“الإيكونيميست”: على قادة العالم أن ينصحوا بن سلمان بأن يتوقّف عن إلحاق الأذى ببلده وسمعته

أخطر ما جاء في المقال الأخير لأكثر إصدارات العالم رصانة “الإيكونيميست” ليس الوصف الّذي أطلقته على وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان بأنّه متهوّر ويهدم في السّعودية، فهذا أصبح معروفا للكافّة! لكنّ الأخطر هو ما أشار إليه المقال في فقرته الأخيرة وهي أنّ على قادة العالم أن ينصحوا بن سلمان بأن يتوقّف عن إلحاق الأذى ببلده وسمعته وإن لم يستمع إليهم فعليهم أن يتوقّفوا عن بيع الأسلحة إليه.

“الإيكونيميست” تعلم تماما أنّ حلفاء بن سلمان بدأوا يتململون من تصرّفاته ويواجهون ضغوطا شعبية شديدة بسبب قتل الأطفال وقصف المدنيّين في اليمن بلا هوادة والّذي يصفه بن سلمان بلا حياء على أنّه عمل “قانوني” و“مشروع”!

وشدّدت “الإيكونيميست” في مقالها الأخير على أنّ ابن سلمان يسهم في عدم اِستقرار الشّرق الأوسط بأكمله لأهمّية المملكة العربية السّعودية للعالمين العربي والإسلامي وقالت إنّه الحقّ العار بحلفائه بعد دخول حرب اليمن عامها الرّابع ولم تحقّق إلّا الدّمار وقصف المدنيّين وقتل الطلاّب.

وحذّرت “الإيكونيميست” وليّ العهد السّعودي من أنّ المستثمرين لن يقدموا على الاِستثمار في السّعودية لأنّ رجال الأعمال لا يرهنون أموالهم لنزوات شخص لا يمكن الوثوق في تصرّفاته.

وضربت المجلّة مثلا لذلك بالحصار الّذي فرضه على قطر وقالت إنّه أدخل المنطقة كلّها في أزمة غير ضرورية وعقّد الأمور السّياسية والاِقتصادية فيها بجانب إلقاء القبض على رجال الأعمال بصورة لا تخضع إلى أيّ أسس أو إجراءات قانونية.

أمّا الأزمة مع كندا فقد وصفتها “الإيكونيميست” بـ”الحماقة” الّتي أضرّت بالسّعودية وشوّهت سمعتها وصورتها بأنّها مكان غير مستقرّ وغير مناسب لخلق علاقات اِقتصادية وسياسيّة متينة.

وذكّرت المجلّة بأنّ الصّادرات الكندية إلى السّعودية لا تتجاوز 2% بينما ألحق قرار قطع العلاقات “المتهوّر” الضرر بالطلاّب والمرضى السّعوديين في كندا الّذين وجدوا أنفسهم فجأة في حاجة عاجلة للتّعافي أو إكمال الدّراسة في مكان آخر.

وقالت المجلّة إنّه كان على ابن سلمان تجاهل “تغريدة” وزيرة الخارجية الكندية على موقع “تويتر” الّتي تنتقد فيها اِعتقال النّاشطات السّعوديات دون محاكمات.

وقلّلت”الإيكونيميست” من أهمّية الحديث عن إصلاحات مثل السّماح للمرأة بالقيادة بينما يعتقل اِبن سلمان النّاشطات اللاّتي سعين إلى ذلك. وشدّدت على أنّ جميع هذه الحملات ضدّ حقوق الإنسان لا داعي لها وتشوّه سمعة السّعودية ولا تخدم أيّ غرض.
عندما تصف “الإيكونيميست” اِبن سلمان بأنّه متهوّر ويهدم في السّعودية ويشوّه سمعتها ويصوّرها بأنّها غير صالحة للاِستثمار ويعمل على عدم اِستقرار المنطقة وإحراج حلفائه فهذا يعني أنّ الوضع خطير وأصبح خارج السّيطرة وأنّ القادم أسوأ لأنّ مثل هذه المقالات تعبّر فعلا عن وجهات النّظر لقطاع واسع من متّخذي القرار ورجال الأعمال في العالم.




تداعيات تصاعد التوتّر مع واشنطن على الاِقتصاد التّركي

اِتّسع نطاق التوتّر بين تركيا والولايات المتّحدة الأمريكية مؤخّرا بالتّزامن مع فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على وزيرين تركيّين بسبب سجن القسّ الأمريكي آندرو برونسون، وهو ما سوف يقوّض، على أقلّ تقدير، من الثّقة الدّولية في الاِقتصاد التّركي. وقد تتكبّد تركيا خسائر اِقتصادية أكبر في حالة ما إذا اِتّجهت السّلطات الأمريكية نحو رفع مستوى العقوبات المفروضة عليها، كما تعهّد الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب في حالة عدم إطلاق سراح برونسون. وتحت وطأة التّهديدات الأمريكية، سوف تضطرّ تركيا، على الأرجح، للرّضوخ للمطالب الأمريكية، لا سيما في وقت يعاني فيه الاِقتصاد من صعوبات عديدة لعلّ أبرزها اِستمرار تدهور اللّيرة أمام العملات الصّعبة.

مؤشّرات مختلفة:

شهدت العلاقات التّركية- الأمريكية توتّرا شديدا في الآونة الأخيرة، على نحو اِنعكس في عدّة مؤشّرات يتمثّل أبرزها في:

     1- عقوبات جديدة: صعّدت الولايات المتّحدة الأمريكية من ضغوطها على تركيا مؤخّرا للإفراج عن القسّ آندرو برونسون، حيث اِتّجهت الإدارة الأمريكية، في أوّل أوت الجاري، إلى فرض عقوبات على وزيرى العدل والدّاخلية التركيّين عبد الحميد غول وسليمان سويلو، بعد اِتّهامهما بالمساعدة في اِعتقاله.

ومن المتوقّع، حسب عدّة ترجيحات، أن تمتدّ العقوبات لتطال كيانات وشركات تركية أخرى، لا سيما في ظلّ دعم الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشديد العقوبات على تركيا إذا لم تطلق سراح القسّ، وسبق أن اِتّبعت الإدارة الأمريكية النّهج نفسه، في فيفري الماضي، بعدما أعلنت تركيا عن نيّتها شراء نظام الدّفاع الصّاروخي الرّوسي S400.

     2- سجن مسؤولين أتراك: مثّلت قضيّة اِتّهام بنك خلق التّركي بمساعدة إيران في خرق العقوبات الأمريكية عام 2012 أحد أسباب التوتّر القائمة بين واشنطن وأنقرة، خاصّة مع قيام السّلطات القضائية الأمريكية، في أفريل 2018، بالحكم على النّائب السّابق لرئيس البنك محمّد هاكان أتيلا بالسّجن لمدّة 32 شهرا بعد اِتّهامه بخرق عقوبات واشنطن على إيران والاِحتيال المصرفي والمشاركة في خداع الولايات المتّحدة الأمريكية. ومن المحتمل أيضا أن تقدم السّلطات الأمريكية على توقيع غرامة بمليارات الدّولار على البنك التّركي ما إذا تصاعد التوتّر بين البلدين في الفترة المقبلة.

     3- رفض العقوبات على إيران: تصرّ أنقرة على مواصلة اِستيراد النّفط والغاز من إيران رغم تطبيق العقوبات الأمريكية على الأخيرة، في 7 أوت الجاري، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية التّركي مولود تشاويش أوغلو بقوله أنّ تركيا تعارض العقوبات الأمريكية على إيران وليست ملزمة بتطبيقها، في الوقت الّذي أكّد فيه وزير الطّاقة التّركي فاتح دونميز مواصلة تركيا شراء الغاز الطّبيعي من إيران. ولتركيا مصلحة واضحة في اِستمرار واردات الطّاقة من إيران تتمثّل في القرب الجغرافي من الأخيرة، وجاذبيّة أسعار النّفط والغاز الإيراني فضلا عن جودته.

     4- حرب تجارية متبادلة: تعدّ العلاقات التّجارية بين تركيا والولايات المتّحدة الأمريكية أحد المتغيّرات الأخرى الّتي ساهمت في توتّر العلاقات بين البلدين، وهو ما يتزامن مع اِتّجاه الإدارة الأمريكية، في مارس الماضي، إلى زيادة الحمائية التّجارية وفرض تعريفات جمركية بـ25% على واردات الصّلب و10% على واردات الألومنيوم من دول العالم وبينها تركيا، على نحو دفع الأخيرة للردّ بفرض رسوم جمركية بقيمة 267 مليون دولار على قائمة من السّلع الأمريكية في جوان الماضي. ونتيجة لذلك، أعلنت الإدارة الأمريكية عن اِتّجاهها لمراجعة الإعفاءات المقدّمة لتركيا من الرّسوم الجمركية على بعض السّلع، وهى خطوة قد تضرّ بصادرات تركية إلى السّوق الأمريكية بقيمة 1.7  مليار دولار.

     5- خلافات سياسية حول الأكراد: لا زال الدّعم الأمريكي المستمرّ للفصائل العسكرية الكردية في سوريا وأبرزها “قوّات حماية الشّعب” أحد الخلافات الأساسية بين البلدين، إذ يثير هذا الدّعم مخاوف تركيا بشدّة خشية أن يزيد من القوّة العسكرية للأكراد عموما في المنطقة بما فيها “حزب العمّال الكردستاني” في شمال شرق تركيا، وهو ما قد يهدّد الأوضاع الأمنية والسّياسية.

تأثيرات محتملة:

تتزامن التوتّرات التّركية- الأمريكية مع تراجع ملحوظ للاِقتصاد التّركي، وهو ما أثار شكوك ومخاوف المستثمرين من اِحتمال تنفيذ الرّئيس رجب طيب أردوغان تعهّداته بإخضاع المؤسّسات الاِقتصادية، ومن بينها البنك المركزي، لسلطته خاصّة مع اِنتقاداته المستمرّة لإصرار البنك على رفع أسعار الفائدة.

ونتيجة لذلك، تكبّدت اللّيرة خسائر كبيرة تقدّر بأكثر من ربع قيمتها منذ بداية العام الجاري وحتّى الآن، مسجّلة أدنى مستوى لها على الإطلاق في 6 أوت الجاري عند مستوى 5.4 ليرة للدّولار الواحد، وهو أكبر اِنخفاض في جلسة واحدة في نحو عشر سنوات، وهو ما دفع المؤسّسات الدّولية للتّحذير من اِحتمال اِرتفاع مستوى  التضخّم أكثر من المستويات القائمة والبالغة 15.8% في جويلية الماضي، في الوقت الّذي حذّر فيه بنك الاِستثمار جولدمان ساكس من أنّ مزيدا من التّراجع سوف يؤدّي إلى اِنخفاض القاعدة الرّأسمالية للبنوك التّركية.

وعلى أقلّ تقدير، سوف يؤدّي التوتّر الحالي إلى تقويض الثّقة الدّولية في الاِقتصاد التّركي، وربّما تتزايد خسائره إذا ما نفّذ ترامب تعهّداته بتشديد العقوبات على تركيا. وهناك من المؤشّرات الدّالة على جدّية الإدارة الأمريكية في مواصلة هذا الاِتّجاه، حيث وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشّيوخ، في 26 جويلية الماضي، على مشروع قانون يلزم الولايات المتّحدة الأمريكية بمعارضة منح أيّ قروض لتركيا من جانب المؤسّسات الدّولية مثل مؤسّسة التّمويل الدّولية التّابعة للبنك الدّولي.

وبحسب ترجيحات عديدة، قد تتّجه الإدارة الأمريكية أيضا إلى إعداد قائمة من شخصيّات وشركات تركية لفرض عقوبات عليها، وذلك على غرار العقوبات الأمريكية المفروضة على مؤسّسات وشركات وشخصيات روسية. وفي ظلّ هذا التّصعيد المحتمل، من المحتمل ألاّ تقتصر خسائر الاِقتصاد التّركي على تراجع العلاقات الاِستثمارية والتّجارية مع واشنطن، إذ قد تتعثّر العديد من الشّركات التّركية وتتراجع قدرتها على الاِقتراض دوليّا، بجانب اِضطراب الأسواق المالية التّركية واِنخفاض عملتها بشدّة في الفترة المقبلة.

محاولات الاِحتواء:

في العادة، اِسّتمرت المصالح الاِقتصادية بين الطّرفين بوتيرة قويّة في الماضي، على الرّغم من توتّر العلاقات السّياسية بينهما بين فترة وأخرى، وهو ما يفسّر تخطّي حجم الاِستثمارات الأمريكية بالسّوق التّركية أكثر من 110 مليار دولار خلال الفترة من (2000- 2017)، بجانب وصول المبادلات التّجارية بين الطّرفين إلى 20.5 مليار دولار. وعلى الجانب السّياسي، قد لا تكون لدى الإدارة الأمريكية رغبة في دفع تركيا للاِقتراب أكثر من روسيا.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية على اِستعداد لتقليص شراكتها مع تركيا بسبب أزمة القسّ، لا يبدو أنّ تركيا لديها اِستعداد لخسارة الدّعم الأمريكي لها على المستوى الاِقتصادي على أقلّ تقدير، وهو ما دفع وزيرة التّجارة التّركية روهصار بيكجان مؤخّرا إلى تأكيد أنّه لا ينبغي أن يسمح الجانبان التّركي والأمريكي لأزمة ليست لها أرضيّة اِقتصادية بأن تعيق التّعاون الاِقتصادي بين البلدين. وجاء ذلك على هامش لقائها مع ممثّلي 30 شركة أمريكية خلال الاِجتماع التّشاوري للعلاقات الاِقتصادية التّركية- الأمريكية.

كما تدرك تركيا جيّدا أنّ تشديد العقوبات الأمريكية عليها يفرض أضرارا اِقتصادية كبيرة في الفترة المقبلة، وهو ما دفعها لإرسال وفد من وزارة الخارجية مؤخّرا إلى واشنطن لبحث قضية القسّ. وفي نهاية المطاف، ربّما يضطرّ أردوغان إلى التوصّل لاِتّفاق مع الولايات المتّحدة الأمريكية لإطلاق سراح برونسون مقابل الحصول على إعفاء من العقوبات الأمريكية، وذلك على غرار اِتّفاق ضمني توصّل إليه مع ألمانيا في الأشهر الماضية للإفراج عن الصّحفي الألماني دينيز يوجيل مقابل تطبيع العلاقات الاِقتصادية مع دول الاِتّحاد الأوروبي.

وختاما، يمكن القول إنّ تركيا سوف تتّجه، على الأرجح، نحو اِحتواء تأزّم علاقاتها السّياسية مع الولايات المتّحدة الأمريكية، تجنّبا لتعرّض الاِقتصاد إلى مزيد من الخسائر خلال الفترة المقبلة.




إلى أين يتّجه ترامب بتشديد السّياسة تجاه إيران؟

 

يتناقض عرض الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحوار مع طهران مع تشديد السّياسة الأمريكية الّتي تشمل زيادة الضّغوط الاِقتصادية والدّبلوماسية لكن لا تصل حتّى الآن إلى حدّ اِستخدام القوّة العسكرية للتصدّي بشكل أعنف لإيران ووكلائها.

ويقول مسؤولون أمريكيون لرويترز إنّ هدف مساعي ترامب هو كبح سلوك إيران، الّذي تقول الولايات المتّحدة وحلفاؤها الخليجيون وإسرائيل إنّه سلوك يؤجّج الاِضطرابات في المنطقة من خلال دعم طهران لجماعات متشدّدة.

وعبّر ترامب أيضا عن أمله في التوصّل إلى اِتّفاق مع إيران لمنعها من السّعي لاِمتلاك أسلحة نووية يكون أقوى من اِتّفاق عام 2015 بين طهران والقوى العالمية والّذي اِنسحب منه ترامب في ماي.

لكنّ خبراء يقولون إنّ الحكومة الأمريكية لم تحدّد بوضوح الغاية النّهائية المرجوّة لسياستها تجاه إيران أو توضّح طريقا لإنقاذ ماء الوجه لحكّام إيران يسمح لهم بنزع فتيل التوتّر الآخذ في التّصاعد تدريجيا بين واشنطن وطهران.

وأثار ذلك مخاوف من تزايد خطر المواجهة. والشّيء المهمّ أيضا أنّ ترامب لم يفصح عمّا سيفعله إذا تسبّبت سياساته في زعزعة اِستقرار طهران، الّتي يعود الخلاف بينها وبين واشنطن إلى أيّام الثّورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، أو إذا أدّى الضّغط الأمريكي إلى تقوية شوكة المتشدّدين.

كان الرّئيس الإيراني حسن روحاني قد حذّر في 22 من جويلية من أنّ السّياسات الأمريكية العدائية يمكن أن تقود إلى “أمّ الحروب”.

وردّ ترامب على تويتر بقوله إنّه يجب على الإيرانيين ألاّ يهدّدوا الولايات المتّحدة وإلاّ فسيواجهون “عواقب لم يختبرها سوى قلّة عبر التّاريخ”.

وخفّف ترامب كثيرا لهجته يوم الإثنين قائلا إنّه مستعدّ للاِجتماع مع روحاني بدون شروط مسبقة. ومن المتوقّع أن يلقي كلّ منهما كلمة أمام الاِجتماع السّنوي لزعماء العالم في الأمم المتّحدة في نفس اليوم في سبتمبر، وذلك وفق ما تظهره قائمة أوّلية بأسماء المتحدّثين.

إعادة فرض العقوبات

ترى إيران أنّ الولايات المتّحدة تصرّفت بسوء نيّة باِنسحابها من اِتّفاق ساعدت في التّفاوض للتوصّل إليه وتحمّل واشنطن منذ فترة طويلة المسؤولية عن تأجيج عدم الاِستقرار في الشّرق الأوسط.

وقال متحدّث باِسم وزارة الخارجية الإيرانية يوم الثّلاثاء إنّ عرض ترامب للتّفاوض مع طهران يتناقض مع أفعاله.

ونقلت وكالة فارس للأنباء عن المتحدّث بهرام قاسمي قوله إنّ “العقوبات والضّغوط هي النّقيض التامّ للحوار”.

وأضاف “كيف يمكن لترامب أن يثبت للشّعب الإيراني أنّ تصريحاته اللّيلة الماضية تعكس نيّة حقيقية للتّفاوض وأنّه لم يدل بها بغرض تحقيق مكاسب شعبوية؟”.

ويقول مسؤولون إنّ سياسة ترامب تضع ضغوطا كبيرة بالفعل على الاِقتصاد الإيراني على الرّغم من إشارة المخابرات الأمريكية إلى أنّ هذه الضّغوط قد تحشد الإيرانيين ضدّ الولايات المتّحدة وتعزّز موقف حكّام إيران المتشدّدين.

وهبط الرّيال الإيراني إلى مستويات جديدة يوم الإثنين متجاوزا 120 ألف ريال للدّولار مع تأهّب الإيرانيين لإعادة الولايات المتّحدة فرض أوّل دفعة من العقوبات الاِقتصادية في السّابع من أوت بعد اِنسحاب ترامب من الاِتّفاق النّووي.

ويتضمّن ذلك إعادة فرض عقوبات على مشتريات إيران من الدّولار الأمريكي بالإضافة إلى تعاملاتها في الذّهب والمعادن النّفيسة.

وقد تهبط صادرات إيران النّفطية بواقع الثّلثين بسبب العقوبات ممّا يؤدّي إلى ضغوط على أسواق النّفط.

وأيّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوّة إجراءات ترامب.

إثارة اِضطرابات

وقال مسؤولون أمريكيون إنّ إدارة ترامب شنّت أيضا حملة من الخطب والاِتّصالات عبر الإنترنت بهدف إثارة اِضطرابات والمساعدة في الضّغط على إيران لإنهاء برنامجها النّووي ودعمها لجماعات مسلّحة.

وفي إطار تلك الجهود قارن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في 22 جويلية بين زعماء إيران و”المافيا” وتعهّد بدعم غير محدود للإيرانيين غير الرّاضين عن حكومتهم.

وقال بومبيو إنّ الحكومة الأمريكية ستطلق قناة تلفزيونية وإذاعية ناطقة بالفارسية فضلا عن أدوات رقمية ووسائل للتّواصل الاِجتماعي. وستساعد الحكومة الأمريكية الإيرانيين أيضا في الاِلتفاف على الرّقابة على الإنترنت.

نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي

وتضغط إدارة ترامب أيضا للمضيّ قدما في مساعي تشكيل حلف أمني وسياسي جديد مع ستّ دول خليجية عربية إضافة إلى مصر والأردن. ويهدف هذا الحلف جزئيا إلى التصدّي لنفوذ إيران المتصاعد.

ومن المرجّح أن تسهم خطّة تشكيل ما يصفه مسؤولون في البيت الأبيض والشّرق الأوسط بنسخة عربية من حلف شمال الأطلسي تضمّ حلفاء من السنّة في تأجيج التوتّرات مع إيران الشّيعية.

لكنّ مبادرات مماثلة لإدارات أمريكية سابقة لإقامة تحالفات مع دول خليجية وعربية لم تحقّق نجاحا في الماضي وليس واضحا إن كانت الولايات المتّحدة ستشارك عسكريا في هذا الحلف.

ويقول مسؤولون أمريكيون إنّ أحد المخاطر من تشجيع حلفاء إقليميين هو أنّه قد يثير دون قصد صراعا يمكن أن يجرّ الولايات المتّحدة.

لكن لا لتغيير النّظام

أثار الموقف الأمريكي الأكثر تشدّدا تجاه إيران تكهّنات بأنّ ترامب يسعى لإثارة اِضطرابات بما يكفي ربّما للإطاحة بحكّام إيران.

لكنّ وزير الدّفاع الأمريكي جيم ماتيس قال في 27 جويلية إنّ إدارة ترامب لم تنتهج سياسة لتغيير النّظام في إيران أو التسبّب في اِنهياره.

وقال ماتيس “نحتاج منهم أن يغيّروا سلوكهم بشأن عدد من التّهديدات الّتي يمكن أن يمثّلوها بقوّاتهم المسلّحة وأجهزتهم السرّية ووكلائهم”.

وأطلقت إدارة ترامب رسائل متباينة بشأن الدّور العسكري الّذي يمكن القيام به للتصدّي للنّفوذ الإيراني. وربط المستشار الأمني للبيت الأبيض جون بولتون الوجود العسكري الأمريكي في سوريا “بالتّهديد الإيراني”.

وأوضح قائد القوّات الأمريكية في الشّرق الأوسط الجنرال جوزيف فوتيل أنّ مهمّة الجيش الأمريكي في سوريا لا تزال قاصرة على محاربة تنظيم الدّولة الإسلامية والّذي ليس له صلة بإيران. لكنّ الوجود الأمريكي والقوّات الّتي تدعّمها الولايات المتّحدة يمثّل بالفعل قيودا على توسّع النّفوذ الإيراني.  (رويترز)




لحظة الأسد القصوى

الكاتب السّوري عمر قدور

يمكن لنا وصف الأيّام الأخيرة بأنّها لحظة بشّار الأسد القصوى، فخلال يومين رحلت الفنّانة الثّائرة مي سكاف في منفاها في باريس، ثمّ قام تنظيم داعش بمهاجمة السّويداء وبعض قراها موقعا مجازر خلّفت مئات القتلى والجرحى، وفي غضون ذلك كانت تصل آلاف من أسماء الشبّان الثّائرين الّذين قُتلوا تحت التّعذيب في معتقلاته.

موت مي في باريس يعرفه جميع المنفيّين بوصفه دلالة لا تخفى عن القهر الّذي يعيشونه، وتكشف هذه الدّلالة شماتة موالي الأسد على وسائل التّواصل الاِجتماعي، وما تعرّضت له السّويداء قيل فيه ما يكفي للبرهان على أنّ التّنظيم يبتغي خدمة الأسد بما اِرتكبه من مجازر، وهذا ليس بجديد على الخدمات الّتي قدّمها له طوال سنوات الثّورة. أمّا الإعلان بهذا الزّخم عن أسماء القتلى تحت التّعذيب فلا يضاهيه من حيث الوقع سوى الصّمت الدّولي المطبق المرافق لجميع الجرائم.

أمثالنا، الّذين لم يؤمنوا يوما بشرٍّ مطلق، يحقّ لهم الآن القول أنّهم يعيشونه فعلا. عندما يفرج تنظيم الأسد مؤخّرا عن أسماء ألف معتقل قضوا تحت التّعذيب من داريّا وحدها، وهذه قد لا تكون الحصيلة النّهائية لتلك المدينة الصّغيرة، فنحن لسنا إزاء طرف متوحّش منتصر، نحن إزاء الشرّ الّذي لا يعترف مطلقا بما أنجزته الإنسانية خلال مسيرة طويلة من صراعها مع الهمجية. هذه ليست لحظة الاِنتصار مثلما يروّج لها البعض، هي في العرف الأسدي لحظة التشفّي المطلقة، اللّحظة الّتي يُراد بها سحقنا إلى أقصى حدّ. لحظة القهر هذه لا يُراد بها أيضا تأسيسٌ جديد للمملكة الأسدية، لأنّ أصحاب المملكة يدركون حدود سطوتهم الّتي لم تعد تتجاوز حقّا التلذّذ بما هو مسموح لهم من قتل السّوريين.

لا تدخل في السّياسة، ولا في مفاهيم الاِنتصار، محاولة إخضاع السّويداء بالمفاوضات الّتي حملت شروطا مذلّة أوّلا، وبعدها بالجريمة الدّاعشية. جريمة السّويداء، من وجهة نظر الأسدية، أنّها حاولت قدر المستطاع الحفاظ على نوع من التّوازن ضمن مجتمعها الصّغير. فهي لم تكن مدينة خارجة تماما عن السّيطرة، رغم وجود عدد كبير من شبابها الّذين اِصطفّوا مع الثّورة، ولم تكن مركز تشبيح على المناطق الثّائرة، رغم وجود الشّبيحة الّذين لم يسلم أبناء مجتمعهم من أذاهم. لم تخرج المحافظة عن السّيطرة الرّمزية لتنظيم الأسد في أيّ وقت، فقط توازنها المجتمعي “الّذي لا يخلو من بصيرة أحيانا” اِقتضى اِعتزال الحرب، ومحاولة ألاّ يكون أبناؤها قتلة أو قتلى. كان في وسع الرّوس والأسد إخضاع المحافظة تدريجيّا، وبمختلف أنواع الضّغوط النّاعمة بدل الأحقاد الّتي سترسم خريطة المستقبل.

نحن، ضحايا الأسدية، أكثر من يعلم طاقة الشرّ اللاّمحدودة فيها. للآخرين أن يحاولوا بعقل بارد تأويلها سياسيّا، وأن يجدوا لأفعالها نوعا من الجدوى، وفي حال عدم العثور على الأخيرة القول بأنّها تنفّذ إرادة خارجية تهدف إلى إغراق المنطقة بالأحقاد والحروب لزمن يطول. بينما نعرف أنّ المنفعة بمفهومها السّياسي المستدام هي طارئة على الأسدية، والتّحالف الّذي تقيمه مع أيّة فئة اِجتماعية لا يبيّت أساسا سوى الاِنقلاب عليها سريعا. هكذا كان حالنا مثلا مع التّحليلات الّتي ذهبت إلى أنّ تنظيم الأسد مدعوم من الطّبقة المدينية وبرجوازيتها، لتصنع له بذلك شيئا من السّياسة ومفهومها المجتمعي، في حين لا تفسّر هذه التّحليلات وقائع من نوع وصول سوريا إلى مستوى الإفلاس بسبب هرب ما تبقّى من رأسمال سوري إثر المواجهة مع الإخوان، ولا تفسّر هروب عشرات المليارات من الدّولارات “إن لم يكن الرّقم أعلى” مع الثّورة الحالية. مع التّنويه بأنّ هذا الرّأسمال كان قد تأقلم مع شروط التسلّط والفساد الأسدي، وقيمته تُضاف إلى الرّأسمال الّذي سبق له الهروب مع اِنقلاب البعث.

حال كذبة حامي الأقلّيات، أيضا التي كُتب فيها إلى حدّ الملل، لا يختلف عن ذلك التّحالف المزعوم مع البرجوازية المدنية. كلّنا كان يعلم أنّ مصير “الأقلّيات” عند أوّل فرصة لن يكون سوى القهر والقمع، وأنّ مَن رفض الشّراكة مع الأكثرية بثقلها المجتمعي لن يقبل بها مع أيّة أقلّية. مفهوم “حامي الأقلّيات” هو بذاته يدلّ على التّراتبية، إذ يشير إلى أقلّيات تتوسّل الحماية من سلطة فوقها، وفي وسع هذه السّلطة حجب الحماية متى شاءت. ونحن نعلم أنّ القرداحة نفسها “مدينة عائلة الأسد” لو ثارت عليه لن يتوانى عن البطش بها، وإذا كان للجانب العاطفي الّذي جسّدته وساطة الأمّ أن ترأف بمصير رفعت أمام أخيه حافظ، عندما أعدّ الأوّل نفسه للاِنقلاب على أخيه المريض، فإنّ القدر لم يرأف بصهر العائلة الّذي يُخشى من كونه منافسا فذهب قتيلا في ما يُعرف بتفجير خليّة الأزمة.

لن يسلم من هذا المصير جزء من شبّيحة الأسد، وقد تذهب تحليلات إلى أنّ تصفية أولئك الشبّيحة تتمّ بإشراف روسي، إمّا لكونهم يتبعون طهران، أو لأنّ وجودهم الفاقع يخدش الرّواية الرّوسية عن الحفاظ على الدّولة ومؤسّساتها. قد تحتمل تلك التّحليلات الصّواب، إلاّ أنّنا نعرف مصير الشبّيحة المرسوم من دون رعاية روسية، فعندما تنتفي الحاجة إلى الشبّيحة تتمّ تصفيّتهم بهدوء، وربّما بدعوى الإساءات الّتي يرتكبونها في حقّ “المواطنين”، أمّا الأساس في القصّة فهو تجريد زعماء التّشبيح من أحقيّتهم كشركاء في النّصر. العصابة الصّغيرة الحاكمة لا تقبل حتّى بمشاركة مجرمين صغار وإن كانوا أداتها في تحقيق بقائها، هي تقبل فقط بالعبيد الّذين لا يساورهم الظنّ ولو للحظة أنّهم اِرتقوا إلى مستوى المشاركة، وهي تعلن بأنّها قادرة دائما على تصنيع أولئك العبيد متى تخلّصت من دفعة سابقة منهم.

وسط لحظة الأسد هذه، الّتي لا يظهر ضوء في آخرها، من المستغرب أن يكون آخر ما كتبته الرّاحلة مي سكاف على حسابها في فايسبوك: “لن أفقد الأمل… لن أفقد الأمل.. إنّها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد”. الحقّ أنّنا لا نستطيع قول هذه الكلمات لأهالي الّذين قُتلوا تحت التّعذيب في داريّا وغيرها، لا نستطيع مثلا قولها لناشطة تدافع عن قضيّة المعتقلين أمام الرّأي العام العالمي، وسبق لها أن فقدت أخا تحت التّعذيب ليأتيها قبل نحو أسبوع خبر مقتل أخويها المتبقّيين في سجون الأسد. من حقّ أيٍّ منّا التّفاؤل أو التّشاؤم، أو المراوحة بينهما. لكنّنا من جهة أخرى، ونحن نعيش لحظة الشرّ القصوى، لا نملك حقّ الاِعتقاد أنّها النّهاية. الأسدية نفسها، الّتي أطلقت كلّ مخزونها من الشّرور، تجاوزت به أفق بقائها، وليس في وسعها أن تكون مستقبلا لغيرها أو لذاتها، ونعلم أنّها منذ سنوات في غرفة الإنعاش الدّولية والإقليمية بلا أمل واقعي بتعافيها أو اِتّفاق على مراسم دفنها. التّفاؤل وفق هذا المعيار هو اِبن المعرفة، مثلما اليأس اِبنها الآخر الخائب.




هل تعيد قمّة هلسنكي رسم مستقبل النّظام الدّولي؟

“لقد اِنتصر الرّئيس الرّوسي”.. كانت هذه هي خلاصة التّحليلات والتّغطيات الصّحفية الّتي نشرتها الصّحف الأمريكية تعليقا على قمّة هلسنكي الّتي عُقدت بين الرّئيسين الرّوسي “فلاديمير بوتين” والأمريكي “دونالد ترامب”، إذ اِنتقدت مختلف التيّارات السّياسية في الولايات المتّحدة التّقارب بين الرّئيسين، وثناء الرّئيس الأمريكي على نظيره الرّوسي، وقيامه بنفي تدخّل روسيا في الاِنتخابات الرّئاسية الأمريكية رغم تقارير المؤسّسات الأمنية والاِستخباراتية الأمريكية، وإعلان المحقّق الخاصّ “روبرت مولر” عن تورّط بعض عناصر الاِستخبارات الرّوسية في عمليّات اِختراق سيبراني للحزب الدّيمقراطي.

القضايا الخلافية:

عقد الرئيسان الروسي “فلاديمير بوتين” والأمريكي “دونالد ترامب” اجتماعين بهلسنكي، الأول منفصل استمر لأكثر من ساعتين، ثم اجتماع موسع حضره أعضاء وفديهما، تلا ذلك مؤتمر صحفي وصف فيه الرئيسان المباحثات بينهما بأنها كانت ناجحة ومثمرة، وعُقدت في أجواء “بناءة وإيجابية”، دون الكشف عن نتائج معلنة أو اتفاقات محددة حول القضايا الخلافية بينهما. وتُعد هذه هي القمة الرسمية الأولى بين الولايات المتحدة وروسيا منذ عام 2016، وكان بوتين قد التقى ترامب مرتين على هامش مجموعة العشرين وقمة “أبيك”، بيد أنهما لم يعقدا مباحثات رسمية منفصلة.

ودعا “بوتين” في المؤتمر الصحفي بهلسنكي إلى تشكيل لجنة خبراء معنية بتطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن تضم محللين سياسيين من الدولتين لإيجاد القواسم المشتركة لتفعيل التعاون الدولي بينهما، ومواجهة التحديات العالمية المشتركة، مثل: الإرهاب، والجرائم العابرة للحدود، ومشكلات الاقتصاد العالمي، والتغيرات المناخية، فيما أكد ترامب على ضرورة الاحتفاظ بالحوار الوثيق بين موسكو وواشنطن، لأن الحوار البناء بينهما يمهد الطريق نحو السلام والاستقرار في العالم. وعلى الرغم من هذه التوافقات المعلنة فإنه لا تزال هناك قضايا خلافية لم تُحسم خلال قمة هلسنكي بين الدولين، مثل:

1- قاعدة التنف: استبق “بوتين” قمة “هلسنكي” بتصعيد على جبهة جنوب سوريا بدأ منتصف يونيو 2018، وأدى لاستعادة دمشق السيطرة على 90% من مدينة درعا، ومما يجدر ذكره أن العملية العسكرية في درعا تمت بتنسيق أمني بين موسكو وواشنطن لكي تضمن الأولى نجاح حملتها لاستعادة درعا، ولذا طالبت طهرانَ بسحب عناصرها من جنوب سوريا، ولكي تستطيع الثانية الحفاظ على المصالح الأمريكية في سوريا والتي يُعتبر من أهمها: ضمان أمن إسرائيل، والحفاظ على حدود فك الاشتباك، وبقاء إسرائيل في الجولان، وتقليص النفوذ الإيراني بسوريا، واستمرار التواجد العسكري الأمريكي بقاعدة “التنف” شرق سوريا.

وربما يتوافق الطرفان على تحقيق الهدفين الأولين، إلا أنهما يختلفان على مسألة التواجد الأمريكي “بالتنف” الذي وصفته وزارة الخارجية الروسية بأنه سبب لتواجد الإرهاب بالمنطقة. وعلى الرغم من أن “بوتين” قد ألمح في المؤتمر الصحفي بهلسنكي إلى استمرار التنسيق الأمني بين موسكو وواشنطن في سوريا، إلا أن واشنطن لن تقبل بالانسحاب من “التنف” وإنهاء تواجدها العسكري بشكل كامل في سوريا.

2- العلاقة مع إيران: يُعد الملف الإيراني من أكثر الملفات خلافًا بين موسكو وواشنطن، فالتعاون الاستراتيجي بين موسكو وطهران سمح لروسيا بالتواجد عسكريا في سوريا، وتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط بصفة عامة، وتسعى موسكو لرفع العقوبات عن طهران، والحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه “ترامب” ويرفض أي تفاوض بشأنه.

3- الأزمة الأوكرانية: لا تعد قضية ضم جزيرة القرم لروسيا قضية خلافية بعدما ذكر “بوتين” في المؤتمر الصحفي أن “المسألة مقفلة ومنتهية”، وهو تمسك بالأمر الواقع الذي فرضه بمنطق القوة على المجتمع الدولي بعدما قرر عام 2014 وإثر الأزمة السياسية في أوكرانيا إعلان استقلال شبه جزيرة القرم، ثم أجرى استفتاء شعبيًّا شارك فيه 80% من سكان القرم ووافق 95% منهم على الانضمام إلى أراضي الدولة الروسية، وقد أكد “ترامب” موقفه الرافض لانضمام القرم إلى روسيا لأنه أمر غير قانوني، بيد أنه لم يشر إلى أي إجراء جديد سيُتخذ ضد موسكو في هذا الشأن، ولهذه القضية أبعاد اقتصادية هامة، حيث إن موسكو اعترضت على تمديد اتفاقية لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، بيد أنها أعلنت قبيل القمة استعدادها لتمديد الاتفاقية.

4- معاهدة ستارت: خلال العامين الماضيين اللذين شهدا توترًا في العلاقات بين موسكو وواشنطن تبادلت الدولتان الاتهامات بخرق اتفاق خفض التسلح المنصوص عليه بمعاهدة “ستارت” الجديدة الموقعة في أبريل 2010، حيث اتهمت موسكو واشنطن في فبراير 2018 بتعديل بعض الغواصات والقاذفات لتصبح قادرة على حمل أسلحة تقليدية وربما نووية، وقد أبدى “بوتين” مرونة كبيرة في هذه القضية، حيث أكد خلال حواره لقناة “فوكس نيوز” الإخبارية الأمريكية بعد قمة هلسنكي أن بلاده على استعداد لتمديد معاهدة (ستارت) وإطالة أمدها، شريطة الاتفاق على التفاصيل أولًا مع واشنطن.

5- التدخّل الرّوسي في الاِنتخابات: منذ الإعلان عن فوز “ترامب” بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، يُشاع أن هناك تدخلًا روسيًّا أثّر على النتيجة، وتلاعب بالناخبين وقاعدة البيانات ليسفر ذلك في النهاية عن فوزه. وقد وجه الادعاء الأمريكي اتهامات إلى 12 ضابطًا في المخابرات الروسية بالتجسس واختراق شبكات البريد الإلكتروني لحملة مرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلينتون”، بيد أن ترامب لا يزال مصرًّا على عدم وجود أي اتصال بينه وبين موسكو خلال حملته الانتخابية، وهو ما أعلنه خلال قمة هلسنكي، مما يُمثّل تشكيكًا ضمنيًّا في المخابرات الأمريكية التي كشفت ملابسات القضية.

6- توسّع حلف النّاتو: قبل قمة هلسنكي شارك “ترامب” في قمة حلف الناتو ببروكسل التي شهدت خلافًا بينه وبين سائر الأعضاء حول مشاركتهم السنوية في تمويل الإنفاق العسكري للناتو، كما أعرب بعض مسئولي الحلف عن مخاوفهم مع عقد ترامب اتفاقات مع بوتين ضد مصالح الحلف وأعضائه، ولذا فإن العلاقات بين الحلف وموسكو من أهم القضايا الخلافية، لا سيما في ظل التصعيد العسكري المتبادل بينهما. وخلال حواره مع “فوكس نيوز” الأمريكية عقب قمة هلسنكي أكد “بوتين” أن بلاده مضطرة للرد على كل ما يدور حولها كتوسع حلف الناتو على حدودها، مما يُنذر باستمرار حالة التصعيد، حيث قرر الحلف مؤخرًا مضاعفة عدد قواته بشرق أوروبا، وإجراء مناورات عسكرية ضخمة بدول البلطيق خريف 2018، الأمر الذي سيثير استياء موسكو.

وتعدّ هذه أبرز القضايا الخلافية بين موسكو وواشنطن، وليس بالضّرورة أن تكون جميعها تمّ طرحها خلال قمّة هلسنكي، بيد أنّه يجب على الدّولتين إيجاد حلول نهائية لها لتطوير العلاقات الثّنائية بينهما.

دلالات ونتائج القمّة:

يمكن القول إنّ هناك عددا من التّداعيات لهذه القمّة، وذلك فيما يلي:

1- اِنتصار سياسي: تعد القمة انتصارا سياسيّا “لبوتين” المزهوّ بنجاح بلاده في تنظيم كأس العالم لكرة القدم، والساعي لتعزيز موقعها ونفوذها بالشرق الأوسط والعالم كقطب دولي فاعل ومؤثر، وقد عبر عن ذلك في حواره مع “فوكس نيوز”، حيث أكد “أن روسيا أكبر من أن تُعزل”، وأكد فشل الجهود الأمريكية والأوروبية لتهميش دورها وعزلها منذ 2014 وحتى اليوم، بل إن تلك الجهود أتت بنتائج عكسية.

وهناك من رأى أن عقد القمة يُعد بمثابة اعتراف مباشر من واشنطن بروسيا كقطب عالمي منافس يجب إجراء حوار معه لكي لا تتفاقم الأمور وتصل إلى مواجهة عسكرية، فرغم مرور عام ونصف على رئاسة “ترامب” لا تزال الإدارة الأمريكية في حالة “تخبط” وخلاف مستمر بين الرئيس “ترامب” ومؤسسات الدولة، ويسعى “ترامب” لتحقيق أي فوز خارجي يروّج به لنفسه في الحملة الانتخابية المقبلة 2020 عبر تحقيق إنجاز في السياسة الخارجية، مثل: حل أزمة الملف النووي الكوري الشمالي، أو تطبيع العلاقات مع روسيا.

2- معارضة داخلية: قبيل عودته لواشنطن، بدأت عاصفة من الانتقادات “لترامب” من قبل حلفائه وخصومه، فقد دعا زعيم الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي “بول راين” “ترامب” إلى أن “يدرك أن روسيا ليست حليفة لبلاده، وطالبه بمحاسبة روسيا، ووضع نهاية لهجماتها على الديمقراطية”.

بينما اتهم زعيم المعارضة الديمقراطية في مجلس الشيوخ “تشاك شومر” الرئيس الأمريكي بأنه تصرف بشكل “غير مسؤول، وخطير، وضعيف” أمام نظيره الروسي. وفي مسعى منه لاحتواء عاصفة الانتقادات تراجع “ترامب” يوم 18 يوليو 2018، وأكد أنه أساء التعبير في هلسنكي حول التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وجدد ثقته في مخابرات بلاده.

بيد أن استطلاعا للرأي أجرته وكالة “رويترز – إبسوس” كشف أن 42% ممن استُطلعت آراؤهم يؤيدون أداء “ترامب” في قمة هلسنكي، و55% يرفضونها، منهم 71% من الحزب الجمهوري مقابل 14% من الديمقراطيين، مما يظهر أن “ترامب” لا يزال يحظى بدعم واسع بين الجمهوريين على الرغم من الانتقادات الموجهة له.

3- اِستياء أوروبي: فور انتهاء قمة هلسنكي أشاد “ترامب” بلقائه مع بوتين، وأكد أنه كان أفضل من اجتماعه بقادة حلف الناتو ورئيسة وزراء بريطانيا “تيريزا ماي”، مما فاقم الاستياء الأوروبي منه، لا سيما وأنه اختتم الشهر الحالي بجولة أوروبية زار خلالها بريطانيا وبروكسل ثم فنلندا، ولم ينجح في توطيد علاقته بالقيادات الأوروبية إثر تصاعد الخلافات بينهما بفعل الحرب التجارية التي أعلنها ومطالبه المستمرة بزيادة إنفاقهم العسكري داخل حلف الناتو.

إنّ قمة هلسنكي تلقي بظلالها على مستقبل النظام الدولي، حيث إن هناك اتجاهًا ينفي وجود تهديد روسي لمكانة واشنطن. فعلى الرغم من القوة العسكرية والثقل السياسي المتصاعد لروسيا، إلا أنها لا تمثل تهديدًا مباشرًا لواشنطن، لأن الاقتصاد الروسي أصغر حجمًا من نظيره الأمريكي، وهناك تفوق نوعي وكمي لحلف الناتو على روسيا. بيد أن الصعود الروسي وتمدد نفوذها بالشرق الأوسط ودول الاتحاد السوفيتي السابق أحد عوامل إضعاف مكانة واشنطن، وهو الأمر الذي لا يبدو أن ترامب يدركه بوضوح، حيث وصف الاتحاد الأوروبي والصين بأنهم خصوم اقتصاديون لبلاده، ووصف العلاقات مع روسيا بأنها جيدة.

فيما يؤكد اتجاه ثانٍ وجود تهديد روسي حقيقي لمكانة الولايات المتحدة، مبررين ذلك بالنجاحات، وهنا ينصح العديد من الخبراء واشنطن بالتقارب مع موسكو لمواجهة التمدد الصيني الذي يمثل تهديدًا اقتصاديًّا مباشرًا لواشنطن، ولعل الحرب التجارية الحالية بين الدولتين أكبر دليل على ذلك.

وختاما، مثلت هذه القمة اعترافا ضمنيّا من واشنطن وموسكو بضرورة الاعتماد على الحوار والمباحثات السياسية لمعالجة القضايا الخلافية المتعددة بينهما، بعيدًا عن التصعيد العسكري والسياسي. وربما ستظهر النتائج الفعلية للقمة خلال الأشهر القليلة المقبلة من خلال طبيعة التفاعلات بين واشنطن وموسكو ومسار التعاون بينهما في مختلف القضايا.




كيسينجر: العالم يمرّ بفترة خطرة جدّا…

في مقابلة له مع فايننشيال تايمز، قال هنري كيسينجر إنّ اِنفصام تحالف شمال الأطلسي سيحيل أوروبا ملحقا بروسيا، يكون تحت رحمة الصّين الّتي تريد أن تكون المستشار الرّئيس لكلّ البشرية، مؤكّدا أنّ العالم يمرّ بفترة خطرة جدّا.

كتب هنري كيسينجر هذا العام مقالة مخيفة عن الذّكاء الاِصطناعي، قارن فيها وضع البشرية اليوم بحضارة الإنكا قبل أن تنقرض تحت وطأة المرض والغزو الإسباني. وهو الآن يشتغل على كتاب عن كوكبة من رجال ونساء الدّولة الكبار بمن في ذلك مارغريت ثاتشر، واِنتهى من القسم الّذي يتناول فيه ريتشارد نيكسون، الرّئيس الّذي عمل معه وزيرا للخارجية ومستشارا لشؤون الأمن القومي.

وأعرب كيسينجر في مقابلة مع صحيفة فايننشيال تايمز عن خشيته من أن يثير كتابه، حين يُنشر، مقارنات بين فضيحة ووترغيت الّتي أسقطت نيكسون والتّحقيق في علاقة حملة الرّئيس الأميركي دونالد ترمب الاِنتخابية بروسيا، وما إذا كان لها دور في فوزه بالرّئاسة.

تحدّي الهوية

حين سُئل كيسينجر عن قمّة هلسنكي الأخيرة بين ترمب ونظيره الرّوسي فلاديمير بوتين، قال: “إنّه لقاء كان يجب أن يُعقد”، وكان يدعو إليه منذ سنوات، لكنّ القضايا الدّاخلية الأميركية طغت عليه واصفا اللّقاء بأنّه “فرصة ضائعة”. أعلن كيسينجر: “أعتقد أنّ العالم يمرّ بفترة خطرة جدّا جدّا. وأنا عقدتُ عددا لا يُحصى من لقاءات القمّة، وبالتّالي فإنّهم لم يتعلّموا هذه القمّة [هلسنكي] منّي أنا”.

أشار كيسينجر إلى سوريا وأوكرانيا، قائلا: “من سمات روسيا الفريدة أنّها تتأثّر إذا حدث غليان في أيّ رقعة من العالم تقريبا، وهو يعطيها فرصة، كما أنّها تنظر إليه بوصفه تهديدا. أخشى أن يتسارع هذا الغليان”.

بحسب كيسينجر، اِفترض الغرب خطأ قبل أن يضمّ بوتين شبه جزيرة القرم أنّ روسيا ستعتمد النّظام الغربي القائم على قواعد محدّدة. قال: “الخطأ الّذي اِرتكبه حلف شمال الأطلسي هو الاِعتقاد أنّ هناك نوعا من التطوّر التّاريخي سيزحف على يوريشيا، ولم يفهم أنّ هذا الزّحف سيصطدم في مكان ما بشيء يختلف جدّا عن كيان على غرار صيغة فيستفاليا (مفهوم الغرب للدّولة). وبالنّسبة إلى روسيا، هذا يشكّل تحدّيا لهويّتها”.

لكنّه أكّد أنّه لا يعتقد “أنّ بوتين شخصيّة مثل هتلر، بل يخرج من معطف دوستويفسكي”.

ميركل محلّية جدّا

لاحظ مراسل صحيفة فايننشيال تايمز أنّ كيسينجر كان طيلة اللّقاء يتهرّب من الحديث عن ترمب. في النّهاية، قال: “أعتقد أنّ ترمب قد يكون شخصيّة من شخصيّات التّاريخ، تظهر بين حين وآخر لتؤشّر إلى نهاية حقبة وإجبارها على التخلّي عن اِدّعاءاتها القديمة. ولا يعني هذا بالضّرورة أنّه يعرف ذلك أو يفكّر في أيّ بديل كبير، بل من الجائز أن يكون ذلك مجرّد صدفة”.

قال كيسينجر إنّه لا يجد زعيما يثير اِهتمامه، ربّما باِستثناء إيمانويل ماكرون. لكن بحسبه، حتّى الرّئيس الفرنسي لا يستطيع أن يعتبره رئيسا فاعلا، “لأنّه ما زال في بدايته، غير إنّي معجب بأسلوبه”.

من الزّعماء الأوروبيين الآخرين، وصف كيسينجر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنّها “محلّية جدّا، أنا أحبّها شخصيّا وأحترمها لكنّها ليست شخصيّة فوق العادة”.

ثمّ اِنتقل الحديث إلى زبيغنيو بريجينسكي، غريم كيسينجر، الّذي عمل هو أيضا مستشار الأمن القومي في الإدارة الدّيمقراطية للرّئيس جيمي كارتر. قال كيسينجر إنّ بريجنسكي “يكاد أن يكون فريدا في جيلي، كنّا نحن الإثنين نعتبر أنّ الأفكار عن النّظام العالمي هي مشكلة عصرنا الأساسية. كيف نقيمه؟ كانت أفكارنا مختلفة إلى حدّ ما”. وأشار إلى عدم وجود “مناظرة اليوم وهي شيء من الضّروري أن يكون موجودا عندنا”.

عالم بلا أمريكا؟

عن العلاقات عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتّحدة، قال كيسينجر: “إنّ القادة الأوروبيين في أربعينيات القرن الماضي كان لديهم حسّ واضح بالاِتّجاه، وهم الآن في الأغلب يريدون تجنّب المتاعب”، مشيرا إلى أنّهم مع ذلك لا يفلحون في تجنّبها.

أضاف: “إنّ ألمانيّا مرموقا قال لي أخيرا إنّه كان دائما يفهم التوتّر مع أميركا بصفته طريقة للاِبتعاد عن أمريكا، لكنّه يجد نفسه الآن خائفا من عالم بلا أمريكا”.

قال كيسينجر إنّ اِنفصام تحالف شمال الأطلسي سيحيل أوروبا “ملحقا بيوريشيا” يكون تحت رحمة الصّين الّتي تريد اِستعادة دورها التّاريخي بوصفها المملكة الوسطى، وتكون “المستشار الرّئيس لكلّ البشرية”. وفي هذه الأثناء، ستصبح أمريكا جزيرة جيوسياسية على جانبيها محيطان شاسعان، ومن دون نظام أساسه القواعد تدافع عنه.

كان كيسينجر أشدّ حذرا إزاء الذّكاء الاِصطناعي الّذي اِعترف بأنّه موضوع ما زال يصارعه. لكنّه أعرب عن خوفه من عواقب مجهولة لحرب تُخاض بالرّوبوتات، لعالم يكون مطلوبا فيه من الآلات أن تتّخذ قرارات أخلاقية. في ختام اللّقاء، قال: “كلّ ما أستطيعه في السّنوات القليلة المتبقّية من حياتي هو إثارة هذه القضايا، ولا أدّعي أنّ عندي إجابات عنها”.

للاِطّلاع على النصّ الأصلي للحوار، اُنقر هنا: https://www.ft.com/content/926a66b0-8b49-11e8-bf9e-8771d5404543




مجلّة “ذي ناشيونال إنترست” تحذّر من خطورة اِنهيار مصر وتحوّلها إلى دولة فاشلة

حذّرت مجلّة “ذي ناشيونال إنترست” الأمريكية من خطورة اِنهيار مصر، وتحوّلها إلى دولة فاشلة، بسبب ما وصفته بـ”رداءة الحكم، وهشاشة الوضع الاِقتصادي”.

وقالت المجلّة الأمريكية في تقرير لها، ترجمته “عربي21”، إنّ مصر أصبحت اليوم أقلّ قدرة كلاعب إقليمي ممّا كانت عليه قبل عقود؛ نظرا لسنوات من التّآكل الدّاخلي للدّولة المصرية، مشيرة إلى أنّ حال الجيش المصري الآن ما هو إلاّ اِنعكاس رديء للقوّة الّتي كانت لدى مصر في 1973.

وحول اِتّجاه رئيس سلطة الاِنقلاب في مصر، عبد الفتّاح السّيسي، إلى التّقارب مع روسيا على حساب العلاقات المصرية الأمريكية؛ بسبب التوتّرات الثّنائية الّتي شهدتها الأعوام الأخيرة بين القاهرة وواشنطن، اِستبعدت الصّحيفة الأمريكية أن تتحوّل المؤسّسة العسكرية المصرية من الولاء للغرب إلى الولاء لروسيا.

وأشارت المجلّة الأمريكية إلى أنّه “ليس من السّهل تحويل أنظمة التّشغيل العسكرية بجرّة قلم، خاصّة بعد عقود من اِعتماد مصر على التّجهيزات والتّدريبات الأمريكية في جميع المجالات فيما عدا شبكة الصّواريخ الدّفاعية”، مؤكّدة أنّ موسكو لا يمكنها أن تمنح القاهرة المميّزات الّتي تحصل عليها من خلال علاقاتها بواشنطن.

وأكّدت أنّ “مصر لم تعد بالأهمّية ذاتها الّتي كانت عليها ذات مرّة كحليف عسكري للولايات المتّحدة”، موضّحة أنّ “تزلّف واشنطن إلى السّيسي، والسّعي إلى اِسترضائه، بالرّغم من سياساته الضالّة خشية أن يتحوّل إلى موسكو، لن يوقف اِنهيار مصر”.

وأردفت المجلّة الأمريكية قائلة: “لم تعد مصر جائزة اِستراتيجية يمكن للولايات المتّحدة أو روسيا أن تكسبها، وإنّما باتت تحدّيا يحتاج إلى المعالجة من خلال الدّبلوماسية الحذرة، وربّما عند الضّرورة من خلال دبلوماسية الإكراه”.

بينما يتركّز جلّ الاِهتمام بشأن التّنافس بين الولايات المتّحدة وروسيا في الشّرق الأوسط على سوريا وإيران، إلاّ أنّ الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين ما لبث يحاول بهدوء الولوج إلى مصر. فعلى سبيل المثال تعرض أنا بورشفسكايا في مقال أخير لها صورة خطيرة تبدو فيها الولايات المتّحدة على وشك فقدان مصر لصالح روسيا.

ولقد سمعنا هذا الكلام من قبل، وسمعناه بالذّات من قبل أولئك الّذين يعارضون إلحاق أيّ شروط بالمساعدة العسكرية الّتي تقدّمها الولايات المتّحدة إلى مصر. يقول هؤلاء “عليكم الحذر، فالرّئيس عبد الفتّاح السّيسي لم يعد يعتقد بأنّ بإمكانه الاِعتماد على الولايات المتّحدة بسبب التوتّرات الثّنائية الّتي شهدتها الأعوام الأخيرة”. ثمّ تحذّر هذه النّظرية من أنّ القاهرة بدأت تتّجه نحو روسيا، الأمر الّذي من شأنه في نهاية المطاف أن يحرم الولايات المتّحدة من حليف مهمّ في المنطقة.

وأصل الحقيقة في هذه الفرضية أنّ السّيسي يسعى فيما يبدو إلى إحياء لعبة الحرب الباردة الّتي جُرّبت في الماضي وأثبتت نجاعتها في إشغال الولايات المتّحدة وروسيا ببعضهما البعض. إضافة إلى ذلك، يبدو أنّه معجب إلى درجة كبيرة بالرّئيس الرّوسي بوتين، فكلاهما في الأصل ضابط مخابرات وكلاهما طاغية مستبدّ. ولكن لدينا ما يجعلنا نشكّ فيما إذا كانت المؤسّسة العسكرية المصرية على اِستعداد لأن تتحوّل من الولاء للغرب إلى الولاء لروسيا، كما نشكّ فيما إذا كانت مصر ماتزال بنفس أهمّيتها الّتي كانت عليها ذات مرّة كحليف عسكري للولايات المتّحدة.

نحتاج لأن نرى الإيقاع المتسارع في علاقات التّعاون ما بين مصر وروسيا خلال السّنوات الأخيرة ضمن سياق أوسع بكثير من مجرّد المثلّث الأمريكي المصري الرّوسي. فمصر لا تسعى إلى اِستبدال الولايات المتّحدة بقدر ما ترغب في كسب الدّعم الرّوسي وإضافته إلى ما تحصل عليه من دعم أمريكي. ثمّ، لقد سعت مصر ما بعد الثّورة إلى التحوّل نحو سياسة خارجية أكثر اِستقلالا تتمكّن من خلالها من اللّعب بكفلائها وضرب بعضهما بالبعض الآخر. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما يحدث ذلك ما بين مصر وكفلائها السّعوديين والإماراتيين. كما كانت تلك هي الخطّة الأصلية لجمال عبد النّاصر قبل أن يتحالف بشكل مكشوف مع الاِتّحاد السّوفياتي ما بعد حرب السّويس في عام 1956. بمعنى آخر، لا ترغب مصر في أن تكون متواكلة على روسيا أكثر ممّا هي متواكلة على الولايات المتّحدة. أضف إلى ذلك أنّ السّيسي سعى إلى توسيع الاِرتباطات الدّفاعية والتّجارية مع ألمانيا وفرنسا تماما كما فعل مع روسيا.

وفي خضمّ طفرة الزّيارات والإعلانات الثّنائية فإنّ من السّهولة أن يقع المرء في المبالغة في تقدير حجم ما تقدّمه روسيا لمصر. خذ على سبيل المثال قروض روسيا لمصر، والّتي يتوجّب على مصر سدادها، فهذه ليست بديلا عن المنح الّتي تقدّمها الولايات المتّحدة مساعدة لمصر، كما أنّ روسيا ليست في نفس المقام كالولايات المتّحدة من حيث تسهيل دخول مصر إلى العواصم الأوروبية وإلى المؤسّسات المالية الدّولية. ما تحتاجه مصر هو الاِستثمار من قبل القطاع الخاصّ، وتحتاج من ذلك إلى الكثير والكثير جدّا– وليس هذا ممّا بإمكان بوتين أن يقدّمه. أضف إلى ذلك أنّه ليس من السّهل تحويل أنظمة التّشغيل العسكرية بجرّة قلم وخاصّة بعد عقود من اِعتماد مصر على التّجهيزات والتّدريبات الأمريكية في جميع المجالات فيما عدا شبكة الصّواريخ الدّفاعية.

كما أنّ بوتين لم يكن داعما للسّيسي بلا شروط كما يزعم بعض النّاس، وفي نفس الوقت لم يرحّب السّيسي بكلّ اِستهلالات بوتين ومقترحاته. مازال بوتين محجما عن اِستئناف جميع الرّحلات الجوّية التّجارية إلى مصر، والّتي توقّفت منذ التّفجير الإرهابي الكارثي في 2015 والّذي حطّم الطّائرة الرّوسية بعيد إقلاعها من مطار شرم الشّيخ. صحيح أنّ بوتين وافق مؤخّرا على السّماح للرّحلات الجوّية بالتوجّه إلى القاهرة ولكنّه لم يسمح بعد باِستئنافها إلى المطارات المطلّة على ساحل البحر الأحمر، والّتي كانت المهوى الرّئيسي للسيّاح الرّوس الّذي كانوا يتردّدون على مصر بأعداد كبيرة. وأمّا السّيسي فمازال محجما بدوره عن الاِستجابة لطلب روسي بالسّماح للرّوس باِستخدام المطارات العسكرية المصرية– ربّما لأنّ من شأن ذلك أن يضرّ بعلاقاته مع المؤسّسة العسكرية في الولايات المتّحدة.

ولكن ماذا لو اِنهارت العلاقة العسكرية بين الولايات المتّحدة ومصر لأيّ سبب من الأسباب وسعى السّيسي إلى تعويض ذلك من خلال التّحالف المكشوف مع روسيا؟ سيبدو ذلك على السّطح كما لو كان اِنسحابا آخر للولايات المتّحدة من موقعها الّذي كانت يوما تهيمن فيه على المنطقة. أمّا من النّاحية العملية، فإنّ تأثير ذلك على المصالح الأمريكية سيكون أقلّ بكثير ممّا كان متوقّعا في الماضي.

نظرا لسنوات من التّآكل الدّاخلي للدّولة المصرية، فإنّ مصر اليوم أقلّ قدرة كلاعب إقليمي ممّا كانت عليه قبل عقود وما جيشها اليوم إلاّ اِنعكاس رديء للقوّة الّتي كانت لديها ثمّ تبرأت منها تماما في عام 1973. فعلى سبيل المثال، يتمتّع الجيشان الأردني والإماراتي اليوم بقدرة أكبر بكثير على إظهار القوّة وبسط النّفوذ داخل المنطقة وهما أكثر قابليّة من المصريين للعمل باِنسجام مع القوّات الأمريكية.

وباِستثناء ليبيا، والّتي هي أكثر أهمّية بالنّسبة للأوروبيين منها للمصالح الأمريكية، لم تبد مصر رغبة في نشر قوّاتها خارج حدودها. لقد اِنتقلت القوّة إلى الخليج نظرا للأهمّية المتزايدة للنّفوذ الاِقتصادي، وفي الوقت ذاته تفوّقت البلدان العربية الأخرى وبلدان شمال أفريقيا على مصر في مجالات مثل التّنمية البشرية. وبينما يبدو أنّ إدارة ترامب تعتقد بأنّ مصر تشكّل حجر الزّاوية في عمليّة السّلام الإسرائيلية الفلسطينية، إلاّ أنّه لا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو ولا رئيس السّلطة الفلسطينية محمود عبّاس يتوقّع منهما تجاوز ما رسمه كلّ منهما لنفسه من خطوط حمراء نزولا عند طلب من السّيسي.

تقف معاهدة السلّام الإسرائيلية المصرية على أرض صلبة، كما أنّ العلاقات الثّنائية، الدّافئة على المستوى الرّسمي الباردة على المستوى الشّعبي، لم تعد تعتمد على تشجيع الولايات المتّحدة ولا على تدخلّاتها. والأغلب أنّ مصر ستستمرّ في السّماح للسّفن الأمريكية بالعبور من خلال قناة السّويس مقابل المبالغ السخيّة الّتي تدفعها البحرية الأمريكية. قد تبادر مصر بحظر حقوق التّحليق والهبوط للطّائرات العسكرية الأمريكية، ولكنّ هذه المصلحة نفسها غدت أقلّ قيمة ممّا كانت عليه ذات يوم بفضل اِستمرار الولايات المتّحدة في تعزيز موقعها في قطر. كما أنّ السّلوك العربي الآخذ في التّساهل تجاه إسرائيل والاِنفتاح عليها قد يفتح هو الآخر خطوطا جديدة للطّائرات المدنية والعسكرية على حدّ سواء. وأخيرا، يصعب تقدير القيمة الحقيقية لتعاون مصر مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب، ولكن ما نعلمه يقينا هو أنّ السّياسات المصرية تساهم بشكل أو بآخر في مفاقمة مشكلة الإرهاب، ونعلم كذلك أنّ مصلحة القاهرة تكمن في الاِستمرار في عمليات مكافحة الإرهاب بغضّ النّظر عن مستوى العلاقات بين مصر والولايات المتّحدة الأمريكية.

مكمن الخطر بالنّسبة للولايات المتّحدة لا يتمثّل في اِحتمال خسارتها لمصر وإنّما في اِحتمال أن تنزلق هذه الدّولة ذات المائة مليون نسمة لتغرق في مصير غامض أو لتصبح حتّى دولة فاشلة بسبب رداءة الحكم والنموّ السّريع في تعداد السكّان وهشاشة الوضع الاِقتصادي. ما من شكّ في أنّ ذلك سيكون مآلا مؤسفا حقّا، وذلك أنّ مصر القويّة من شأنها أن تكون مصدرا مهمّا للاِستقرار في الشّرق الأوسط. إلاّ أنّ التّنافس مع موسكو على ولاء مصر لن يوقف اِنهيار البلد. ثمّ، لا بدّ من التّحذير من أنّها من خلال التزلّف إلى السّيسي والسّعي إلى اِسترضائه، بالرّغم من سياساته الضالّة؛ خشية أن يتحوّل إلى روسيا، فإنّ الولايات المتّحدة إنّما تزيد من اِحتمال تحقّق مثل هذه المآلات السّوداوية. لم تعد مصر جائزة اِستراتيجية يمكن للولايات المتّحدة أو روسيا أن تكسبها، وإنّما باتت تحدّ يحتاج إلى المعالجة من خلال الدّبلوماسية الحذرة، وربّما عند الضّرورة من خلال دبلوماسية الإكراه.




“الحروب السّياسية”…

 

تطوّرت أساليب الحروب وأدواتها عبر التّاريخ، فكانت تغدو في كلّ مرحلة تاريخية أكثر تعقيدا من حيث الأدوات، وأكثر فتكا بحيوات البشر. وقد كان الشّغل الشّاغل للإنسان هو كيف يخوض حربا ينتصر فيها، بعد أن يُوقِع أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدوّ، ويخرج هو بأقلّ خسائر ممكنة. وهو الأمر الّذي اِنتهى في نهاية المطاف بظهور ما يُسمّى “الحروب السّياسية”.

وفي هذا الشذأن، أصدرت مؤسّسة “راند” الأمريكية للأبحاث عام 2018، كتابا بعنوان: “الحروب السّياسية الحديثة: الممارسات الحالية والاِستجابات المحتملة”، قام بإعداده مجموعة من الباحثين. ويتضمّن مراجعة تاريخية لتجربة الولايات المتّحدة مع الحروب السّياسية، وتقييما جادّا لبعض دراسات الحالة الّتي اُستُخدمت فيها بشكل واسع أدوات الحروب السّياسية. ويقدّم المؤلّفون توصيات للحكومة الأمريكية من أجل تطوير قدراتها الاِستراتيجية على ردع تهديدات أمنها القومي، ومواجهة الحروب السّياسية الّتي تُثار ضدّها.

مفهوم “الحروب السّياسية”:

يركّز الكتاب على تحليل ظاهرة الحروب، كممارسة سياسية، تقوم بها الدّولة والفواعل السّياسية الأخرى من غير الدّول. وينطلق من تعريف الدّبلوماسي الأمريكي “جورج كينان” في عام 1948 مع بداية الحرب الباردة لمصطلح “الحرب السّياسية”، حيث عرّفها بأنّها “توظيف كافّة الوسائل- خلال وقت السّلم- لتحقيق الأهداف الوطنية للدّولة، من خلال عمليّات علنية وسرّية، تتراوح بين إدارة التّحالفات السّياسية واِتّخاذ التّدابير الاِقتصادية، وصولا إلى تشجيع عناصر المعارضة السرّية في الدّول المعادية”.

ويرى المؤلّفون أنّ الحرب السّياسية ليست سوى مصطلح واحد من بين عدّة مصطلحات تصف حالات الصّراع الّتي لا تدخل حيّز الحروب التّقليدية. فالمحلّلون الصّينيون اِستخدموا مصطلح “الحرب غير المقيّدة”، أمّا الرّوس فقد تداولوا مسمّى “القوّة النّاعمة” و”حرب الجيل الجديد”، أمّا الولايات المتّحدة فقد أسّست لعدد من المصطلحات، منها: “نزاعات المنطقة الرّمادية” و”الحرب الهجينة” و”الحرب غير المتماثلة” و”الحرب غير النّظامية”.

وكان المصطلح الأخير هو الّذي تمّ اِعتماده في العقيدة العسكرية الأمريكية من قبل وزارة الدّفاع، والغرض الأساسي من طرح هذه التّسميات الجديدة، هو التّركيز والتّأكيد على العناصر غير العسكرية وغير القاتلة لهذا الشّكل من أشكال الحروب.

بالطّبع يمكن اِستخدام مثل هذه العناصر في الحروب التّقليدية العادية، لكنّ التّركيز عليها يسمح لنا بالكشف عن قدرات صنّاع القرار على اِفتعال الصّراعات وإضعاف الخصوم وزعزعة اِستقرارهم، وأحيانا تعطيلهم، وخلق عواقب أكثر دراماتيكية، مثل ضمّ روسيا “شبه جزيرة القرم” بشكل سريع ودون اللّجوء إلى حرب شاملة.

الحروب السّياسية الأمريكية:

يشير الكتاب إلى أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية قد مارست الحروب السّياسية في وقت مبكّر من تاريخ تأسيسها، وحتّى قبل التّأسيس، ولكنّها أصبحت رائجة خلال حقبة الحرب الباردة، حيث اِستخدمت واشنطن مجموعة واسعة من التّدابير السّياسية والثّقافية والإعلامية والاِقتصادية، وذلك من خلال عدد من المؤسّسات، مثل: وكالة الولايات المتّحدة للمعلومات USIA، والوكالة الأمريكية للتّنمية الدّولية USAID، ووزارة الخارجية، ووكالة الاِستخبارات المركزية.

ومن بين التدابير التي استخدمتها الولايات المتحدة في محاربة الشيوعية، كانت الجهود الاجتماعية، حيث تم دعم عدد من المؤلفين والفنانين والمجلات، بالإضافة إلى إذاعة “صوت أمريكا”. وكذلك تدابير اقتصادية؛ شملت تقديم مساعدات طويلة الأمد للدول والأحزاب السياسية والنقابات والتنظيمات الأخرى. ناهيك عن التدابير السرية التي شملت عمليات اغتيال، والتي صارت مقيدة بعد ذلك من قبل الكنيسة ولجنة تحقيقات “بايك”. وبسبب هذه التحقيقات، أصدر الرئيس جيرالد فورد عام 1976 قرارًا يحظر على أي مؤسسة أمريكية القيام بأي نوع من أنوع الاغتيالات السياسية، وقد أكدت الأوامر التنفيذية اللاحقة هذا الحظر.

وبعد الحرب الباردة، تم تفكيك العديد من المؤسسات الأمريكية، مثل وكالة المعلومات USIA، وتم تخفيض التمويل المالي والبشري لكل من وزارة الخارجية ووكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ولكن في أواخر التسعينيات، تم بذل جهود لإعادة إحياء بعض هذه التدابير، من حيث الإبقاء على الإذاعات والتليفزيونات الأمريكية في الخارج، وتطوير نموذج جديد للديموقراطية وبرامج اقتصادية عبر “الصندوق الوطني للديمقراطية NED” و”مؤسسة تحدي الألفية MCC”.

حروب الجيل الجديد: 

تناول الكتاب كيف استخدمت روسيا أدوات الحرب السياسية، وهو ما ظهر جليًّا في مواجهة دول البلطيق بعد حادث “الجندي البرونزي” عام 2007 (هي الأزمة التي جاءت عقب إعلان الولايات المتحدة عن نيتها نشر أجزاء من نظام دفاعها الصاروخي في كل من جمهوريتي التشيك وبولندا، وبدأت الأزمة فعليًّا عندما تمت إزالة النصب التذكاري للجندي السوفيتي الواقع في قلب العاصمة الأستونية “تالين‏”،‏ والذي يمثل ذكرى مشاركة القوات السوفيتية في الحرب العالمية الثانية).

ويشير إلى أن روسيا تؤكد أن أنشطتها كانت دفاعية بامتياز، وجاءت كرد فعل لممارسات الولايات المتحدة. فهي ترى أن الأنشطة الأمريكية، سواء التي تتعلق بتعزيز الديمقراطية في بعض أنحاء العالم، أو دعم المجتمع المدني ووسائل الإعلام المفتوحة، ما هي إلا أدوات للحرب السياسية التي تهدد موسكو في كثير من الأحيان. ويُضيف الكتاب أن “حروب الجيل الجديد” بالنسبة لروسيا تعتمد بشكل أساسي على فرض النفوذ الاقتصادي، واستخدام مفهوم الوكالات الاجتماعية، واختراق وسائل الإعلام. وأن موسكو استثمرت بكثافة في الدعاية كإحدى أدوات الحرب السياسية، ولكن ليس عن طريق إقناع الخصوم والمحايدين بوجهة نظرها، بل عن طريق عمليات التشويش والتضليل المعلوماتي والإعلامي.

فخلال الأزمة الأستونية عام 2007، اعتمدت روسيا على السياسة الانتهازية بدلًا من نهج “حروب الجيل الجديد”. وبعبارة أخرى، استخدمت روسيا التدابير الدعائية الموجهة ضد خصومها، ثم ما لبثت أن استغلت كافة أدوات الحرب السياسية التي تمتلكها في هذه المواجهة.

الحروب بالوكالة:

وعن الأساليب الأخرى للحرب السياسية، يشير الكتاب إلى استخدام إيران مجموعة واسعة من الأدوات دون اللجوء للحروب التقليدية وذلك لتحقيق أهدافها السياسية الإقليمية. ويشير إلى أن تصريحات كبار المسئولين هناك توثِّق لأبرز ملامح التوجهات الرسمية الإيرانية فيما يتعلق بأدوات إدارة معاركها الإقليمية.

وبينما تركز الكثير من الأدبيات السياسية على دراسة مؤسسات الحرب في إيران، كالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، فإن الكتاب يتناول تفصيلًا مضمون البرامج السياسية والثقافية والإعلامية والاقتصادية التي تستخدمها طهران في مدّ نفوذها وشراكاتها حول العالم. وتناول أيضًا تفاصيل تطوير إيران لميليشياتها في العراق وسوريا، لتصبح بمثابة قنوات للتأثير الديني والسياسي والعسكري.

وقد توصل المؤلفون إلى أن استراتيجية “القوة الناعمة” الإيرانية ترتكز بشكل كبير على التأثير الثقافي والسياسي والديني، كرافعات رئيسية وقوية. وهي تستخدم مداخل مختلفة للتأثير على مختلف الفئات، سواء كانوا شيعة أو سنة، أو عربًا أو كُردًا. وأن طهران تستخدم شبكة عالمية من المنظمات الثقافية والإعلامية ذات التأثير الواسع، وتقوم بدعمهم ماديًّا. ويعتبر “فيلق القدس” جزءًا من هذه الشبكة.

وتقوم إيران بتوظيف ميليشياتها العسكرية على مرحلتين: الأولى من خلال دفعهم إلى حروب بالوكالة في جبهات عسكرية لتحقيق أهداف سياسية، وبعد تثبيت أقدام هذه الميليشيات في ساحات المعركة، تأتي المرحلة الثانية، وهي منح صفة الديمومة لتواجد هذه الميليشيات في تلك الساحات، عن طريق عمليات إحلال وتجديد دائمة في صفوفها. وأن استخدام طهران لوكلاء عرب في سوريا (الميليشيات العراقية والقوات شبه العسكرية التابعة لحزب الله) له نفس أهمية التدخل العسكري المباشر بالنسبة لها.

فاعلية وسائل التّواصل الاِجتماعي:

اكتسب تنظيم داعش شهرة واسعة بسبب ممارساته الوحشية وقدرته على إدارة المناورات العسكرية. ومع ذلك، فقد تميز أيضًا بالفطنة والابتكار في استخدام أدوات وتدابير الحروب غير العسكرية، بما في ذلك وسائل الإعلام الاجتماعية (للمساهمة في عمليات الدعاية والتجنيد) وتطبيق سياسات وتكتيكات اقتصادية على المناطق المُسيطر عليها، والعمل على تخويف السكان الأصليين من بطش التنظيم. ومن خلال تحليل ما تم العثور عليه من وثائق التنظيم التأسيسية، إضافة إلى تحليل المحتوى الدعائي الذي نشره التنظيم على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، باللغتين العربية والإنجليزية، توصل الكتاب إلى أن إعلان “الخلافة” من قبل التنظيم جاء -في المقام الأول- لتوحيد المقاتلين الإسلاميين المتطرفين تحت راية واحدة، وتعزيز عمليتي الدعاية والتجنيد. وأن التنظيم يجرد المُجندين الجدد من هوياتهم القديمة، بحجة إبعادهم وإنقاذهم من طريق “الضلال”.

وبعد أن اعتمد تنظيم داعش على موقع “تويتر” كمنبر رئيسي على شبكة الإنترنت، تم حظر معظم الحسابات التابعة له، ولكن التنظيم امتلك مرونة كبيرة في عملية الاتصالات، وتصدير رسائله الإعلامية، من خلال تنويع مصادر بثه الإعلامي، وعمل نسخ احتياطية من تلك الرسائل والبيانات على أكثر من موقع. ويشير الكتاب إلى أن تنظيم داعش استهدف فئات مختلفة من الجماهير بأنماط مختلفة من الرسائل. ففي رسائله التي تم بثها باللغة العربية، استخدم تعبيرات عنيفة ولغة انفعالية، وهو ما يتغير بشكل جذري في المحتوى الذي كان يقدمه باللغة الإنجليزية، والذي كان أكثر تحفظًا.

خصائص عدّة:

من خلال استعراض دراسات الحالة السابقة، ينكشف أن هناك مجموعة من السمات الرئيسية التي تُشكل ظاهرة الحرب السياسية، وكذلك هناك مجموعة من القيود التي تحد من فاعلية أدوات هذه الحرب؛ فهناك بيئات يصعب فيها استخدام تكتيك الحرب السياسية، وهي التي يفتقد فيها الخصم للمصداقية والشعبية، والتي يتمتع فيها المجتمع بالمرونة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.وعلى ذلك يمكن تلخيص أبرز خصائص الحرب السياسية فيما يلي:

1- يمكن لـلفاعلين السياسيين من غير الدول أن يصلوا إلى مستويات غير مسبوقة في ممارسة الحروب السياسية.

2- تستخدم الحروب السياسية كافة عناصر القوة الوطنية.

3- غالبًا ما تعتمد الدول في حروبها السياسية على قوات وأدوات غير مُحددة المصدر أو الجهة.

4- ساحة المعلومات هي واحدة من أبرز معارك الحروب السياسية، والتفوق فيها يمنح صاحبه قدرة متزايدة على حسم الحرب لصالحه.

5- هناك أكثر من تكتيك لإدارة حرب المعلومات، وتتراوح بين التضخيم والتشويش، والإقناع في بعض الأحيان. ولكن يجب أن نعرف أن تقديم الأدلة المقنعة في الوقت المناسب هو أفضل “ترياق” للتضليل.

6- لكي تتمكن الدول -في مرحلة مبكرة- من الكشف عن الحروب السياسية التي تُدار ضدها، يجب أن تستثمر موارد كبيرة في العمليات الاستخباراتية.

7- بالطبع يمكن أن تُولّد الحروب السياسية حزمة من العواقب التي لم يكن من المقصود تحقيقها.

8- غالبًا ما تُفضِّل الدول الكبرى استخدام “النفوذ الاقتصادي” باعتباره أحد أهم أسلحتها في الحروب السياسية.

9- تستغل بعض الدول الأزمات العرقية أو الدينية لإحداث انشقاقات حادة داخل الدولة الخصم، وذلك خلال مراحل الحروب السياسية.

10- غالبًا ما تشغل الحروب السياسية مدى زمنيًّا أطول من الحروب التقليدية، كما يمكن من خلالها أن تُلحق بخصمك آثارًا تدميرية أعمق وبتكلفة أقل.

مواجهة التّهديدات:

لم يكن الكتاب معنيًّا بتحليل وتفصيل المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الوقت الحالي، ولكنه ركز على تحليل المتطلبات الأساسية لاتباع نهج غير عسكري وفعال وغير مُكلِف، قادر -في وقت مبكر- على ردع التهديدات المختلفة، أو منع الصراعات من التصعيد، أو التخفيف من آثارها، وفي بعض الحالات قد يعمل هذا النهج على ردع التهديدات الأولية وهي في مرحلة التشكل.

وتعتبر وزارة الخارجية هي القيادة المعينة بصنع السياسة الخارجية وتمثيل مصالح الولايات المتحدة في الخارج. لذا، ومن المنطقي أنها يجب أن تقود أي جهد حكومي يُبذل لمواجهة تهديد خارجي سياسي أو دبلوماسي، وهي المنوطة أيضًا بالتنسيق بين وكالات صنع القرار الأخرى التي يطلب منها الرئيس الأمريكي الاستشارة، حيث يمتلك موظفو الخارجية معرفة متعمقة بتاريخ البلدان وديناميات عمل أنظمتها السياسية والاقتصادية الحالية، وهو الأمر الذي يفتقده موظفو “مجلس الأمن القومي” الأمريكي، والذي يستحوذ حاليًّا -ومنذ عقدين ماضيين- على قدرٍ كبير من مهام وزارة الخارجية.

وبجانب ضرورة استعادة وزارة الخارجية لدورها التاريخي والتقليدي في مواجهة الحروب السياسية، فقد أشار الكتاب إلى ضرورة تعزيز قدرة الحكومة الأمريكية على العمل المشترك مع الدول الأخرى في مواجهة تحديات الأمن العالمي؛ حيث عمليات التخطيط والتنسيق المشترك مع تلك البلدان التي تتعرض بالفعل للعدوان أو التخريب أو الإكراه أو محاولات زعزعة الاستقرار، وهو ما يمنح فاعلية أكبر لجهود ردع الحروب السياسية.

(عرض: الباحث محمّد محمود السيّد)

المصدر

Linda Robinson, Todd C. Helmus, Raphael S. Cohen, Alireza Nader, Andrew Radin, Madeline Magnuson and Katya Migacheva, “Modern Political Warfare: Current Practices and Possible Responses”, (California: RAND Corporation, 2018)




الردّ الصّيني الاِستراتيجي على الرّسوم والإجراءات التّجارية الّتي فرضها ترامب

حسب الغارديان البريطانية: الردّ الصّيني على الرّسوم والإجراءات التّجارية الّتي فرضها ترامب ليس عشوائيّا، ويهدف لضربه في قاعدته الاِنتخابية، أي في ولايات الغرب الأوسط الأميركي.
مثال:

  • أكبر بند على قائمة الضّرائب التّجارية الّتي وضعتها الصّين، فول الصويا. وهو محصول يزرع في ولايتي أيوا ونبراسكا، وكلاهما من ولايات ترامب في الاِنتخابات الرّئاسية الأخيرة.
  •  واردات البرتقال الأميركي ستؤذي المزارعين في ولاية فلوريدا، وهي ليست من ولايات الغرب الأوسط، لكنّها من الولايات المتأرجحة عادة في الاِنتخابات.

ونقلت الغارديان عن دان إيكنسون مدير مركز هربرت ستيفل لدراسة السّياسات التّجارية قوله إنّ الرّسوم الجمركية المضادّة قد تكبّد الاِقتصاد الأميركي 100 مليار دولار، أي ما يساوي تقريبا المكاسب المقدّرة من تخفيضات ترامب لضرائب الشّركات.

وأوضح إيكنسون أنّ “الفكرة وراء الردّ الصّيني الاِستراتيجي هو تذكير الرّئيس (ترامب) بأنّه يحتاج تلك الولايات من أجل تحقيق اِنتصارات للجمهوريين في الخريف (في الاِنتخابات النّصفية للكونغرس في نوفمبر).




اليمن/ القيود المفروضة على الإمدادات المنقذة للأرواح تعرّض حياة ملايين المدنيّين للخطر

حذّرت منظّمة العفو الدّولية، في تقرير صدر لها اليوم، من أنّ ملايين الأرواح عرضة للخطر بسبب القيود الّتي يفرضها التّحالف الّذي تقوده السّعودية على دخول السّلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود والإمدادات الطبّية، إلى اليمن الّذي مزّقته الحرب، وثمّ تأخير سلطات الأمر الواقع الحوثية في توزيعها.

ويوثّق التّقرير المعنون: “تضييق الخناق”، كيف فرض التّحالف قيودا مفرطة على دخول السّلع الأساسية والمساعدات، في حين عرقلت السّلطات الحوثية حركة المساعدات داخل البلاد. وقد أدّت هذه العقبات- الّتي تفاقمت نتيجة للهجوم العسكري المميت بقيادة السّعودية على الميناء الحيوي لمدينة الحديدة- إلى تفاقم الحالة الإنسانية، المتردّية أصلا في اليمن، واِنتهاك القانون الدّولي.

وقالت لين معلوف مديرة البحوث في برنامج الشّرق الأوسط بمنظّمة العفو الدّولية: “إنّ القيود غير القانونية الّتي فرضتها قوّات التّحالف بقيادة السّعودية على الواردات، إلى جانب التدخّل الحادّ في توزيع المساعدات على أيدي الحوثيين، تمنع وصول الإمدادات المنقذة للأرواح إلى اليمنيّين الّذين هم في أمسّ الحاجة إليها”.

“هذه القيود لها عواقب وخيمة على المدنيّين، فالملايين منهم على حافّة المجاعة، وفي حاجة إلى المساعدة الإنسانية. ولا يمكن تجاهل هذه الأزمة الإنسانية الّتي صنعها الإنسان. ويجب على العالم ألاّ يدير ظهره لها، بينما تختنق الحياة ببطء في اليمن”.

ومنذ 2015، شدّد التّحالف مرارا الحصار البحري على الموانئ الّتي يسيطر عليها الحوثيون في سليف والحديدة– وتحوّل القيود المفروضة على الواردات التّجارية دون حصول اليمنيين على الغذاء.

كما ساهمت القيود والتّأخيرات المفروضة على وصول الوقود والإمدادات الطبّية في اِنهيار نظام الرّعاية الصحّية في البلاد. فأسلوب وتوقيت القيود المشدّدة- الّتي تأتي بعد إطلاق صواريخ الحوثي على العاصمة السّعودية، الرّياض– يشيران إلى أنّ ذلك يمكن أن يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي بالسكّان المدنيين في اليمن، الأمر الّذي يشكّل جريمة حرب.

كما أنّ سلطات الأمر الواقع الحوثية خلقت أيضا عوائق أمام إيصال المساعدات الإنسانية داخل اليمن، حيث يصف عمّال الإغاثة لمنظّمة العفو الدّولية كيف تسبّبت الإجراءات البيروقراطية المفرطة في تأخيرات شديدة.

وفي تصعيد آخر في الأسبوع الماضي، شنّت القوّات اليمنية المدعومة من التّحالف بقيادة السّعودية هجوما على الحديدة، ممّا أدّى إلى قطع خطّ الإمداد الحيوي، وهذا سيزيد من تفاقم أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم.

الدّخول إلى الميناء مقيّد من قبل التّحالف بقيادة السّعودية

بدأت المملكة العربية السّعودية بتفتيش السّفن، وتأخير أو تقييد الوصول إلى موانئ اليمن المطلّة على البحر الأحمر في عام 2015، بحجّة أنّها كانت تفرض حظرا على الأسلحة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2216. ونتيجة لذلك، في عام 2015، كانت آلية الأمم المتّحدة للتحقّق والتّفتيش قد أنشئت لتخليص السّفن التّجارية المتّجهة إلى موانئ البحر الأحمر في اليمن مع ضمان الاِمتثال لحظر الأسلحة.

ومع ذلك، واصل التّحالف عمليات تفتيشه للسّفن، حتّى بعد أن قامت قوّات الأمم المتّحدة بتفريغها للوصول للميناء، وإخضاعها للتّأخير المفرط. واُضطرّت السّفن المتّجهة إلى موانئ البحر الأحمر باليمن إلى اِنتظار إزالة الألغام لمدّة 120 ساعة في المتوسّط في مارس 2018، و74 ساعة في أفريل 2018.

في 15 مارس 2018، دعا مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة الدّول الأعضاء إلى تفتيش السّفن الّتي سبق تخليصها من قبل آلية الأمم المتّحدة للتحقّق والتّفتيش “بطريقة فعّالة وفي الوقت المناسب”. وواصل التّحالف تجاهل هذه الدّعوة، وأساء اِستخدام نظام التّفتيش، ومنع تسليم السّلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.

وقد أسفر هذا التّأخير عن تفاقم مشكلة نقص الوقود، ممّا قلّل من إمكانية الحصول على الغذاء والمياه النّظيفة والوصول إلى المرافق الصحّية، وساهم في اِنتشار الأمراض الّتي يمكن الوقاية منها. ووفقا لخمسة أفراد من الطّاقم الطبّي الّذين تمّ التحدّث معهم، فإنّ نقص الوقود جعل من الصّعب أيضا تشغيل المستشفيات، والّتي تحتاج إلى تشغيل مولّدات كهربائية توفّر الكهرباء.

وأضافت لين معلوف قائلة: “إنّ عمليات التّفتيش المفرطة هذه لها تأثير كارثي على اليمن. فبتأخير الإمدادات الحيوية، مثل دخول الوقود والدّواء إلى البلاد، يسيء التّحالف الّذي تقوده السّعودية اِستغلال سلطاته لإلحاق ضرر إضافي بمشقّة المدنيين الأكثر ضعفا في اليمن”، فالحصار الّذي يتسبّب في إلحاق ضرر كبير وغير متناسب بالمدنيّين محظور بموجب القانون الدّولي”.

سلطات الأمر الواقع الحوثية تضع العراقيل أمام المساعدة الإنسانية داخل اليمن

تحدّثت منظّمة العفو الدّولية إلى 11 فردا من عمّال الإغاثة الّذين يشغلون مناصب رفيعة المستوى في منظّمات غير حكومية تعمل في اليمن منذ بداية النّزاع. فوصفوا مجموعة من الممارسات، الّتي تنفّذها بها باِستمرار سلطات الأمر الواقع الحوثية، أعاقت إيصال المساعدات الإنسانية.

ووصف عمّال الإغاثة كيف أدّت الإجراءات البيروقراطية المفرطة والتعسّفية إلى فرض قيود على حركة موظّفي المساعدات الإنسانية. ففي إحدى المرّات، وصف مسؤول إغاثة كيف اِستغرق الأمر شهرين لنقل الإمدادات إلى خارج صنعاء، عندما وصلت الإمدادات إلى البلد، و”كان أصعب جزء هو إخراج المساعدات من المستودع بمجرّد دخولها إلى اليمن”.

ووفقا لما ذكره عمّال الإغاثة الّذين تمّ التحدّث معهم، فإنّ سلطات الأمر الواقع الحوثية تحاول السّيطرة على إيصال المعونة والتّأثير على من يتلقّاها، وتحديد المناطق الّتي ترسل إليها المساعدات.

وقال أحد مسؤولي الإغاثة لمنظّمة العفو الدّولية إنّ “القوّات الحوثية غالبا ما تطلب منهم تسليم المساعدات وأنّهم سيتولّون توزيعها”. وذكر العديد من عمّال الإغاثة المرّات الّتي طالب فيها العاملون الحكوميون برشاوى من مجموعات إنسانية من أجل إقرار مشاريع أو تنقّل الموظّفين.

ومضت لين معلوف تقول: “إنّ التدخّل المتكرّر والمفرط والتعسّفي لقوّات الحوثيين في إيصال المساعدات وتوزيعها يتسبّب في أضرار لا توصف للمدنيّين الّذين تتدمّر حياتهم نتيجة لذلك”. “فيجب على السّلطات الحوثية أن تضع حدّا للعراقيل الّتي تعوق إيصال المساعدات، وتنفيذ المشاريع الإنسانية، مع اِتّخاذ تدابير فعّالة للقضاء على قضيّة الاِبتزاز”.

 يجب على حلفاء السّعودية اِتّخاذ موقف

تدعو منظّمة العفو الدّولية مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة إلى ضمان السّماح لجميع أطراف النّزاع في اليمن بالوصول الفوري، ودون عوائق، إلى وكالات الأمم المتّحدة والمنظّمات الإنسانية لتوصيل الطّعام والوقود والأدوية والإمدادات الطبّية إلى المدنيّين المحتاجين إليها في جميع أنحاء اليمن.

وينبغي أن تفرض عقوبات محدّدة على المسؤولين عن عرقلة المساعدات الإنسانية، وعن اِرتكاب اِنتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدّولي.

واِختتمت لين معلوف قائلة: “يجب على التّحالف بقيادة السّعودية أن يضع حدّا للتّأخير في وصول الواردات التّجارية من السّلع الأساسية المتّجهة إلى موانئ اليمن المطلّة على البحر الأحمر، ويسمح بإعادة فتح مطار صنعاء أمام الرّحلات الجوّية التّجارية. كما ينبغي على الدّول الّتي تقدّم دعما للتّحالف، ولا سيما الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وفرنسا، أن تضغط عليه للقيام بذلك”.

خلفيّة

 بين ديسمبر 2017 وجوان 2018، أجرت منظّمة العفو الدّولية مقابلات مع 12 فردا من العاملين في مجال الإغاثة، بالإضافة إلى ستّة أطباء وثلاثة موظّفين طبيين آخرين، وخمسة من نشطاء المجتمع المحلّي في صنعاء والحديدة وتعز. وتحدّث جميع من أجريت معهم المقابلات مع منظّمة العفو الدّولية بشرط السرّية التامّة بسبب قلقهم من أنّ هويّتهم العامّة يمكن أن تعرّضهم وعائلاتهم لخطر جسيم، أو تقويض قدرتهم على القيام بعملهم دون مزيد من القيود.

للاِطّلاع على التّقرير كاملا، اُنقر هنا: https://www.amnesty.org/download/Documents/MDE3185052018ARABIC.PDF