اليمن/ القيود المفروضة على الإمدادات المنقذة للأرواح تعرّض حياة ملايين المدنيّين للخطر

حذّرت منظّمة العفو الدّولية، في تقرير صدر لها اليوم، من أنّ ملايين الأرواح عرضة للخطر بسبب القيود الّتي يفرضها التّحالف الّذي تقوده السّعودية على دخول السّلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود والإمدادات الطبّية، إلى اليمن الّذي مزّقته الحرب، وثمّ تأخير سلطات الأمر الواقع الحوثية في توزيعها.

ويوثّق التّقرير المعنون: “تضييق الخناق”، كيف فرض التّحالف قيودا مفرطة على دخول السّلع الأساسية والمساعدات، في حين عرقلت السّلطات الحوثية حركة المساعدات داخل البلاد. وقد أدّت هذه العقبات- الّتي تفاقمت نتيجة للهجوم العسكري المميت بقيادة السّعودية على الميناء الحيوي لمدينة الحديدة- إلى تفاقم الحالة الإنسانية، المتردّية أصلا في اليمن، واِنتهاك القانون الدّولي.

وقالت لين معلوف مديرة البحوث في برنامج الشّرق الأوسط بمنظّمة العفو الدّولية: “إنّ القيود غير القانونية الّتي فرضتها قوّات التّحالف بقيادة السّعودية على الواردات، إلى جانب التدخّل الحادّ في توزيع المساعدات على أيدي الحوثيين، تمنع وصول الإمدادات المنقذة للأرواح إلى اليمنيّين الّذين هم في أمسّ الحاجة إليها”.

“هذه القيود لها عواقب وخيمة على المدنيّين، فالملايين منهم على حافّة المجاعة، وفي حاجة إلى المساعدة الإنسانية. ولا يمكن تجاهل هذه الأزمة الإنسانية الّتي صنعها الإنسان. ويجب على العالم ألاّ يدير ظهره لها، بينما تختنق الحياة ببطء في اليمن”.

ومنذ 2015، شدّد التّحالف مرارا الحصار البحري على الموانئ الّتي يسيطر عليها الحوثيون في سليف والحديدة– وتحوّل القيود المفروضة على الواردات التّجارية دون حصول اليمنيين على الغذاء.

كما ساهمت القيود والتّأخيرات المفروضة على وصول الوقود والإمدادات الطبّية في اِنهيار نظام الرّعاية الصحّية في البلاد. فأسلوب وتوقيت القيود المشدّدة- الّتي تأتي بعد إطلاق صواريخ الحوثي على العاصمة السّعودية، الرّياض– يشيران إلى أنّ ذلك يمكن أن يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي بالسكّان المدنيين في اليمن، الأمر الّذي يشكّل جريمة حرب.

كما أنّ سلطات الأمر الواقع الحوثية خلقت أيضا عوائق أمام إيصال المساعدات الإنسانية داخل اليمن، حيث يصف عمّال الإغاثة لمنظّمة العفو الدّولية كيف تسبّبت الإجراءات البيروقراطية المفرطة في تأخيرات شديدة.

وفي تصعيد آخر في الأسبوع الماضي، شنّت القوّات اليمنية المدعومة من التّحالف بقيادة السّعودية هجوما على الحديدة، ممّا أدّى إلى قطع خطّ الإمداد الحيوي، وهذا سيزيد من تفاقم أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم.

الدّخول إلى الميناء مقيّد من قبل التّحالف بقيادة السّعودية

بدأت المملكة العربية السّعودية بتفتيش السّفن، وتأخير أو تقييد الوصول إلى موانئ اليمن المطلّة على البحر الأحمر في عام 2015، بحجّة أنّها كانت تفرض حظرا على الأسلحة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2216. ونتيجة لذلك، في عام 2015، كانت آلية الأمم المتّحدة للتحقّق والتّفتيش قد أنشئت لتخليص السّفن التّجارية المتّجهة إلى موانئ البحر الأحمر في اليمن مع ضمان الاِمتثال لحظر الأسلحة.

ومع ذلك، واصل التّحالف عمليات تفتيشه للسّفن، حتّى بعد أن قامت قوّات الأمم المتّحدة بتفريغها للوصول للميناء، وإخضاعها للتّأخير المفرط. واُضطرّت السّفن المتّجهة إلى موانئ البحر الأحمر باليمن إلى اِنتظار إزالة الألغام لمدّة 120 ساعة في المتوسّط في مارس 2018، و74 ساعة في أفريل 2018.

في 15 مارس 2018، دعا مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة الدّول الأعضاء إلى تفتيش السّفن الّتي سبق تخليصها من قبل آلية الأمم المتّحدة للتحقّق والتّفتيش “بطريقة فعّالة وفي الوقت المناسب”. وواصل التّحالف تجاهل هذه الدّعوة، وأساء اِستخدام نظام التّفتيش، ومنع تسليم السّلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.

وقد أسفر هذا التّأخير عن تفاقم مشكلة نقص الوقود، ممّا قلّل من إمكانية الحصول على الغذاء والمياه النّظيفة والوصول إلى المرافق الصحّية، وساهم في اِنتشار الأمراض الّتي يمكن الوقاية منها. ووفقا لخمسة أفراد من الطّاقم الطبّي الّذين تمّ التحدّث معهم، فإنّ نقص الوقود جعل من الصّعب أيضا تشغيل المستشفيات، والّتي تحتاج إلى تشغيل مولّدات كهربائية توفّر الكهرباء.

وأضافت لين معلوف قائلة: “إنّ عمليات التّفتيش المفرطة هذه لها تأثير كارثي على اليمن. فبتأخير الإمدادات الحيوية، مثل دخول الوقود والدّواء إلى البلاد، يسيء التّحالف الّذي تقوده السّعودية اِستغلال سلطاته لإلحاق ضرر إضافي بمشقّة المدنيين الأكثر ضعفا في اليمن”، فالحصار الّذي يتسبّب في إلحاق ضرر كبير وغير متناسب بالمدنيّين محظور بموجب القانون الدّولي”.

سلطات الأمر الواقع الحوثية تضع العراقيل أمام المساعدة الإنسانية داخل اليمن

تحدّثت منظّمة العفو الدّولية إلى 11 فردا من عمّال الإغاثة الّذين يشغلون مناصب رفيعة المستوى في منظّمات غير حكومية تعمل في اليمن منذ بداية النّزاع. فوصفوا مجموعة من الممارسات، الّتي تنفّذها بها باِستمرار سلطات الأمر الواقع الحوثية، أعاقت إيصال المساعدات الإنسانية.

ووصف عمّال الإغاثة كيف أدّت الإجراءات البيروقراطية المفرطة والتعسّفية إلى فرض قيود على حركة موظّفي المساعدات الإنسانية. ففي إحدى المرّات، وصف مسؤول إغاثة كيف اِستغرق الأمر شهرين لنقل الإمدادات إلى خارج صنعاء، عندما وصلت الإمدادات إلى البلد، و”كان أصعب جزء هو إخراج المساعدات من المستودع بمجرّد دخولها إلى اليمن”.

ووفقا لما ذكره عمّال الإغاثة الّذين تمّ التحدّث معهم، فإنّ سلطات الأمر الواقع الحوثية تحاول السّيطرة على إيصال المعونة والتّأثير على من يتلقّاها، وتحديد المناطق الّتي ترسل إليها المساعدات.

وقال أحد مسؤولي الإغاثة لمنظّمة العفو الدّولية إنّ “القوّات الحوثية غالبا ما تطلب منهم تسليم المساعدات وأنّهم سيتولّون توزيعها”. وذكر العديد من عمّال الإغاثة المرّات الّتي طالب فيها العاملون الحكوميون برشاوى من مجموعات إنسانية من أجل إقرار مشاريع أو تنقّل الموظّفين.

ومضت لين معلوف تقول: “إنّ التدخّل المتكرّر والمفرط والتعسّفي لقوّات الحوثيين في إيصال المساعدات وتوزيعها يتسبّب في أضرار لا توصف للمدنيّين الّذين تتدمّر حياتهم نتيجة لذلك”. “فيجب على السّلطات الحوثية أن تضع حدّا للعراقيل الّتي تعوق إيصال المساعدات، وتنفيذ المشاريع الإنسانية، مع اِتّخاذ تدابير فعّالة للقضاء على قضيّة الاِبتزاز”.

 يجب على حلفاء السّعودية اِتّخاذ موقف

تدعو منظّمة العفو الدّولية مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة إلى ضمان السّماح لجميع أطراف النّزاع في اليمن بالوصول الفوري، ودون عوائق، إلى وكالات الأمم المتّحدة والمنظّمات الإنسانية لتوصيل الطّعام والوقود والأدوية والإمدادات الطبّية إلى المدنيّين المحتاجين إليها في جميع أنحاء اليمن.

وينبغي أن تفرض عقوبات محدّدة على المسؤولين عن عرقلة المساعدات الإنسانية، وعن اِرتكاب اِنتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدّولي.

واِختتمت لين معلوف قائلة: “يجب على التّحالف بقيادة السّعودية أن يضع حدّا للتّأخير في وصول الواردات التّجارية من السّلع الأساسية المتّجهة إلى موانئ اليمن المطلّة على البحر الأحمر، ويسمح بإعادة فتح مطار صنعاء أمام الرّحلات الجوّية التّجارية. كما ينبغي على الدّول الّتي تقدّم دعما للتّحالف، ولا سيما الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وفرنسا، أن تضغط عليه للقيام بذلك”.

خلفيّة

 بين ديسمبر 2017 وجوان 2018، أجرت منظّمة العفو الدّولية مقابلات مع 12 فردا من العاملين في مجال الإغاثة، بالإضافة إلى ستّة أطباء وثلاثة موظّفين طبيين آخرين، وخمسة من نشطاء المجتمع المحلّي في صنعاء والحديدة وتعز. وتحدّث جميع من أجريت معهم المقابلات مع منظّمة العفو الدّولية بشرط السرّية التامّة بسبب قلقهم من أنّ هويّتهم العامّة يمكن أن تعرّضهم وعائلاتهم لخطر جسيم، أو تقويض قدرتهم على القيام بعملهم دون مزيد من القيود.

للاِطّلاع على التّقرير كاملا، اُنقر هنا: https://www.amnesty.org/download/Documents/MDE3185052018ARABIC.PDF




اليمن/ خيارات معركة الحديدة ومآلاتها بعد مواجهات المطار

بعد أيّام من إعلان الحكومة اليمنية والتّحالف العربي الدّاعم لها عمليّة عسكرية تحمل اِسم (النّصر الذّهبي)، تهدف إلى اِستعادة مدينة الحديدة ومينائها الاِستراتيجي من قبضة مسلّحي جماعة الحوثي، الموالية لإيران، حقّقت القوّات الحكومية (ألوية العمالقة)، وبإسناد طيران التّحالف العربي، تقدّما ميدانيا، وسيطرت على مناطق واسعة على طول الشّريط السّاحلي مرورا بمديرية الدريهيمي الاِستراتيجية، وهي البوّابة الجنوبية للمدينة، وصولا إلى مطار الحديدة الّذي أعلنت الحكومة السّيطرة عليه في 17 جوان الجاري، بعد معارك ضارية بين القوّات الحكومية ومسلّحي الحوثي.

على الصّعيد السّياسي أخفق مبعوث الأمم المتّحدة لليمن، مارتن غريفيث، الّذي غادر العاصمة صنعاء، في تحقيق أيّ تقدّم مع جماعة الحوثي، وهي الزّيارة الثّانية له منذ اِنطلاق معركة (النّصر الذّهبي)، بعد محاولته اِنتزاع فرصة لإجراء مباحثات سياسية بين الجانبين.

غير أنّ خيارات الحوثي في هذه المعركة تبدو محدودة؛ إذ إنّه بين خيارين كلاهما يتطلّب تسليم الميناء، إمّا للحكومة اليمنية والتّحالف العربي أو للأمم المتّحدة، بمعنى أنّ جماعة الحوثي ستخسر أهمّ مورد مالي ولوجستي.

فهل ستستمرّ المعركة حتّى السّيطرة على كامل مدينة الحديدة ومينائها الاِستراتيجي، أم أنّ هناك خطوطا حمراء لن يتجاوزها الجيش الحكومي والتّحالف الدّاعم له؟ وما خيارات جماعة الحوثي في هذه المعركة؟

الحديدة الأهمّية الديّمغرافية والجيوسياسية

على الرّغم من طول السّواحل اليمنية الّتي تبلغ 2500 كم، وتعدّد موانئها، فإنّ لمحافظة الحديدة أهمّية خاصّة؛ نظرا لمكانتها الجيوسياسية وحيويتها الاِقتصادية، وهي محافظة ذات كثافة سكّانية عالية، حيث يتجاوز عدد سكّانها مليونين ونصف المليون نسمة، يتوزّعون على 26 مديرية. وهي من المحافظات الغنيّة بمواردها المتنوّعة، الّتي تشمل الثّروة البحرية والحيوانية والزّراعية، وتعدّ سلّة اليمن الغذائية، في حين يعيش أبناؤها فقرا مدقعا؛ نتيجة المركزية الّتي عانى منها اليمن كثيرا، وتسلّط مراكز النّفوذ المتعدّدة، وسيطرتهم على كثير من الموارد.

يعتمد غالبية سكّان المحافظة على الصّيد والزّراعة، وهي في حالة شبه توقّف منذ سيطرت ميليشيات الحوثي على المحافظة في أكتوبر 2014، وهذا ما اِضطرّ كثيرين منهم إلى الهجرة خارج المحافظة.

الجدير بالذّكر أنّ جماعة الحوثي تعاني من ضعف الحاضنة الشّعبية في هذه المحافظة، حسب ما أفاد بذلك زعيم الحركة عبد الملك الحوثي، في تعليقه على هزيمته في معركة السّاحل.

دوافع الحكومة اليمنية للسّيطرة على المحافظة

في أكتوبر 2014 سيطرت جماعة الحوثي على محافظة الحديدة بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء، بدعم من حليفها السّابق علي عبد الله صالح، الّذي يبدو أنّها فقدت أدواته في معركتها الحالية، بل وتحوّل بعض منها ضدّها.

وكانت سيطرة الجماعة الحوثية على الحديدة سببا من أسباب بقائها، وعاملا من العوامل الّتي أسهمت في تمويل الجماعة ورفد خزينتها خلال المرحلة الماضية، في الوقت الّذي تتوسّع دائرة المجاعة والفقر في مديريات أخرى، بالإضافة إلى موجات اِعتقالات ناشطين وخصوم لجماعة الحوثي، ولذا فإنّ تحرير المحافظة يعدّ أولوية وضرورة اِستراتيجية بالنّسبة إلى الحكومة اليمنية للاِعتبارات التّالية:

  • سيطرة جماعة الحوثي الكاملة على الإيرادات الجمركية والرّسوم الجمركية الّتي تصل إلى عشرة مليارات ريال شهريا، حيث يعدّ ميناء الحديدة ثاني أكبر ميناء في اليمن الّذي ظلّ مفعّلا خلال الفترة الماضية، ويستوعب ما يقارب 80% من الواردات، في ظلّ غياب شبه كلّي لميناء عدن.
  • تهريب السّلاح من إيران إلى اليمن من خلال ميناء الحديدة، حسب رواية الشّرعية اليمنية، حيث تنطلق سفن التّهريب عبر مضيق هرمز إلى خليج عمان، ثمّ تتّجه بمحاذاة السّواحل المطلّة على بحر العرب، وتنتقل بعدها نحو إقليم بلاد البنط الصّومالي، ثمّ تعبر خليج عدن باِتّجاه البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب حتّى تصل إلى ميناء الحديدة.
  • تهديد الحوثيين واِستفزازهم للملاحة الدّولية القادمة عبر باب المندب إلى قناة السّويس أو العكس، والهجوم على عدد من السّفن التّابعة للتّحالف، وسفن أخرى تابعة للبحرية الأمريكية، كما تمّ الهجوم على فرقاطة سعودية في جانفي 2017، حسب رواية دول التّحالف.
  • تحكّم الحوثيين في كمّيات النّفط القادمة عبر الميناء، وتسهيل عملية سيطرة النّافذين من الجماعة على شركات النّفط، والتحكّم في أسعاره عبر الأسواق السّوداء الّتي ترعاها الجماعة.
  • التحكّم في المساعدات الإنسانية الّتي تصل من المنظّمات الدّولية، وصرف جزء منها على المناطق الّتي تسيطر عليها الميليشيات، في حين يذهب أغلبها لتموين جبهات القتال.

الوضع الإنساني وردود الأفعال الدّولية

يمثّل التحدّي الإنساني الكارثي خصوصيّة في محافظة الحديدة تحديدا، وذلك لعاملين أساسيين؛ الأوّل يعود إلى اِرتفاع مستوى الفقر في الأسرة الحديدية، والثّاني يتعلّق بالمناخ الحارّ، خاصّة أنّ المعركة في وقت الصّيف، ومن ثمّ فإنّ أيّ اِنقطاع- وهو وارد- للتيّار الكهربائي يعني فساد المواد التّموينية في المنازل والمخازن التّجارية، هذا بالإضافة إلى الوضع الصحّي الّذي تشهده المرافق الصحّية، وخاصّة المصابين بأمراض مزمنة مثل غسل الكلى والقلب وغيرها نتيجة توقّف المرافق الصحّية، فضلا عن اِستبدال المرضى بجرحى الحرب، وهذا بطبيعة الحال ليس فقط في الحديدة فحسب، بل وصل ذلك إلى العاصمة صنعاء، وقد بدأ الحديث عن اِكتظاظ مستشفيات العاصمة بجرحى الحوثيين وإحلالهم مكان مرضى آخرين.

كما أنّه من المتوقّع تدفّق موجات نزوح جماعي للمدنيين هروبا من نيران الحرب، ومن ثمّ فإنّ تسيير جسور إنسانية واِستيعاب التحدّي الإنساني من قبل الحكومة اليمنية ودول التّحالف سيفوّت على الحوثيين فرصة الرّهان على العامل الإنساني للضّغط نحو توقّف المعركة.

ويرى بعض المراقبين أنّ الخطر الإنساني سيزيد إذا ظلّت المدينة مقسّمة بين طرفي الصّراع، وعليه فإنّ مساعدة المجتمع الدّولي لحسم المعركة في وقت سريع سيخفّف من حجم الكارثة الإنسانية، وهذا لن يأتي إلاّ بتوافقات دولية ومحلّية.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك كارثة إنسانية حقيقية ستحلّ بالمدينة وسكّانها، وهذا ما يتطلّب من الأمم المتّحدة والمجتمع الدّولي الضّغط على الحوثيين للخروج من المدينة وتجنيبها ويلات الحرب، كما يجب عليهم في حال تعنّت الجماعة- وهذا هو الحاصل- وضع الخطط اللاّزمة بالتّعاون مع دول التّحالف والحكومة اليمنية لمعالجة مثل هذه الكوارث بالتّزامن مع سير المعركة، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك رغبة جامحة لدى المجتمع الدّولي في تدليل جماعة الحوثي والإبقاء عليهم كقوّة يمنية سياسية وعسكرية في المنطقة؛ للاِستمرار في إقلاق المنطقة واِستفزاز الإقليم.

ويمكن أن تكون عملية السّيطرة على الحديدة واردة، لكنّ المجتمع الدّولي يريد من الحكومة اليمنية ودول التّحالف ضمانات حقيقية لما بعد السّيطرة على الحديدة، تضمن للحوثي إعادة التّموضع في محيطه الجغرافي، مع توفير منفذ دولي للحوثيين، وتصبح بعد ذلك قوّة سياسية وعسكرية يمنية موازية لقوّة الحكومة اليمنية، وممّا يؤكّد ذلك تغاضي المجتمع الدّولي عن جرائم الحوثي بحقّ اليمنيّين، مع التّعامل معه كقوّة سياسية لا على أنّه جهة متمرّدة على السّلطة والحكومة اليمنية، وعلى ضوء هذا التصوّر تأتي مشاريع الحلول السّياسية المقدّمة من المجتمع الدّولي.

موقف الأطراف الرّافضة للمعركة

توالت ردود الأطراف الدّولية الرّافضة للمعركة والمحذّرة من عواقبها الوخيمة الّتي ستشهدها المحافظة في حال اِستمرّت القوّات  الحكومية اليمنية في زحفها صوب المدينة، ومن هذه الرّدود:

  • المبعوث الدّولي للأمم المتّحدة، مارتن غريفيثس: وكان قد زار صنعاء مرّتين في محاولة منه لإقناع الحوثيين بتسليم المحافظة، وزار الإمارات لكونها الحاضر الفعلي في معركة السّاحل الغربي؛ لإقناعها بتأخير المعركة، وأكّد في بيان له “أنّ التطوّرات العسكرية في الحديدة مقلقة للغاية، والتّصعيد العسكري له عواقب وخيمة على الوضع الإنساني الصّعب في البلاد”.
  • مجلس الأمن: دعا إلى خفض التّصعيد العسكري في اليمن، وفق ما جاء ذلك على لسان الرّئيس الدّوري للمجلس سفير روسيا.
  • أعضاء في الكونغرس الأمريكي: دعا أعضاء من الكونغرس وزير الدّفاع الأمريكي لمنع أيّ عملية عسكرية في اليمن، كما طالبوه بتوضيح مشاركة بلادهم في العملية، وطالبوا في رسالة مؤرّخة بتاريخ 9/3/2018، وجّهت إلى وزير خارجيتهم ريكس تيليرسون، باِستخدام كلّ الوسائل الدّبلوماسية للضّغط على التّحالف الّذي تقوده السّعودية، بوقف القصف الجوّي على ميناء الحديدة ورفع الحظر عليه فورا، والسّماح للمنظّمات الإنسانية الدّولية بإدخال المواد الغذائية والوقود والأدوية إلى شمال اليمن؛ لإنقاذ حياة الآلاف من المدنيين والأطفال الّذين يواجهون المجاعة.
  • أعضاء في البرلمان البريطاني: طالبوا بالضّغط على التّحالف في اليمن والتصدّي لقصف الميناء، وحذّروا من تداعيات كارثية على ملايين اليمنيين من جرّاء أيّ هجوم على الحديدة، وطالبوا مجلس الأمن باِجتماع طارئ بشأن الحديدة، وفي جلسة لمجلس العموم البريطاني شارك فيها 26 عضوا، يمثّلون جميع الأحزاب البريطانية، طالب برلمانيون بريطانيون حكومة بلادهم بوقف بيع السلّاح للسّعودية والإمارات، وتساءلوا عن موقف بلادهم حيال وقف الهجوم على شريان الحياة في اليمن.
  • الموقف الإيراني: ترفض إيران معركة الحديدة، في حين تتّهمها الحكومة اليمنية ودول التّحالف بإمداد الحوثيين بالسّلاح عبر ميناء الحديدة. وفي هذا السّياق دان مستشار رئيس البرلمان الإيراني، حسين أمير عبد اللّهيان، الهجمات العسكرية على مدينة الحديدة، وحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في البلاد، وقال: إنّ “اليمن على أبواب كارثة إنسانية في ظلّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية السّعودية الإماراتية على مدينة الحديدة”، حسب قوله، وأضاف: “المعتدون هزموا في ساحة الحرب اليمنية، لكنّهم يريدون لليمن أن يستسلم من خلال اِحتلال ميناء الحديدة وقطع الماء والخبز عن اليمنيين”، وتابع: “المستقبل لليمنيين وسيكون اليمن مستنقعا للمعتدين”.
  • موقف المنظّمات الحقوقية الدّولية: دعت أربع عشرة منظّمة حقوقية غير حكومية الرّئيس الفرنسي إلى الضّغط على السّعودية والإمارات لتجنّب معركة الحديدة، وإعادة النّظر في مشاركة السّعودية في المؤتمر الإنساني حول اليمن المزمع عقده في باريس في السّابع والعشرين من الشّهر الجاري.

وقال الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريش، إنّ المنظّمة الدّولية تقوم بدبلوماسية مكوكية مكثّفة بين جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن من جهة، والتّحالف العربي من جهة أخرى؛ في مسعى لمنع الهجوم على ميناء الحديدة اليمني.

وحذّرت الأمم المتّحدة، في بيان لها، من أنّ أيّ هجوم عسكري أو حصار سيقوم به التّحالف الّذي تقوده السّعودية للمدينة السّاحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، قد يودي بحياة 250 ألف شخص.

وذكرت الرّسالة تقرير صحيفة (واشنطن بوست) الّذي أكّد أنّ مئات الآلاف من الأطفال اليمنيين على وشك المجاعة، بسبب غارات التّحالف الّذي تقوده السّعودية المكثّفة على ميناء الحديدة، وهو الميناء الرّئيس الّذي يدخل عبره معظم المواد الأساسية إلى البلاد.

موقف الأطراف المؤيّدة للمعركة والمشاركة فيها

  • الحكومة اليمنية: طالبت الأمم المتّحدة خلال السّنوات الثّلاث الماضية بالاِضطلاع بدورها في تسلُّم الميناء وتسيير القوافل الإغاثية، والإشراف المباشر على ذلك بعيدا عن تحكّم جماعة الحوثي، ففي عام 2016 طالبت الحكومة اليمنية الأمم المتّحدة بإبعاد ميناء الحديدة، وعدم اِستخدامه في الصّراع من قبل الحوثيّين الاِنقلابية، وإبقائه للجوانب الإنسانية، ودفع رواتب الموظّفين، لكنّ جماعة الحوثي رفضت المبادرة بعد ذلك، وفي عام 2017 تقدّمت الأمم المتّحدة بمبادرة تدعو إلى جعل ميناء الحديدة محايدا، ورفضت الجماعة، وجدّدت الأمم المتّحدة مبادرتها قبل أيّام من اِنطلاق العملية، ورفضت، كما جاء ذلك على لسان وزير حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية محمّد عسكر.
  • التّحالف العربي لدعم الشّرعية في اليمن: وهو الّذي يقود المعركة، وبدعم قويّ من الإمارات العربية المتّحدة، في حين غابت القوّات السّعودية هذه المرّة، لتتصدّر المشهد كاملا القوّات الإماراتية والقوّات التّابعة لها. ويرى التّحالف أنّ السّيطرة على الحديدة أصبحت أمرا ملحّا بعد كلّ هذا التعنّت الحوثيّ، وقد تعامل مع الموقف الدّولي بدبلوماسية عالية، حيث قال العقيد تركي المالكي، المتحدّث باِسم التّحالف، في مؤتمر صحفي في الرّياض: “نحن نعمل بالقنوات المفتوحة، ومستمرّون بالتّواصل مع المبعوث الأممي إلى اليمن لإعطاء فرص للحلّ السّياسي”، وأضاف أنّ الجهود السّابقة والحالية للأمم المتّحدة “تصطدم بتعنّت الميليشيا الحوثية الّتي ترفض حلاّ سياسيا للخروج من الأزمة”.

مسارات المعركة

إنّ حجم الدّعم العسكري المحشود للمعركة، والتّرتيب من قبل قوّات التّحالف، يوحي بأنّ المعركة مستمرّة؛ لكن في المقابل تدرك جماعة الحوثي المكانة الاِستراتيجية لمدينة الحديدة، وحجم خسارتها لمثل هذا المورد، كما أنّها تدرك اِنعكاسات ذلك على وزنها في أيّ مباحثات قادمة، ومن ثمّ فإنّه من المتوقّع أن ترمي بثقلها في هذه المعركة، ويمكن اِستعراض مسارات الخيارات الممكنة والمآلات المتوقّعة لمعركة الحديدة السّاخنة وفق ما يأتي:

الأوّل: مسار التّسليم

وهذا المسار يقضي بتفهّم الحوثيين للوضع الكارثي الّذي ستؤول إليه الحرب الدّائرة على الحديدة، والاِستجابة للضّغوط الدّولية وجهود المجتمع الدّولي، وهذا الخيار أكثر اِستبعادا لأسباب:

  • تعنّت جماعة الحوثي ورفضهم المتكرّر لكلّ دعوات السّلام، سواء تلك الّتي يطلقها المجتمع الدّولي أو الحكومة اليمنية، إضافة إلى رغبة الجماعة في الخيار العسكري الّذي اِرتضته من أوّل يوم، والّذي لا يوجد أمامها غيره.
  • ما تمثّله المحافظة من أهمّية سياسية واِقتصادية بالنّسبة إليهم، حيث تعدّ الحديدة المنفذ الدّولي الوحيد لهم، إضافة إلى ما تدرّه عليهم المحافظة من مبالغ مالية ضخمة عن طريق الموانئ البحرية والتجّار.
  • الهزيمة المعنوية لأنصارهم في حال التّسليم بلا مواجهة عسكرية، إذ إنّها ستُظهِر لأنصار الجماعة أنّهم في حالة ضعف كبير أدّى بالجماعة إلى تسليم المحافظة، وهذا ما سيؤثّر سلبا على معنوياتهم القتالية وأدائهم العسكري.
  • عدم الجدّية لدى المجتمع الدّولي في الضّغط الحقيقي على الجماعة وإرغامها على تسليم المحافظة، بل وكلّ المدن اليمنية، بناء على قرارات الأمم المتّحدة ذات الصّلة.

الثّاني: مسار الحرب

وهو المسار الأكثر اِحتمالا والأكبر كلفة للطّرفين؛ نتيجة لإصرار الحكومة اليمنية على خيار الحسم العسكري بعد إخفاق كلّ الجهود السّياسية، ولتعنّت جماعة الحوثي، وهذا الخيار إذا اِستمرّ فستكون آثاره أكبر، ومدّته أطول؛ لأنّ سير المعركة الحالي يوحي بأنّها ستتحوّل إلى حرب شوارع داخل المدينة، وهذا ما يفسره تترُّس الحوثيين بالمباني والفنادق، وقطع الشّوارع، ولهذا فنحن أمام عدد من السّيناريوهات.

أيّ نموذج ينتظر الحديدة؟

•      نموذج عدن

لقد تحرّرت مدينة عدن في أيّام قليلة بسبب عدّة عوامل، لعلّ من أهمّها- بعد إسناد دول التّحالف- أنّ المقاومة الرّافضة للوجود الحوثي كانت في الدّاخل، في حين كان مقاتلو جماعة الحوثي في أطراف المدينة، على عكس معركة الحديدة، والتّشابه الّذي نعنيه ليس في سير المعركة، وإنّما في ما بعد سيطرة القوّات اليمنية المشتركة المدعومة إماراتيا على الحديدة، وهذا السّيناريو هو الأكثر اِحتمالا، وأصبحت معالمه واضحة للعيان؛ وهو تكرير (نموذج عدن)، والسّيطرة الفعلية للإمارات على الحديدة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ لكنّ هذه المرّة يتمّ تسليم المدينة لغير أبنائها، على خلاف عدن، كما حصل ويحصل في الأجزاء المحرّرة من المحافظة، والّتي تُسلَّم لكتائب طارق صالح، نجل شقيق الرّئيس اليمني الرّاحل علي صالح، الّذي تعيد الإمارات إنتاجه من جديد، وهذا السّيناريو هو الأكثر اِحتمالا للأسباب التّالية:

  • الطّموح الإماراتي في المنطقة العربية كاملة، ورغبة الإمارات في تسلُّم ملفّ الإرهاب في المنطقة، وهذا لن يتمّ إلاّ إذا كان للإمارات حضور عسكري وسياسي قويّ في المنطقة، وهو ما تسعى له في الوقت الحالي، من خلال حضورها في أكثر من ملفّ على مستوى الدّول العربية. كما أنّ هناك رغبة إماراتية في السّيطرة على السّواحل اليمنية، وتسويق نفسها دوليّا على أنّها حامٍ للملاحة الدّولية.
  • حالة الاِرتخاء الّتي تعيشها الشّرعية اليمنية الغائبة غيابا شبه كلّي عن المعركة الّتي تديرها إدارةً كاملةً القوّات الإمارتية، والّتي اِستعدّت لها مبكّرا وعملت على تجنيد عدد من الألوية والكتائب الخاصّة الّتي تخضع لها مباشرة، وتستمدّ أوامرها من القيادة الإماراتية، سواء الألوية القادمة من الجنوب الّتي تتبع المنطقة العسكرية الرّابعة، أو قوّات المقاومة التّهامية الّتي لم تضمّ للمنطقة العسكرية الخامسة الّتي تعدّ الحديدة ضمن محيطها، أو كتائب طارق صالح الّتي يُطلِق عليها إعلام الإمارات القوّات الوطنية، والّتي لم تعترف بالشّرعية اليمنية إلى الآن، وهي القوّات الموجودة في الميدان، والّتي تدير عمليّة التّحرير، في حين غابت أو غُيِّبت قوّات المنطقة العسكرية الخامسة وقيادتها الخاضعة للشّرعية عن المعركة، مع توقيف شبه كامل لجبهة ميدي وحرض (شمال الحديدة) الّتي تتبع المنطقة العسكرية الخامسة.
  • الرّغبة الإماراتية في تشكيل قوّة عسكرية شمالية، وإيجاد موطئ قدم لها في الأراضي الشّمالية أسوة بالجنوب، وبهذا تسيطر سيطرة مباشرة على اليمن، وتسحب البساط كلّيا من تحت الشّرعية اليمنية الّتي ستبقى قوّة شكليّة فقط.

كلّ هذه الأسباب وغيرها توحي بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ هناك نيّة واضحة لدى الإمارات في المضيّ في المعركة، والحضور العسكري المباشر وغير المباشر في الشّمال اليمني، وفي حال تمّ هذا السّيناريو فإنّ الوضع الإنساني لن يكون في الحسبان، والدّليل على ذلك وضع المناطق المسيطر عليها من قبل قوّات تتبع الإمارات، ولن يفشل هذا المخطّط إلاّ إذا تنبّه أبناء الحديدة مبكّرا لهذا الخطر، وتلافوا أسباب وقوعه من خلال المشاركة الفعّالة في عملية التّحرير، مع رفض كلّ أشكال الهيمنة.

•      حضور الحكومة اليمنية الشّرعية وتلافي الأخطاء السّابقة

سيطرة الحكومة الشّرعية على المحافظة، وبسط نفوذ الدّولة على كلّ المؤسّسات، وضمّ الألوية والكتائب المؤيّدة للشّرعية إلى قوام الجيش الوطني، يعدّ هو السّيناريو الثّاني، وسيكون الأوّل في حال أرادت الشّرعية اليمنية الاِستفادة من أخطاء عمليات التّحرير السّابقة، أو التّفاهم بين القيادتين اليمنية والإماراتية حول الموضوع، ولعلّ زيارة الرّئيس اليمني هادي الأخيرة إلى الإمارات كانت تصبّ في هذا الاِتّجاه، وهذا السّيناريو يحتاج إلى:

– إدراك الحكومة الشّرعية لأهمّية حضورها الفعلي في الميدان، وأنّ غيابها عن المناطق المحرّرة سهَّل عملية وجود الجيوب العسكرية غير الخاضعة للدّولة.

– وعي أبناء المنطقة بأهمّية وجود الدّولة وغياب أيّ ميليشيات لا تتبع القيادة العليا للقوّات المسلّحة.

•      نموذج تعز (تقاسم النّفوذ)

أيْ تعثّر العملية، وحصار المدينة، وتضرّر أبنائها، وتحويل الحديدة إلى تعز ثانية، هذا السّيناريو وارد في حال اِستمرّ ضغط المجتمع الدّولي على منع العملية العسكرية، وإصرار قوّات التّحالف والقوّات المشتركة على تنفيذ العملية من خلال حصار المدينة، ولكن لن تكون بموجب ذلك الحديدة (تعز) أخرى، لعدّة عوامل، منها:

  • تعاطف المجتمع الدّولي مع الحديدة أكثر من تعز؛ لعامل واحد؛ وهو أنّ المحاصر في الحديدة ستكون قوّات الحوثي على عكس تعز.
  • سيكون هناك عدد من المنافذ البحرية والبرّية مفتوحة، ولن يكون هناك حصار خانق بالنّسبة للميليشيات الحوثية.
  • في حال تمّ هذا السّيناريو فإنّ جماعة الحوثي ستتحوّل في نظر المجتمع الدّولي إلى أقلّية مضطهدة وستحظى بتعاطف دولي كبير، وستجري عملية تسويقها دوليا على أنّها أقلّية مظلومة تخضع لحصار خانق، وهذا الّذي سيهيّئ المجال لأيّ تسوية سياسية قادمة تحظى فيها المليشيات بنصيب الأسد.




قمّة الـ7 الكبار/ عندما تلخّص صورة واحدة مأخوذة من 5 زوايا أجواء القمّة

ما أن اِنتهت قمّة الدّول السّبع الكبار، حتّى بدأت صور القادة خلال الاِجتماعات تنتشر وتعطي ملخّصا لم يتمّ البوح به، خاصّة وأنّ الزّعماء السّبعة لم يجدوا سبيلا لحلّ مشكلة التّبادل التّجاري.

وقد نشر مسؤولون ورؤساء خمسة دول من مجموعة السّبعة صورا للاِجتماع الّذي جرى بين الزّعماء في غرفة مزدحمة، حيث كان ترامب فيها الوحيد الّذي يجلس إلى جانب طاولة.

الصّور الخمس الّتي اِنتشرت بزوايا مختلفة، كلّ واحدة قد تخبر قصّة مغايرة تخدم السّياق الّذي يريد صاحبها أن يروّج له.

ألمانيا

النّسخة الألمانية للصّورة هي الأكثر جدلية مقارنة بالبقيّة، حيث تمّ نشرها من الحساب الرّسمي للمستشارة إنجيلا ميركل، يظهر فيها ستّة قادة أمامهم مجموعة من الأوراق على طاولة مكتب، بينما يجلس ترامب مكتّف الأيدي.

ويظهر قادة اليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتّحدة ينظرون إلى بعضهم البعض.

كندا

المصوّر الرّسمي للرّئيس الكندي جاستين ترودو اِلتقط الصّورة من نفس الزّاوية لكنّ حالة الرّؤساء كانت تنمّ عن راحة في النّقاش، فميركل تقف بنفس الطّريقة ويديها على الطّاولة، لكنّها في هذه الصّورة تبتسم كما يفعل ترامب وترودو.

الولايات المتّحدة

View image on TwitterView image on TwitterView image on TwitterView image on Twitter

المسؤولة الصّحفية في البيت الأبيض سارا سانديرز نشرت صورة بالأبيض والأسود للاِجتماع، يجلس فيها ترامب متّكئا على ظهر كرسيّه يتحدّث فيها مع بقيّة القادة.

كما يظهر ترامب في صورة مجاورة يهنّئ قادة المجموعة، وصورة أخرى يظهر فيها واضعا يده على كتف تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا وهي تقابله باِبتسامة.

إيطاليا

View image on Twitter

رئيس الوزراء الإيطالي غوسيبي كونتي نشر صورة عبر حسابه على تويتر تظهر الغرفة من زاوية مختلفة، وعلّق على الصّورة بأنّه كان يعمل “على تمثيل والدّفاع عن المصالح الإيطالية”.

وفي هذه الصّورة يظهر زعماء اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتّحدة ينظرون إلى بعضهم البعض وأجواء التوتّر واضحة.

فرنسا

View image on Twitter

الرّئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون نشر صورة للاِجتماع يظهر فيها يشير بيده اليسرى. كما نشر ماكرون عشيّة القمّة صورة درامية تجمعه مع ترامب على هامش القمّة، حيث كان وجهاهما مغطيّين بالظلّ، مع تغريدة قال فيها: “الرّئيس ترامب وجد نفسه أمام جبهة موحّدة، أن يجد نفسه معزولا واقع يتناقض مع التّاريخ الأمريكي”.

View image on Twitter



الوظيفة العموميّة بين الواقع المتعثّر والمستقبل المجهول

الأستاذ محمد رضا البقلوطي

يواصل المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة بالتّعاون مع مؤسّسة كنراد أديناور تنظيم سلسلة من النّدوات خلال سهرات رمضانيّة، من ذلك ندوة حول تقديم دراسة الوظيفة العموميّة والإصلاحات.

هذه النّدوة تأتي ضمن نشاط المعهد ومساهمته في دعم مؤسّسات الدّولة والوقوف على الإشكاليات لبناء دراسات اِستراتيجيّة موجّهة ورؤية أوضح وأنجع.

هل من تخطٍّ للعراقيل

تولّى عدد من الخبراء والمتدخّلين خلال النّدوة تقديم الإطار العامّ وتحليل واقع الوظيفة العموميّة والصّعوبات الّتي يشهدها مسارها والبحث في سبيل تخطّي العراقيل والخروح من أزمتها. ومن بين المتدخّلين السيّد أحمد زرّوق المستشار لدى رئيس الحكومة، هولقر ديكس الممثّل المقيم لمؤسّسة كونراد، عبد اللّطيف حمام المدير العام للمدرسة الوطنيّة للإدارة، منذر بلحاج علي وعبد اللّطيف المكّي عضوي مجلس النوّاب، الطّاهر الودرني مدير عام مركز البحوث والدّراسات الإداريّة. وكان لممثّلي الجمعيّات ذات العلاقة تدخّلات في الصّدد، من ذلك عبد النّاصر العوجي رئيس الجمعيّة الوطنيّة لسلك المعتمدين ووليد الجبالي مساعد رئيس الجمعيّة التّونسيّة للمالية.

تطوّر التّأجير

من جهته قدّم سفيان عبد الجواد الخبير لدى المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة نتائج الدّراسة حول الوظيفة العمومية بين الواقع المتعثّر والمستقبل المجهول. وقد جاءت في جزءين: الأوّل، الوظيفة العموميةفي أرقام من 1958 إلى 2016. ودراسة هيكلة الموارد البشريّة في الوظيفة العموميّة التّونسيّة وتطوير التّأجير المخوّل للأعوان (كتلة الأجور) لعشريتين متتاليتين 1998- 2016.

إحداث وكالات عموميّة

وفي الجزء التّالي تمّ تقديم مجموعة من الحلول للخروج من المأزق بخصوص التّراتيب المتعلّقة بالعلاقة الشّغلية والتّنظيم الإداري عن طريق إحداث وكالات عموميّة.

موقع الموظّف في التّاريخ

خلال الجلسة الاِفتتاحيّة قدّم السيّد ناجي جلّول المدير العام للمعهد توطئة تاريخيّة كمدخل لمحور الوظيفة العموميّة مشيرا إلى تعريف الموظّف حسب المؤرّخ القلعشندي بأنّ الموظّف في مأمن من الفقر والغنى. هذه الصّورة القديمة لا تعكس موقع الموظّف حاليا حيث أصبح في تدحرج. ولتونس تاريخ مجيد من حيث نظام الإدارة، من ذلك أنّ إدارة الملكيّة “دفتر خانه” يعود تاريخها إلى عهد الرّومان.

حلول تونسيّة لتنظيم الإدارة

ولقد تميّزت الإدارة بالاِستقرار والتنوّع عبر الزّمن وتكرّرت محاولات إيجاد حلول تونسيّة لتنظيم الإدارة. ومن الوقائع الّتي تمّت الإشارة إليها الاِلتجاء إلى حلول ظرفيّة للتّوظيف والحال يقتضي إعادة التّوازن واِعتماد المتوفّر من الإداريين، مثلا في ميدان التّعليم من أصحاب الشّهادات العليا في اِختصاص تدريس بعض المواد في حين يمارسون عملا إداريّا وفي المقابل تسعى الوزارة إلى اِنتدابات جديدة لمدرّسين جدد.

اِعتماد آليات جديدة

وفي مجال غياب تقييم ناجع لأداء العون العمومي وغياب نظام للتصرّف التّقديري في الموارد البشريّة تبقى المنظومة متعثّرة، من ذلك تقييم أداء الموظّف العمومي في حالتين منها العدد المهني والّذي يتمسّك به الموظّف منذ حصوله عليه منذ السّنوات الأولى والعدد المسند لمنحة الإنتاج سنويّا، ولقد أشار المستشار لدى رئيس الحكومة أنّه إزاء الوضع الرّاهن فإنّ الدّولة تفكّر حاليا في تطوير النّظام في الوظيفة العموميّة واِعتماد آليات جديدة تتماشى مع المبادئ الّتي جاء بها الدّستور في فصلة 15.




الصّومال وأزمة الخليج

لقد اِمتدّ الخلاف بين دول الخليج ذات الأنظمة الملكية إلى الصّومال، حيث باتت هذه الدّولة الهشّة الآن عالقة بين المصالح المتعارضة لقطر والإمارات العربية المتّحدة. لقد أدّى هذا التّنافس أصلا إلى تفاقم النّزاعات الصّومالية الدّاخلية. لذلك ينبغي على جميع الأطراف أن تتراجع قليلا قبل أن تتصاعد هذه التوتّرات أكثر فأكثر.

الملخص التّنفيذي

ما الجديد؟ لقد اِمتدّت الخصومات الكامنة وراء الأزمة الّتي ضربت مجلس التّعاون الخليجي في جوان 2017– خصوصا بين الإمارات العربية المتّحدة من جهة وقطر، وبالتّالي تركيا من جهة أخرى– اِمتدّت إلى القرن الأفريقي، وأدّت بشكل خاصّ إلى مفاقمة عدم الاِستقرار في الصّومال، فقد تصاعدت التوتّرات بين مقديشو وأبو ظبي بشكل حادّ.

لماذا حدث ذلك؟ تقول الحكومة الصّومالية بقيادة الرّئيس “فرماجو” إنّها تبقى على الحياد في الخصومة القائمة بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي؛ غير أنّ الإمارات العربية المتّحدة تعتبر حكومته قريبة أكثر ممّا ينبغي من قطر. يبدو أنّ أبو ظبي زادت من دعمها للأقاليم الصّومالية، أو الولايات الاِتّحادية. وبالمقابل لجأ “فرماجو” إلى تعميق علاقاته مع الدّوحة وأنقرة وقمع خصومه.

ما أهمّية ذلك؟ من المؤكّد أنّه لا يمكن أن تعزى جميع مشاكل الصّومال إلى الأزمة الخليجية. إلاّ أنّ التّنافس بين القوى الخليجية وتركيا أدّى إلى تضخيم النّزاعات الصّومالية الدّاخلية. مع تردّي العلاقات بين مقديشو وأبو ظبي، يمكن لتلك النّزاعات– الّتي تقف فيها حكومة “فرماجو” ضدّ الفصائل المنافسة لها في مقديشو وضدّ الولايات الاِتّحادية وجمهورية أرض الصّومال– أن تتصاعد.

ما الّذي ينبغي فعله؟ ينبغي على الحكومة الصّومالية أن تبقى حيادية حيال النّزاعات الدّاخلية في مجلس التّعاون الخليجي والتّصالح مع خصومها الصّوماليين. كما يمكن لقطر وتركيا تشجيع مثل تلك المصالحة. وينبغي على الإمارات العربية المتّحدة التّنسيق مع مقديشو فيما يتعلّق بكلّ مساعداتها واِستثماراتها في الصّومال. يجب إعطاء الأولوية لإجراء مباحثات بين أبو ظبي ومقديشو– ويمكن لمسؤولين سعوديّين أو من الاِتّحاد الأوروبي أن يقوموا بدور الوسطاء.

قد أضافت الخصومات المريرة الكامنة وراء الأزمة القائمة بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي تطوّرا جديدا وخطيرا يضاف إلى عوامل عدم الاِستقرار في الصّومال. لقد أدّت المنافسة بين الإمارات العربية المتّحدة، من جهة، وقطر، وبالتّالي تركيا، من جهة أخرى إلى مفاقمة النّزاعات الصّومالية الدّاخلية القائمة منذ زمن طويل؛ أي بين الفصائل الموجودة في العاصمة؛ وبين مقديشو والأقاليم؛ وبينها وبين جمهورية أرض الصّومال الّتي تعتبر نفسها مستقلّة. لقد تدهورت علاقات أبو ظبي مع حكومة الرّئيس محمد عبد الله محمد “فرماجو”؛ فحكومة “فرماجو” تتّهم الإماراتيين بتمويل خصومها وتحريض المعارضة، خصوصا في الولايات الاِتّحادية الصّومالية. أمّا المسؤولون الإماراتيون فينكرون التدخّل ويتّهمون “فرماجو” بالوقوع تحت نفوذ الدّوحة وأنقرة. ينبغي على الجميع التّراجع خطوة للخلف والتّفكير قليلا. على حكومة “فرماجو” أن تلتزم بحيادية صارمة في النّزاع بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي وأن تسعى للتّصالح مع خصومها الصّوماليين. كما ينبغي على الإمارات العربية المتّحدة أن تتعهّد بتنسيق مساعداتها ومصالحها التّجارية مع مقديشو. ينبغي جعل إجراء محادثات بين الحكومتين الصّومالية والإماراتية مسألة ذات أولوية.

بعد الأزمة الخليجية في جوان 2017، الّتي شهدت قطع العلاقات الدّبلوماسية بين السّعودية والإمارات العربية المتّحدة وعدد من حلفائهما، من جهة، وقطر من جهة أخرى، وفرض حصار اِقتصادي عليها، واجه الرّئيس “فرماجو”، الّذي كان قد وصل إلى السّلطة قبل أشهر فقط، ضغوطا سعودية وإماراتية مكثّفة يذكر أنّها دفعته لقطع علاقاته مع الدّوحة. أصرّ “فرماجو” أنّه يفضّل ألاّ ينحاز إلى أحد الجانبين. لكن بالنّسبة للإمارات فإنّ التّقارير الّتي ذكرت أنّ الرّئيس كان قد تلقّى أموالا قطرية قبيل اِنتخابه وقيامه بتعيين مسؤولين معروفين بأنّهم حلفاء وثيقين للدّوحة دحض اِدّعاءاته بالحيادية. كانت أبو ظبي تخشى من أنّ زيادة الدّعم القطري والتّركي للحكومة الصّومالية من شأنه أن يشجّع السّياسيين الإسلاميين– الّذين تعتبر نفوذهم تهديدا بينما تنزع الدّوحة وأنقرة إلى التّعاطف معهم– ومن أنّها، وسط التّنافس الشّديد على النّفوذ حول البحر الأحمر وخليج عدن، كانت تتراجع أمام خصومها الجيوسياسيين الرّئيسيين.

ردّا على ذلك، يبدو أنّها زادت من دعمها لفصائل صومالية أخرى وللولايات الاِتّحادية الصّومالية. بالمقابل، أظهرت حكومة “فرماجو” نزعة اِستبدادية متزايدة، مستخدمة العلاقات المزعومة لخصومها مع الإمارات العربية المتّحدة لتبرير قمعهم. وبالنّظر إلى خبرتهم الطّويلة في اِستغلال الاِنخراط الخارجي في بلادهم، فإنّ السّياسيين الصّوماليين من جميع المشارب اِستغلّوا الخصومة المتزايدة لأهدافهم الخاصّة.

يتقاطع التوتّر المتصاعد بين الإمارات العربية المتّحدة وما تعتبره حكومة مدعومة من قطر وتركيا في مقديشو مع عدد من خطوط التصدّع الصّومالية. أدّت أوّلا إلى تضخيم النّزاعات القائمة بين الحكومة والفصائل المنافسة لها في العاصمة، ما أدّى إلى إضافة المزيد من التّعقيد إلى أزمة تعصف بالبرلمان الصّومالي وكانت على وشك التحوّل إلى العنف في أواخر العام 2017. في مطلع العام 2018، داهمت الحكومة منازل ومكاتب اِثنين من منتقديها البارزين، متّهمة إيّاهما بتلقّي الأموال من الإمارات. كما أنّ العلاقات المتدهورة بين الحكومة الصّومالية والإمارات قد تزيد من مخاطر النّزعة الفصائلية داخل قوّات الأمن الصّومالية؛ حيث يتّهم مسؤولون صوماليون الوحدات المدعومة من الإمارات بتجاهل الأوامر (تقول أبو ظبي إنّ جميع القوّات تعمل تحت قيادة وزارة الدّفاع الصّومالية).

الأمر الأكثر خطورة هو تردّي علاقات “فرماجو” مع الولايات الاِتّحادية الصّومالية. بالنّظر إلى أنّ حكومته رفضت الاِبتعاد عن قطر، فإنّ الولايات الاِتّحادية، وبعضها تعتمد على الاِستثمارات الإماراتية وغاضبة من أنّ مقديشو سلكت مسارا في الأزمة الخليجية تعتبره تلك الولايات متعارضا مع مصالحها، أصدرت موقفا علنيا يتعارض مع موقفه. في اِلتفاف على العاصمة، يبدو أنّ بعض تلك الولايات سرّعت المفاوضات مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World)– وهي شركة إماراتية كبرى يُعتقد أنّ أنشطتها تخدم الأهداف الاِستراتيجية لأبو ظبي– على صفقات تقضي بقيام موانئ دبي العالمية بتطوير وإدارة موانئها. وقد شهدت الشّهور الأخيرة اِتّهامات واِتّهامات مضادّة ساخنة بين كبار المسؤولين الحكوميين وقادة الولايات الاِتّحادية، الّذين قام بعضهم بزيارات في توقيت اِستفزازي إلى أبو ظبي.

كما يمكن لمواجهة مريرة بين مقديشو وإقليم أرض الصّومال المنشقّ أن تكون خطيرة أيضا. في مارس، أدّى وضع هرجيسا للمسات أخيرة على عقد خاصّ بها مع موانئ دبي العالمية، تقوم الشّركة بموجبه بتطوير ميناء بربرة في جمهورية أرض الصّومال، إلى ردّ فعل غاضب من مقديشو. اِحتجّت حكومة “فرماجو” لدى الجامعة العربية قائلة إنّ الاِتّفاق يشكّل اِنتهاكا لسيادتها. وسنّ البرلمان الصّومالي قانونا يحظر على موانئ دبي العالمية العمل في الصّومال، مستهدفا بذلك ليس العقد المتعلّق ببربرة فقط، بل أيضا جميع الصّفقات المحتملة بين الشّركة والولايات الاِتّحادية. زعيم أرض الصّومال، موسى بيهي عبدي، أشار إلى محاولة مقديشو منع التوصّل إلى الاِتّفاق بأنّه إعلان حرب.

في أفريل 2018، وصلت العلاقات بين مقديشو وأبو ظبي إلى أسوأ حالاتها، عندما قام المسؤولون الصّوماليون بمصادرة ملايين الدّولارات من طائرة إماراتية في مقديشو، حيث اِعتبروا وجود الأموال دليلا على تدخّل أبو ظبي. طبقا لمسؤولين إماراتيين، فإنّ الأموال كانت موجّهة لقوّات الأمن الصّومالية الّتي تدفع الإمارات رواتب أفرادها منذ وقت طويل. يشير أولئك المسؤولين إلى سنوات من الدّعم الإماراتي للقوّات الصّومالية الّتي تحارب القراصنة وحركة الشّباب– وهو دعم رحّبت به الحكومات الصّومالية المتعاقبة. وبالنّظر إلى شعورها بالإحباط حيال عملية الاِستيلاء على الأموال هذه، أوقفت أبو ظبي مشاريع المساعدة، وسحبت جميع موظّفيها وتخلّت عن قاعدة مقديشو الّتي كانت تدرّب فيها قوّات الأمن الصّومالية. مع تدهور العلاقات بين حكومة “فرماجو” وأبو ظبي، يمكن لأيّ من النّزاعات الصّومالية الدّاخلية– في مقديشو؛ أو بين حكومة “فرماجو” والأقاليم؛ أو بين الحكومة وجمهورية أرض الصّومال– أن تتصاعد.

على جميع الأطراف التّراجع عن مواقفها قبل أن يحدث ذلك. ينبغي على الحكومة الصّومالية أن تبقى حيادية في النّزاع بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي وتبنّي مقاربة أكثر تصالحية مع خصومها، بما في ذلك إعادة إحياء المفاوضات مع الولايات الاِتّحادية وإعادة تحديد موعد لاِجتماع كان مخطّطا له سابقا بين “فرماجو” وموسى بيهي. كما لا ينبغي لدول الخليج أن تسمح للخصومة الّتي قسّمت مجلس التّعاون الخليجي بأن تزعزع اِستقرار دول أضعف. ينبغي أن تكون أبو ظبي مستعدّة للدّخول في محادثات مع حكومة “فرماجو” وتنسيق مساعداتها واِستثماراتها معها في سائر أنحاء البلاد. كما يمكن لقطر، ولتركيا على وجه الخصوص، الّتي تمنحها اِستثماراتها في الصّومال نفوذا كبيرا، أن تدفع مقديشو نحو التوصّل إلى تسوية مع خصومها في العاصمة، ومع الأقاليم الاِتّحادية ومع أرض الصّومال. ويمكن للمسؤولين السّعوديين أو مسؤولي الاِتّحاد الأوروبي، الّذين يبدو أنّهم يتمتّعون بثقة مقديشو وأبو ظبي على حدّ سواء، أن يقوموا بأعمال الوساطة بين الطّرفين.

من الواضح أنّه لا يمكن إلصاق جميع مشاكل الصّومال بدول الخليج. كان من المحتمل دائما أن يتلاشى التّفاؤل الّذي ولّده اِنتخاب “فرماجو” في مطلع العام 2017 بسبب الممارسات السّياسية القبلية الشّائكة في البلاد واِستمرار تمرّد حركة الشّباب. إلاّ أنّ الخصومات الخليجية أدّت إلى تفاقم الوضع. من غير المرجّح للسّياسات الصّفرية الّتي تتّبعها الحكومة الصّومالية والقوى الخارجية أن تنتهي نهاية حسنة. سيستمرّ طغيان النّزعة الفصائلية في الصّومال بشكل لا يسمح لأيّ محور بفرض هيمنته. إنّ القوى الخليجية– وأكثر منها حكومة “فرماجو” وخصومها الصّوماليين– سيخسرون جميعا من اِنعدام الاِستقرار الّذي يحدثه التّنافس فيما بينهم. أمّا الرّابح فمن المرجّح أن يكون حركة الشّباب.

(مجموعة الأزمات الدّولية)

للاِطّلاع على الدّراسة كاملة وفي لغتها الأصلية، اُنقر هنا: https://d2071andvip0wj.cloudfront.net/260-somalia-and-the-gulf-crisis_0.pdf




متابعات/ المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة يعرض دراسة أوّليّة عن “آليات الدّعم في تونس”

الأستاذ محمّد رضا البقلوطي

“إنّ صندوق الدّعم مكسب وأنّه يتوجّب البحث عن حلول حتّى يتواصل العمل به”، كلن هذا من بين التوجّهات الّتي دعت إليها الدّراسة الأوّلية حول آليات الدّعم في تونس والّتي تقدّم بها المعهد التّونسيّ للدّراسات الاِستراتيجيّة خلال السّهرة الرّمضانيّة يوم 1 جوان الجاري، والّتي تمّ تنظيمها بالاِشتراك مع مؤسّسة كونراد أدناور، وضمّ اللّقاء جملة من الخبراء والمتدخّلين.

من التّأسيس إلى الرّاهن:

تطرّقت الدّراسة إلى جملة من الأهداف من بينها تعريف الصّندوق العام للتّعويض وتاريخه من التّأسيس إلى الرّاهن وتقييم سياسة الدّعم في تونس وتشخيص الوضع الحالي ومحاولات الإصلاح ومقترحات الإصلاح ضمن سلسلة من التّوصيات الإجرائيّة للخروج من الأزمة.

لماذا الدّفع نحو الإلغاء؟

ففي ظلّ الوضع المتأزّم تبرز إشكالية صندوق الدّعم أو الصّندوق العام للتّعويض والّذي يحظى باِهتمام دوليّ واسع لتأثيره المباشر على كافّة الموازين الاِقتصاديّة. لذلك سعت الدّولة التّونسيّة بالتّعاون مع صندوق النّقد الدّولي إلى إيجاد حلول للمشاكل المتعلّقة بآلية صندوق الدّعم والدّفع نحو إلغائه وربط ذلك بالمساعدات والقروض الّتي ستمنح إلى تونس في حال اِنطلاقها في الإصلاحات دون تقديم آليات ناجعة للخروج من أزمة مالية في ظاهرها واِجتماعيّة في عمقها وأزمة تسيير وحوكمة في بنيتها.

جذور تاريخيّة للصّندوق:

ولصندوق التّعويض في تونس جذور تاريخيّة شهدت مراحل متعدّدة من خلال إجراءات اِتّخذتها الدّولة التّونسيّة خلال فترة ما بعد الاِستقلال وبناء الدّولة الحديثة في مجالات متعدّدة مثل مجانية التّعليم ومجلّة الأحوال الشّخصيّة وتعميم الصحّة والتّغطية الاِجتماعيّة ودعم أسعار المنتوجات الأساسيّة.

تنظيم آليات التّموين:

إذ يعود إحداث الصّندوق العام للتّعويض إلى 28 جوان 1945. وفي 1967 تمّ إرساء خطط لدعم القدرة الشّرائيّة للمواطنين وتنظيم آليات التّمويل، ثمّ إنّ الصّيغة الحالية للصّندوق تعود إلى القانون الصّادر في ماي 1970 والمتعلّق بالخصوص إلى إحداث الصّندوق العام للتّعويض في مرحلة ما بعد التّعاضد وما خلّفته من أزمات اِجتماعيّة.

إخلالات في التّسيير

وتندرج أهداف الصّندوق العام للتّعويض إلى ترسيخ قيم التّضامن والتّكافل بين مختلف الفئات الاِجتماعيّة وتحقيق السّلم والعدالة الاِجتماعيّة وذلك عبر إعادة توزيع الدّخل الوطني إلاّ أنّ هذه السّياسة رغم نيل أهدافها لم تحقّق غاياتها الكبرى بسبب إخلالات في التّسيير. ومثّل الصّندوق أداة سياسة اِقتصاديّة تستخدمها الدّولة لتنفيذ سياستها في المجال الاِجتماعي.

اِستخدام عشوائي لموارد الصندوق

وقد أصبح الصّندوق العام للتّعويض أداة متعدّدة الأهداف حيث تحوّلت من أداة ترشيد نفقات الدّعم لتحسين القدرة التّنافسيّة للاِقتصاد الوطني إلى أداة تنفيذ السّياسة الاِجتماعيّة للحكومة، لتصبح في نهاية المطاف أداة لدعم المجال الاِجتماعي ومختلف المجالات الاِقتصادية كالصّناعة والفلاحة والتّجارة والبنية التّحتيّة، إضافة إلى الاِستخدام العشوائي وغير المناسب لموارد الصّندوق لدعم منتجات شديدة التنوّع ( إضافة إلى الخبز والحليب والسكّر واللّحوم والكرّاسات والكتب والأسمدة والبنزين والنّقل العامّ والمدرسيّ…)

عديد السّلبيّات

ورغم أنّ من إيجابيّات صندوق الدّعم، باِعتباره المكسب الاِجتماعي المساهم في حماية المقدرة الشّرائية للطّبقات الضّعيفة والمتوسّطة وتحسين النّفاذ إلى الغذاء والخدمات العامّة بأسعار معقولة وتحسين مستوى الإنتاج الوطني بدعم العديد من المواد) فقد تمّ تسجيل عديد السّلبيات نذكر منها أنّ كلفة الدّعم المالية من الممكن تمويل جزء منها للتّنمية، حيث اِرتفعت تكاليف الدّعم من 730 مليون دينار سنة 2010 إلى حدود 1590 مليون دينار سنة 2015، كذلك تدهور التّوازنات المالية لبعض المؤسّسات العموميّة وتداعيات ذلك على توازنات الجهاز البنكي… كما ساهم اِنخفاض أسعار مشتقّات الحبوب في تنامي ظاهرة التّبذير واِستعمال بعض المواد في غير الأغراض المخصّصة لها مثل اِستعمال الخبز كعلف للحيوانات.

ماذا عن آلية التّسجيل الاِختياري

وسعيا من المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة لتقديم مقترحات وإصلاحات الهدف منها إيجاد حلول عمليّة قابلة للتّطبيق ويكون أثرها سريعا وبارزا وتوجيه الدّعم إلى محتاجيه  وإخراج الصّندوق من أزمته، تمّ التّأكيد على اِعتماد آلية التّسجيل الاِختياري في منظومة الدّعم. وتتمثّل العمليّة في منح المواطن بطاقة بطاقة إلكترونيّة للخلاص الآلي لاِستعمالها عند شراء موادّ مشمولة بالدّعم يستعملها بدفع الفارق بين السّعر المعروض دون دعم وقيمة الدّعم الّذي خصّصه الصّندوق، وبذلك يتولّى الحصول على الموادّ الاِستهلاكيّة الأساسيّة وغيرها المشمولة بالدّعم بسعر الدّعم. مثال ذلك الخبز الصّغير المعروف باِسم الباقات يعرض بسعره الحقيقيّ 345 ملّيما ويتمّ شراؤه من قبل صاحب البطاقة بسعر 190 ملّيما والفرق وهو قيمة الدّعم يقتطع من البطاقة الإلكترونيّة لفائدة التّاجر.

توسيع الآليّة

إنّ آلية التّسجيل الّتي اُعتمدت في بعض الدّول المتقدّمة ستساهم عند تطبيقها ببلادنا في الضّغط على مصاريف الدّعم وللحثّ على الإنتاج المحلّي والتّقليل من التّبذير والاِحتكار والتّهريب، كما أنّ نظام التّسجيل الاِختياري سيتوسّع ليشمل مرحلة متقدّمة بجلّ المواد المدعّمة من منتجات طاقيّة وأوليّة ونقل عموميّ.

من أجل مردوديّة أفضل

وبالتّالي فإنّ الصّندوق العام للتّعويض لا يمثّل اِستثناء تونسيّا من حيث هيكلته وإدارته والصّعوبات الّتي يواجهها وإنّ عمليّة الشّيطنة الّتي يتعرّض لها الهيكل من قبل بعض السّياسيّين والهيئات الدّوليّة المالية غير مقبولة. والضّرورة اليوم تقتضي تظافر جهود كلّ الأطراف من أجل مردوديّة أفضل عند إقرار قرار تشاركيّ ينجز جماعيّا ويدافع عنه الجميع. وإنّ الموضوع لأهمّيته يستحقّ المواصلة.




باكستان/ اِنتخابات عامّة مقبلة وسط مزاعم عن تدخّل الجيش وحملة “تكميم سرّي” لوسائل الإعلام

تجري باكستان اِنتخابات عامّة في 25 جويلية وسط مزاعم عن تدخّل الجيش في تلك الاِنتخابات الّتي تعدّ حدثا تاريخيّا كونها تمثّل المرّة الثّانية فقط في البلاد الّتي سيتمّ فيها اِنتقال السّلطة بصورة ديمقراطية.

ويوم الجمعة سلّم حزب الرّابطة الإسلامية الباكستانية الحاكم– جناح نواز شريف- السّلطة إلى إدارة اِنتقالية من المتخصّصين بعد أن أكمل فترة مدّتها خمسة أعوام في حدث ديمقراطي آخر.

ولكن مع بدء الحملة الاِنتخابية تصاعدت حدّة التوتّر بين السّياسيين المدنيّين والجيش، صاحب النّفوذ القويّ الّذي حكم البلاد على مدى نصف تاريخها منذ الاِستقلال عام 1947.

وأبلغ أربعة نوّاب من حزب الرّابطة الإسلامية الباكستانية– جناح نواز شريف- بأنّهم تلقّوا تهديدات وتعرّضوا لضغوط لتبديل ولائهم والاِنضمام إلى أحزاب منافسة. في حين تعجّ الصّحف باِتّهامات “بتدبيرات” من الجيش وسط شكاوى من الصّحفيين ووسائل إعلام من رقابة متزايدة.

وقال وزير الخصخصة المنتهية ولايته دانيال عزيز لرويتز “عمليّة تفتيت تجري من وراء السّتار وتحت غطاء.. بعيدا عن الأنظار” مستخدما لغة مشفّرة للتّلميح لتدخّل قادة الجيش دون تسميّتهم.

وينفي الجيش بقوّة التدخّل في السّياسة.

وتأتي التوتّرات السّياسية في وقت تشهد فيه الدّولة المسلّحة نوويّا والّتي يبلغ تعدادها 208 ملايين نسمة اِضطرابات اِقتصادية متزايدة.

ويتوقّع الكثير من المحلّلين أنّه سيتعيّن على الحكومة المقبلة أن تسعى للحصول على حزمة إنقاذ من صندوق النّقد الدّولي لتكون الثّانية منذ عام 2013 في ظلّ نضوب اِحتياطيات العملة الأجنبية على نحو متزايد واِتّساع العجز في الميزان التّجاري.

وأزاحت المحكمة الدّستورية نواز شريف من رئاسة الوزراء في جويلية، ويواجه الآن اِتّهامات بالفساد. وهي تطوّرات وصفها بأنّها “حملة تزوير ما قبل الاِنتخابات” بهدف حرمان حزبه من ولاية أخرى. ووصف الحملة الاِنتخابية بأنّها معركة لحماية “قدسيّة الاِنتخابات”.

برنامج ضدّ الفساد

ومن المتوقّع أن يأتي التحدّي الرّئيس لحزب الرّابطة الإسلامية الباكستانية– جناح نواز شريف- من حزب الحركة الوطنية من أجل العدالة في باكستان (تحريك إنصاف) الّذي يتزعّمه لاعب الكريكيت السّابق عمران خان الّذي يراهن على أنّ رسالته ضدّ الفساد ستقوده إلى السّلطة.

ونفى خان وقوف قادة الجيش وراء حزبه، ويتّهم شريف بالتستّر وراء مثل هذه الاِتّهامات لتجنّب المساءلة. لكنّ محلّلين ودبلوماسيين غربيين تحدّثوا بأنّ الجيش يضغط على حزب الرّابطة الإسلامية الباكستانية– جناح نواز شريف- قبل الاِنتخابات.

وقال اعجاز خان وهو أستاذ متقاعد للعلاقات الدّولية بجامعة بيشاور “هذا النّوع من التدخّل كان يحدث دائما ولكنّ هذه المرّة واضح تماما للجميع والكلّ يتحدّث عنه”.

ونشر المعهد الباكستاني للتطوّر التّشريعي والشّفافية تقريرا الأسبوع الماضي تحت عنوان “تقرير تقييمي لما قبل الاِنتخابات” وصف فيه عمليّة ما قبل الاِنتخابات بأنّها “غير نزيهة في مجملها” خلال الإثني عشر شهرا قبل الدّعوة للاِنتخابات الأسبوع الماضي. وقال المعهد “التّكميم السرّي” لوسائل الإعلام وزيادة الاِنحياز من المؤسّسة العسكرية و“التحيّز الملحوظ في المساءلة القضائية والسّياسية قلّص تقريبا اِحتمالات إجراء اِنتخابات حرّة ونزيهة في 2018”.

وقال مديران تنفيذيّان في أكبر محطّة تلفزيونية باكستانية وهي محطّة جيو لرويترز إنّ بثّها توقّف لعدّة أسابيع في أفريل، ولم تعد للبثّ إلاّ بعد أن عقد مديروها التّنفيذيون اِتّفاقا مع الجيش بشأن تغطيّتهم لشريف.

كما توقّف توزيع صحيفة (دون)، وهي أكبر صحيفة ناطقة بالإنجليزية في البلاد، في بعض المناطق الّتي تضمّ ثكنات للجيش في عدّة مدن وفقا لما قاله مدير تنفيذي في الصّحيفة لرويترز. كما أصدر الكثير من كتّاب المقالات البارزين تصريحات قالوا فيها إنّ عملهم يخضع لرقابة عادة ما تأتي من رؤساء تحريرهم.

في قفص الاِتّهام

تواجه العديد من الشّخصيات البارزة في حزب الرّابطة الإسلامية الباكستانية– جناح نواز شريف- دعاوى قضائية في المحاكم في سلسلة من الاِتّهامات الموجّهة ضدّهم.

ومن بينهم شريف نفسه الّذي قد تصدر بحقّه عقوبة بالسّجن لمدّة 14 عاما قبل التّصويت في محاكمة بتهم فساد يصفها بأنّها “حملة تشهير” فيما يواجه عزيز، وزير الخصخصة السّابق، اِتّهامات باِزدراء المحكمة قد تمنعه من الترشّح في الاِنتخابات.

ونفت الجهات القضائية اِستهداف أو محاباة أيّ حزب سياسي، ورفضت مزاعم من حزب الرّابطة الإسلامية بالتّواطؤ مع الجيش لإضعافه.

ويبدو أنّ القواعد التّنظيمية الّتي تصدرها لجنة الاِنتخابات للحملات الاِنتخابية ستصبح ساحة المعركة المقبلة.

وستمنع قواعد جديدة مقترحة أيّ فرد من اِنتقاد الجيش أو القضاء، فيما سيحظر على سياسيّين أيضا التحدّث عمّا حقّقوه من إنجازات في الحكومة.

وستضرّ تلك القواعد بلا شكّ بحزب الرّابطة الإسلامية بالأساس، إذ تتمحور حملته الاِنتخابية حول التّركيز على مشروعات بنية تحتيّة كبرى والدّفاع عن الحكم المدني.

(بتصرّف عن رويترز)




المكّي: اِقتراح البديل الأفضل لرئيس الحكومة الحالي… من شأنه العمل على حلّ الأزمة

قال القيادي بحركة النّهضة، عبد اللّطيف المكّي، إنّ اِقتراح البديل الأفضل لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشّاهد ضمن مشاورات وثيقة قرطاج 2 من شأنه العمل على حلّ الأزمة وتجاوز التّعطيل الحاصل بخصوص النّقطة 64 المتعلّقة بالتّحوير الحكومي، الّذي كان سببا في تعليق الحوار.

وأوضح المكّي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أمس الجمعة، إنّ حركة النّهضة تؤكّد أهمّية اِستمرار النّقاش والحوار بأفكار جديدة، من بينها إمكانية إضافة نقطة جديدة ضمن بنودها تتعلّق بطرح اِسم البديل الأفضل لرئيس الحكومة الحالي، مبيّنا أنّ إعلان الحركة اِستعدادها الرّجوع إلى الحوار في إطار وثيقة قرطاج 2 لا يعني وجود تطوّر في موقفها وإنّما تأكيد على رغبتها في اِستمرار الحوار كما أعلنت عن ذلك يوم تعليق المفاوضات بقصر قرطاج.

ولفت المكّي إلى أنّ هذه الأزمة لا تحلّ من باب واحد وأنّه لا بدّ من إيجاد عدّة مداخل لتجاوزها، مبيّنا في الآن نفسه أنّ فكرة تقديم البديل من المسائل الّتي طرحتها الحركة وتمّ تداولها ضمن اِجتماعات قرطاج لكن لم “تأخذ حظّها”، وفق تعبيره.

وفي ذات السّياق كان المكتب التّنفيذي لحركة النّهضة أكّد خلال اِجتماعه الدّوري الأربعاء، “حرص الحركة على اِستئناف الحوار على نحو أو آخر في أقرب الآجال بين مختلف الأطراف السّياسية والاِجتماعية المشاركة في وثيقة قرطاج 2 بما يطمئن التّونسيين حول جديّة الإصلاحات المزمع القيام بها ويضمن لها كلّ شروط النّجاح”.

وتداولت وسائل إعلاميّة خبر اِنعقاد لقاء يوم الخميس بين رئيس الجمهورية الباجي قايد السّبسي ورئيس الحركة راشد الغنّوشي، وهو ما أكّده القيادي بالنّهضة عبد اللّطيف المكي في تصريح لـ(وات)، علما أنّ رئاسة الجمهورية وحركة النّهضة لم تعلنا عن هذا اللّقاء ولا عن فحواه.




متابعات/ المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة يقدّم دراسة حول العنف في الفضاء الرّياضي التّونسي

الأستاذ محمّد رضا البقلوطي

شهدت ظاهرة العنف في الملاعب التّونسيّة توسّعا كبيرا واِستفحلت في المواسم الرّياضيّة الأخيرة من خلال تعدّد مظاهر العنف وتغيير طبيعته. وكان لظهور مجموعات جماهيريّة مختلفة في أفكارها وتوجّهاتها وشعاراتها الأثر السّلبي. فقد تحوّلت ظاهرة العنف والصّراع بين هؤلاء الشّباب في الوسط الرّياضيّ إلى ظاهرة عامّة.

اِنتشار العنف خارج الملاعب:

وقد لاحظنا في السّنوات الأخيرة اِستفحال الظّاهرة من خلال حضور لمظاهر العنف والشّغب بصفة كبيرة في المجتمع التّونسي، وهي حاضرة في كلّ موسم رياضيّ وتنتشر حتّى خارج الفضاء الرّياضي لتصل إلى الشّوارع والأماكن العامّة والمقاهي، كما أنّ أغلب المقابلات الرّياضيّة تدور بحضور جمهور فريق واحد وبعدد محدود منه، هذا فضلا عن المباريات الصّامتة الّتي يغيب فيها الجمهور قسرا (Hui-clos) خوفا من تفاقم ظاهرة العنف وحماية لمشجّعي كرة القدم. ورغم ذلك فإنّ العنف في الملاعب التّونسيّة لم يبلغ أقصاه مقارنة بمجتمعات أخرى.

فصل السّياسة عن الرّياضة:

ونظرا لأهمّية الموضوع ولإنارة الرّأي العامّ ومعالجة الظّاهرة علميّا واِجتماعيّا أعدّ المعهد التّونسي للدّراسات الاِستراتيجيّة دراسة حول العنف في الفضاء الرّياضي التّونسي تولّى تقديمها في إطار سهرة رمضانيّة مساء الثّلاثاء، ضمّت مداخلات قدّمها كلّ من مراد الزّغيدي الإعلامي والمقدّم لبرامج رياضيّة، وهشام حاجّي، الإعلامي الّذي كانت مداخلته حول فصل السّياسة عن الرّياضة. في حين تولّت مجموعة من الباحثين في علم الاِجتماع وتتكوّن من جوهر الجموسي وسيف الغابري وسنية حشاد تقديم الدّراسة وجملة التّوصيات.

دور المعهد في إنارة الرّأي العامّ:

من جهته، أشار مدير المعهد ناجي جلّول إلى دور المعهد والّذي يكمن في إسناد عمل الحكومة وإنارة الرّأي العام من خلال اِقتراح حلول لمشاكل الحاضر والمستقبل القريب والبعيد ومن بينها ظاهرة العنف في الملاعب الرّياضيّة، موضّحا أنّ غياب مؤسّسات الدّولة في الأحياء الشّعبيّة يتسبّب في توتير العلاقة أحيانا بين بعض الفئات الشّبابيّة بتلك المناطق مع رجال الأمن.

هل من إجابات للأسئلة المطروحة؟ 

ولقد جاءت هذه الدّراسة في إطار محاولة معرفة التّفاعلات والعلاقات والرّوابط الاِجتماعيّة بين الفئات الشّبابية، وكيف ساهمت في تشكّل العنف والصّراع داخل الفضاء الرّياضي وخارجه. وهي محاولة للإجابة على التّساؤلات المطروحة اليوم حول مجموعات الجماهير الدّخيلة عن الثّقافة والمجتمع التّونسي بصفة عامّة وعن الرّياضة والجماهير التّونسيّة بصفة خاصّة.

الاِنطلاق من 5 زوايا:

وخلال الدّراسة تمّ تناول المسألة اِنطلاقا من خمس زوايا متداخلة تمّ من خلالها اِستعراض العنف بأبعاده الرّمزية واللّفظيّة والماديّة ودوافعه والأطراف المسؤولة عنه ومظاهره، لا سيما في رياضة كرة القدم.

تسجيل 680 حادثة:

وبلغة الأرقام، فإنّ عدد أحداث العنف في ملاعب كرة القدم التّونسيّة سنة 2017 بلغ 680 حادثة أدّت إلى إصابات بليغة لدى الجماهير واللّاعبين والحكّام ورجال الأمن، إضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت الرّياضيّة، حيث تتحمّل الجمعيّات الرّياضيّة مسؤوليّة تسديد نفقات إصلاحها رغم ما تعانيه من أزمات مالية خانقة.

كما أنّ العنف في الملاعب يتراوح بين الماديّ والرّمزي والاِعتداء على الأخلاق الحميدة والقيم الأولمبية.

من أنواع الحوادث:

وقد اِستأثرت رياضة كرة القدم بنصيب كبير من أحداث العنف الّتي يقوم بها الجمهور بنسبة وصلت إلى حدود 58.3 بالمائة من مجموع الحوادث المسجّلة والمتعلّقة بالجمهور، ومن أنواع الحوادث رمي الملعب بالمقذوفات، التفوّه بالعبارات المنافية للأخلاق واِقتحام الميدان والاِعتداء على الحكم.

وللعنف أشكال جديدة وأطراف:

لقد اِتّخذ العنف الرّياضيّ أشكالا جديدة تتجاوز حدود المنشآت الرّياضيّة لتمتدّ إلى الشّوارع والمقاهي والأحياء والمؤسّسات التّربويّة، خاصّة في ظلّ اِنتشار مجموعات الجماهير ونجاحها في اِستقطاب الشّباب التّلمذي من خلال اِبتكارها أساليب خاصّة في التّشجيع تتأقلم فيها مع الظّروف الآنية مثل منع حضور الجماهير في المباريات أو تحديد سنّ أدنى لروّاد الملاعب.

وقد ثبت أنّ عدّة أطراف لها الدّور المباشر في إثارة أحداث الشّغب والعنف في الملاعب، وهم الجمهور واللّاعبون والحكّام والإداريّون والمسؤولون والفنّيون ورجال الأمن.

الإعلام الرّياضي كفاعل:




اِرتفاع أسعار النّفط يعتمد على الإمدادات والسّياسة

سايمون هندرسون/ مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن

هذه رؤية أمريكيّة خالصة للوضعيّة الحالية لإمدادات النّفط واِستشراف لها في المنظور القريب. نصّ جدير بالتأمّل:

صحيح أنّ أسعار النّفط ترتفع لكنّ الأخبار الجيّدة هي أنّه لن يكون هناك أزمة نقص في الإمدادات- أو هذا ما يقوله لنا حلفاؤنا السّعوديون. فالإمدادات وافرة رغم “التقلّبات الّتي يشهدها السّوق في الآونة الأخيرة”.

لا شكّ في أنّ عدم وجود أعداد كبيرة من السيّارات في محطّات الوقود يحمل بعض المواساة، لكن لماذا على الأمريكيّين أن يدفعوا ثمنا مرتفعا؟ هناك العديد من الأسباب، وستتناهى إلى مسامعهم على الأرجح خلال فصل الصّيف المقبل حين تبلغ قيادة السيّارات ذروتها، في وقت يحاول فيه المدافعون عن شركات النّفط وأعضاء “أوبك” والسيّارات الكهربائية وغيرهم تشكيل السّردية كما يريدون.

وفي ظلّ إجراء الاِنتخابات النّصفية الأمريكية في نوفمبر المقبل، سينضمّ إلى الكورس آلاف السّياسيين القلقين بشأن مستقبلهم، أو يسعون للاِستفادة من أصحاب المناصب الّذين يشعرون بالتّهديد من النّاخبين القلقين من الوقائع الجديدة في حسابات ميزانيتهم المنزلية.

لا تتوقّعوا سماع الكثير من المصطلحات الاِقتصادية. وليس من المستغرب أنّ المفهوم القائل بأنّ الإمدادات النّفطية غير مرنة يذكّر الكثيرين بالأسباب الّتي جعلتهم يتجنّبون دراسة مبادئ الاِقتصاد الجزئي في الجامعة. ومع ذلك، هذا هو السّبب البسيط. فتزايد الطّلب وتقليص الإمدادات يتسبّبان باِرتفاع الأسعار، لكنّ طرح إمدادات جديدة يستغرق وقتا.

بالإضافة إلى ذلك، يؤثّر هذا الأمر على العالم أجمع وليس فقط على الولايات المتّحدة. أجل ويا للصّدمة إنّ النّفط “سلعة أساسية عالمية”، أيّا كان معنى ذلك. إنّ الولايات المتّحدة ليست “مستقلّة بعد على صعيد الطّاقة”، رغم أنّها تسير في هذا الاِتّجاه أكثر فأكثر. وحتّى لو كانت كذلك، لن يكون الاِنسحاب وإطلاق العبارات البذيئة بحقّ باقي دول العالم فكرة عظيمة سواء من النّاحية الاِقتصادية أو السّياسية.

ما العمل إذن؟ من النّاحية السّياسية، هناك العديد من العوامل الّتي أدّت إلى عدم اليقين في السّوق، الأمر الّذي تسبّب بزيادة الضّغط على أسعار النّفط. ومن النّاحية الاِقتصادية، ثمّة اِختلالات على المدى القصير، ولكن الخبر الجيّد أنّها ليست كثيرة في المستقبل. ومن وجهة نظر المستهلك الأمريكي، قد تساعد الخطوات التّالية:

  • إخبار الحلفاء السّعوديين للولايات المتّحدة بزيادة الإنتاج لتعويض أيّ نقص في الإمدادات الإيرانية، بدلا من التّآمر مع روسيا للحفاظ على التّراجعات الّتي أدّت إلى اِنخفاض حادّ في مستويات المخزون في الأشهر الأخيرة. (يُذكر أنّ الوزير السّعودي سيلتقي نظيره الرّوسي في سانت بطرسبرغ هذا الأسبوع. كما أنّ رئيسه، وليّ العهد السّعودي الأمير محمّد بن سلمان، يحتاج مؤقّتا إلى أسعار مرتفعة بسبب ضغوط الموازنة، رغم رؤيته لمملكة لا تعتمد على النّفط في المستقبل).
  • تعليق الآمال والدّعاء من أجل حصول تغيير سياسي فعلي في فنزويلا حيث أعادت اِنتخابات يوم الأحد الرّئيس مادورو إلى الحكم، على الرّغم من أنّه يمثّل كارثة اِقتصادية وسياسية. (فمن ناحية، تختزن البلاد أكبر اِحتياطيات نفطية في العالم، لكنّ الإنتاج يتراجع بشكل كبير بسبب اِنعدام الكفاءة والاِعتقاد المستمرّ للكثيرين بأنّ النّظام الاِشتراكي هو الحلّ الأفضل).
  • تخصيص بعض الصّلوات من أجل حصول تغيير مماثل في إيران، حيث أنّ النّظام الدّيني لا يتمتّع أيضا بالكفاءة ولا يكترث بشعبه، وهو ما تبيّنه المظاهرات الأخيرة والمستمرّة في الشّوارع. (كما خمّنتم ربّما، أنا لا أعتبر أنّ حكم الملالي في إيران هو نظام الحكم الطّبيعي الوحيد الممكن في الجمهورية الإسلامية. وفي حين تختزن إيران أكبر اِحتياطيات الغاز في العالم ورابع أكبر اِحتياطيات النّفط، إلاّ أنّها لا ينبغي أن تكون بحاجة إلى قوّة نووية).
  • وعلى الصّعيد المحلّي، تشجيع زيادة إنتاج النّفط الصّخري من خلال السّماح بمزيد من التّكسير وتوسعة شبكة خطوط الأنابيب المحلّية الّتي تنقل النّفط إلى مصافي التّكرير. ويمكن القول إنّ النّفط (والغاز) الصّخري شكّل أفضل الأخبار الاِقتصادية الجيّدة منذ عقود، ولكن يجب السّماح له بالنّجاح. (هذا لا يعني أنّه لا يجب أن يكون التّنقيب عنه وإنتاجه منظّمين بشكل مناسب).
  • يجب عدم التّفكير في وضع قيود على صادرات النّفط والغاز الأمريكية وسط تراجع مكانة البلاد التّاريخية كدولة مستوردة للنّفط. فالولايات المتّحدة تشكّل جزءا من سوق عالمي حيث الاِقتصاد العالمي أفضل له- وهذا لا يعني أنّه يجب اِستغلالها من قبل الصّينيين. وبالفعل، يمكن القول إنّ مأساة المستهلكين تطابقها الفائدة الحالية لشركات النّفط والغاز الأمريكية.

ماذا ستكون عليه أسعار النّفط في أوائل نوفمبر؟ كان الاِرتفاع الأخير إلى ما يزيد قليلا عن 80 دولارا للبرميل ليُحرج الّذين اِعتبروا أنّ هذه الأسعار لن تتجاوز أبدا الستّين دولارا. وتبقى عبرة واحدة من العقود الماضية سارية: من غير المجديّ توقّع سعر النّفط في المستقبل.

أخيرا، إنّ رهاني واضح: سيرغب النّاخب الأمريكي العادي بسعر يشير إلى أنّ عتبة 80 دولارا كانت خطوة شاذّة. لكنّ الأمر قد يتطلّب عالما أكثر هدوءا من الّذي نعيش فيه حاليا.