أوروبا ومعضلة عودة مقاتليها الدّواعش

فتاة داعش الألمانية

لا ينقطع ولا يتوقّف الحديث والجدل حول مصير المقاتلين المتطرّفين الّذين اِنضمّوا إلى تنظيم داعش أثناء فترة حكمه لمناطق واسعة في سوريا والعراق، المقاتلون الغربيّون والأوروبيّون تحديدا يشكّل مصيرهم نقطة خلاف وحيرة سياسيّا وأمنيّا وشعبيّا في أوروبا، وأحدث الأمثلة الفتيات البريطانيّات الثّلاثة اللاّتي اِلتحقن بالتّنظيم وهنّ مراهقات ويحتدم الجدل الآن في المجتمع البريطاني إن كان يجب قبول عودتهنّ ومحاكمتهنّ أم لا ويشمل جميع الإشكالات القانونيّة المرتبطة بالحالتين.

الآن ومع إعلان قوّات سوريا الدّيمقراطية معركتها الأخيرة ضدّ التّنظيم في آخر جيوبه في البلاد، ومع قرار الولايات المتّحدة الاِنسحاب من سوريا وتغيير اِستراتيجيّتها بسبب ما تراه هزيمة للتّنظيم، تزداد الأسئلة إلحاحا.

أكثر من 40 ألف مقاتل اِنضمّوا إلى التّنظيم في فترة خمس سنوات بحسب المفوّضية الأوروبية، يعتقد أنّ 5000 منهم قدموا من أوروبا.

ماذا بعد نداءات واشنطن؟

في بادئ الأمر أدارت الحكومات الأوروبية ظهرها للمشكلة بشكل عامّ، إلاّ أنّ بعض الدّول أخذت تعيد النّظر في مواقفها خاصّة بعد التّشجيع الأمريكي.

أصبحت جمهورية شمال مقدونيا أوّل دولة أوروبية تقوم باِستعادة ملفتة لمواطنيها، حيث أعادت وقاضت سبعة مقاتلين في أوت 2018.

وفي جانفي، قالت فرنسا إنّها تفكّر في إعادة 130 رجلا واِمرأة إلى وطنهم، لكن بعد مرور شهر، لم يُحرز أيّ تقدّم على الإطلاق..

ألمانيا، الّتي في رصيدها الكثير من المقاتلين الأجانب، تقول إنّها تراقب القضيّة الفرنسية عن كثب، وقالت وزارة الخارجيّة الألمانية في بيان صدر في نوفمبر “إنّ الحكومة الفيدرالية تدرس جميع الخيارات المتاحة لعودة المواطنين الألمان”.

ويرى خبراء أنّ هذا التردّد ينبع من أنّ الكثير من الأدلّة ضدّ المقاتلين العائدين قد لا تصمد في المحكمة أو قد تكون حتّى بلا قيمة، وأحيانا قد يكون من الصّعب إيجادها من الأساس.

وفي حين تبدو أوروبا غير مهتمّة بالقضيّة، هناك شيء واحد في حكم المؤكّد وهو خضوع أيّ مقاتل يعود من تلقاء نفسه للمحاكمة.

وقال وزير الأمن البريطاني بن والاس لوسائل الإعلام البريطانية يوم الخميس إنّ “كلّ من يخرج للقتال أو دعّم منظّمات مثل [داعش]… يجب أن يتوقّع تحقيقا، وعلى الأقلّ يجب أن يتوقّع خضوعه للمحاكمة”.

ويحتدم الجدل الآن في بريطانيا حول ما إذا كان خيار تجريد المقاتلين من جنسيّاتهم قرارا قابلا للتّنفيذ.

وأفادت وزارة الدّاخلية الألمانية هذا الشّهر بأنّ ثلث مواطنيها البالغ عددهم ألف، الّذين يعتقد أنّهم اِنضمّوا إلى داعش في العراق وسوريا منذ 2013 قد عادوا، وقد تمّت مقاضاة العديد من هؤلاء أو إخضاعهم لبرامج إعادة تأهيل.

ماذا عمّن لم ينخرط في القتال؟

قامت وسائل الإعلام بإجراء العديد من المقابلات مع أوروبيّين كثير منهم من النّساء، ممّن غادروا للاِلتحاق بالتّنظيم والآن يريدون العودة زاعمين أنّهم لم يشاركوا في القتال.

أحدثهم البريطانية شيماء بيغوم الّتي قالت إنّها غير نادمة على ما فعلته ولكنّها تريد العودة إلى بريطانيا خوفا على سلامة اِبنها الّذي لم يولد بعد.

كما أجرت كلّ من فرنسا وبلجيكا مقابلات مع رعاياها، الّذين أعربوا عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم، في حين أجرت وكالة فرانس برس مقابلة مع صانع أحذية ألماني، أصرّ على أنّه لم يشارك في القتال.

ويقول خبراء إنّ هذه الاِدّعاءات شائعة، ولا يمكن اِعتبار النّساء بريئات دائما فبعضهنّ عملن في الشّرطة الشّرعية وفي التّجنيد، لكن لصعوبة إثبات هذا يبقى السّؤال إن كان منح فرصة ثانية مطروحا أم لا.

ويرى الخبراء أيضا أنّ حتّى أولئك الّذين لم يقاتلوا، فإنّ وجودهم كأجانب منح دعاية التّنظيم جرعة دعم كبيرة واِنتصار معنويّ ودعائيّ.

معضلة إعادة الأطفال؟

بالنّسبة لأوروبا، يبدو أنّ إعادة الأطفال إلى الوطن هي الأولويّة والخطوة الأكثر إلحاحا.

في أكتوبر، قالت فرنسا إنّها تعمل على خطط لإعادة الأطفال الّذين يولدون لمقاتلين أجانب. في بلجيكا، تمّ تقسيم سياسات إعادة الأطفال إلى فئات عمريّة.

ووفقا للتّقارير، فإنّ الأطفال الّذين تقلّ أعمارهم عن 10 سنوات لديهم الحقّ في العودة فورا إلى بلجيكا، في حين أنّ الأشخاص الّذين تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاما سوف يتمّ التّدقيق بحالاتهم كلّ حالة على حدة.

غير أنّ الحكومة البلجيكية تعهّدت بالطّعن على حكم قضائيّ صدر في ديسمبر وأمر بإعادة 6 أطفال وأمّهاتهم إلى وطنهم.

وقال تقرير لإلباييس إنّ إسبانيا عملت للمساعدة في إعادة عائلات مقاتلي داعش، وذهبت إلى حدّ دفع فاتورة المرشدين لنقلهم من مناطق الصّراع إلى تركيا.

كما تفيد روسيا بأنّها أعادت لأراضيها أطفالا ولدوا لأعضاء داعش الرّوس.

في حين أنّ هذا يبدو علامة على تقدّم أوروبيّ في هذا الملفّ، لا يزال هناك تردّد كبير، مصدره الخوف من الضّغوط لإعادة الأمّهات وباقي أفراد العائلة في عودة الأطفال، قد تصل حدّ الضّغط لإعادة المقاتلين أنفسهم.

وتبقى العودة جزءا واحدا، وقد يكون يسيرا أمام تحدّيات ومراحل أخرى ستواجه أوروبا كإعادة إدماج العائدين في المجتمع، وتحدّي الوصمة الّتي ستلاحق العائدين، خاصّة الأطفال. الأمر الّذي بدأت تعمل عليه الكثير من المنظّمات والمؤسّسات لوضع خطط وسياسات لتحقيق ذلك بطريقة ممنهجة وفعّالة.




مركز كارنيغي للدّراسات: على النّخبة التّونسية أن تقتنع بأنّه لا ديمقراطية حقيقيّة من دون حركة النّهضة

الأستاذ طارق عمراني

نشر مركز كارنيغي للدّراسات ورقة بحثية على موقعه الإلكتروني تحت عنوان Politicians or Preachers? What Ennahda’s Transformation Means for Tunisia للباحث فابيو ميرون اِعتبر فيه أنّ الاِنتخابات التّشريعية التّونسية نهاية هذه السّنة ستكون تحدّيا لحركة النّهضة، فإمّا أن تثبت دورها كلاعب سياسيّ رئيسيّ في تونس أو تكون بداية لصراع داخلي بين أقطابها إذا ما فشلت سياسة رئيسها راشد الغنّوشي لإقناع قواعد الحزب بجدوى فصل السّياسي عن الدّعوي لا سيما بعد التّململ الكبير من المبادرة التّشريعية الّتي اِقترحها رئيس الجمهورية بالمساواة في الميراث بين الجنسين وهي مبادرة أعادت إلى الواجهة الجدل حول التوجّه الجديد للحركة الإسلامية.

واِعتبر فابيو ميرون أنّ النّهضة قد فقدت جزءا من زخمها الشّعبي الّذي كانت تكتسبه من الطّابع الدّعوي لكنّها تبقى لاعبا رئيسيّا في المشهد السّياسي التّونسي وعليها أن تؤكّد ذلك في الاِنتخابات التّشريعية وما يرافق ذلك من تحدّيات. فالفوز سيعزّز ثقة الشّارع والمتعاطفين، أمّا الخسارة فإنّها ستتسبّب في شرخ داخلي من قبل الجناح الرّافض لسياسات الغنّوشي.

وأضاف الكاتب بأنّ المشهد ضبابي في تونس حيث لا توجد ضمانات تؤكّد قبول المكوّنات العلمانية للدّخول في تحالف جديد مع حركة النّهضة، خاصّة بعد المصير الّذي لاقاه حزب نداء تونس بالإضافة إلى الاِضطرابات الاِجتماعية النّاجمة عن الأزمة الاِقتصادية الخانقة الّتي يعرفها البلد الصّغير في شمال أفريقيا، وهي معطيات يمكن أن تؤثّر على الوضع الأمني ممّا سيمثّل مطيّة للتّكنوقراط المحلّيين والمؤسّسات الدّولية المانحة لممارسة الوصاية السّياسية في البلاد ممّا سيزيد من صعوبة اِضطلاع حركة النّهضة بدور الحزب الحاكم بشكل مباشر. وهذا السّيناريو يشكّل ضربة في المقتل للاِستثناء الدّيمقراطي التّونسي حيث لا تزال النّخبة في تونس تدعو إلى ديمقراطية هجينة من دون القبول الكامل بحزب إسلامي قويّ ،وهي معضلة تعرفها تونس منذ سنة 2011 إلى اليوم، حيث عرفت البلاد عديد الهزّات القويّة كما أنّ مناخ اِنعدام الثّقة في السّياسة الوطنية يشي بتواصل هذه الحالة دون إيجاد حلّ جذريّ.

للاِطّلاع على المقال الأصليّ كاملا، اُنقر هنا: https://carnegie-mec.org/2019/01/31/politicians-or-preachers-what-ennahda-s-transformation-means-for-tunisia-pub-78253




وكالة بلومبيرغ: في حال قرّر اِتّحاد الشّغل الدّخول في المعترك السّياسي فإنّه سيصبح مهدّدا بالاِندثار

نشرت وكالة بلومبيرغ مقالا سلّط الضّوء فيه على التحرّكات الأخيرة للاِتّحاد العام التّونسي للشّغل والتحدّيات الّتي تواجهه لا سيما بعد إعلانه عن اِعتزامه المشاركة في الحياة السّياسية والاِنتخابية.

وأشار المقال إلى أنّ فرضية تشكيل الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل لحزب سياسي أمر غير مستبعد لا سيما أنّ هناك تجارب مماثلة في العالم مثل النّقابة العمّالية في بولونيا الّتي تحوّلت إلى حزب “سوليدارنوشك”. كما أنّ أمامه خيار دعم حزب سياسي آخر كما هو الحال مع مجلس جنوب إفريقيا لاِتّحادات العمّال الّذي تحالف مع المؤتمر الوطني الإفريقي أو هناك خيار ثالث بالدّخول بقائمات اِنتخابية مستقلّة.

واِعتبر الكاتب أنّه في حال قرّر اِتّحاد الشّغل الدّخول في المعترك السّياسي فإنّ هناك دروسا وجب اِستخلاصها من التّجربتين البولندية و الجنوب أفريقية، فقد اِندثرت حركة  “سوليدارنوشك” البولونية رغم المكانة السّياسية لزعيمها “ليخ فاليشا” أوّل رئيس للبلاد في فترة ما بعد الشّيوعية. أمّا مجلس نقابات العمّال في جنوب أفريقيا فقد أفل نجمه رغم عدم مشاركته بصفة مباشرة في الاِنتخابات حيث شهد موجة كبيرة من الاِنسلاخات.

وأضاف المقال بأنّ الاِتّحاد العام التّونسي للّشغل لم يحدّد طريقة مشاركته في الاِنتخابات، كما نقل عن ياسين إبراهيم زعيم حزب آفاق تونس قوله “من الأفضل لاِتّحاد الشّغل أن يكون حزبا سياسيّا والدّفاع بشكل مباشر عن إيديولوجيّته وعرض برنامجه على الشّعب ولإذا نجح فليطبّق برنامجه عبر حكومة شرعيّة”.

وأردف كاتب المقال بالإشارة إلى أنّ هناك أحزاب سياسية تغازل المنظّمة الشّغيلة وأبرزها حزب نداء تونس الّذي فقد بوصلته خلال تولّيه الحكم بعد 2014 وعرف اِنشقاقات أخرجته من السّلطة حيث تواترت أخبار بأنّه يجري مشاورات مع الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل لتشكيل “جبهة وطنية” علمانيّة قصد التصدّي لحركة النّهضة الإسلامية. وفي هذا الصّدد يقول القيادي في نداء تونس رضا بلحاج “نحن في حاجة إلى تحالف مع المنظّمة الشّغيلة”، كما أنّ الباجي قائد السّبسي يحتاج إلى دعم المنظّمة الشّغيلة في صورة اِعتزامه الترشّح لعهدة اِنتخابية.

وختم المقال باِعتبار أنّ نداء تونس يختلف في الرّؤى الاِقتصادية والاِجتماعية مع الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل لكن ليس لديه خيار غير التقرّب منه ومغازلته.

للاِطّلاع على المقال في نسخته الأصليّة، اُنقر هنا: https://www.bloomberg.com/opinion/articles/2019-02-06/tunisia-s-ugtt-labor-union-blocks-path-to-reform




مالك بالنّبي في مواجهة الإسلام السّياسي…

الأستاذ رياض الشعيبي

تابعت هذه الأيّام بعض فعاليّات مؤتمر دولي بالدّوحة بمناسبة الذّكرى 70 لصدور كتاب “شروط النّهضة” لمالك بالنّبي.
ولقد اِسترعى اِنتباهي حضور رموز من حركات الإسلام السّياسي ومحاضرين يدور أغلبهم في فلكها للحديث عن مالك بالنّبي وعن مشروعه الفكري والحضاري. وليس في ذلك حرج على هذه العائلة الإيديولوجية أن تتدارس مناهج فكريّة أخرى لتحاول الاِستفادة منها، وتجاوز ما يعترضها من صعوبات ذاتيّة.

أمّا وسياق المؤتمر ينسب هذا الفكر الحضاري والتّاريخي لمدرسة الإسلام السّياسي ويدّعي كونه ليس أكثر من فرع من فروعه، والقفز على حجم الاِختلاف بينهما، بل وتناقض مشروع النّهضة كما تصوّره مالك بالنّبي مع الطّابع الإيديولوجي لحركات الإسلام السّياسي، ففي ذلك لا شكّ تزوير لهذا الفكر واِغتيال لأصالته ووجاهة طرحه.
وإذا كنّا اليوم نتحدّث عن فكر مالك بالنّبي ونتخاصم حول اِمتداداته المعاصرة فلأنّ هذا الفكر يحافظ على راهنيّته رغم مرور عقود طويلة على تشكّله في ذهن صاحبه.
وحتّى لا يبقى كلامنا حول الاِنتساب الفكري لمالك بالنّبي واِمتداداته المعاصرة مجرّد ضرب بالقول، فإنّنا سنتوقّف عند ثلاثة مستويات للحديث عن الاِختلاف وغالبا التّناقض بين المشروع الفكري والحضاري لمالك بالنّبي والمشروع الفكري والسّياسي للحركات الإسلامية المعاصرة.

أوّلا من حيث المنشأ: هل نشأ فكر مالك بالنّبي في أحضان الفكر الإسلامي الحركي؟
حتما لا. ليس فقط لأنّ مالك بالنّبي لم يتعلّم اللّغة العربية إلاّ سنتين قبل وفاته ممّا منعه من قراءة أدبيّات الإسلام السّياسي، ولا فقط لأنّه تأثّر كثيرا بالثّقافة الأوروبية عكس مدرسة الإسلام السّياسي وخاصّة مع سيّد قطب والمودودي، بل خاصّة لأنّ مشروعه الفكري أقرب لفكر النّهضة العقلاني في القرن التّاسع عشر الّذي يحاول أن يجيب عن السّؤال المحوري: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ بل وأقرب لما عبّر عنه عبد الحميد بن باديس واِتّحاد العلماء الجزائريين وفكر علاّله الفاسي وحتّى محمّد الطّاهر بن عاشور في بعض أفكاره.
ولا شكّ أنّ المثقّفين والمختصّين يعون جيّدا الفرق بين هذا الفكر والفكرة الإسلامية الإحيائية وخاصّة في فكر رشيد رضا وحسن البنّا وتلامذته*.

ثانيا من حيث البنية: هل يتماهى فكر مالك بالنّبي في بنيته المنطقيّة مع مفاهيم الإسلام السّياسي؟
أيضا لا. فالسّجالات الطّويلة بينه وبين سيّد قطب خلال إقامته بمصر نهاية خمسينات القرن الماضي حول مفهومي الحضارة والمدنية، وعدم اِلتحاقه بجمعيّة القيم الّتي أسّسها محفوظ النّحناح (الأب الرّوحي لجماعة الإخوان المسلمين بالجزائر) سنة 1964، ورفضه لشعار “الاسلام هو الحلّ” وتأسيسه لملتقى الفكر الإسلامي بفلسفته الحضارية لا العقديّة، كلّ ذلك يبيّن بوضوح الاِختلاف البنيوي بين منهج التّحليل الحضاري والاِجتماعي والتّاريخي الّذي اِعتمده مالك بالنّبي (سيرا على النّهج الخلدوني) والمقاربة العقدية التّربوية الفقهيّة لمختلف مدارس الإسلام السّياسي**.

ثالثا من حيث التوجّه العام: هل تبنّى مالك بالنّبي نفس حلول الإسلام السّياسي لمشاكل الواقع؟
كذلك لا. فتشخيصه لمشاكل الواقع كان أعمق وأكثر تعقيدا من مجرّد الحديث عن الاِنحراف السّلوكي أو الأخلاقي أو حتّى العقدي. فمدرسة الإسلام السّياسي اِختزلت قضايا واقعها في هذه الأبعاد ولم تخرج في مقاربتها للحلول الاِجتماعية في أغلب الأحيان عن المستوى الاِعتقادي والوعظي، في حين بقيت المسألة السّياسية رهينة البعد التّشريعي. لذلك نتوقّف في الحديث عن الخلاف بين المدرستين عند ثلاثة قضايا:

_ يعتبر مالك بالنّبي في تشخيصه للواقع أنّ المشكل الحضاري وقضيّة التمدّن هي أخطر ما يواجهه المسلمون. ولذلك وحتّى نستعيد فاعليّتنا الحضارية نحتاج إلى اِستيعاب العلوم الحديثة والتّقنيات المعاصرة وبناء صناعة قويّة ومزدهرة. بالنّسبة له لا سبيل للخروج من أزمتنا بغير التّفكير العلمي وثقافة العمل والإنتاج.
فأين هذا المنهج من تشخيص مدرسة الإسلام السّياسي الّتي ترى أنّ ضعفنا بسبب اِنحرافنا عن ديننا وحتّى نعود أقوياء لا بدّ من تصحيح الاعِتقاد وتقويم السّلوك الأخلاقي!!!

_ دافع مالك بالنّبي عن فكرة الأفرو_أسياوية في تمثّل واضح للجغرافيا السّياسية وللعلاقات الدّولية، معتبرا أنّ الاِستعمار ومن ورائه الإمبريالية هي التحدّي الأكبر أمام مشروع النّهضة الحضارية. ويعدّ هذا الفهم بعيدا كثيرا عن المقاربة الإيديولوجية للإسلام السّياسي الّتي تماهي بين مفهوم الأمّة الدّينية والأمّة بالمعنى السّياسي وحتّى الحضاري. في حين أنّ فكرة الأفرو_ أسياوية قائمة على تقاطع الجغرافي مع السّياسة الدّولية مع التّصنيف الاِقتصادي والاِجتماعي. أمّا العامل الدّيني فلا شكّ محرّك أساسي للتّاريخ وأداة تعبئة ضرورية لكن دون اِختزال للمشاكل أو الحلول في هذا البعد. طبعا لا حاجة للتّذكير بعلوّ فكرة الأمميّة الإسلامية في أيّة مقاربة جيو_سياسيّة في تنظيرات الإسلام السّياسي.

_ يعتبر مالك بالنّبي أنّ شروط النّهضة الحضارية تتمثّل في الجمع بين ثلاثة عناصر هي: الإنسان+ الأرض+ الوقت.
فهل نحتاج هنا لإبراز التّناقض بين هذه الرّؤية وما تطرحه مدرسة الإسلام السّياسي!!!

عندما اِخترت عنوانا لهذا المقال: مالك بالنّبي في مواجهة الإسلام السّياسي، لم يكن هدفي الإثارة أو شدّ الاِنتباه، لأنّ مالك بالنّبي يعتبر بالفعل الإسلام السّياسي باِعتباره مقاربة إيديولوجية عائقا أمام أيّة نهضة حضارية ممكنة***.
لذلك عندما يتحدّث منظّرو الإسلام السّياسي في مؤتمر حول مشروع النّهضة الحضارية إنّما يكرّسون الجهل بما أراد مالك بالنّبي قوله وتهميش منهجه الفكري والحضاري، ومثلما مات الرّجل غريبا في قومه يمضي اليوم غريبا بين من يدّعون الاِحتفاء بفكره.


* يصرح مالك بالنّبي بأنّه لم يقرأ أيّ شيء لحسن البنّا ولا يدري حتّى إن كان له كتبا أم لا، بل ويعتقد أنّه لم يكتب أيّ شيء.
كما أنّه لم يفهم في البداية طبيعة الخصومة بين جماعة الإخوان المسلمين وجمال عبد النّاصر، لكنّه فيما بعد اِتّخذ موقفا إيجابيّا واضحا مع الضبّاط الأحرار وضدّ الإخوان.
هذا ونشر كتابه عن فكرة الأفرو_أسياوية في مصر سنة 1958 وبمساعدة رسمية من الدّولة المصرية.
** من أجل الإنصاف، فلقد تحدّث الشّيخ راشد الغنّوشي (أحد منظّري الإسلام السّياسي) عن الجذور الخلدونية لفكر مالك بالنّبي. لكن بالمقابل وعلى اِمتداد كلّ كتاباته لا تكاد تلحظ أثرا لهذا الفكر في آرائه ومقارباته، بل على العكس بقي فكره رهين إيديولوجية إسلامية منغلقة.
*** أشير هنا فقط لكتاب مالك بالنّبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.




فنزويلا… سيناريوهات الاِستقرار والتّغيير

تصاعدت الأزمة الفنزويلية مع إعلان رئيس البرلمان “خوان جوايدو” تنصيب نفسه رئيسا لفترة اِنتقالية للبلاد، والاِعتراف به من قبل الولايات المتّحدة الأمريكية وكندا وبعض دول أمريكا اللاّتينية. واِزدادت حالة التوتّر في البلاد، مع وضع الاِتّحاد الأوروبي مهلة لمدّة أسبوع للرّئيس الفنزويلي المنتخب “نيكولاس مادورو” لإعلان إجراء اِنتخابات رئاسية عاجلة، وإلاّ فإنّها ستتّجه هي الأخرى للاِعتراف بـ”جوايدو” رئيسا لفنزويلا.

اِنفراط المجتمع:

تعود جذور الأزمة الفنزويلية إلى عام 2014، حينما شهدت اِنهيارا اِقتصاديّا سريعا اِرتباطا بتراجع أسعار النّفط الّذي يُمثّل المصدر الوحيد تقريبا للدّخل القومي في البلاد، حيث يشكّل إنتاج النّفط حوالي 96% من عائدات فنزويلا، فضلا عن تراجع إنتاجها من النّفط إلى مستوى هو الأقلّ منذ 30 عاما، حيث بلغ 1,4 مليون برميل في اليوم مقارنة بمعدّل إنتاج قياسي حقّقته البلاد قبل الأزمة، وهو 3,2 ملايين برميل. وبات العجز المالي يُشكّل نحو 20% من إجمالي النّاتج الدّاخلي، في حين بلغ الدّين الخارجي 150 مليار دولار في أوت 2018.

ومع تراجع سعر النّفط، تراجعت قدرة البلاد على الاِستيراد؛ حيث قلّت بالتّبعية العملة الأجنبية، وتسبّب سوء إدارة الحكومة للوضع في دخول البلاد في حالة ركود حادّ، وهو ما أطلق عليه البعض “السّقوط الحرّ للاِقتصاد”، حيث تدهورت قيمة العملة، واِرتفعت أسعار السّلع الأساسية عشرات الأضعاف، ووصل التضخّم إلى معدّلات قياسية، حيث وصل إلى مليون في المائة.

ولم تستطع حكومة “مادورو” اِحتواء الأزمة، بل إنّ السّياسات الّتي اِتّخذتها زادت الأمر سوءا، حيث قامت الحكومة بطباعة المزيد من الأوراق النّقدية، وأطلقت عملة نقدية جديدة، ورفعت ضريبة القيمة المضافة من 4% إلى 16%، كما رفعت الحدّ الأدنى للأجور 34 ضعفا عن المستوى السّابق في محاولة لتقليل الاِحتقان الشّعبي.

وصاحب تدهور الوضع الاِقتصادي اِضطرابات اِجتماعية تمثّلت في اِندلاع اِحتجاجات، سواء من جانب حركات المعارضة أو من المواطنين الّذين يعانون نقصا شديدا في الغذاء والدّواء، بالإضافة إلى تراجع قدرتهم على شراء السّلع الأساسية الّتي أصبحت أسعارها خياليّة (وصل سعر الكيلوغرام من الأرز إلى 2 مليون وخمسمائة ألف بوليفار)، فضلا عن معاناتهم من اِنقطاع الكهرباء المتكرّر. وقد دفعت تلك الأوضاع ملايين السكّان إلى النّزوح خارج فنزويلا، حيث تقدّر أعداد المهاجرين منذ 2014 بحوالي ثلاثة ملايين فرد، ولا يزال هناك الملايين الّذين لم يستطيعوا الفرار ممّن علقوا في هذه الأوضاع المزرية. وعمدت الحكومة إلى مواجهة الاِحتجاجات بالقوّة، وهو ما ترتّب عليه سقوط حوالي 1230 قتيلا حتّى منتصف 2017.

 تصعيد “جوايدو”: 

تجدّدت الأزمة الفنزويلية من جديد بعد تأدية “مادورو” اليمين الدّستورية في بداية جانفي 2019، وذلك عقب الإعلان عن تولّيه فترة رئاسية جديدة لمدّة 6 سنوات، وكان ذلك إثر الاِنتخابات الرّئاسية المبكّرة الّتي تمّت في منتصف العام الماضي، والّتي أثارت جدلا واسعا.

فعلى الرّغم من رفض قوى المعارضة وبعض القوى الدّولية الاِعتراف بنتائجها؛ إلاّ أنّ مراقبي الاِنتخابات الدّوليين أكّدوا عدم حدوث أيّ تجاوزات تؤثّر على نتيجتها، وإن تراجعت نسبة المشاركة إلى حوالي 46% في ظلّ مقاطعة المعارضة للاِنتخابات، وغياب منافسين حقيقيّين أمام “مادورو”.

وقد اِعتبرتها المعارضةُ وبعض دول الإقليم غير شرعيّة، وأعلنت صراحة عدم اِعترافها بنتائج الاِنتخابات، وطالبت “مادورو” بعقد اِنتخابات أخرى في نهاية 2018. وحفّزت بداية الفترة الرّئاسية الجديدة لـ”مادورو” (2019- 2025) المعارضة مرّة أخرى للتّعبئة، والخروج في مظاهرات ومسيرات اِحتجاجية، والّتي وصلت إلى ذروتها مع تنصيب “خوان جوايدو” (رئيس البرلمان) نفسَه رئيسا لفنزويلا لفترة اِنتقالية.

ويُعدّ “جوايدو” أحد مؤسّسي حزب الإرادة الشّعبية الّذي نشأ في 2009، وقضى فترة في الولايات المتّحدة الأمريكية لإنهاء الدّراسات العليا بجامعة جورج واشنطن، وكان من بين المعارضين لحكم “شافيز”. وقد اُنتُخب “جوايدو” في 2011 نائبا في الجمعية الوطنية (البرلمان)، وأصبح في عام 2016 ممثّلا عن ولاية فارجاس الّتي تُعتبر واحدة من أفقر الولايات في فنزويلا.

ومن الجدير بالذّكر أنّ “جوايدو” (35 عاما) قد تمّ اِنتخابه رئيسا للجمعية الوطنية قبل إعلانه تنصيب نفسه رئيسا بثلاثة أسابيع فقط، وقبل 5 أيّام فقط من بداية رئاسة “مادورو” الجديدة، حيث اِختارته أحزاب المعارضة الفنزويلية زعيما لقيادتها كمرشّح تمّ التّوافق عليه بالإجماع، وتولّى المنصب في الخامس من جانفي 2019، وقد أدّى اِنتخابه إلى إعادة تعبئة معارضي الرّئيس “مادورو”.

وكان من اللاّفت للنّظر الدّعم السّريع الّذي حصل عليه “جوايدو” من الجانب الأمريكي، حيث أعلن الرّئيس “ترامب” اِعترافه بـ”جوايدو” رئيسا شرعيّا لفنزويلا بديلا عن “مادورو” لفترة اِنتقالية، ومن بعده كندا وبعض الدّول الإقليمية وعلى رأسها كولومبيا والبرازيل، فضلا عن فرنسا من الجانب الأوروبي، وهو ما يشير إلى وجود ترتيب مسبق بين هذه الأطراف حيال الأزمة.

المعادلة الدّولية: 

فتحت الأزمة السّياسية والاِقتصادية الحادّة في فنزويلا الباب أمام تدخّل القوى الدّولية، ومحاولة التّأثير عليها بما يخدم مصالحها، وهو ما يمكن تفصيله على النّحو التّالي:

1- التّصعيد الأمريكي لاِستعادة النّفوذ: تنظر الولايات المتّحدة إلى أمريكا اللاّتينية كمنطقة نفوذ أمريكي خالص، وسعت على مدار عقود للهيمنة على فنزويلا الّتي اِتّبعت سياسات معادية للولايات المتّحدة تحت حكم الرّئيس السّابق “هوجو تشافيز”، الّذي تبنّى أيضا سياسات اِشتراكية خلقت له شعبية كبيرة اِمتدّت خارج فنزويلا، وهو ما زاد الأمر سوءا، خاصّة وأنّ المعسكر الاِشتراكي في المنطقة المدعوم من روسيا أخذ في التوسّع خلال هذه الفترة، مع وصول حكومات اِشتراكية إلى الحكم في بعض دول القارّة.

وفي ضوء الوضع السّابق، جعلت الولايات المتّحدة من أولويّاتها ضمان تولّي حكومات موالية لها في القارّة عموما، وفنزويلا على وجه الخصوص. ومثّلت الأزمة الّتي تمرّ بها فنزويلا فرصة جيّدة سعت لاِقتناصها. ولا يتمثّل الدّور الأمريكي فقط في تأييد “جوايدو” في الأزمة الحالية، فقد سبقتها محاولات كثيرة لإسقاط نظام “مادورو”، والّتي يعتقد الأخير أنّها تمّت بدعم أمريكي، وقد تمثّل أهمّها في محاولة الاِنقلاب الفاشلة في 21 جانفي 2019، والّتي على إثرها هرب إلى الولايات المتّحدة بعض الضبّاط المتورّطين، أي قبل الأزمة الأخيرة بأيّام معدودة.

ومنذ اللّحظة الأولى الّتي نصّب فيها “جوايدو” نفسه رئيسا، اِعترفت به الولايات المتّحدة، بل إنّها دعّمته بطرق مختلفة آخرها إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في 30 جانفي حقّ “جوايدو” في السّيطرة على أيّ أصول تابعة لحكومة فنزويلا أو بنكها المركزي، في حوزة بنك نيويورك الاِحتياطي الاِتّحادي، أو أي بنوك أخرى تضمنها الولايات المتّحدة.

وسعت الولايات المتّحدة إلى تصعيد ضغطها الاِقتصادي على فنزويلا، حيث فرضت عقوبات جديدة منذ يومين على الشّركة الوطنية للنّفط في فنزويلا، والّتي تمتلك شركة النّفط “سيتجو” (Citgo) الّتي تتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّا لها. وتتضمّن العقوبات تجميد أصول مملوكة لشركة النّفط الفنزويلية في الولايات المتّحدة، والّتي تقدّر قيمتها بنحو 7 مليارات دولار، الأمر الّذي سيؤدّي إلى تكبّد الشّركة خسائر تزيد عن 11 مليار دولار خلال 2019. ومن ناحية أخرى، تلوّح الولايات المتّحدة بالتّصعيد العسكري، حيث تؤكّد أنّ كلّ الخيارات متاحة أمامها. ويمكن القول إنّ هذا التّهديد يهدف إلى الضّغط على قيادة القوّات المسلّحة الفنزويلية للتخلّي عن “مادورو” والاِنحياز للتيّار الآخر.

2- الضّغط الأوروبي المفتعل: اِتّخذ الاِتّحاد الأوروبي موقفا حاول خلاله أن يبدو فيه مدافعا عن الشّرعية الدّستورية، حيث منح مهلة ثمانية أيّام أمام الرّئيس “مادورو” لعقد اِنتخابات رئاسية مبكّرة، تنتهي يوم 3 فيفري. وفي حال اِمتناعه فسوف يعترف الاِتّحاد الأوروبي بشرعيّة “جوايدو” رئيسا لفنزويلا، وذلك خلال المرحلة الاِنتقالية، ولحين إجراء اِنتخابات جديدة.

وتسبّبت المهلة الّتي حدّدها الاِتّحاد الأوروبي في تصعيد الأزمة، حيث يدعو “جوايدو” المعارضة والجماهير إلى القيام بمسيرات مكثّفة للتّأثير على القوّات المسلّحة والشّرطة الوطنية للتخلّي عن “مادورو” والاِنحياز “للشّعب”. وقد أعلنت فرنسا صراحة رفضها لـ”مادورو” وتأييد “جوايدو”، بينما رفضت بريطانيا، بعد تدخّل أمريكي، طلب “مادورو” إعادة سبائك الذّهب المُودَعة لديها والمُقدّرة بـ1.2 مليار دولار، وذلك لتصعيد الضّغط على الرّئيس الفنزويلي للاِستقالة.

3- الدّعم الصّيني- الرّوسي: في مقابل الضّغط الأمريكي الأوروبي، تدعّم روسيا والصّين بقاء الرّئيس “مادورو”، وأعلنت كلا الدّولتين عدم الاِعتراف بشرعيّة “جوايدو”، وقدّمت كلا الدّولتين مساعدات لحكومة “مادورو” لمواجهة الأزمة الاِقتصادية الّتي تمرّ بها فنزويلا. فقد أعلنت روسيا العام السّابق ضخّ 6 مليارات دولار كاِستثمارات بفنزويلا، فضلا عن إبرام اِتّفاقيات لتصدير القمح الرّوسي لفنزويلا، حيث إنّ فنزويلا من الدّول المستوردة للسّلاح الرّوسي.

من جانبها، أعلنت الصّين عن توقيع مذكّرات تفاهم بشأن صفقات متعلّقة بالطّاقة والتّعدين تبلغ قيمتها مليارات الدّولارات، كما أرسلت مساعدات طبّية في سبتمبر الماضي من خلال سفينة السّلام لتعويض النّقص الشّديد في الأدوية، والّذي وصل إلى 85%. ومن جانبها، تصدّر فنزويلا 300 ألف برميل من النّفط يوميّا إلى الصّين، في سداد جزئي للدّيون البالغة 20 مليار دولار. كما أنّها مدينة لروسيا بمبلغ 10,5 مليارات دولار، بحسب العديد من الشّركات الاِقتصادية الاِستشارية، وهو ما يجعل الدّولتين تدعّمان “مادورو” أو أيّ مرشّح يطرحه الجيش خلفا له، وذلك لضمان مصالحهما هناك.

العامل الحاسم:

يُعدّ موقف القوّات المسلّحة هو العامل الحاسم في سير الأزمة الحالية، وهو الكارت الرّابح الّذي يحاول “مادورو” التمسّك به ويحاول الطّرف الآخر اِستمالته بشتّى الطّرق. ولا يزال الجيش الفنزويلي داعما لـ”مادورو” ويُناوئ المرشّح المفروض أمريكيّا، إذ أعلن وزير الدّفاع الفنزويلي أنّ الجيش يرفض إعلان رئيس البرلمان نفسه “رئيسا بالوكالة” لفنزويلا. مؤكّدا أنّ الجيش يدافع عن الدّستور.

وعلى جانب آخر، يحاول “جوايدو”، من جانبه، اِستمالة الجيش للتخلّي عن “مادورو” من خلال عرض العفو العامّ عن قياداته، فضلا عن القيام بمسيرات سلميّة أمام مراكز قيادات الجيش والشّرطة، وهو ما لم يتجاوب معه الجيش، ومن المتوقّع أن تتصاعد هذه المسيرات، وتحاول اِستمالته للتدخّل قبل اِنتهاء مهلة الاِتّحاد الأوروبي.

وتشير بعض التّقديرات إلى صعوبة تخلّي الجيش عن “مادورو”. ويرجع ذلك إلى الإشارات المتناقضة الّتي يرسلها “جوايدو” نفسه أثناء محاولاته اِستمالة الجيش، فبينما يعطي وعودا بالعفو، فإنّه في مواقف أخرى يشير إلى مطالبته باِتّخاذ إجراءات دولية لمعاقبة هؤلاء الّذين تسبّبوا في قتل عشرات الأفراد أثناء التّظاهرات.

وعلى جانب آخر، تحاول مؤسّسات الدّولة الدّاعمة لـ”مادورو” اِتّخاذ خطوات مضادّة لتحرّكات “جوايدو” غير القانونية، فقد أعلن رئيس المحكمة العليا “مايكل مورينو”، أنّ رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية “ممنوع من مغادرة البلاد حتّى اِنتهاء التّحقيق”، فضلا عن تجميد المحكمة أيضا حساباته المصرفيّة. وتأتي هذه الخطوة بعد أن أعلنت الولايات المتّحدة، في وقت سابق، أنّها سلّمت “جوايدو” السّيطرة على حساباتها المصرفيّة في فنزويلا لمنع الرّئيس “نيكولاس مادورو” من الاِستيلاء عليها في حال خروجه من السّلطة.

ختاما  تدور اِحتمالات تطوّر الأزمة بين أربعة سيناريوهات، هي: اِنحياز الجيش لصالح المعارضة، وهو السّيناريو الأبعد. أو أن يقوم بالسّيطرة على زمام الأمور وتنحية الطّرفين، ولكنّ البديل ليس واضحا في هذه الحالة. أو نجاح محاولات التّفاوض الّتي تحاول المكسيك التوسّط فيها في الأزمة الحالية، والوصول لتسوية بين الطّرفين. بينما يبقى الاِحتمال الرّابع، وهو الأضعف، في بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، ونجاح “مادورو” في التشبّث بالسّلطة.




23 جانفي 1961م ذكرى القصف الفرنسي لمنطقة الزّيتون بغارالدّماء

ظلّت أحداث منطقة الزّيتون الّتي وقعت في شهر جانفي سنة 1961م غامضةً ومجهولةً لدى أغلب سكّان منطقة غارالدّماء فما بالك بالمناطق الأخرى، ولا يَذكُرها النّاس إلاّ قليلاً، باِستثناء كبار السنّ الّذين عاشوا في تلك الفترة. وهي أحداثٌ مهمّة للغاية إذ سالت فيها دماء تونسيّة زكيّة بسبب القصف الّذي نفّذته القوّات الفرنسيّة في داخل التّراب التّونسي على إثر اِتّهام التّونسيين بمساندة الثّوار الجزائريين.

ولا ندرى بالتّحديد الأسباب الّتي جعلت الدّولة التّونسية تتجاهل هذه الأحداث وتضرب عنها صفحًا، ولا توليها الأهمّية الّتي أولتها لأحداث ساقية سيدي يوسف بجارتها الكَاف، رغم أهمّيتها والظّرفية الاِستثنائية الّتي وقعت فيها.

وهنا لا بدّ من التّذكير بمعطيات مهمّة تكشّفت لنا بعد البحث والتقصّي في الأرشيف الوطني التّونسي، ولدى من عايشوا مرحلة الثّورة الجزائريّة ما بين 1954 و 1962م من التّونسيين والجزائريّين. فلقد أثبت شهود العيان، وأثبتت الوثائق أنّ منطقة غارالدّماء الواقعة على الحدود التّونسية الجزائرية من جهة الشّمال الغربي كانت تمثّل مركزًا لقيادة جيش التّحرير الوطني الجزائري بالمنطقة الشّرقية بقيادة هواري بومدين وزعماء آخرين مثل الرّئيس الأسبق الشّادلي بن جديد وعبد الرّحمن بن سالم وغيرهم.

ولعلّ متحف الذّاكرة المشتركة التّونسية الجزائرية في مركز المدينة يعدّ اِعترافا بسيطا بهذا التّضامن بين الشّعبين الشّقيقين التّونسي والجزائري، بيد أنّ نشاطه ظلّ محدودا جدّا وباهتا ومجهولا حتّى لدى أبناء الجهة أنفسهم، ولا بدّ من تفعيل نشاطه الثّقافي والتّاريخي.

الأمر الآخر أنّه بعد اِندلاع الثّورة الجزائريّة عام 1954م لجأت أعداد كبيرة جدًّا من الجزائريّين إلى داخل التّراب التّونسي قدّرت بنحو 88 ألف لاجئ، وتمركز هؤلاء اللاّجؤون في مناطق مختلفة من غارالدّماء، وخصوصا في القرى الجبليّة مثل عين سلطان والفايجة وكاف النّسور وقبر زهير ومسيوة والفدّان والعيون وغيرها من المناطق. وكانت منطقة الزّيتون قاعدة للتّدريب العسكري للثّوار الجزائريّين، ومن هنا اِستهدفها الفرنسيّون بالقصف من داخل التّراب الجزائري ممّا أسفر عن اِستشهاد 4 أشخاص منهم 3 نساء.

وقد نقلت صحيفة الصّباح في عددها رقم 2627 ، والصّادر بتاريخ 7 شعبان سنة 1380/ الموافق لــ 24 جانفي 1961م معلومات مهمّة ومفصّلة عن هذه الحادثة، وقالت إنّ خطورة هذه الأحداث تذكّر بأحداث ساقية سيدي يُوسف بالكاف الّتي وقت بتاريخ 8 فيفيري سنة 1958م والّتي راح ضحيّتها 79 شخصا من بينهم 11 اِمرأة و20 طفلا وأزيد من 130 جريحا. وقالت الصّحيفة “صوّبت المدفعيّة الفرنسيّة المنتصبة بالجزائر نيرانها نحو التّراب التّونسي وقذفته بما يقرب من 500 قذيفة، واِستمرّ القذف من منتصف النّهار إلى السّاعة الواحدة بعد الزّوال، وتسبّب في عدد من الموتى والجرحى”.

وقد أصدرت كتابة الدّولة للدّفاع الوطني بلاغا جاء فيه:
“تُعلن السّلطات العسكرية التّونسية أنّ القوّات الفرنسيّة وطيرانها المرابطة على الحدود التّونسية الجزائرية اِرتكبت عدّة حوادث خلال أيام 21 و 22 و 23 جانفي.
ففي يوم 21 جانفي حلّقت طائرة من نوع ب 26 على جهة عين سلطان. وفي يوم 22 جانفي أطلقت المدفعية الفرنسية المرابطة بالجزائر نيرانها على مركز روى (معتمدية غارالدماء) حيث أحصيت 80 قذيفة من عيار 105، وعلى مركز الحمام (معتمدية عين دراهم) حيث عُثر على 100 قذيفة من عيار 105، وعلى العين الصّغيرة والعين الكبيرة حيث عمدت الدّبابات الفرنسيّة إلى قذف التّراب التّونسي فتحطّمت إحداها عند مرورها فوق لغم. وكانت الطّائرات الفرنسية تقوم بنشاط حثيث في هذه الأماكن، وأسفرت هذه العمليات عن أضرار مادّية”.

وفي يوم 23 جانفي قامت المدفعية الفرنسية المرابطة بسيدي الهميسي في التّـراب الجزائري بإلقاء 20 قذيفة من عيار 105 على جهة بلاد الزّيتون، فاِستشهد أربعة مدنيّين من بينهم 3 نساء وهم: الحبيب بن عمر بن عمارة (25 عاما)، فاطمة بنت عمر بن علي (35 عاما)، فضّة بنت عمارة بن العابد (18 عاما)، فضّة بنت عمارة (18 عاما). كما ألقيت في نفس اليوم 160 قذيفة من عيار 105 بالقرب من مركز روى، و200 من عيار 105 بالقرب من مركز الحمام (معتمدية عين دراهم) و75 بالمكان المعروف بالسطاطير (معتمدية غارالدماء).

ورغم الخسائر الّتي لحقت بالتّونسيّين جرّاء اِحتضانهم لإخوانهم الجزائريّين ودعمهم لهم فإنّهم لم يتخلّوا عنهم، وبقيت غارالدّماء والمناطق التّابعة لها قاعدة اِنطلاق لكثير من عمليّات المقاومة والهجوم ضدّ المحتلّ الفرنسيّ في الجزائر إلى أن أُعلن عن الاِستقلال عام 1962م ورجع اللاّجؤون الجزائريّون والثّوار إلى بلادهم في أجواء هي خليط من الحزن والفَرح كما صوّر لنا ذلك السّيد نورالدّين خروف أحد أبناء الثّورة والّذي أقام في غارالدّماء أثناء سنوات الثّورة عندما كان تلميذا في مدرستها، ورجع إليها بعد عقود من الغياب، كان السّيد نورالدّين القادم من عناية يحدّثنا والدّموع تفيض من عينيه شوقا لتونس وحبّا لها واِعترافا بالجميل الّذي لَقيه من أبنائها.




لماذا كلّ هذه الضجّة لمقابلة السّيسي مع سي بي إس؟

هل كانت مقابلة الرّئيس المصري عبد الفتّاح السّيسي مع قناة سي بي سي الأمريكية تستحقّ فعلا كلّ الضجّة الّتي أثيرت حولها؟

سؤال مشروع في ظلّ العاصفة الّتي أشعلت مواقع التّواصل الاِجتماعي قبل أيّام من موعد اللّقاء تمهيدا لعرضه، في أتون النّار الّتي أشعلتها تصريحات القناة سواء عن مضمون المقابلة أو ما جرى قبلها، خلالها وبعدها، إضافة طبعا إلى أصل المشكلة وهو الرّفض المصري لبثّها وطلب وقفه بعد تسجيلها مباشرة.

كثيرون رأوا بعد متابعة اللّقاء، الّذي سجّل قبل ثلاثة أشهر ولم تذكر أسباب تأخير بثّه إلى الآن، أنّ ما جاء فيه لم يحد كثيرا عن مواقف معلنة ومعروفة للنّظام المصري والرّئيس المصري في ملفّات متعدّدة من أبرزها ملفّ فضّ اِعتصام رابعة والاِعتقالات السّياسية.

فأعاد السّيسي تأكيد إنكار وجود معتقلين سياسيين وسجناء رأي، والتعجّب من تقارير حقوقية دولية واِستنكار للأرقام والإحصائيات، ليعود ويؤكّد أنّ كلّ ما في الأمر هو محاولة الدّولة الوقوف في وجه المتطرّفين الّذين يحاولون فرض أيديولوجيتهم بحسب قوله، أمّا بخصوص ما حصل في ميدان رابعة فلم يحد عن الرّواية الرّسمية المكرورة بأنّها كانت محاولة تفريق مسلّحين وفتح ممرّات آمنة للمعتصمين ليتركوا الميدان بسلام، مع تهرّبه من تأكيد أو نفي مسؤوليّته عن إعطاء أمر الفضّ ردّا على سؤال حول وقوفه شخصيّا وراء أمر مباشرة العمليّة.

ووجّه السّيسي رسائل للشّعب الأمريكي من خلال تأكيده أنّ الأمريكيّين الّذين يستثمرون بدعم حكومته يستثمرون بالاِستقرار والأمن في المنطقة، فالولايات المتّحدة لديها مسؤوليّة عن الأمن في مختلف أرجاء العالم.

إذن أين المشكلة؟

الجديد أو ما اُعتبر تطوّرا على مستوى الاِعتراف الرّسمي، هو ما قيل في إطار جزء الحوار المتعلّق بالأمن والكيان الصّهيونيّ، فعند سؤال مقدّم البرنامج سكوت بيلي للرّئيس السّيسي بمباشرة وصراحة إن كانت الفترة الحالية تشهد أفضل تعاون ممكن مع “إسرائيل”؟ جاء ردّ السّيسي واضحا وقاطعا :”نعم هذا صحيح، في بعض الأحيان القوّات الجوّية تحتاج أن تعبر الحدود لتقصف الإرهابيّين ولهذا لدينا تعاون وتنسيق أكبر مع إسرائيل”.

يأتي هذا بعد نحو عام من نفي مصري رسمي لمثل هذا التّعاون، حيث نفى في فيفري 2018 المتحدّث الرّسمي باِسم القوّات المسلّحة المصرية تفاصيل وردت في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية حول مشاركة “إسرائيل” بعمليّات عسكرية داخل سيناء بموافقة القاهرة، وقال حينها إنّ الجيش المصري هو وحده من يقوم بعمليات عسكرية بالتّعاون مع قوّات مصرية أخرى في مناطق محدّدة في شمال سيناء.

فهل يمكن أن يكون هذا فعلا ما اِستفزّ النّظام المصري وجعله يطالب بعد تسجيل الحلقة مباشرة بعدم بثّها؟

هناك العديد من الفرضيات الّتي ترجّح هذا السّبب، وأخرى ترجّح أن تكون طبيعة الحوار والأسئلة ومضمون اللّقاء الّذي لم يعتد السّيسي على خوض مثله من قبل لا محلّيا ولا إقليميّا، وبالتّالي المظهر الّذي ظهر به الرّئيس المصري، أيضا من بين الأسباب الكامنة وراء هذا المطلب.

حيث ذكر معدّو البرنامج أنّه تمّ طلب الأسئلة والمحاور قبل الموافقة على اللّقاء، وهو ما يعارض أصلا مبادئ العمل الّتي يقوم عليها البرنامج، وأدّت الأحداث السّابقة واللاّحقة لتساؤل فريق العمل- في شريط فيديو عرضته صفحة القناة على مواقع التّواصل الاِجتماعي- إن كان الرّئيس السّيسي يعرف أصلا ما هو هذا البرنامج ومن قد سبقه إلى الظّهور فيه؟.

ربّما قلق الحكومة المصرية ممّا جاء في هذا البرنامج مبالغ به بالنّسبة للبعض ومبرّر بالنّسبة للبعض الآخر، لكنّ تصرّفها وردّ فعلها لا يبدو أنّه خدم الصّورة والرّسالة الّتي يراد تقديمها إلى الغرب والعالم، خاصّة في فترة يسعى السّيسي فيها لتوطيد حكمه بشكل غير مسبوق وفي إطار التّحضير لحملة تعديل الدّستور المصري لزيادة فترة الرّئاسة. كما أثارت محاولات الحكومة هذه كثيرا من الأسئلة والسّخرية لدى الرّأي العام محلّيا وإقليميّا، لم يطفئها تجاهل وسائل الإعلام المصرية لهذا اللّقاء في ضيافة أحد أهمّ البرامج الحوارية العالميّة.




مستقبل الأزمة اللّيبية

 

شهد عام 2018 فشلا للجهود الأممية والدّولية في تحقيق اِختراق كبير بمسار الحلّ السّياسي للأزمة اللّيبية، حيث فشلت الخطّة الّتي أطلقها المبعوث الأممي إلى ليبيا “غسّان سلامة”، في سبتمبر 2017، “خطّة العمل الجديدة من أجل ليبيا”، لإيجاد حلّ سياسي للأزمة اللّيبية بنهاية عام 2018، والّتي كانت تقوم على: عقد مؤتمر وطني للمصالحة الوطنية الشّاملة، وتنظيم اِستفتاء على دستور جديد لليبيا، وإجراء اِنتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه سبتمبر 2018. وهي الخطوات الّتي لم يُنفّذ أيٌّ منها. كما فشل أيضا تطبيق اِتّفاق باريس المُوقَّع بين أطراف الأزمة اللّيبية في ماي 2018، والّذي كان ينصّ على اِعتماد الدّستور وقانون الاِنتخابات وتنظيم اِنتخابات رئاسيّة وبرلمانية في 10 ديسمبر 2018.

وفي محاولة لتفادي الاِنهيار التامّ لفرص الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة اللّيبية؛ تقدّم المبعوث الأممي إلى ليبيا في إحاطته أمام مجلس الأمن الدّولي، في 8 نوفمبر 2018، بمقترحات جديدة لتسوية الأزمة اللّيبية، شملت: عقد ملتقى وطني جامع خلال الأسابيع الأولى من عام 2019، لإتاحة الفرصة للّيبيين لبلورة رؤية مشتركة حول الفترة الاِنتقالية واِغتنامها من أجل التخلّي عن اِستخدام القوّة، واِعتماد جدول زمني لتحقيق تقدّم في توحيد المؤسّسات، يليه إجراء اِنتخابات بحلول ربيع 2019. وهي الخطوات الّتي تضمّنها البيان الختامي لـ”مؤتمر باليرمو” حول ليبيا، الّذي عُقد في إيطاليا يومي 12 و13 نوفمبر 2018، بحضور أطراف الأزمة اللّيبية وعدد من القوى الإقليمية والدّولية ودول الجوار اللّيبي، والّذي أكّد أيضا أهمّية اِحترام نتائج الاِنتخابات، ومحاسبة أولئك الّذين يُعرقلون إجراءها. وشدّد على رفض الحلّ العسكري في ليبيا، واِعتماد الاِتّفاق السّياسي اللّيبي المتّفق عليه (اِتّفاق الصّخيرات)، في 17 ديسمبر 2015،  كإطار وحيد قابل للتّطبيق من أجل مسار دائم نحو الاِستقرار في ليبيا.

ومن ثمّ، فالأزمة اللّيبية تدخل عامها التّاسع بإطار جديد للحلّ، وسط تساؤلات حول مدى اِحتمالية نجاحه في إنهاء الأزمة المستمرّة منذ عام 2011، أو فشله على غرار المبادرات الأمميّة والدّولية الأخرى، وذلك في ظلّ التحدّيات السّياسية والأمنية الّتي تشهدها ليبيا. وفي إطار هذا التّساؤل يُمكن اِستشراف مستقبل الأزمة اللّيبية في عام 2019 على نحو ما يلي تفصيله.

غموض “المؤتمر الجامع”:

على الرّغم من اِقتراب موعد اِنعقاده المحدّد بالأسابيع الأولى من عام 2019، إلاّ أنّه لم يتمّ حتّى الآن تحديد الهدف النّهائي من هذا الملتقى، والأطراف المشاركة فيه، وطريقة ومعايير اِختيارها، وما هي ضمانات تنفيذ مخرجاته واِلتزام أطراف الأزمة بها. يُضاف إلى ما سبق التّضارب بشأن الموعد النّهائي لهذا المؤتمر، فعقب إعلان أنّه تمّ تحديد شهر فيفري 2019 موعدا لاِنعقاده، خرجت البعثة الأممية لتنفي صحّة تحديد موعد لعقد المؤتمر.

ويذهب البعض إلى أنّ الهدف الأساسي من هذا الملتقى هو حشد أكبر عدد ممكن من القوى الاِجتماعية اللّيبية للحصول على دعمها لمجموعة من الإجراءات والخطوات الهادفة لإخراج الأزمة اللّيبية من حالة الجمود، وذلك في مواجهة القوى والمؤسّسات السّياسية (مجلس النوّاب، المجلس الأعلى للدّولة) الّتي أصبحت عائقا أساسيّا أمام إنجاز الحلّ السّياسي، فضلا عن تجديد شرعيّة وصلاحية اِتّفاق الصّخيرات المُوقَّع في ديسمبر 2015 كإطار وحيد لحلّ الأزمة اللّيبية. غير أنّه توجد مخاوف من فشل هذا الملتقى في تحقيق أهدافه حال لم تحظَ مخرجاته بدعم القوى الّتي تسيطر فعليّا على الأرض.

عقبات أمام الاِستحقاقات:

رغم تأييد عددٍ من القوى الدولية والإقليمية لمقترح المبعوث الأممي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بحلول ربيع 2019، وإقرار مجلس النواب الليبي في طبرق لقانون الاستفتاء في 26 نوفمبر 2018 تمهيدًا لإجراء الاستفتاء على الدستور الليبي الجديد؛ إلا أنه توجد مجموعة من العقبات قد تحول دون إجراء هذه الاستحقاقات، كما حدث سابقًا. ويتمثل أبرز هذه العقبات فيما يلي:

1- غياب التوافق حول قانون الاستفتاء، حيث أعلن المجلس الأعلى للدولة في الغرب الليبي، في جلسته بتاريخ 10 ديسمبر، رفضه لقانون الاستفتاء لتعارضه مع الاتفاق السياسي الليبي، وتقسيمه ليبيا إلى ثلاث دوائر انتخابية (طرابلس، برقة، فزان)، واشتراطه أن يحظى الدستور بموافقة 50%+1 في كل إقليم على حدة، داعيًا مجلس النواب إلى استكمال المشاورات للتوافق حول قانون الاستفتاء بما يضمن إنجازه. كما رفض عدد من قوى الشرق الليبي قانون الاستفتاء، على رأسها الجيش الوطني الليبي الذي اعتبر الناطقُ باسمه العميد “أحمد المسماري” أن إقرار قانون الاستفتاء بصيغته الحالية سيطيل من عمر الأزمة. فيما اتهم عضو المجلس الرئاسي عن الشرق المقاطع لجلساته “علي القطراني”، مجلس النواب بخلط الأوراق، منتقدًا تقسيم ليبيا إلى ثلاث دوائر.

2- استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا، ما يزيد من صعوبة تنظيم استفتاء على الدستور أو إجراء انتخابات في البلاد. ففي الشرق الليبي، لا تزال الاشتباكات مستمرة بين قوات الجيش الوطني الليبي والإرهابيين بالمنطقة القديمة وسط مدينة درنة، وذلك رغم إعلان المشير “خليفة حفتر”، في يونيو 2018، تحريره مدينة درنة، آخر معاقل تنظيم “داعش” بالشرق. وفي الغرب الليبي، لا تزال الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة هي المهيمنة على المشهد هناك، فقد شهدت العاصمة الليبية طرابلس، لنحو شهر، منذ أواخر شهر أغسطس وحتى أواخر سبتمبر 2018، اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة تنتمي لمدينتي مصراتة وترهونة وأخرى متواجدة بطرابلس أسفرت عن مقتل نحو 115 شخصًا، وإصابة 560، بالإضافة إلى 17 مفقودًا.

كما لا تزال تهديدات تنظيم “داعش” الإرهابي قائمة، حيث نفذ العديد من الهجمات ضد مؤسسات الدولة الليبية، فقد هاجم أربعةٌ من عناصره مقرَّ وزارة الخارجية الليبية في طرابلس، في 25 ديسمبر 2018، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص. كما هاجم التنظيم مقر المؤسسة الوطنية للنفط، في سبتمبر 2018، ما أسفر عن مقتل شخصين، فضلًا عن مهاجمته مقر اللجنة العليا للانتخابات في طرابلس، في مايو 2018، وهو ما أسفر عن مقتل نحو 20 شخصًا. ويضاف إلى ما سبق، التدهور الشديد في الأوضاع الأمنية بالجنوب الليبي الذي تنشط فيه جماعات الجريمة المنظمة التي تقوم بعمليات التهريب والاتّجار في المخدرات والأسلحة، فضلًا عن كونه معبرًا رئيسيًّا للهجرة غير الشرعية.

3- مخاوف من عدم قبول طرفي الصراع بنتائج الانتخابات والاستفتاء على الدستور، لا سيما وأن أحد الأسباب الرئيسية للانقسام الليبي هو رفض جماعات الإسلام السياسي الاعتراف بنتائج الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في يونيو 2014 التي فاز بها التيار المدني والفيدرالي. فضلًا عن إعلان الجيش الوطني الليبي في الشرق رفضه مشروع الدستور الليبي، ووصفه بالمعيب، واتهام المتحدث باسمه العميد “أحمد المسماري”، في أكتوبر 2018، أعضاء الهيئة التأسيسية للدستور بـ”الحصول على رشوة من رئيس حكومة الوفاق الوطني “فائز السراج”، قدرها 15 مليون دينار لتمرير الدستور”.

تصاعد سيناريو الفيدرالية:

وقد بدأت إرهاصاتها في قانون الاستفتاء على الدستور الليبي الذي قسّم ليبيا إلى ثلاث دوائر انتخابية بحسب الأقاليم التاريخية الثلاثة في ليبيا، وهي: طرابلس في الغرب (وتشمل: سرت، ومصراتة، وطرابلس، والزاوية)، وبرقة في الشرق (وتشمل: البطنان، والجبل الأخضر، وبنغازي الكبرى، وأجدابيا)، وفزان في الجنوب (وتشمل: أوباري، وسبها، وغدامس)، وأعطى القانون للأقاليم الثلاثة أوزانًا متساوية، حيث اشترط أن يحظى الدستور بموافقة 50%+1 في كل إقليم على حدة، وثلثي المقترعين على مستوى الوطن لإقراره. وهو ما أثار القلق حول بقاء ليبيا دولة مركزية موحدة في المستقبل، حيث يرى البعض أن تقسيم ليبيا إلى ثلاث دوائر انتخابية -وفقًا لأقاليمها التاريخية- سيُكرّس الانقسام الاجتماعي والقبلي والسياسي في البلاد، وسيعطي دفعة قوية لدعاة الفيدرالية والمطالبين بتبني المحاصصة المناطقية في توزيع المناصب السياسية وعائدات النفط.

تحدّيات التّسوية:

1- استمرار التباين الشديد بين الشرق والغرب، رغم المحاولات الإقليمية والدولية والأممية للتقريب بينهما، وهو ما برز في رفض المجلس الأعلى للدولة في طرابلس قانون الاستفتاء الذي أقره مجلس النواب في طبرق، ورفض الجيش الليبي في الشرق لمشروع الدستور، خاصة وأن إقرار الدستور تنظر له الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية كخطوة أولى نحو حل الأزمة الليبية.

2- احتدام التنافس الفرنسي الإيطالي في ليبيا، إذ تدعم كل منهما أطرافًا متنافسة في الصراع الليبي. ففي الوقت الذي تدعم فيه باريس قوات “خليفة حفتر” بالشرق الليبي، وتدفع باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية تحت سيطرته لمكافحة التنظيمات الإرهابية؛ فإن روما تقيم علاقات وثيقة مع الغرب الليبي ممثلًا في مدينتي طرابلس ومصراتة، وذلك حفاظًا على مصالحها الاقتصادية، خاصة في مجال الطاقة، حيث شركة “إيني” الإيطالية التي لديها استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة الليبي، وكذلك على مصالحها الأمنية، حيث إن الغرب الليبي هو نقطة الانطلاق الأساسية لأغلب المهاجرين غير الشرعيين. وترى إيطاليا في هيمنة “حفتر” على المشهد العسكري والأمني الليبي تأكيدًا للنفوذ الفرنسي هناك، وهو ما يجعل الاستراتيجية الإيطالية في ليبيا مرتبطة بشكل أو بآخر بالميليشيات المسلحة في طرابلس ومصراتة.

وفي الوقت الذي كانت تدعم فيه فرنسا إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا بنهاية العام الجاري، كانت إيطاليا تعارض ذلك بشدة، وترى أن إجراءها سيزيد من تعقيدات الأزمة الليبية. وقد وصف وزير الداخلية الإيطالي “ماتيو سالفيني”، في أغسطس 2018، الإصرار الفرنسي على إجراء الانتخابات بأنه “أمر خطير وسيئ من قبل المستعمرين المتغطرسين مثل الوزراء الفرنسيين”. كما حمّل وزيرا الداخلية والدفاع الإيطاليان فرنسا مسئولية تردي الأوضاع في ليبيا على خلفية الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس في سبتمبر 2018. واتهمت وزيرة الدفاع الإيطالية “إليزابيتا ترينتا” فرنسا بـ”وضع مصالحها أولًا فوق مصالح الشعب الليبي وفوق مصالح أوروبا نفسها”، وقد أقر رئيس البرلمان الأوروبي “أنطونيو تاياني”، في ديسمبر 2018، بوجود خلافات بين دول الاتحاد الأوروبي حول إدارة الوضع في ليبيا، معتبرًا أن هذه الخلافات ليست في مصلحة أي طرف، وقد تتسبب في عدم التوصل إلى حل، داعيًا إلى صياغة موقف مشترك.

3- الأدوار السلبية لبعض القوى الإقليمية في الأزمة الليبية، ويأتي على رأسها المحور التركي-القطري الداعم للتنظيمات المتطرفة في الغرب الليبي، حيث تم ضبط حاويتين بميناء “الخمس” تحتويان على شحنة أسلحة صوتية قابلة للتعديل وذخيرة قادمة من تركيا، في 19 ديسمبر 2018، رغم أن الأوراق الرسمية المُرفقة مع الحاوية تحتوي على بيانات تُفيد بأنها حاوية تحتوي على مواد غذائية، وهو ما أثار انتقادات ليبية، وقامت حكومة الوفاق الوطني بفتح تحقيق، فيما أعربت البعثة الأممية عن قلقها، ودعت خبراء الأمم المتحدة للتحقيق في هذه الواقعة. وفي محاولة من جانب تركيا لاحتواء الغضب الليبي، أرسلت وزير خارجيتها “جاويش أوغلو”، في 22 ديسمبر 2018، إلى طرابلس، حيث التقى رئيسَ حكومة الوفاق “فائز السراج”، وأكد له أن واقعة شحنة الأسلحة لا تمثل سياسة أو نهج تركيا، واتفق الجانبان على فتح تحقيق مشترك لبحث ملابسات الحادثة وكشف المتورطين.

ختاما، يبدو أن هناك العديد من التحديات الداخلية والخارجية أمام فرص إيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية وإتمام الاستحقاقات الدستورية والانتخابية في البلاد، مما يزيد من احتمالات استمرار الصراع الليبي خلال عام 2019، خاصة في ظل عدم التوافق الإقليمي والدولي حول الحل في ليبيا، وتركيز القوى الدولية اهتماماتها بالأساس على الأزمتين السورية واليمنية، فضلًا عن انخراط عدد من القوى الإقليمية والدولية في أدوار تنافسية تزيد من تعقيدات الأزمة، وهو ما يظهر بوضوح في التنافس الإيطالي الفرنسي.




“كيف نتعايش مع اِضطرابات المرحلة الاِنتقالية في النّظام الدّولي؟”/ حالة العالم في 2019 حسب بعض الكتب الغربية

“كيف نتعايش مع اِضطرابات المرحلة الاِنتقالية في النّظام الدّولي؟”، يلخّص هذا السّؤال الاِتّجاه الرّئيسي الحاكم لكتب ومؤلّفات العلاقات الدّولية الأكثر اِنتشارا وتأثيرا في عام 2018، إذ كشفت الكتب الغربية الأكثر مبيعا والّتي حظيت بترشيحات النقّاد والخبراء في وسائل الإعلام عالمية الاِنتشار مثل: “فايننشيال تايمز”، و”الإيكونوميست”، و”نيويورك تايمز”، والمجلاّت المتخصّصة مثل: “الفورين أفيرز”، و”الفورين بوليسي”، ومراكز التّفكير العالمية؛ عن تحكّم الأزمات الدّاخلية في السّياسات العالمية للقوى الكبرى.

وعلى الرّغم من تنوّع هذه الكتب ما بين الرّوايات الصّحفية والسّير الذّاتية وكتابات الخبراء والأكاديميّين، إلاّ أنّ ما جمعها هو التّوافق الضّمني على تحجيم تأثيرات الدّاخل لقدرة أيٍّ من القوى الدّولية التّقليدية والصّاعدة على “قيادة العالم”. إذ يهدّد الإرباك الّذي سبّبه الرّئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الدّاخل باِنحسار “عصر الهيمنة الأمريكية”، كما تواجه الدّول الدّيمقراطية أزمات تكاد تعصف ببقائها خاصّة في ظلّ صعود “سياسات الهويّة” والتيّارات الشّعبوية والقومية واليمين المتطرّف واِحتجاج الشّعوب على نخبوية نظم الحكم. أمّا النّظم الصّاعدة، مثل الصّين والهند والقوى العائدة مثل روسيا، فتواجه إشكاليّات اِقتصادية واِجتماعية معقّدة قد تهدّد اِستقرارها مستقبلا، وتستنزف صراعات الهيمنة الإقليمية في أوراسيا قدراتها العسكرية والاِقتصادية، وتواجه محاولات إعادة هيكلة العولمة تهديدات بتفجّر أزمات ماليّة واِقتصادية جديدة نتيجة لتراكم الدّيون وتداعيّات السّياسات التقشّفية واِختلال أسس الرّأسمالية.

فوضى حكم “ترامب”:

جاءت بداية عام 2018 صادمة بصدور كتاب “نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض” للصّحفي الأمريكي “مايكل وولف”، فالكتاب الّذي اِحتلّ سريعا موقعا في صدارة أفضل المؤلّفات مبيعًا تَضَمَّن روايات المقرّبين من “دونالد ترامب” ومسؤولي البيت الأبيض حول مدى اِضطراب إدارته واِفتقاده لمقوّمات القيادة، ومن بين من عرض الكتاب لتقييمهم لترامب “ستيف بانون” كبير مستشاري الرّئيس للشّؤون الاِستراتيجية، ومدير حملته الاِنتخابية السابق(1).

ولقد ساهم هذا الكتاب على الرّغم من الاِنتقادات للمصادر الّتي اِعتمد عليها في تشكيل صورة للرّئيس الأمريكي كشخص غير مستقرّ عديم التّأهيل ويفتقد الخبرة اللاّزمة لإدارة المنصب، كما أنّ قراراته مفاجئة وغير قابله للتنبّؤ، بالإضافة للفوضى الضّاربة في أرجاء البيت الأبيض في عهده. أمّا كتاب “ولاء أعلى: الحقيقة، الأكاذيب والقيادة” الّذي ألّفه “جيمس كومي” المدير السّابق لمكتب التّحقيقات الفيدرالي “إف بي آي” فقد تضمّن اِتّهامات لترامب باِتّباع نهج “زعماء المافيا” والعصابات في إدارة البيت الأبيض. وسرد “كومي” مواقف تعامل خلالها مع الرّئيس الأمريكي ليبرهن على خوف “ترامب” من التّحقيقات الجارية في شبهات التدخّل الرّوسي في الاِنتخابات الرّئاسية، وعدم ثقة الرّئيس في أيٍّ من المحيطين به، ومعاناته من “عقدة الاِضطهاد” و”أوهام السّيطرة الكاملة” وغرقه في الخصومات السّياسية الّتي تُشتّت اِنتباهه عن مهامّ الرّئاسة(2).

واِمتدّت حملة الهجوم على “حكم ترامب” (Trumpocracy) إلى الجمهوريّين، حيث وصف “ديفيد فروم”- وهو من السّياسيين الجمهوريين الّذين عملوا على كتابة خطابات الرّئيس الأسبق “جورج دبليو بوش”- إدارة “ترامب” بأنّها “حكم اللّصوص” (Kleptocracy) في كتابه “حكم ترامب: فساد الجمهورية الأمريكية”، متّهما النّخبة السّياسية الأمريكية بأسرها بالفساد والتربّح من مناصبهم، وهو السّياق الّذي سمح لترامب بمحاباة أسرته والمقرّبين منه في ترشيحه للوظائف العامّة واِستغلاله لمنصبه. وأدان المؤلّف الجمهوريين لتجاهلهم الأسانيد الّتي تدعّم اِتّهام “ترامب” بالاِستفادة من التدخّل الرّوسي في الاِنتخابات الرّئاسية الأمريكية عام 2016، كما اِتّهم الدّيمقراطيين بالنّخبوية ومساندة الأثرياء وتجاهل مشكلات الطّبقة العاملة البيضاء في المجتمع الأمريكي ممّا تسبّب في صعود “ترامب” للسّلطة(3).

وتواصلت موجة كتب “محاكمة ترامب” الّتي مثّلت عرائض اِتّهام متعدّدة بحقّه، وكان من بينها كتاب الصّحفي الأمريكي الشّهير “بوب وودورد” (المسؤول عن السّبق الصّحفي الّذي فجّر فضيحة ووتر جيت خلال حكم الرّئيس ريتشارد نيكسون) الصّادر بعنوان: “الخوف: ترامب في البيت الأبيض”، إذ نقل الكتاب عن مساعدي “ترامب” والمقرّبين منه اِتّسامه بالكذب وعدم الاِتّزان وعدم الثّقة في الآخرين، وهيمنة الفوضى واللاّنظام على البيت الأبيض، ووجود “اِنقلاب إداري” يهدف لتحجيم أضرار اِنفراد “ترامب” بالسّلطة، وإخفاء الوثائق عنه لمنعه من توقيعها ومخالفة أوامره. كما وصف بعضهم إدارة “ترامب” بـ”حافّة الهاوية” و”الجنون الشّامل”(4).

اِرتباك السّياسة الأمريكية:

كانت النتيجة المنطقية لحالة الفوضى وعدم الانضباط في الإدارة الأمريكية، أن يهيمن الارتباك والتخبط على السياسة الخارجية الأمريكية؛ إلا أن “جون ميرشايمر” أكد في كتابه “الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والواقع الدولي” أن معضلة السياسة الأمريكية ترجع إلى عقود مضت حاولت خلالها واشنطن تصدير النموذج الليبرالي الأمريكي للخارج دون جدوى، بل وتسببها في نشر الفوضى وعدم الاستقرار في بعض أقاليم العالم على الرغم من الهيمنة على النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، وهو ما يرتبط بصعود القومية السياسية، وعسكرة السياسة الأمريكية، وافتقادها المعرفة الكافية بتعقيدات الخريطة العالمية، ومن ثم يوصي بالتخلي عن “الهيمنة الليبرالية”، ومراعاة الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية(5).

ويعرض “ستيفن والت” في كتابه “جحيم النوايا الحسنة: نخبة السياسة الخارجية الأمريكية وانحدار التفوق الأمريكي”، لسياسة الهيمنة الليبرالية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي التي تسببت في تبديد الاستقرار في أقاليم عديدة بالعالم، مع تصاعد حجم أعباء السياسة الخارجية الأمريكية، مؤكدًا الإخفاق التام لسياسات بناء عالم يتبع النموذج الأمريكي رغم الاستخدام الكثيف للقوة العسكرية والضغوط الاقتصادية ضد القوى المعارضة لهيمنة واشنطن، وهو ما يرجع إلى إصرار النخب الأمريكية على فرض قيم ومعايير النموذج الأمريكي على العالم، والمبالغة في تقدير التهديدات على الأمن العالمي، والتوسع في تعريف المصلحة الأمريكية، والقوة الاقتصادية والعسكرية لواشنطن التي مكّنتها من اتباع سياسة تدخلية عالمية لا تمتلك أي دولة القدرات الكافية للتصدي لها، بالإضافة للتوسع في إدراك التهديدات(6).

وتمثل سياسات “ترامب” انقطاعًا عن هذا النهج، إذ تركز على المصلحة القومية الأمريكية تحت شعار “أمريكا أولًا”، ويحكمها منطق المكاسب المباشرة وتجنب التكلفة، بالإضافة للتخلي عن الالتزامات العسكرية تجاه الحلفاء، وعدم القيام بمهام ضمان أمن واستقرار النظام الدولي؛ إلا أن سياسة “ترامب” لم تتخلَّ عن أولوية القوة العسكرية بالتوازي مع استبعادها الكامل للتفاوض والدبلوماسية والترتيبات متعددة الأطراف، كما اتسمت بالارتباك والفوضى والنزعة الصراعية التي أثارت أزمة ثقة عميقة مع حلفاء الولايات المتحدة.

صعود سياسات الهويّة:

هيمن على الكتب الصادرة في عام 2018 الجدل حول تأثيرات الهوية وتداعياتها على المجتمعات وسياسات الدول الغربية، ولم يجد “فرانسيس فوكوياما” عنوانًا أكثر مناسبة من “الهوية: الحاجة للكرامة وسياسات الاستياء” ليعبر عن هذا الاتجاه الصاعد في كتابه الصادر قبل نهاية العام، حيث أكد أن “سياسات الهوية” (Identity Politics) باتت تهدد تماسك الدول الديمقراطية بسبب استدعائها عدة قضايا مثيرة للجدل، مثل: الحاجة للاعتراف، والكرامة، والهجرة، والعلاقة بين دوائر الانتماء القومية والدينية والإثنية. وهو ما يتسبب في تزايد الاحتقان داخل المجتمعات بسبب مخاوف الجماعات من التماهي في الآخر، وفقدان الخصوصية والخوف من هيمنة الجماعات الأخرى على مقاليد السلطة(7).

وأيّد “إريك كوفمان” هذه الاتجاهات في كتابه الصادر بعنوان: “التحول الأبيض: الشعبوية والهجرة ومستقبل الأغلبية البيضاء”، إذ أشار إلى أن التحولات الديمغرافية والتآكل التدريجي للأغلبية البيضاء في المجتمعات الغربية قد دفعها للدفاع عن بقائها عبر تبني الشعبوية ومعاداة المهاجرين والأقليات. فالبيانات الديمغرافية التي اعتمد عليها الكتاب تضمنت مؤشرات على أن البيض في الولايات المتحدة لن يكونوا أغلبية بداية من عام 2050، وأن الأقليات والجماعات مختلطة الأعراق ستهيمن على المجتمع الأمريكي وبعض الدول الأوروبية، وهو ما أدى إلى إعادة إنتاج خطاب “النقاء العرقي” وحماية الهوية الثقافية(8).

ولا ينفصل ذلك عن صعود “القبلية الجديدة” (New Tribalism) في ظل حالة التفكك والانقسام بالمجتمعات الغربية، وتزايد تأثير الجماعات الفرعية، وهو ما عبّرت عنه “إيمي شوا” في كتابها: “القبائل السياسية: غريزة الجماعة ومصير الأمم”، إذ أكدت أن هوية الجماعات أصبحت القوى المحركة للمجتمعات في ظل الانعزالية والعداء للآخر ممثلًا في الجماعات الأخرى والمهاجرين والأجانب، وهيمنة منطق المعادلات الصفرية (Zero-Sum Games) على علاقات الجماعات ببعضها. واستدلت “شوا” بصراعات الجماعات الإثنية والطائفية والقومية في العراق وأفغانستان وفيتنام، وأخيرًا الانقسامات المجتمعية التي أدت لصعود “ترامب” إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية(9).

أزمة الدّيمقراطيات الغربية: 

تكاد تُجمع الكتب الصادرة خلال عام 2018 على مواجهة الديمقراطية الغربية لأزمة ممتدة تهدد وجودها، ووفقًا للاتجاهات السائدة في هذه الكتابات فإن “الديمقراطية تحتضر” وليست قادرة على تحقيق الحد الأدنى من تطلعات الشعوب سياسيًّا واقتصاديًّا، وهو ما تواكب مع موجة ارتداد عن الديمقراطية في العالم، وصعود نظم الحكم المركزية في الصين وروسيا وبعض الدول النامية، حيث حذر “ياشا مونك” في كتابه “الشعب في مواجهة الديمقراطية” من تصدع نظم الحكم الغربية بفعل الاستقطاب السياسي وتمدد التيارات القومية والشعبوية واليمين المتطرف(10).

وتوصل كلٌّ من “ستيفن ليبتسكي” و”دانيل زيبلات” إلى الاستنتاج نفسه في كتابهما المعنون: “كيف تموت الديمقراطيات؟”، فانهيار أسس الليبرالية الاقتصادية و”احتضار الديمقراطية” يعد من أهم سمات عصر “انعدام اليقين الراديكالي” وفقًا لهما(11)، وهو ما أيده “ديفيد رونشيمان” في كتابه “كيف تنتهي الديمقراطية؟” مؤكدًا أن تحول الديمقراطية إلى تاريخ منقضٍ لم يعد مستبعدًا في ظل تزايد تأييد النظم السلطوية في العالم، ومواجهة النظم الديمقراطية لأزمات سياسية واقتصادية معقدة لم تعد قادرة على استيعابها(12). كما تم التحذير ظاهرة “قصر النظر السياسي” (Political Myopia)، واستبعاد السياسات طويلة الأمد من دوائر اهتمام السياسيين المُنتخبين بسبب الدورات الانتخابية القصيرة للغاية  (Short Electoral Cycles).

وفي كتابها “حافة الفوضى: لماذا تُخفق الديمقراطية في تحقيق النمو الاقتصادي وكيف يمكن إصلاحها؟” طرحت “دامبيسا مويو” رؤى راديكالية حول “إعادة هيكلة” الديمقراطية الغربية عبر ترجيح آراء وتفضيلات “النخب المستنيرة” في مواجهة الجماهير الأقل تأهيلًا على المستوى السياسي والمعرفي -وفقًا لرؤية مويو- من خلال نظام جديد للتصويت مُرجح بالأوزان، ووضع معايير لقياس تأهيل المرشحين والناخبين، بالإضافة إلى تقييد التمويل السياسي للحملات الانتخابية، وفرض التصويت الإجباري، وإطالة أمد الفترات الانتخابية(13).

معضلة “القوى الصّاعدة”:

لم تحسم مؤلفات عام 2018 الجدلَ حول هيكل النظام الدولي، إلا أن توافقًا مبدئيًّا قد أصبح واضحًا حول مواجهة العالم لإشكاليات المرحلة الانتقالية لنظام عالمي جديد لم تتضح أركانه بعد، حيث يتنبأ “باراج خانا” بانتقال قيادة العالم من الغرب إلى القارة الآسيوية في ظل تمكن القوى الآسيوية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من تعزيز انخراطها في النظام العالمي، وهو ما يعبر عنه في كتابه المرتقب صدوره في مطلع عام 2019 بعنوان: “المستقبل آسيويًّا: النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين”.

وسار بعض المؤلفين على النهج ذاته بتوقع اكتمال الهيمنة الصينية على النظام الدولي، مثل كتاب “برونو ماسياس” “الحزام والطريق: نظام عالمي صيني”(14)، وكتاب “بيتر فرانكوبان” “طرق الحرير الجديدة: حاضر ومستقبل العالم”(15). وتكتمل الهيمنة الدولية بقيادة الصين للتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكده كتاب “القوى العظمى في الذكاء الاصطناعي: الصين ووادي السليكون والعالم الجديد”(16)، إلا أن “ويل دويج” يكشف عن وجه آخر للهيمنة الصينية في آسيا في كتابه “إمبراطورية السرعة العالية: التوسع الصيني ومستقبل جنوب شرق آسيا”.

ورأى الكاتب تسببت مشروعات “الحزام والطريق” في تراكم الديون على الدول الآسيوية وتصاعد النفوذ والتأثير الصيني في هذه الدول نتيجة لارتباطها ببكين بمتاهة مشروعات بنية تحتية طويلة الأمد بلا مخرج واضح(17). وفي المقابل تؤكد “أليسا آيرس” في كتابها “لقد حان وقتنا: كيف تصنع الهند مكانها في العالم”، أن التنافس بين بكين ونيودلهي قد يكون ضمن أهم المحددات التي ترسم معالم القرن الآسيوي القادم، وأن تفجر الصراع على الصدارة الإقليمية والمكانة الدولية بين الدولتين سيبدد حالة السلام والاستقرار الهش في القارة الآسيوية(18).

ويُحذر “جورج ماجنوس” في كتابه: “رايات حمراء: لماذا الصين في عهد تشي في خطر محدق” من مواجهة الصعود الصيني لعدة مخاطر، يتمثل أهمها في: تراكم الديون، واحتمالية اختلال توازن العملة الصينية، وتحجيم سياسات “ترامب” الحمائية، والحرب التجارية التي يشنها ضد الصين لقدرتها على استكمال الصعود، بالإضافة إلى تأثيرات الفساد على استقرار النظام الصيني وقدرته على البقاء(19).

وتحذر “إليزابيث إيكونومي” في كتابها “الثورة الثالثة: تشي جين بينج والدولة الصينية الجديدة” من تداعيات التناقض بين الانفتاح الاقتصادي وقيم اقتصاد السوق والإغلاق السياسي والمركزية والرقابة على المجال العام والإنترنت التي يفرضها الحزب الشيوعي الصيني، لتسببها في صدام مع الدول الغربية التي تتعامل معها الصين اقتصاديًّا، وهو ما يتسبب في فرض قيود على استثمارات الشركات الصينية، وفرض حظر على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، ومنع دخول المواطنين الصينيين إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، مما يهدد استمرار الخطة طويلة الأمد لتحويل الصين إلى قوةٍ عظمى(20).

اِنعكاسات “فجر أوراسيا”: 

شغلت التحولات في جغرافيا العالم وصعود “جغرافيا الاتصال” (Connectography) و”الأقاليم البينية” اهتمام بعض مؤلفي الكتب في عام 2018، حيث رسم “برونو ماسياس” صورة لقرن جديد تهيمن عليه التفاعلات بين القوى الكبرى في إقليم أوراسيا، وذلك في كتابه “فجر أوراسيا: الطريق نحو نظام عالمي جديد”، حيث أشار الوزير البرتغالي السابق والخبير بشركة فلينت للاستشارات إلى تصاعد محاولات السيطرة على هذا الإقليم من جانب روسيا والصين الذي يتطابق مع منطقة “قلب العالم” التي وصفها عالم الجغرافيا السياسية في مطلع القرن العشرين(21).

وتضم هذه المنطقة عدة قوى كبرى في صدارتها الصين والهند وروسيا، وتمر بها خطوط حيوية لنقل الطاقة عبر القارتين، بالإضافة إلى الكثافة السكانية الضخمة، والامتداد الجغرافي، واحتياطات الطاقة الضخمة، والتّماسّ مع بؤر الصراعات الرئيسية في آسيا وأوروبا، وهو ما دفع الكتاب إلى توقع تشكل تحالف بين روسيا والصين لمواجهة الاختراق الأمريكي لأوراسيا.

ويتوقع “روبرت كابلان” في كتابه “عودة عالم ماركو بولو: الحرب والاستراتيجية والمصالح الأمريكية في القرن الحادي والعشرين”، أن يتفجر صراع محتدم للهيمنة على أوراسيا بين القوى الدولية الكبرى ضمن اتجاهات تجدد صراعات الجغرافيا السياسية في العالم، وسعي الدول الكبرى إلى استعادة إرث إمبراطورياتها التاريخية مستدلًا بمشروعات عالمية مثل “الحزام والطريق” و”سلسلة اللآلئ” (String of Pearls) التي تسعى من خلالها الصين لإعادة تأسيس “طريق الحرير” الذي ارتبط بالامتدادات التاريخية للإمبراطورية الصينية، كما يتسم “عالم ماركو بولو” بالاهتمام بالقوة البحرية باعتبارها الأهم في المنافسة على الهيمنة العالمية(22).

إعادة هيكلة العولمة:

أدى التسليم بمرور العولمة الاقتصادية بموجة انحسار حادة نتيجة لسياسات الإغلاق والحمائية وحروب التجارة إلى تصاعد الأطروحات حول كيفية استعادة اتزان العولمة وإعادة بنائها، ففي كتابه “عالم طوعي: تشكيل وتقاسم الرخاء العالمي المستدام”، يشير “جيمس باكشوس” إلى أن التعاون الاقتصادي والبيئي الذي يتم تأسيسه من أسفل إلى أعلى هو المدخل الأمثل لإعادة هيكلة العولمة بحيث تكون الصدارة للمبادرات المحلية والشراكات الإقليمية التي تتشابك وتترابط فيما بينها لتشكل شبكة تعاون عالمية الانتشار(23).

وعلى مستوى آخر، تعددت الكتب التي تناولت الدروس المستفادة من الأزمة المالية العالمية في ذكرى مرور عشر سنوات على الإعلان عن انهيار بنك “ليمان براذرز” وتصدع مؤسسات النظام المصرفي الأمريكي بسبب أزمة الرهن العقاري، إذ أكد “لورانس بول” في كتابه “مجلس الاحتياطي الفيدرالي وليمان براذرز” أن قرار السلطات المالية الأمريكية في سبتمبر 2008 بعدم دعم هذا البنك قبيل انهياره كان الأخطر في التاريخ المالي الأمريكي منذ أزمة الكساد الكبير، وأن هذا الانهيار لم يكن حتميًّا، وكان يمكن تجاوزه لو تدخلت مؤسسات النظام المالي الأمريكي لمنع إعلان إفلاس البنك، إلا أن الضغوط السياسية وسوء تقدير التداعيات وراء هذا القرار(24).

وحاول “راي داليو” وهو أحد مؤسسي صناديق التحوط العالمية استخلاص “مبادئ لاجتياز أزمات الديون الكبرى” من خلال رصد الدروس المستفادة من التاريخ الاقتصادي والأزمات المالية العالمية، وضرورة متابعة دورات الأزمات الاقتصادية في العالم، والدور المركزي لصناع القرار في مواجهة الأزمات المالية(25). وهو ما يؤكده “آدم تووز” في كتابه “اصطدام: كيف غير عقد من الأزمات المالية العالم”، فالأزمات المالية ليست مجرد أحداث اقتصادية، وإنما تتضمن تداعيات سياسية ممتدة، مثل: تعقيدات العلاقة بين اليونان والاتحاد الأوروبي، والانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن اجتياح الشعبوية واليمين القومي لعدد كبير من دول العالم وخاصة في أوروبا الشرقية. وهو ما دفعه للتأكيد على مركزية دور الدولة في تنظيم الاقتصاد ومواجهة الأزمات المالية(26).

وتدعم رؤية “روبرت سكيديلسكي” هذا الاستنتاج بتأكيده على أهمية دور الحكومات في مواجهة الأزمات الاقتصادية في كتابه “المال والحكومة: تحدي علم الاقتصاد السائد”، حيث استخلص أن أفكار “جون مينارد كينز” حول أولوية الاستقرار على التوازن الاقتصادي تمثل مبدأ أساسيًّا في احتواء تأثيرات الأزمات المالية(27)، ويتصل ذلك بانتقادات “جوناثان تيبر” في كتابه “أسطورة الرأسمالية: الاحتكارات وموت التنافسية”للرأسمالية وتركيزها على النمو الاقتصادي في مقابل إغفالها عدم المساواة وانتشار الاحتكار الاقتصادي وإثراء الكيانات الاقتصادية الكبرى على حساب المستهلكين(28).

ختامًا، يكشف تتبع حركة النشر في العلاقات الدولية في عام 2018 أن القوى المحركة الرئيسية لعالم 2019 تتصدرها اتجاهات ارتباك السياسة الأمريكية في عهد “ترامب”، وهيمنة سياسات الهوية على التفاعلات الداخلية في عدد كبير من دول العالم، وما يسببه ذلك من أزمات تهدد بقاء الديمقراطيات الغربية، بالتوازي مع التحديات التي تعوق صعود القوى الآسيوية، وصراعات الجغرافيا السياسية الناتجة عن التنافس في أوراسيا بين القوى الكبرى، وأخيرًا محاولات إصلاح العولمة الاقتصادية، والتحسب لاحتمالات تفجر أزمات مالية جديدة عبر الاستفادة من دروس الأزمات السابقة والتصدي للاختلال في النظم الرأسمالية.

(محمّد عبد الله يونس)

قائمة الكتب الواردة بالموضوع:

1. Michael Wolff, Fire and Fury: inside the Trump White House, Henry Holt and company, January 2018

2. James Comey, A Higher Loyalty: Truth, Lies, and Leadership, Flatiron Books, April 2018

3. David Frum, Trumpocracy: The Corruption of the American Republic, Harper, January 2018

4. Bob Woodward, Fear: Trump in the White House, Simon & Schuster, September 2018

5. John J. Mearsheimer, The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities, Yale University Press, September 2018

6. Stephen M. Walt, The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of US Primacy, Farrar, Straus and Giroux, October 2018

7. Francis Fukuyama, Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment, Farrar, Straus and Giroux, September 2018

8. Eric Kaufmann, Whiteshift: Populism, Immigration and the Future of White Majorities, Allen Lane, October 2018

9. Amy Chua, Political Tribes: Group Instinct and the Fate of Nations, Penguin Press, February 2018

10. Yascha Mounk, The People Vs. Democracy: Why our Democracy is in Danger & How to Save it?, Harvard University Press, March 2018

11. Steven Levitsky, Daniel Ziblatt, How Democracies Die?, Crown, January 2018

12. David Runciman, How Democracy Ends?, Basic Books, June 2018

13. Dambisa Moyo, Edge of Chaos: Why Democracy is Failing to Deliver Economic Growth- and How to Fix it?, Basic Books, April 2018

14. Peter Frankopan, The New Silk Roads: The Present and Future of the World, Bloomsbury, November 2018

15. Bruno Maçães, Belt and Road: A Chinese World Order, C Hurst & Co Publishers Ltd., December 2018

16. Kai-Fu Lee, AI Superpowers: China, Silicon Valley, and the New World, Houghton Mifflin Harcourt, September 2018

17.  Will Doig, High Speed Empire: Chinese Expansion and the Future of Southeast Asia, Columbia Global Reports, May 2018

18. Alyssa Ayres, Our Time Has Come: How India Is Making Its Place in The World, Oxford University Press, March 2018

19. George Magnus, Red Flags: Why Xi’s China is in Jeopardy, Yale, September 2018

20. Elizabeth C. Economy, The Third Revolution: Xi Jinping and the New Chinese State, Oxford University Press, June 2018

21. Bruno Maçães, The Dawn of Eurasia: On the Trail of the New World Order, Penguin Random House, 2018

22. Robert Kaplan, The Return of Marco Polo’s World: War, Strategy, and American Interests in the Twenty-First Century, Random House, March 2018

23. James Bacchus, The Willing World: Shaping and Sharing a Sustainable Global Prosperity, Cambridge University Press, July 2018

24. Lawrence M. Ball, The Fed and Lehman Brothers, Cambridge University Press, June 2018

25. Ray Dalio, Principles for Navigating Big Debt Crises, Bridgewater, September 2018

26. Adam Tooze, Crashed: How a Decade of Financial Crises Changed the World, Allen Lane, August 2018

27. Robert Skidelsky, Money and Government: A Challenge to Mainstream Economics, by Allen Lane, September 2018

28. Jonathan Tepper, Denise Hearn, The Myth of Capitalism: Monopolies and the Death of Competition, Wiley, December 2018




المعهد الجمهوري الأمريكي: تراجع شعبية نداء تونس واِهتراء خطابه قابله تكيّف اِستراتيجي وتعامل ذكيّ من حركة النّهضة

 

الأستاذ طارق عمراني

نشر المعهد الجمهوري الأمريكي علی موقعه الإلكتروني مقالا لمركز أتلانتيك كاونسيل تحت عنوان The End—or Not—of Tunisia’s “Mut’ah”؟  تحدّث عن اِنتهاء التّوافق في تونس بين رئيس الجمهورية الباجي قايد السّبسي وزعيم حركة النّهضة راشد الغنّوشي.

واِعتبر المقال أنّ هذا التّوافق أشبه بزواج المتعة لأنّه قام علی مصالح براغماتية ذرائعية بين الحزبين للمحافظة علی الاِستقرار ومكافحة الإرهاب وتحسين الاِقتصاد وكفاءة الحكومة خلال الفترة الاِنتقالية الحسّاسة عقب الإطاحة بنظام بن علي.

فقد كان تشكيل حكومة اِئتلافية بين حزب النّداء العلماني وغريمه الإسلامي غير متوقّع لأنّه اِنبثق في ظرفية شهدت فيها تونس منسوبا عاليا من الاِستقطاب السّياسي بين مشروعين متنافرين خاصّة علی المستوی الاِجتماعي، ورغم الإشادة بهذا الاِندماج السّياسي الهجين فقد كانت هناك مخاوف من سلبيّاته  لاِنحصار السّلطة فعليّا بين شخصيّتين وبالتّالي تغييب المعارضة وهو أمر غير صحّي بالمرّة في علاقة بديمقراطيّة ناشئة، كما أنّ هذا التّوافق لم يف بتعهّداته الِاقتصادية مع اِحمرار كلّ المؤشّرات الاِجتماعية باِرتفاع التضخّم وخسارة العملة المحلّية لنصف قيمتها.

واِستدرك المقال بالإشارة إلی المنجز السّياسي المهمّ الّذي تمّ في ظلّ التّوافق السّياسي وهو تركيز أوّل خطوات اللاّمركزية وذلك بعد تلكّؤ كبير من حركة نداء تونس، حيث وقع اِنتخاب 7000 عضو بلدي في ماي الماضي في اِنتخابات فازت فيها حركة النّهضة بـ30% من المقاعد في اِستحقاق اِنتخابي شهد له العالم بالنّزاهة والشّفافية ومع ذلك لازالت الحكومة المركزية متردّدة في نقل السّلطات الإدارية والمالية إلی المجالس المنتخبة، ومن هنا يمكن الإشارة إلی أنّ إجراء اِنتخابات بلدية يمكن اِعتباره إنجازا تاريخيّا لتونس إلّا أنّ تحقيق الفائدة منها في الاِنتقال الدّيمقراطي لم يلمس بعد.

وأضاف المقال بأنّ العديد من المراقبين اِستبشروا بنهاية التّوافق الّذي كان إطارا لاِحتكار السّلطة وتغييب المعارضة لكن يبقی هذا الرّأي نسبيّا لأنّ إنهاء هذا التّحالف قد يكون خدعة من نداء تونس لأنّه وفي صورة تواصله ستكون الخسارة مؤكّدة لحزب رئيس الجمهورية الّذي يتّبع اِستراتيجيّات اِنتخابية تقوم علی تخوين حركة النّهضة والتّخويف منها.  فخلال الاِنتخابات البلدية غاب الاِستقطاب الثّنائي الحادّ ولم نشهد خطابات مشينة وهو ما تسبّب بشكل أو بآخر في خسارة نداء تونس وبالتّالي فقد كان ذلك تنبيها شديد اللّهجة وتمهيدا لخسارة مدوّية في اِنتخابات 2019 التّشريعية. ومن هنا كان إنهاء التّوافق خيارا اِستراتيجيا لحركة نداء تونس لإعادة ترتيب أوراقه ولا بديل لهم عن اِستخدام اِستراتيجيّات 2014 الّتي قامت علی التّخويف من الإسلاميّين وأخونة الدّولة ووصم الحزب الإسلامي بالحزب الرّجعي.

وتساءل المقال عمّا إذا كانت هذه الاِستراتيجية قادرة علی اِمتلاك أدوات النّجاح مرّة أخری، حيث نجحت حركة النّهضة من التخلّص من إيديولجيّتها العقائدية واِقتلاع ورقة المقبولية لدی التّونسيين من خلال سياسة الاِنفتاح وفصل الدّعوي عن السّياسي في مؤتمرها العاشر والتحوّل من حزب الإسلام السّياسي إلی حزب الإسلامي الدّيمقراطي. فبعد إخفاقها السّياسي بين 2011 و2014 تمكّنت النّهضة من التكيّف الاِستراتيجي وإجراء مراجعات عميقة وإيجاد مقاربة أكثر عمليّة ومقبوليّة، ومن هنا يصبح التّخويف من أخونة الدّولة من قبل نداء تونس اِستراتيجيّة عقيمة غير مقنعة، كما أنّ الجدل الدّيني تضاءل لدی الشّارع التّونسي أمام المطالب الاِقتصادية والاِجتماعية.

وختم المقال بالإشارة إلی أنّ تراجع شعبية نداء تونس واِهتراء خطابه قابله تكيّف اِستراتيجي وتعامل ذكيّ من حركة النّهضة مع التطوّرات السّياسية، وهذا ما يؤكّد أنّ التّكتيكات القديمة لرئيس الجمهورية الباجي قايد السّبسي قد أصبحت مكشوفة وغير قادرة علی النّجاح مرّة ثانية، وحتّی إن كتب لها ذلك فلن يستطيع تشكيل حكومة بمفرده.

للاِطّلاع على المقال الأصلي، اُنقر هنا: https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-end-or-not-of-tunisia-s-mut-ah