة الصّراع الّتي يمكن أن يؤدّي إليها صعودهم. لدى المداخلة حضور مهمّ فيما من المرجّح أن يصبح اللّبنات الرّئيسية لقوّات الأمن الموحّدة المستقبليّة، كما أنّ لديهم آراء قويّة بشأن العمليّات الدّستورية والاِنتخابية الّتي يحضّر لها اللاّعبون اللّيبيّون والأمم المتّحدة حاليا. في الحدّ الأدنى، ينبغي على الأطراف اللّيبية والخارجيّة القيام بما يلي:

  • ضمان أن تعالج التّرتيبات الأمنية الّتي يتمّ تصميمها حاليا– سواء تلك الّتي تسعى الجهود المدعومة من الأمم المتّحدة في طرابلس والّتي تسعى حكومة الوفاق الوطني إلى تنفيذها، أو القرارات الأمنيّة الأحادية الّتي ينفّذها الجيش الوطني اللّيبي وحكومة المنطقة الشّرقية الّتي تدعّمه، أو الجهود المستقبلية لإعادة إحياء المبادرات الّتي وصلت حاليا إلى طريق مسدود لتوحيد قوّات الأمن المتشظّية– المشكلة الّتي يطرحها النّفوذ الأيديولوجي لأيّ مجموعة مسلّحة في الجهاز الأمني. وينبغي أن يشمل هذا بنودا تقضي بإدماج الأفراد في الأجهزة الأمنيّة طبقا لمؤهّلاتهم وليس لاِرتباطاتهم الأيديولوجية أو اِنتماءاتهم الأخرى، وأن تحثّ الحكومتان المتنافستان على عدم النّشاط الدّيني في الجهاز الأمني، سواء كان من قبل المداخلة أو غيرهم.
  •  فرض مبدأ وجوب تسامح المؤسّسات الدّينية حيال الحرّية والتنوّع الدّينيين في إجراءاتها القانونية والإدارية. وينبغي على الحكومتين المتنافستين، وأيضا على أيّ حكومة وحدة وطنيّة قد يتمّ تشكيلها في النّهاية، إلغاء أيّ فتوى من شأنها أن تعرّض التيّارات الدّينية في ليبيا للخطر وأن تؤكّد على أنّ جميع التيّارات والطّوائف الدّينية تستحقّ الحماية والتّسامح– وهي حقوق ينبغي أن يصونها الدّستور.
  • الضّغط على حكومة الوفاق الوطني وعلى الحكومة المنافسة لها في شرق ليبيا للسّماح لمنظّمات وشخصيّات المجتمع المدني العمل بأمان دون مضايقة أو تهديدات، وعدم التّساهل مع أيّ محاولة مستقبليّة للتعدّي على الجهاز القضائي أو فرض فصل أكثر تشدّدا بين الجنسين.
  • حثّ السّعودية على تقييد سلطاتها الدّينية والأشخاص المقيمين على أراضيها ومنعهم من التّحريض أو المشاركة في العنف في ليبيا.

إنّ غياب دولة فعّالة واِستمرار الصّراع على النّفوذ بين المجموعات السّياسية المتنافسة والفصائل العسكرية يعقّد هذه الجهود. لقد مزّقت ثماني سنوات من الصّراع النّسيج الاِجتماعي وقوّضت الثّقة بجهاز الدّولة، وأتاحت المجال لمجموعات ذات أيديولوجيات دينيّة لتحقيق مكاسب. لقد اِنخرط بعضها علنا في العنف أو أقحم نفسه في قوّات الأمن. إنّ عدم اِحتواء هذه المجموعات يشكّل عاملا إضافيّا يمكنه أن يقوّض التقدّم نحو تحقيق الاِستقرار في ليبيا، بل يمكن أن يعكسه، أو حتّى يدخل البلاد في حرب مهلكة جديدة.

(مجموعة الأزمات الدّوليّة)




ماذا تعرف عن مضيق هرمز وأهمّيته الاِستراتيجيّة؟

قالت إيران، الأسبوع الماضي، أنّها ستغلق مضيق هرمز إذا مُنعت من اِستخدام ذلك الممرّ المائي الاِستراتيجي الذيّ يعبر منه نحو خُمس كمّيات النّفط المستهلكة عالميّا.

جاء التّهديد الّذي وجّهه قائد بالحرس الثّوري الإيراني في أعقاب إعلان الولايات المتّحدة، يوم الإثنين، أنّها ستنهي الإعفاءات الّتي منحتها العام الماضي لثمانية مشترين للنّفط الإيراني، مطالبة المستوردين بوقف مشترياتهم بحلول أوّل ماي وإلاّ واجهوا عقوبات.

واِرتفعت أسعار النّفط العالمية لأعلى مستوياتها في ستّة أشهر.

ومضيق هرمز ممرّ ملاحي حيويّ يربط منتجي النّفط في الشّرق الأوسط بأسواق آسيا وأوروبا وأمريكا الشّمالية وما ورائها، ويقع منذ عقود في قلب التوتّر الإقليمي.

وسبق أن هدّدت إيران بإغلاق مضيق هرمز دون أن تنفّذ تلك التّهديدات.

مضيق هرمز؟

– يفصل ذلك الممرّ المائيّ بين إيران وسلطنة عمان، ويربط الخليج بخليج عمان وبحر العرب.

– يبلغ عرض المضيق 33 كيلومترا عند أضيق جزء منه، لكنّ الممرّ الملاحي لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات في كلا الاِتّجاهين.

– قدّرت إدارة معلومات الطّاقة الأمريكية أنّ 18.5 مليون برميل من النّفط المنقول بحرا يوميّا مرّت عبر المضيق في 2016. وشكّل ذلك نحو 30 بالمائة من الخامّ وغيره من السّوائل النّفطية الّتي جرى شحنها بحرا في 2016.

– قالت شركة فورتيكسا للتّحليلات النّفطية إنّ ما يقدّر بنحو 17.2 مليون برميل يوميّا من الخام والمكثّفات جرى نقلها عبر المضيق في 2017، ونحو 17.4 مليون برميل يوميّا في النّصف الأوّل من 2018.

– مع بلوغ الاِستهلاك العالمي للنّفط نحو 100 مليون برميل يوميّا، فإنّ ذلك يعني أنّ قرابة خُمس تلك الكمّية يمرّ عبر مضيق هرمز.

– يمرّ عبر المضيق معظم صادرات الخامّ من السّعودية وإيران والإمارات العربية المتّحدة والكويت والعراق، وجميعها دول أعضاء في منظّمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك).

– يمرّ من المضيق أيضا كلّ إنتاج قطر تقريبا من الغاز الطّبيعي المسال. وقطر أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم.

– سعى كلّ من العراق وإيران خلال حربهما بين عامي 1980 و1988 إلى عرقلة صادرات نفط البلد الآخر فيما عرف في ذلك الوقت بحرب النّاقلات.

– الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين مكلّف بحماية السّفن التّجارية في المنطقة.

– قال محلّل في بنك آر.بي.سي في 22 أفريل “على الرّغم من أنّ وجود الأسطول الأمريكي الخامس من المفترض أن يضمن بقاء ذلك الممرّ المائي الحيوي مفتوحا، فمن المرجّح أن تجري إيران في المستقبل القريب مناورات عسكرية مستفزّة وأن تستأنف نشاطها النّووي كذلك”.

– وافقت إيران على الحدّ من برنامجها النّووي مقابل تخفيف العقوبات بموجب اِتّفاق أبرمته عام 2015 مع الولايات المتّحدة وخمس قوى عالمية أخرى. واِنسحبت واشنطن من الاِتّفاق في 2018. وتخشى القوى الغربية أن تكون إيران تريد صنع أسلحة نوويّة، وهو ما تنفيه طهران.

– قال محلّلو آر.بي.سي “ربّما توحي كلّ هذه العوامل الجيوسياسية بأنّ صيفا قاسيا ينتظر الرّئيس (دونالد) ترامب بينما يسعى لإبقاء أسعار النّفط قيد السّيطرة”.

هل من بدائل؟

 تسعى الإمارات العربية المتّحدة والسّعودية لإيجاد طرق أخرى لتفادي المرور بمضيق هرمز، بما في ذلك مدّ مزيد من خطوط أنابيب النّفط.

وفيما يلي بيانات لوكالة الطّاقة الدّولية تظهر خطوط الأنابيب القائمة والمشروعات المقترحة:

 خطوط الأنابيب العاملة الّتي لا تمرّ بمضيق هرمز (2016):

* خطّ بترولاين (خطّ أنابيب شرق- غرب): هو خطّ سعودي عامل تبلغ طاقته الاِستيعابية 4.8 مليون برميل يوميّا، ويُستخدم منها بالفعل 1.9 مليون برميل يوميّا بينما تبلغ طاقته غير المستغلّة 2.9 مليون برميل يوميّا.

* خط أنابيب أبوظبي للنّفط الخامّ: خطّ إماراتي عامل سعته 1.5 مليون برميل يوميّا، يُستخدم منها نصف مليون برميل بينما تبلغ الطّاقة غير المستغلّة مليون برميل.

* خطّ أبقيق- ينبع لسوائل الغاز الطّبيعي: خطّ سعودي عامل تبلغ طاقته الاِستيعابية 300 ألف برميل يوميّا، ومستغلّة بالكامل.

* خطّ الأنابيب العراقي في السّعودية: خطّ سعودي تحوّل لضخّ الغاز الطّبيعي.

* تبلغ الطّاقة الإجمالية لجميع هذه الخطوط 6.6 مليون برميل يوميّا، يُستغل منها 2.7 مليون برميل بينما تصل السّعة غير المستغلّة إلى 3.9 مليون برميل.

وقائع سابقة شهدها المضيق:

– في جويلية 1988، أسقطت البارجة الحربية الأمريكية فينسينس طائرة إيرانية ممّا أسفر عن مقتل 290 شخصا هم جميع من كانوا على متنها، فيما قالت واشنطن إنّه حادث اِعتقد فيه الطّاقم أنّ الطّائرة التّجارية طائرة مقاتلة. وقالت الولايات المتّحدة إنّ فينسينس كانت في المنطقة لحماية السّفن المحايدة من هجمات البحرية الإيرانيّة.

– في مطلع 2008، قالت الولايات المتّحدة إنّ الزّوارق الإيرانية هدّدت سفنها الحربية بعدما اِقتربت من ثلاث سفن تابعة للبحرية الأمريكية في المضيق.

– في جوان 2008، قال قائد الحرس الثّوري الإيراني وقتها محمّد علي جعفري إنّ إيران ستفرض قيودا على المرور في المضيق إذا تعرّضت للهجوم.

– في جويلية 2010، تعرّضت ناقلة النّفط اليابانية إم ستار لهجوم في المضيق. وأعلنت جماعة متشدّدة تعرف باِسم كتائب عبد الله عزام، والّتي لها صلة بالقاعدة، مسؤوليّتها عن الهجوم.

– في جانفي 2012، هدّدت إيران بإغلاق مضيق هرمز ردّا على عقوبات أمريكية وأوروبية اِستهدفت إيراداتها النّفطية في محاولة لوقف برنامج طهران النّووي.

– في ماي 2015، أطلقت سفن إيرانية طلقات صوب ناقلة ترفع علم سنغافورة قالت طهران إنّها دمّرت منصّة نفطيّة إيرانية، ممّا دفع النّاقلة للفرار. كما صادرت سفينة حاويات في المضيق.

– في جويلية 2018، لمّح الرّئيس الإيراني حسن روحاني إلى أنّ بلاده قد تعطّل مرور النّفط عبر مضيق هرمز ردّا على دعوات أمريكية لخفض صادرات إيران من الخام إلى الصّفر. وقال قائد بالحرس الثّوري أيضا إنّ إيران ستوقف كلّ الصّادرات عبر المضيق إذا تمّ إيقاف الصّادرات الإيرانية.

لمزيد الاِطّلاع على أهمّية مضيق هرمز، اُنقر هنا: https://arabic.euronews.com/2019/04/22/irgc-general-says-iran-ready-to-close-hormuz-strait-move-unacceptable-says-us-official




فورين بوليسي: “حبّ أميركا للدّكتاتوريين كحبّها لفطيرة التفّاح”

نشرت مجلّة فورين بوليسي الأميركية، مقالا تحت عنوان “حبّ أميركا للدّكتاتوريين كحبّها لفطيرة التفّاح” قالت فيه إنّ الرّئيس ترامب اِحتضن رجلا قويّا آخر وهذه المرّة في ليبيا، ورأى أنّ ذلك ليس إخفاقا شخصيّا من جانب ترامب بل هو عرف وطني.

وأشارت المجلّة إلى مكالمة ترامب الهاتفية مع اللّواء الاِنقلابى خليفة حفتر الّتي تحدّث فيها الرّئيس عن “الحاجة إلى تحقيق السّلام والاِستقرار في ليبيا، وأكّد على دوره الهامّ في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد النّفط اللّيبيّة… “واِعتبر المكالمة بمثابة تأييد لسعي حفتر طوال خمس سنوات لترسيخ نفسه كزعيم لليبيا”.

وأضافت أنّ السّياسة الأميركية في السّابق كانت تدعّم الحكومة اللّيبية الّتي يسعى حفتر لإزاحتها الآن. وقبل أسبوع فقط من تلك المكالمة- الّتي كانت في 15 أفريل ولكن لم يكشف عنها حتّى يوم 19 من نفس الشّهر- قال وزير الخارجية مايك بومبيو مرّة أخرى إنّه لا يوجد حلّ عسكري لأزمة ليبيا.

وتابعت المجلّة، أنّه كشهادة على التّأثير المستمرّ للمقال المذكور، هناك أصداء لنقاش كيركباتريك في نقد تعامل الرّئيس باراك أوباما آنذاك مع الاِنتفاضات العربية الّتي بدأت أواخر عام 2010 وقرار ترامب الواضح، سواء كان متعمّدا أم لا لتأييد حفتر.

وبالنّسبة لترامب قد يكون حفتر وغيره أوغادا لكنّهم على الأقلّ، أو هكذا يعلنون، أوغاد أميركا. وعلى النّقيض من ذلك هناك أمثال نيكولاس مادورو الفنزويلي والكوبي ميغيل دياز كانيل، وهذان الرّجلان القويان يرفضان الاِنضمام إلى تحالف أميركي واسع بأميركا اللاّتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

ومع أنّ علاقات أميركا الحالية بالمستبدّين تبدو وكأنّها من اِبتكار ترامب، لكن- كما دافعت كيركباتريك، وكما أظهر الرّؤساء ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الاِبن وأوباما- فإنّ دعم المستبدّين والعمل معهم ليس بالأمر الغريب.

فقبل أن يكون هناك دوترويت بالفلبّين، كان هناك فرديناند ماركوس، وقبل السّيسي في مصر كان هناك حسني مبارك، وقبل محمّد بن سلمان بالسّعودية كان هناك أعمامه، وقبل حفتر كان هناك معمّر القذّافي.

ويمكن أن يجادل البعض ما إذا كانت هذه العلاقات تستحقّ العناء فيما يتعلّق بتحقيق المصالح الأميركية، لكنّ علاقات واشنطن بالمستبدّين كانت ولا تزال قويّة.

وختمت المجلّة بأنّ أسلوب ترامب تجاه الأقوياء يبدو بالغ الضّرر لأنّ هذا هو العصر الّذي تتراجع فيه الدّيمقراطية، ورئيس الولايات المتّحدة يؤيّد أولئك الأشخاص الّذين يتحمّلون أكبر قدر من المسؤوليّة عنها.

للاِطّلاع على المقال في لغته الأصليّة، اُنقر هنا: https://foreignpolicy.com/2019/04/26/loving-dictators-is-as-american-as-apple-pie/




وثيقة/ أحمد داود أوغلو ينشر رسالة مطوّلة وجّه فيها اِنتقادات وملاحظات على سياسات وطريقة إدارة الملفّات المهمّة في تركيا

نشر رئيس الوزراء التّركي الأسبق أحمد داود أوغلو، رسالة مطوّلة وجّه فيها اِنتقادات وملاحظات على سياسات وطريقة إدارة الملفّات المهمّة في تركيا، مثل الملفّ الاِقتصادي وملفّ الحرّيات والأمن، كما وجّه الكثير من الملاحظات لحزب العدالة والتّنمية الّذي تحدّث عنه باِستخدام مصطلح (حزبنا)، وخصوصا تحالفات الحزب الأخيرة واِندماج الحزب ومؤسّساته بالمجتمع، والتّداخل في الصّلاحيات بين رئاسة الحزب ورئاسة الجمهورية، واِنتقد طريقة تعامل قيادة الحزب الحالية مع القيادات الّتي قادت مسيرة الكفاح من أجل وصول الحزب إلى المرتبة الّتي بلغها خلال السّنوات الّتي تلت تأسيسه عام 2001.

تأتي هذه الرّسالة الطّويلة أو البيان وسط توارد للأخبار حول اِستعداد داود أوغلو لإطلاق حزب سياسي جديد سيضمّ في قوامه العديد من القيادات السّابقة لحزب العدالة والتّنمية الحاكم.

فيما يلي التّرجمة الكاملة لهذه الرّسالة والّتي نشرها على صفحته الرّسمية على الفيسبوك بتاريخ 22 أفريل 2019:

اِستنتاجات وتوصيّات حول نتائج اِنتخابات 31 مارس والظّروف السّياسية الرّاهنة

إنّنا نمرّ اليوم في مرحلة تاريخية تشهد التحوّلات الأكثر كثافة في تاريخ البشرية، ويزداد فيها زخم التّواصل والتّفاعل بين المجتمعات بصورة فائقة، ويمكن فيها تفعيل الفرص والمخاطر الكبيرة بنفس السوّية وفي وقت واحد.

قيمة لحظة تاريخية معيّنة تكمن في زخم تدفّق الأحداث فيها.

في الفترة القادمة، سوف يظهر التّمايز الأساسي بين أولئك الّذين يديرون هذا الزّخم من خلال فهم قيمة اللّحظة التّاريخية، وأولئك الّذين ينجرّون داخل هذا التدفّق عبر الاِبتعاد عن القيمة الحقيقية للّحظة التّاريخية.

إنّ البلدان الّتي تحدّد رؤية تتّفق مع طبيعة اللّحظة التّاريخية، من خلال نهج متماسك يتجاوز التوتّرات الدّاخلية، ستكتسب قوّة ستحدّد مستقبلها لعقود أو حتّى لقرون قادمة، بينما البلدان الّتي تستهلك طاقاتها في توتّرات داخليّة مفرغة، ستمثّل فيما بعد الفئات السّلبية في مسيرة التّاريخ.

والأزمات الأخيرة الّتي تجري على المستويات الوطنية والإقليمية والدّولية، إنّما هي آلام الولادة من رحم التّاريخ.

في السّنوات الأولى، ومع قدوم حزبنا إلى السّلطة برؤية تفهم متطلّبات المرحلة الزّمنية الّتي كنّا نمرّ بها وقيم الأمّة، أظهر بلدنا أداءً اِلتقط فيه زخم التدفّق التّاريخي بعد أن عشنا تحوّلا ديمقراطيّا عزّز ثقتنا بأنفسنا، ومخطّطا لتنمية اِقتصادية صاعدة، وتأثيرا دوليّا يتوسّع في أرجاء الأرض.

لكنّ التوتّرات الدّاخلية الّتي بدأت مع أحداث غيزي عام 2013، واِستمرّت مع مؤامرات 17/ 25 ديسمبر، ووصلت إلى مستوى خطير مع عمليّات الأنفاق، وبلغت ذروتها مع محاولة الاِنقلاب الغادر في 15 جويلية، قامت بجرّ بلادنا من موقف يتمتّع برؤية وتقدميّة إلى موقف متراجع ودفاعي.

وحزبنا الّذي يعدّ اللاّعب السّياسي الوحيد الّذي يمكنه إدارة هذه المرحلة برمّتها، عندما بدأ باِستهلاك طاقته في مشاكله الّداخلية، بسبب تحريضات وتلاعبات تتجاهل الإرادة الوطنية من قبل بعض البؤر الّتي كان لها دور رائد في عمليّات التّآمر هذه، اِهتزّ اِنسجامنا الدّاخلي وضعفت قدرتنا على إنتاج وتطبيق الرّؤى الاِستراتيجية.

نحن اليوم نقف على عتبة تاريخيµة حاسمة. لقد أعربت عن تقديراتي وهواجسي بشأن بلدنا وحزبنا في المراحل الحرجة الّتي جرت خلال السّنوات الثّلاث الماضية، مباشرة إلى رئيسنا، شفهيّا وخطّيا، لكنّني اِخترت ألاّ أشاركها مع الرّأي العامّ حتّى لا تتحوّل إلى ذرائع لنقاشات سيّئة النّوايا من قبل أطراف مختلفة.

إلاّ أنّ الوضع الاِجتماعي والسّياسي الّذي برز مع اِنتخابات 31 مارس والأحداث اللاّحقة، خلق حاجة لإجراء محاسبة مفتوحة وشفّافة وحكيمة أمام الرّأي العام فيما يتعلّق بمستقبل حزبنا وبلدنا. وأنا أعتبر تبادل وجهات نظري مع أمّتنا العزيزة بمثابة مهمّة لا مفرّ منها عشيّة الذّكرى السّنوية الـ99 لتأسيس برلماننا، وهذا مرتبط بالوعي بمسؤوليّتي كثاني رئيس عام لحزب العدالة والتّنمية، وآخر رئيس وزراء منتخب من قبل الشّعب لبلدنا.

لقد أظهرت اِنتخابات مارس نتائج مهمّة، نحتاج إلى دراستها بحكمة وعقلانية، وقد وجّهت رسائل مهمّة بالنّسبة لمستقبل حزبنا وبلدنا للنّظر فيها، ومن الأهمّية بمكان فهم هذه الرّسائل وجعلها ذات أولويّة.

وإذا لم يتمّ اِستخلاص الرّسائل المهمّة من التّغييرات الّتي ظهرت في توجّهات شعبنا، واِتّخاذ الخطوات الواجب القيام بها بحزم، فإنّ مرحلة صعبة تنتظرنا نحن كحزب العدالة والتّنمية، وتنتظر بلدنا تركيا أيضا.

في هذا السّياق، يتعيّن علينا مواجهة حقيقة التّراجع في الدّعم الشّعبي لحزبنا وتقييم ذلك بطريقة حكيمة، وخاصّة فيما يتعلّق بنتائج رئاسات بلديّات أنقرة وإسطنبول، والّتي تمثّل رموزا مهمّة لحركتنا في التكتّل والمضيّ إلى السّلطة، ولطالما كانت تحت إدارة كوادرنا منذ ربع قرن.

بادئ ذي بدء، علينا أن نتذكّر مرّة أخرى أنّ حزب العدالة والتّنمية ليس كيانا سياسيّا ظهر في ظلّ شروط سياسيّة ظرفيّة. بل على العكس، إنّه نتاج اِلتقاء وتراكم جهد مشترك تبلور من خلال تجاوز التحدّيات، وعرق جبين وأفكار أجيال متتالية من الأمّة عبر التّاريخ.

ولهذا السّبب، لا يعتمد ويجب ألاّ يعتمد سبب وجوده ومستقبله على مصير وتقدير أيّ شخص فانٍ أو مجموعة اِجتماعية محدودة أو مجموعة ذات مصلحة اِقتصادية أو حتّى جيل واحد.

وبالنّظر بعمق نحو الماضي فإنّ هذه الحركة شُيّدت بجهود الأجيال السّابقة، وعلى آمال الأجيال القادمة في المستقبل، فلا ينبغي التّضحية بها من أجل النّفوس المغرورة والحسابات الضيّقة.

إنّنا مدينون كثيرا للأجيال الماضية الّتي أسّست الأرضية التّي بني عليها حزبنا، وإلى الأبطال المجهولين الّذين يحملون حزبنا على الأكتاف اليوم.

لقد تشرّفت برؤية عمق هذا الإرث الكبير في حملتي للاِنتخابات العامّة في 7 جوان و1 نوفمبر 2015 على وجوه هؤلاء الأبطال المجهولين المخلصين.

نساء “بيرغاما” في “إزمير” اللاّتي يملئن السّاحة لساعات بحماس تحت المطر حتّى في هذه اللّحظة، أهالي “ديار بكر” الأبطال الّذين اِحتضنوني واِستقبلوني بحشد جماهيري أمام مسجد “أولو” في وقت كان فيه كفاحنا مستمرّا ضدّ الأنفاق الّتي حفرتها المنظّمة الإرهابية الغادرة في “سور”، أعمامنا المسنّون في إسطنبول الّذين رفعوا أيديهم في المساء للدّعاء في تجمّعنا الجماهيري في “سنجاق تبه”، أهالي “طرابزون” المفعمة قلوبهم بالمحبّة والّذين نقلوا حماسة البحر الأسود إلى السّاحة في عتمة اللّيل، وأهالي “قونية” الأعزّاء الّذين ودّعوني إلى أنقرة بوقار، سواء بوقت الحزن في 7 جوان أو بوقت الفرح في 1 نوفمبر، وأبناء بلدي الأوفياء الّذين اِحتضنوني في 81 ولاية، جميعهم حاضرون أمام عيوني.

في كلّ إنجاز ومنصب وموقع، نحن مدينون للأجيال السّابقة الّتي ضحّت وتحمّلت شتّى أنواع الصّعوبات لكي تفتح أمامنا الطّريق، ولهؤلاء الأبطال المجهولين الّذين يعملون مضحيّن بأنفسهم في كلّ عمليّة اِنتخابات، ولأجهزتنا الّتي تعمل على تنظيمهم بكلّ حماس.

حتّى عندما أكتب هذه السّطور، أشعر بثقل هذه المسؤوليّة الكبيرة على كتفي وهو شعور نابع من الشّعور بأنّي مدين لهذه الأجيال. وفي هذا السّياق، أقدّم اِستنتاجاتي حول مستقبل حزبنا وبلدنا أمام ضمير أمّتنا العميق.

هناك خمسة عناصر أساسيّة تجعل الحركات والأحزاب السّياسية الفاعل المهيمن على مشهد التّاريخ:

1- منظومة مبادئ وقيم داخليّة متناسقة،
2- خطاب متوافق مع روح منظومة القيم هذه،
3- شبكة من العلاقات الاِجتماعية منفتحة على جميع شرائح المجتمع،
4- هيكل تنظيمي قويّ يدير هذه الشّبكة بفعاليّة،
5- فكر حرّ وعقل تشاركي يتيحان إمكانيّة تطوير سياسات متوافقة مع روح العصر.

سرّ تميز حزبنا عن الأحزاب الأخرى طوال تاريخنا السياسي والسبب الأساسي لبقائنا في السلطة لفترة طويلة، مخفي في هذه الميزات، ولكن الأحداث التي حدثت في السنوات الأخيرة أظهرت أن هناك ضعفاً خطيراً بالالتزام بهذه العناصر الأساسية وهو يتوسع، والأخطاء والفوضى الملحوظة من كل جانب خلال عملية الانتخابات المحلية الأخيرة وبعدها، هي في الواقع ليست إلا انعكاسات لهذا الخلل.

إن العمل السياسي يقوم على منظومة أخلاقية في الأساس. وتاريخياً كان من أهم الأسس التي قام عليها حزبنا، لكنها تضررت بسبب الخطاب الذي أصبح قائماً على الشعارات وإظهار التمسك بالقيم والمبادئ والتصرف بعكس ذلك، ما جعل المواطنين يفقدون الثقة في خطابنا.

هناك قضايا يتعين الحديث عنها بشكل صريح، الابتعاد عن لغة التواضع واستبدالها بلغة متكبرة أنانية، والخوض في منافسات من أجل إطلاق أسماء حتى السياسيين الذين هم في أصغر المراتب على الشوارع والمدارس والمباني، فضلاً عن التعامل بتعالٍ، والإصرار على الظهور الدائم بلا انقطاع، وتوسيع الهوة بين الوعود الخطابية وحقيقة الأوضاع، واستغلال أمور مقدسة (نابعة من الدين) من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

لقد نسي البعض أن العمل السياسي وقيادة البلاد هي منوطة بشخص من يتولى القيادة دون تدخل من عائلته أو الدائرة المحيطة به في صنع القرار. كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجييش من يقومون من خلالها بترويج الافتراءات، وتشويه أي منافس على الساحة، ومحو اعتبار مَن كانوا رفاق كفاح في مسيرة الحزب هو بمثابة انعدام الوفاء لمن بذلوا الكثير من أجل نجاح الحزب.

لقد أثّر الابتعاد الحاصل عن القيم والمبادئ الأساسية بشكل مباشر على خطابنا السياسي أيضًا. وفي الأعوام الأخيرة حلّ خطاب بصبغة دولتية وأمنية وقائم على الأمر الواقع وعلى هواجس البقاء المطلقة بدلًا من خطاب حزبنا السياسي الواثق بنفسه ومستقبله، والذي يركز على الإنسان، ويقوم على حقوق الإنسان والحرية والإصلاح الشامل.

الدولة هي تجسيد للإرادة المشتركة للأشخاص الذين يشكلون الأمة، ولا يمكنهم البقاء بدون هذه الإرادة. الدولة كيان سياسي يوجد بإرادة الأفراد الذين يشكلون المجتمع، وليس من خارجه، وهي آلية إدارية يمكن تدوم ما دامت تتمتع بشرعية من المجتمع. ومن خلال إعادة تفسير مبدأ “الشيخ إدبالي”، يمكننا القول إنه لا يمكن لأي دولة أن تكون باقية إذا كانت تهمل الإنسان وحقوقه الأساسية أو تنقصها إلى منصب ثانوي.

يلاحظ حدوث ضيق كبير جدًا كذلك في شبكة الاندماج والعلاقات الاجتماعية التي كانت تضع حزبنا في المرتبة الأولى في عموم تركيا. تظهر نتائج الانتخابات الأخيرة أننا حتى مع “تحالف الشعب”، ينحصر نشاطنا السياسي في وسط الأناضول والبحر الأسود مبتعدة عن الأجزاء الساحلية.

وحتى وسط “وسط الأناضول”، هناك تغير حاصل ضدنا. سيتحول هذا التراجع في الدعم على المستوى الجغرافي والاجتماعي، إلى فجوة سياسية إذا لم تعالج أسبابه سواء من حيث الخطاب أو الأفعال.

إن العامل الأكثر أهمية لوقف هذا التراجع في الدعم الاجتماعي هو وجود منظمة مندمجة مع النسيج الاجتماعي الذي توجد فيه ومستعدة للعب دور ديناميكي في المراحل الحساسة. ولكن جرحًا كبيرًا أصاب ضمير أجهزتنا بشكل عميق بسبب إقصاء رؤساء فروعنا وأجهزتنا الذين قادوا المقاومة الوطنية في 15 يوليو من خلال التحجج بمصطلحات غامضة مثل “الترهل البنيوي”.

الأمر الأكثر خطورة هو ظهور فئة ترى نفسها متفوقة فوق لجان حزبنا وتحاول إدارة الحزب مثل كيان مواز، وإقصاء المسؤولين المنتخبين واللجان في الحزب.

إن ضعف الحماس الذي لوحظ في الانتخابات الأخيرة في مؤسساتنا إلى حد ما، ما هو إلا نتيجة الإحباط الناجم عن عدم الوفاء تجاه عناصر أجهزة ومؤسسات الحزب التي أظهرت تضحيات كبيرة في السابق.

من جهة أخرى،إن تضييق صلاحيات الشخصيات المنتخبة مباشرة من الشعب في الانتخابات العامة والبلدية، لصالح لجان الحزب ومجالس البلديات، أو إجبارهم على ترك المنصب عبر الاتهامات والضغوط، ألحق ضررًا بالمؤسسة السياسة ووجه ضربة قوية لمبدأ سلطة الإرادة الوطنية ولارتباط حزبنا بالنسيج الاجتماعي.

من أبرز المبادئ التأسيسية لحزبنا، هي الاعتماد على “العقل المشترك”، لقد نال حزبنا تقدير شعبنا عبر اجتيازه العديد من الأزمات الصعبة بفضل آليات الشورى المؤسساتية والعقل المشترك. لكن وللأسف، فإن هيئات وآليات الشورى التي تساهم في تجسيد العقل المشترك لدى حزب العدالة والتنمية، إما أنه تم إقصاؤها بشكل كامل أو أنها فقدت وظيفتها بسبب احتكار المصادقة عليها من قبل رأي واحد ومعيّن. في هذا الإطار، يجب تفعيل الوظائف الحقيقية للبنية المؤسساتية لحزبنا والاستفادة من المقترحات القادمة من التشكيلات الحزبية الفرعية، لاتخاذ القرارات السياسة في أرض الواقع.

لا يمكن التضحية ببلدنا وحزبنا الذي تأسس بدموع شعبنا، وجهوده، وأفكاره ومشاعره، في سبيل فئة وقعت أسيرة لأطماعها الشخصية وباتت تتبع مصالحها الذاتية. في هذا الإطار، يتوجّب وبأقرب وقت، تعزيز البنية المؤسساتية لحزبنا، وتفعيل آليات الشورى والعقل المشترك وعودة تشكيلاتنا الحزبية إلى وظيفتها الأساسية وإعادة تأسيس روابطنا مع الشعب مرة أخرى على أرضية من التواضع.

إعادة النظر من قبل حزبنا في النتائج الانتخابية، يجب أن تشمل أيضاً سياسة التحالفات أيضاً. لا شك أن الحوار، والتعاون البنّاء وتطوير المفاهيم المتبادلة بين الأحزاب، هام جداً من حيث ديمقراطيتنا ووحدتنا الوطنية. وفي هذا السياق، كانت بيئة التعاون والحوار عن كثب الذي تجسّد في روح ميدان “يني كابي” في أعقاب مرحلة 15 يوليو/تموز (2016)، خطوة صائبة. بالرغم من هذا، فمن الواضح من خلال النظر إلى النتائج الانتخابية الأخيرة بأن سياسة التحالف أضرت بحزبنا سواء من حيث نسبة الأصوات، وأيضاً من حيث الهوية الحزبية. ولم يستطع حزبنا تحقيق أهدافه سواء داخل التحالف نفسه أو في مقابل التحالفات الأخرى، وخسرنا العديد من البلديات التي كنا نديرها.

إضافة إلى ذلك، وضعت سياسة التحالف حزبنا ضمن نطاق لغة وهوية سياسية ضيّقة، وأضرت بالموقف الخاص بنا والقائم على احتضان كافة مناطق ومجتمعات بلدنا. في هذا الإطار، يتوجّب على حزبنا إعادة النظر في سياسة التحالف ضمن سياق تحليلها الصحيح لنتائج الانتخابات الأخيرة. ففي نفس الوقت نحرص فيه على التعاون الوثيق مع الأحزاب المختلفة حول القضايا التي تهم بلدنا، يجب أيضاً الحفاظ على الهوية والفلسفة السياسية الخاصة بحزبنا.

باختصار، حزبنا يحتاج اليوم إلى تجديد من كافة النواحي. الأعوام الـ 4 المقبلة والخالية من الانتخابات، تعطينا الفرصة المناسب واللازمة من أجل هذا التجديد. إن استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق هذا التجديد الجذري خلال هذه المرحلة، يمكنه استعادة مكانة الخطاب والمكانة السياسية التي فقدها. والأهم من هذا كلّه، يمكنه استرداد التفوّق المعنوي الذي يخسره بسرعة.

وبما أنه من غير المتوقع التخلّي عن هذه الأمانة وهذا الإرث التاريخي الكبير، بغض النظر عن شخصياتنا الفانية، فلقد وجدت أنه من الضرورة مشاركة آرائي في القضايا التالية، ضمن إطار الحديث عن مستقبل بلادنا.

التحالفات التي جاءت تزامناً مع الانتقال إلى النظام الرئاسي في الحكم، لم تنجح في إزالة التبعثر السياسي على عكس ما كان متوقعاً، بل أدت إلى حدوث الاستقطابات السياسية وإلحاق الضرر بالقيم المشتركة التي تحافظ على وحدة مجتمعنا. كما أن الخطابات القاسية الصادرة من بُنى التحالف والتي تشجع على الاستقطاب خلال الفترة الانتخابية، أوصلت الاستقطاب السياسي إلى مراحل خطيرة، فضلاً عن إلحاقها الضرر بسلامنا الاجتماعي والوعي المشترك لدينا.

المتنافسون في الانتخابات هم منافسون سياسيون وليسوا أعداءً، أما الفائز فيها هو شعبنا و ديموقراطيتنا، بغض النظر عن الأشخاص. وإن احترام نتائج الانتخابات هو واجب الساسة قبل غيرهم. القلق حول وجود وبقاء الدولة، لا يمكن أن يكون مبرراً لإضعاف الديمقراطية. بل على العكس، إن الديمقراطية هي أساس بقاء ووجود دولتنا.

نتيجة لوصف المنافسين بالأعداء من خلال خطابات الصراع على البقاء والوجود، والاستقطاب الذي يتجاوز حدود المنافسة السياسية، نتيجة هذا كله رأيناها للأسف في الاعتداء البشع بأنقرة خلال حادثة جنازة شهيد كان من المفترض أن يوحدنا جميعاً. مرة أخرى أندد بالاعتداء الذي استهدف زعيم المعارضة، وأدعوا الجميع للتحرك ضمن النظام الديمقراطي والابتعاد عن الخطابات السياسية الاستقطابية.

إن العنصر الرئيسي من أجل استقرار الشعوب، وبقاء الدول وأنظمة المجتمعات، هو الوعي المشترك. الحقيقة الأساسية التي ينبغي علينا جميعاً تذكّرها في كل لحظة: الجمهورية التركية هي إرث الإرادة المشتركة والصمود لـ 82 مليون مواطن. وبالتالي، يجب ألا يتعرّض لخطاب الكراهية بأي شكل من الأشكال أي شخص يحمل هوية الجمهورية التركية التي تُوّجت بالكرامة الإنسانية، سواء من قبل صاحب منصب أو نفوذ، وألا يتعرض للتمييز بسبب عقيدته، وجنسه، ومعتقداته، ولغته، وعرقه، وفكره السياسي، ومفهومه الفلسفي ونمط حياته.

الفضيلة الأولى والأساس الأول للنظام الاجتماعي القائم على هذا الوعي المشترك، هي العدالة. إن أي نظام قانوني لا يستند إلى مفهوم عدالة سليمة، وإلى كافة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تضمن حياة الإنسان، وعقله، ومعتقداته، ونسله وملكه، سيكون معرّضاً لكافة التدخلات الداخلية والخارجية، ولكافة الاعتداءات والفوضى. القانون ليس مكاناً ومجالاً لاحتكار القوة، بل مجال لممارسة الرقابة على القوة ونقلها إلى المجال الأخلاقي. مساعي السيطرة على القضاء، تحت أي مبرر ومن من قبل أيّ كان، يجب أن تُعامل كجريمة كبرى.

القوة التي واجهت ليلة 15 يوليو/تموز، تلك المحاولة الانقلابية الخائنة التي استهدفت مستقبل بلادنا وشعبنا في الماضي القريب، هي قوة الكرامة التي أظهرناها مع شعبنا، الوسيلة التي ستحول هذه المقاومة إلى نصر النهائي هي العمل الصحيح لترسيخ ميزان العدالة خلال عملية التقاضي. لذا فإن القاضي خلال إصدار حكمه، والنائب العام خلال تحضير محضر الادعاء، يجب ألا يحمل هماً سوى ماهية الدعوى والعدالة والنهائية، ويجب ألا يتعرّض لأي تدخل أو توجيه.

إن انتهاج معايير مختلفة تجاه أشخاص مختلفين في المكافحة التي يجب القيام بها دون تنازلات ضد منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية، تلحق الضرر بهذه المكافحة. ويجب في هذا الصدد حماية مبدأ “شخصية العقوبة” بدقة لكونه المبدأ الأساسي للقانون.

هناك علامات استفهام تظهر لدى الضمير العام في مسألة مكافحة منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية عندما يتم فصل موظف من المستويات المنخفضة من العمل بسبب علاقة أحد أقربائه بمستوى متدن أيضاً مع المنظمة، بينما لا يكون هناك حرج في تسليم أرفع المناصب في الدولة لأشخاص درسوا في مدارس المنظمة ولديهم أخوة أو أقارب يشغلون مناصب مهمة في المنظمة وكان لهم دور في عملية الانقلاب.

إن حاجة تركيا إلى دستور مدني وديمقراطي وشامل أصبحت أكثر من أي وقت مضى. وكنت قد طرحت على رئيسنا بشكل خطي ولفظي هواجسي ومقترحاتي حول حزمة البرلمان فورًا. ولكن للأسف، ما شهدناه في الفترة الماضية برر مخاوفي، علي أن أقول متأسفًا إن نموذج النظام الجديد لا يلبي تطلعات أمتنا سواء من حيث أسلوب الهيكلة أو التنفيذ. وفي هذا الجانب، نحتاج إلى إجراء مراجعة جادة وصادقة حول مسألة تغيير النظام.

النقطة الأولى التي يجب أن نبدأ بها في هذه المراجعة هي مسألة جود وحماية سيادة القانون التي تعتمد على إعادة بناء مبدأ الفصل بين السلطات. شهدت تركيا أزمات في الإدارة بسبب القيادة المزدوجة في السلطة التنفيذية والتي نجمت عن دستور 12 سبتمبر. قام النظام الجديد بحل هذه المشكلة، لكنه أضر بمبدأ فصل السلطات عن طريق هيمنة التنفيذ على التشريع والقضاء، وعطّل آليات التوازن والرقابة.

من أجل ضمان الفصل بين السلطات، يجب إعطاء السلطة التشريعية استقلالية تحقق التوازن أمام السلطتين التنفيذية والقضائية. في هذا السياق، يجب تعزيز سلطة التمثيل لجميع النواب وتعزيز فعاليتهم في العملية التشريعية من خلال مراجعة النظام الانتخابي وقانون الأحزاب السياسية.

هناك مسألة أخرى نحتاج إلى معالجتها في إطار هذه المراجعة وهي مسألة إعادة تنظيم بنية الدولة. تستمد الدولة استمراريتها على مر التاريخ من خلال الممارسات المعمول بها والمؤسسات العاملة. إعادة تنظيم هذه الممارسات والمؤسسات وفقًا للظروف المتغيرة، أمر ضروري لمجاراة لتدفق الطبيعي للتاريخ. في عملية إعادة التنظيم هذه، يجب حماية توازن “الاستمرارية – التغيير” بعناية. تأخير التغيير الضروري عن طريق تعطيل هذا التوازن لصالح الاستمرارية، يؤدي إلى ظهور “ستاتسكو” وجمود، بينما يؤدي تعطيل التوازن لصالح التغيير إلى تحول بنية الدولة للوحة “اكتب – امسح”، ويضعف استمرارية الدولة.

يجب التخلي عن التعصب المؤسسي القائم على الوضع الراهن من خلال إعادة تنظيم الدولة، ولكن مع حماية الثقافة والذاكرة المؤسساتية بعناية. يجب أن يتم هذا التنظيم بحكمة تأخذ في الاعتبار تراكم الخبرة للدولة ومتطلبات الزمن وتفعّل العقل المشترك، وليس عبر القرارات الظرفية والتعسفية والمفاجئة.

في هذا السياق، تتمثل إحدى أهم سمات بنية دولتنا، في تمثيل منصب الرئاسة للمجتمع بأسره واحتضان جميع الشرائح. إن منع الصراع بين النظام الرئاسي التقليدي لدينا والقائم على احتضان جميع الشرائح وبين النظام الرئاسي القائم على أساس الهوية الحزبية، يعد من أكثر القضايا الحساسة التي نحتاج إلى أخذها في الاعتبار عند الانتقال من النظام البرلماني الذي أخلّ بطبيعته دستور 12 سبتمبر، لصالح النظام الرئاسي.

الانتماء الحزبي للرئيس لا يعد مشكلة كما يلاحظ في الأنظمة الرئاسية الديمقراطية، ولكن تولي نفس الشخص لمنصب الرئاسة العامة للحزب أيضاً يشكل عيوبًا من حيث عمل الدولة وإضفاءً للطابع المؤسسي على الحزب. خوض الرئيس كطرف في الصفوف الأولى في الانتخابات، وفي الجدل السياسي الكثيف والشديد في أغلب الأحيان والذي يتطلبه المناخ الانتخابي، يؤدي إلى ابتعاد مؤسسة الرئاسة نفسياً عن نصف المجتمع على الأقل، في الوقت الذي يجب أن تكون فيه على مسافة واحدة من كافة شرائح المجتمع وفق تقاليدنا في مسألة الدولة.

في هذا الصدد، يجب إعادة تقييم نظام الرئاسة المرتبطة بالحزب باعتباره واحداً من أهم العناصر الأساسية للنظام الجديد، بشكل مستقل عن شخصية رئيسنا، وإزالة العيوب الناجمة عن إدارة منصبي الرئاسة والرئاسة العامة للحزب في نفس الوقت.

يجب أن يتم توضيح قضايا مثل إعادة تعريف التواصل الأفقي المؤسسي والعلاقات الهرمية العمودية

في مراسم الدولة، وتوضيح دور الوزارات في النظام التي تبدو محاصرة بين ما تفرضه الهوية والوظائف السياسية/التكنوقراطية، وتحديد موقف المجالس السياسية المنشأة حديثًا في هيكل الدولة. فلا يمكن لهيكل دولة ما أن يكون دائماً إذا لم يتمتع بتصور كلي، وآلية عملية انسيابية.

من الواضح أن بلدنا يواجه اختبارات أمنية غير قابلة للمقارنة مع أي بلد آخر؛ وذلك بسبب المنطقة الجغرافية التي يقع بها. وجيشنا الذي يشكل أقوى عنصر مقاومة حيال هذه التحديات، تجاوز في 15 يوليو/تموز 2016 صدمة هي الأعمق من نوعها التي من الممكن أن يواجهها أي جيش آخر، واستطاع أن يعود إلى نظامه الداخلي، بشكل فاق كافة أشكال التوقع. إن التحول الأساسي الذي يتعين حدوثه حتى تتجنب بلدنا وأمتنا التعرض لأية محاولات انقلابية أخرى، هو إضفاء الصبغة الديمقراطية على العلاقة بين الجيش والسياسة، وجعل الإرادة السياسية المدنية مؤثرة وحاسمة لأقصى درجة على كافة أشكال آليات البيروقراطية. وفي سياق المخاطر الأمنية التي نواجهها، يجب أن تتواصل وبدون انقطاع العمليات ضد تنظيم “فتح الله غولن” الإرهابي التي أطلقناها عقب المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، وعقب المؤامرات التي وقعت خلال الفترة من 17 إلى 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، وتتواصل كذلك عملياتنا ضد تنظيمات “بي كا كا”، و”داعش”، و”حزب التحرر الشعبي الثوري(DHKP-C)، الإرهابية.

غير أنه من الأهمية بمكان، أن يتم خلال هذه العمليات إيلاء أهمية كبيرة للمقاييس الحساسة للتوازن بين الحرية والأمن، بحيث نضمن أن القطاعات الشعبية العريضة لديها تفهم لهذه العمليات. إن وسم الآراء الفكرية المختلفة بالإرهاب، واعتبار الاختلافات السياسية ضرباً من الخيانة، لأمر يضر في المقام الأول بوحدتنا الوطنية، كما أن استمرار التصور القائل بأن البلاد تعيش أزمة، أمر آخر من شأنه أن يوجه ضربة كبيرة للديمقراطية، والحياة السياسية، والحياة الاقتصادية.

إنه لمن غير المقبول أن تتحول المخاوف الأمنية إلى حالة يتم معها القيام بعد الانتخابات المحلية الأخيرة بسلب حق دستوري -كالتصويت والترشح للانتخابات-، من أيدي أولئك الذين فصلوا من وظائفهم العامة إبان حالة الطوارئ دون أن يكون هناك قرار من المحكمة. وأنا حتى لا أريد التفكير فيما يمكن أن تسفر عنه مزاجية كهذه على المدى الطويل، تُصدر قرارات إدارية، وممارسات خاطئة. فالدستور نص أساسي للجميع، لا يمكن تفسيره بشكل مزاجي.

ومن ثم فإن توسيع مجال الحرية في أسرع وقت ممكن، بات شرطًا أساسيًا لإعادة بناء ثقتنا بأنفسنا التي نعتز بامتلاكها، والأهم من ذلك كله، هو إعادة بناء ثقتنا في بعضنا البعض. فالصحفي، والأكاديمي، وقادة الرأي، والسياسي، وأي شخص كان ممن يعبر عن أفكاره، لا يجب أن يقابل بتهديدات بالفصل من عمله، أو بالتشهير، أو أن يصبح ضحية وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تتم إهانته. يجب حماية الحق في الانتقاد والتعبير عن الأفكار، حتى أبعد مدى ممكن.

أما الصحافة التي توصف في الديمقراطيات المتقدمة على أنها السلطة الرابعة، والتي تعتبر في الوقت ذاته العنصر الأساسي للفكر الحر، والنقد، فقد باتت وسيلة للدعاية التي تدار من قبل مصدر واحد. الحرية الصحفية الحقيقية هي الجهاز المناعي لديمقراطيتنا. ومن ثم فإن تدميرها، والتوجه إلى احتكار الصحافة بأساليب قمعية وغير قانونية، لأمر من شأنه تضييق القدرة العقلية لتركيا.

وفي هذا الإطار، يتعين إقامة نوع جديد من التوازن بين الحرية والأمن تتسع فيه مجالات الحرية دون أن نفقد مكتسباتنا في الجانب الأمني.

قوة المجتمع المدني تتجلى في الضمائر العميقة وليس في البنايات الشاهقة. والديمقراطية التعددية تتحقق في أجواء يؤثر فيها المجتمع المدني في المؤسسة السياسية من خلال أساليب مشروعة، وبشكل شفاف، ويراقب فيها المجتمع ذاته الإدارة العامة. ولعل سعي كيانات سرية مثل تنظيم “فتح الله غولن” الإرهابي، لفرض الوصاية على السياسة بهدف السيطرة على قوة الدولة بشكل غير مشروع، وجعل الدولة وسيلة للسيطرة على المجتمع المدني، لأمر ألحق ضررًا بالديمقراطية. وإن دمج المجتمع المدني في الدولة، والوصول لحالة لا يمكن معها التعبير عن الآراء حول المخاوف المختلفة، أدى إلى تدمير روح وضمير المجتمع المدني.

والعامل الرئيس لإعادة اكتساب السياسة اعتبارها لدى المجتمع، هو التركيز على المسار الذي قمنا به تحت شعار “الياءات الثلاثة” (المحظورات، والفساد، والفقر) الذي كان يعتبر أحد أهم الشعارات التي أضفاها حزبنا على أدبيات السياسة. ومن ثم يبدو أنه بدون إجراء مراجعة صادقة لمعرفة أين نقف بخصوص هذه الموضوعات الثلاثة، سيكون من الصعب للغاية إعادة الاعتبار للسياسة مرة ثانية، ومن الصعب منح ثقة جديدة للمجتمع.

الشرط الذي يحمل أولوية قصوى لتكون هناك فعالية في إدارة الدولة، هو أخذ عنصري الكفاءة والجدارة بعين الإعتبار عندما يتعلق الأمر بالسياسة، والإدارة العامة. وعلى العكس من ذلك، فإن انتشار المحسوبية، والقرابة في الإدارة العامة، هو السبب الأهم، والمؤشر الصادم لجميع أشكال الفساد وتسمم السلطة. إن الطبيعة الواسعة لهذا الفساد تجعل من المستحيل على آليات الرقابة المنطقية أن تعمل. من أجل الأداء الرشيد للمؤسسة السياسية والبيروقراطية، ينبغي عدم إدراج من تربطهم علاقات قرابة وثيقة في التسلسل الهرمي الأعلى لإدارة الدولة، وينبغي تجنب التركيز على منشأ الموظفين ومنطقتهم ومدينتهم، وينبغي تحديد التعيينات الاستثنائية بوضوح وشفافية.

من ناحية أخرى، فإن عكس العلاقات الأسرية -التي تحتاج إلى البقاء في المجال الخاص-، في المجالين العام والرسمي يضر بالحياة الأسرية ويؤدي إلى ظهور علاقات تتجاوز مجال المسؤولية القانونية. لا ينبغي أن يتمتع أفراد عائلات السياسيين والمسؤولين الحكوميين بميزة خاصة للاستفادة من مرافق الدولة، ولا ينبغي أن يتعرضوا للنقد العدواني.

الحل الأكثر دقة لجميع هذه القضايا المتعلقة بالأخلاقيات السياسية هو أن يهيمن مبدأ الشفافية على كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية. بالإضافة إلى كونها مبدأ أخلاقي، فإن الشفافية هي أيضًا الوسيلة الأساسية لمنع أي نوع من مبادرة الوصاية كجماعة “فتح الله غولن الإرهابية، وغيرها. إن العامل الأكثر أهمية الذي سيمنع أي محاولة انقلاب لأي غرض، هو جعل الشفافية مهيمنة على كافة جوانب الحياة، بداية من المجتمع المدني إلى مؤسسات الدولة، ومن هياكل الشركات إلى المنظمات الخيرية، ومن وسائل الإعلام التقليدية إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن جانب آخر، ينبغي بشكل عاجل مجابهة أشكال الدعاية السائدة في الرأي العام حول أشكال معينة للفساد، مثل طرح مناقصات القطاع العام بدون تبليغ عام، وظهور استثناءات في المناقصات تتجاوز كامل قانون المناقصات، وتنفيذ مشاريع معينة بميزانية الدولة من قبل الأشخاص نفسهم في كل مرة.

وفي هذا الإطار ينبغي سن قوانين عاجلة تعزز مبادئ الشفافية والأخلاق السياسية، تشمل مراقبة شفافة لمصادر القطاع العام، وعدم استخدام مصادر القطاع العام في المصالح الشخصية. وعدم وجود تقاطع بين مهام الأشخاص الذين يؤدون مهام رسمية في الدولة وبين استثماراتهم الاقتصادية في حياتهم الخاصة، وبهذا ينبغي تعريف قواعد الأخلاق السياسية وترسيخها في القوانين والتعاملات، فمن شأن ذلك عدم تركها للاجتهاد الخاص للأشخاص حيال الأخلاق وتوصيفاتهم لها.

ومن أهم الأمور التي تكمن وراء وجود التفاف على المستوى الشعبي حول حزب العدالة والتنمية، هي النجاحات على صعيد السياسة الاقتصادية. عندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، كان الاقتصاد قد شهد أزمات متتابعة خيبت آمال الناس، وعندها كان مستوى الناتج القومي للفرد قد تراجع للمستوى المسجل قبل 10 سنوات، إن تحركات تركيا كانت مكبلة ابتداء من السياسة الخارجية ووصولاً إلى تحقيق الأمن.

إن إعادة إحياء مشاعر الثقة كانت من أهم العوامل الكامنة وراء النجاح الاقتصادي الواضح للجميع، ومع الأسف نحن نرى أن مستوى الثقة هذا تراجع اليوم إلى مستوى أدنى من المستويات التي حققناها في الماضي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو تراجع الناتج القومي للفرد بالدولار الأمريكي عام 2018 إلى ما دون مستوى ناتج الفرد في عام 2007، إن إنكار حقيقة الأزمة الاقتصادية التي يحس بها كافة شرائح المجتمع، لن تؤدي إلا إلى زعزعة الثقة بالحكومة. لن نستطيع إدارة الأزمة بإنكار وجودها.

ثمة أزمة إدارة تكمن في أساس الأزمة الاقتصادية التي نعيشها. إنّ القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية بعيدة عن المعطيات الحقيقية، إن كانت الإجراءات المتخذة بخصوص السياسات الاقتصادية تتنافى مع إجراءات السوق وعلم الاقتصاد، وإن ساد مفهوم في الرأي العام يقول بأنّ هذه الإجراءات اتخذت بشكل كيفي ولها طابع جهوي، فإن الثقة بالحكومة ستتراجع. لا يمكن إعادة ملف الاقتصاد لوضعه الصحيح من جديد دون إعادة تأسيس الثقة، من أجل منح الثقة للشعب يجب تحقيق الثقة بالنفس في الحكومة ذاتها. والثقة بالنفس ينبغي تحقيقها بالمعلومات والخبرة والقيام بما يلزم، في حال وجود شخص غير مسلح بالتجربة والمعلومات، ومدفوع بقرابة شخصية، وثقة بالنفس مبالغ فيها، سيبقى التصور بعيداً عن الواقعية.

إن انتهاج لغة الأمر والاتهام بحق الشرائح التي تعاني في الأصل، وممارسة الضغط على التوازنات القائمة داخل السوق والعمل على تحقيقها رغما عن السوق نفسه، من أجل إنقاذ الواقع الراهن، ليس إلا طريقا مسدودا يؤدي إلى تنفير المستثمرين الدوليين. النزاع وعدم الاستقرار ليسا ما ينتظره مواطنونا من الإدارة الاقتصادية، وانماً يتوقع حماية المشاريع ومستوى رفاه المواطن.

إن تحقيق العدالة وسيادة القانون بما لا يدعو للشك، هو الشرط الأساس من أجل تحقيق النجاح الاقتصادي. إنّ أجواء التنافس الاقتصادي والاستثمار المنظم لا يمكن تحقيقها إلا باكتساب القدرة على التنبؤ، وتطبيق القوانين على الجميع بشكل عادل، وضمان حق التملك. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا ببقاء القضاء مستقلاَ وذو سيادة، وسريع وفعال، وأهم شيء أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا في دولة تنسجم قوانينها مع القوانين العالمية.

إن الفلسفة الاقتصادية لحزبنا منذ نشأته تقوم على اقتصاد السوق الحر، في اقتصاد السوق الحر، الدولة كيان لا يتدخل بشكل مباشر وكيفي، والأسعار فيه تحدد وفق العرض والطلب. إنّ القرارات المتخذة في الآونة الأخيرة بعيدة كل البعد عن مبادئ السوق الحر، إن إدارة الدولة لاقتصاد السوق يقتصر على كونها موضوعية ووضع القواعد العامة وتجربة فعاليتها. الرقابة يجب أن تكون مستقلة وحيادية وقائمة على المبادئ الموضوعية، وينبغي ألا تخضع لأي ضغوط أو تهديدات. وفي هذا الإطار التدخل المباشر في سياسات القروض البنكية ومدخراتها لن ينجم عنه أي حل.

ومن أهم العناصر في قصة النجاح الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية هي تحقيقه في ما مضى للمأسسة في الاقتصاد. في الآونة الأخير شهدت التكليفات الوظيفية في مؤسسات الدولة ترجيح جوانب أخرى بعيدة عن مقاييس الكفاءة واللباقة، إن الإجراءات الكيفية التي شهدتها مؤسسات القطاع العام، أدت لمحو ثقافة المؤسساتية بحد ذاتها، وتسببت بضرر كبير للمأسسة.

إنّ إدارة المال العام أمانة الشعب بيد الفريق الذي يدير الدولة، للأسف في الآونة الأخيرة بتنا نشاهد مفهوم سائد عند الرأي العام للمجتمع، مبنى على إسراف من قبل المسؤولين الحكوميين والتباهي، وجاء ذلك مع الإجراءات الأخيرة للحكومة. ومن جانب آخر ودون الحديث عن سعر الفائدة، إن الزيادة في حجم الإنفاق المسجل وما نجم عنه في عجز الموازنة وتورية ذلك في أجور العاملين، أدى إلى زعزعة الثقة. ينبغي تحقيق الشفافية الكاملة في الإنفاق العام وترسيخ مبدأ المحاسبة.

من الأهمية بمكان وجود ثقة في المعطيات التي تعلنها الدولة والقرارات المتعلقة بالاقتصاد. مع الأسف في الآونة الأخيرة بعض القرارات المتخذة تسببت بزعزعة الثقة تجاه المعطيات التي تم الإعلان عنها. وزيادة على ذلك عندما تتزعزع الثقة في حقيقة المعطيات وصحتها والشك في أنها صحيحة، فإنّ أخباراً وتخمينات تبدأ بالانتشار تتعلق باتباع وسائل بعيدة كل البعد عن الشفافية ويطلق عليها في السوق اسم “عملية الباب الخلفي” وهذا يتسبب بعدم استقرار كبير في سعر النقد الأجنبي وأسعار الفائدة، والذي يؤدي إلى تلاشي الأرباح التي يكسبها المنتجون بشق الأنفس، وزوال قيمة الحقوق التي يتقاضاها العمال بعرق جبينهم. في الإدارة الاقتصادية لا يوجد رأس مال أكبر من الصدق ولا يوجد قرض أكبر من السمعة. يجب وبأسرع وقت تأسيس الإدارة الاقتصادية على هذا المبدأ.

الحل يكمن في تهيئة بيئة استثمارية يتم من خلالها تحقيق انخفاض مستمر في نسب التضخم، وزيادة التوقعات الاقتصادية، وتخفيف الأزمات، وتأمين استثمار آمن لرؤوس الأموال الأجنبية وعدم اضطرار رؤوس الأموال في تركيا للبحث عن سبل من أجل الاستثمار في الخارج. في مثل هذه البيئة الاستثمارية أسعار الفائدة ستهبط باستمرار، والليرة التركية ستكسب القوة والسمعة.

وختاماً أريد أن التأكيد -بخصوص التحديات التي واجهناها في السنوات الأخيرة- على تحرير عقولنا والاستعداد النفسي وتقوية روابطنا الاجتماعية واتخاذ الخطوات الضرورية من أجل مستقبلنا المشترك. وأدعو القائمين على حزبنا ومؤسساته المعنية، لتقييم رؤيتنا المستقبلية وكافة النقاط الواردة أعلاه، بعقلانية و هدوء وتأني والإعداد للمستقبل قبل أن يصاب الأوفياء والمخلصون في القاعدة الشعبية لحزبنا بخيبة أمل، وأدعو أصحاب الفكر والمتنورين والمواطنين من كافة الانتماءات الحزبية أن تتضافر جهودهم من أجل رسم مستقبلنا المشترك على أساس الإرادة والضمير والعقل المشترك. اليوم هو يوم تلاقي عقل الدولة وكرامة الإنسان وضمير الشعب.