رويترز: ساعة أبل وطائرة مستأجرة وسيّارات غامضة.. خيوط رئيسيّة في البحث عن خاشقجي

 

اِعتقد جمال خاشقجي الصّحفي السّعودي المخضرم أنّه آمن في تركيا. وكان خاشقجي يقيم في منفاه الاِختياري في واشنطن منذ أكثر من عام ويكتب مقالات لصحيفة واشنطن بوست دأب خلالها على توجيه اِنتقادات لحملة بلاده على المعارضين وحربها على اليمن والعقوبات الّتي تفرضها على قطر.

ونقل عنه أصدقاؤه وزملاؤه قوله إنّ بإمكانه الكتابة بحرّية في الولايات المتّحدة وهو ما يعدّ مستحيلا في بلده لكنّ القلق بدأ يساوره بشكل كبير من اِحتمال تعرّضه للأذى هو أو أسرته من جانب الرّياض.

وكان لخاشقجي أصدقاء أيضا في مناصب مرموقة في تركيا بينهم مستشارون للرّئيس رجب طيب أردوغان. لذلك فإنّه عندما دخل مقرّ القنصلية السّعودية في إسطنبول في السّاعة الواحدة بعد الظّهر يوم الثّلاثاء الثّاني من أكتوبر كان يأمل أن تكون المقابلة قصيرة، فهي مجرّد مهمّة روتينية بسيطة ستتيح له الزّواج من خطيبته التّركية الّتي اِلتقى بها قبل أربعة أشهر.

وقال ياسين أقطاي مساعد أردوغان والصّديق المقرّب لخاشقجي “كان يقول إنّ الدّولة الأكثر أمانا في العالم للسّعوديين هي تركيا”.

ولم يره أيّ من أقاربه أو أصدقائه منذ ذلك الحين.

وقال مسؤولون أتراك إنّهم يعتقدون أنّ خاشقجي (59 عاما) قُتل داخل القنصلية.

ورفضت السّعودية بشدّة هذا الاِتّهام. وقال سفير المملكة لدى الولايات المتّحدة الأمير خالد بن سلمان، إنّ التّقارير الّتي تشير إلى اِختفاء خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول أو إلى أنّ السّعودية قتلته “زائفة تماما ولا أساس لها من الصحّة” وهي نتاج “تسريبات خبيثة وشائعات مغرضة”.

وأضاف السّفير في بيان “جمال مواطن سعوديّ فُقد بعد مغادرة القنصلية” وقال إنّ المملكة أرسلت فريقا أمنيّا للعمل مع السّلطات التّركية مؤكّدا أنّ الهدف هو الكشف عن الحقيقة وراء اِختفائه.

وقدّم مسؤولون أتراك في أحاديث صحفيّة تفاصيل جديدة عن تحقيقاتهم في اِختفاء الصّحفي السّعودي.

وكشف مسؤولان تركيّان بارزان عن وجود شيء قد يوفّر خيوطا مهمّة لمعرفة مصير خاشقجي: وهو ساعة أبل سوداء كان يرتديها عندما دخل القنصليّة. وقالوا إنّ السّاعة كانت متّصلة بجهاز هاتف محمول تركه بالخارج.

وينصبّ اِهتمام المحقّقين كذلك على 15 سعوديّا دخلوا القنصلية في نفس الوقت تقريبا الّذي دخل فيه خاشقجي وغادروا بعد فترة وجيزة. وقال المسؤولون إنّ هؤلاء الرّجال وصلوا قبل بضع ساعات قادمين من الرّياض أغلبهم على متن طائرات خاصّة، وبحلول نهاية اليوم كانوا في طريقهم عائدين للمملكة.

وقالت صحيفة صباح التّركية، اليوم الأربعاء، إنّها حدّدت هويّة الرّجال وأنّهم أعضاء في فريق مخابرات سعودي وكان بينهم خبير في الطبّ الشّرعي. ولم يفنّد مسؤول تركيّ ذلك.

وقال أحد المسؤولين إنّ المحقّقين يحاولون تعقّب مركبة غادرت القنصلية السّعودية في الوقت الّذي غادرتها فيه سيّارتان متّجهتان للمطار، لكنّ هذه المركبة لم تتوجّه إلى المطار بل اِنطلقت في الاِتّجاه العكسي.

وتستند هذه الرّواية إلى لقاءات مع مسؤولين أتراك ومع خطيبة خاشقجي وأكثر من 12 من أصدقائه الّذين قدّموا تفاصيل عن حالته النّفسية في الأيام السّابقة على اِختفائه. وقدّموا تفسيرات عن سبب ذهابه إلى القنصلية السّعودية في إسطنبول وليس للسّفارة السّعودية في واشنطن حيث يقيم.

وتهدّد قضيّة اِختفائه بحدوث شقاق بين السّعودية وتركيا وبين الرّياض وحلفائها الغربيّين، وقال الرّئيس الأميركي دونالد ترامب يوم التّاسع من أكتوبر إنّه يعتزم التحدّث مع المسؤولين السّعوديين بشأن اِختفاء خاشقجي.

ويهدّد لغز اِختفائه كذلك بتقويض مساعي وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان لجذب اِستثمارات أجنبية وشركات تكنولوجيا متطوّرة للبلد المعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النّفط.

وقال مسؤول كبير في الحكومة التّركية ومسؤول أمني بارز إنّ الجهازين المتّصلين هما محور التّحقيق في اِختفاء خاشقجي.

وقال المسؤول الأمني “تأكّدنا من أنّه كان يرتديها (السّاعة) عندما دخل القنصليّة”. ويحاول المحقّقون تحديد طبيعة المعلومات الّتي بثّتها السّاعة. وأضاف المسؤول “جهاز المخابرات ومكتب الاِدّعاء وفريق تقني يعملون على ذلك. تركيا ليست لديها السّاعة لذا فإنّنا نحاول القيام بذلك عن طريق الجهازين المتّصلين”.

ويقول خبراء تقنيون إنّ أيّ ساعة أبل يمكن أن ترسل بيانات مثل موقع الشّخص ومعدّل نبضات قلبه. لكن ما يمكن أن يجده المحقّقون يعتمد على طراز السّاعة وإن كانت متّصلة بالإنترنت وما إذا كانت قريبة بالقدر الكافي من هاتف آيفون لبثّ البيانات.

وأبلغ مصدران أمنيّان تركيان رويترز بأنّ تسجيلات كاميرات المراقبة أظهرت أنّ خاشقجي لم يغادر القنصليّة من أيّ من مخرجيها الإثنين.

وأضافا أنّ 15 سعوديا دخلوا المبنى في الوقت ذاته الّذي دخل فيه خاشقجي بعد أن وصلوا إسطنبول في وقت سابق من ذلك اليوم، معظمهم على متن طائرة خاصّة من الرّياض بينما جاء بعضهم على متن رحلات تجاريّة.

وتابع المصدران أنّ الرّجال غادروا القنصلية بعد فترة من الوقت في سيّارتين وعادوا إلى المطار. وقالا إنّ سيّارة ثالثة غادرت في الوقت ذاته لكنّها تحركت في الاِتّجاه المعاكس. ويحاول محقّقون تتبّع مسارها بتحليل بيانات كاميرات المراقبة. وأحالت القنصلية في إسطنبول التّساؤلات بشأن الرّجال الخمسة عشر والسيّارات الّتي تحرّكوا فيها إلى السّلطات السّعودية الّتي لم تردّ على طلب للتّعقيب.

وقال أحد المصدرين الأمنيّين “إنّه وضع غامض للغاية. دبلوماسيّون حضروا في طائرات خاصّة ومكثوا في تركيا لعدّة ساعات ثمّ غادروا. كان من السّهل عليهم أن يجتازوا الإجراءات الأمنيّة بسبب حصانتهم الدّبلوماسية”.

ووفقا لموقع فلايت تراكر وهو نظام لتتبّع الرّحلات، فإنّ طائرة خاصّة نقلت تسعة من الرّجال في السّاعات الأولى من الثّاني من أكتوبر وكانت مسجّلة لدى شركة تدعى سكاي برايم لخدمات الطّيران. وأكّد مسؤول من الشّركة أنّها تملك الطّائرة وأنّها اُستخدمت يوم الثّاني من أكتوبر لكنّه لم يذكر تفاصيل أخرى. وذكر أنّ الشّركة مملوكة لشركة خاصّة مسجّلة في السّعودية. وقال مصدران في الصّناعة إنّ الشّركة مملوكة للحكومة السّعودية. ولم تردّ الشّركة على طلب للتّعقيب.

وقال المصدر الأمني إنّ الستّة الباقين وصلوا على متن رحلات تجارية. ونزل الرّجال الخمسة عشر لفترة قصيرة في فندقين هما موفنبيك وويندهام القريبان من القنصلية السّعودية. ورفض الفندقان التّعقيب.

وأبلغ مصدر سعودي رويترز بأنّ المخابرات البريطانية تعتقد أنّه كانت هناك محاولة لتخدير خاشقجي داخل القنصليّة اِنتهت بإعطائه جرعة زائدة. وأضاف أنّ المعلومات جاءت من مصدر في المخابرات البريطانية. وعندما اِتّصلت بها رويترز، رفضت المخابرات البريطانية التّعقيب. وقال مسؤول سعودي عندما سُئل عن هذه الرّواية إنّ هذه “الميتة غير حقيقيّة”. (عن شبكة رصد)




متابعات/ كتاب: في الإجابة عن سؤال: ما السّلفية؟

صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات كتاب جديد للدّكتور عزمي بشارة بعنوان في الإجابة عن سؤال: ما السّلفية؟ والكتاب دراسة وافية ومعمّقة عن السّلفية. وتلحظ مقدّمة الكتاب أنّ السّلفية قد لحقها مقدار كبير من التّعريفات والشّروح والاِستعمالات المتباينة، فما برح الدّارسون والباحثون يتداولون هذا المصطلح إمّا بالتّبسيط الّذي يُخلُّ بالمعنى، أو بالنّقول المتواترة الّتي لا تضيف أيّ جديد على ما قاله الأسلاف. غير أنّ هذا الكتاب، خلافا لذلك، ينأى تماما عن إعادة تدوير كتابات السّلف، كما درجت العادة عند الكُتّاب التّقليديين، بل يقتفي أثر العلم والبحث التّاريخي التّحليلي والتّفكير النّقدي، فلا يدرس السّلفية بوصفها مفهوما مجرّدا ذا معانٍ اِختزالية، بل بوصفها مصطلحا له تاريخ، وله منشأ تاريخي، وخضع في سياقه التّاريخي لتعديلات مهمّة في معناه ودلالاته معا، إذ إنّ مفهوم السّلفية لم يبقَ واحدا، بل صار متعدّدا، وصارت لدينا سلفيذات لا سلفيّة واحدة، كالسّلفية الإصلاحية والسّلفية الدّعوية والسّلفية العلمية والسّلفية الجهادية … إلخ.

يحفر عزمي بشارة أثلاما في التّاريخ الإسلامي، في محاولة لتأسيس مدخل علمي نقدي تحليلي يُمكِننا من خلاله فهم السّلفيات في تطوّرها التّاريخي والدّلالي بما في ذلك العلاقة بين السّلفية والوهابيّة، بوصف الوهابيّة إحدى السّلفيات المحدثة وليست السّلفية، وإشكالية العلاقة بين سلفية “أهل الأثر” القدامى وسلفية اِبن تيمية، وصولا إلى السّلفية (الوهابية) المحدثة، ومحاولة تجذير نفسها في الماضي “السّلفي”، مماهية بين الحنبلية والسّلفية، وصولا إلى تحليل السّلفية الإصلاحية الحديثة وإشكالية علاقتها بالحداثة ومسائل اِستيعاب التقدّم العلمي والحضاري، والجمع بين الدّعوة الوطنية والدّعوات التّحديثية العصرية مثل سلفيات علاّل الفاسي ومحمّد عبده ورشيد رضا الإصلاحية.

يتألّف الكتاب (255 صفحة بالقطع الصّغير، موثّقا ومفهرسا) من أربعة فصول متكاملة. يبحث الفصل الأوّل، “عن السّلفية”، في معنى السّلفية الّذي يكاد ينحصر في ثلاث: العودة إلى الكتاب والسنّة، ونبذ البدع، وإنكار المحدثات. ثمّ ينبري الكتاب لمناقشة بعض نظرات الاِستشراق إلى هذه المسألة، ومساءلة مفهوم آخر مرتبط بالسّلفية هو مفهوم الأصوليّة كما يستخدم في أدبيّات دراسات الشّرق الأوسط المعاصرة، مبيّنا التّعارض بينه وبين المفهوم الكلاسيكي الإسلامي للأصوليّة، واِنتشاره كأنّه “كليشيه” مفهوميّة قارّة من دون تمحيص وتبصّر نقدي، بهدف فهم الدّلالات التّاريخية لمفهوم السّلفية خارج تلك “الكليشيهات” السّائدة والمهيمنة على آليّة إنتاج الأفكار.

يتصدّى الفصل الثّاني، “عن التّكفير”، لبحث مصطلح “التّكفير”، ويجول في شعاب التّاريخ الفكري للجماعات الإسلامية المبكّرة كالخوارج والمرجئة، ثمّ موقع التّكفير في منظومة اِبن تيمية وفتاواه في الإسماعيليّة النّزارية والإثني عشرية، وتمييزاته بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن … إلخ، صعودا نحو الحركات الجهادية الإسلامية الّتي اِعتنقت التّكفير، وظهرت في مصر في ستّينيات القرن العشرين وسبعينيّاته.

في الفصل الثّالث، “السّلفية والحركات الإسلامية”، يناقش المؤلّف كيف تحوّلت الوهابيّة من دعوة إلى مؤسّسة مع تبنّي اِبن سعود وأبنائه من بعده تلك الدّعوة وقولبتها في مؤسّسة دُعيت “هيئة كبار العلماء”. على هذا الغرار، ظهر كثير من المؤسّسات الّتي تحوّلت لاحقا إلى تيّارات سياسية، كان بعضها متصادما مع الصّوفية المدينيّة الشّعبية الّتي تمثّل التديّن الشّعبي مقابل التديّن الفقهي المؤسّسي. في هذا الفصل بحث وافٍ عن “الإصلاح” الوهابي وعن ظهوره في بوادي نجد، وعن الحركات “الإصلاحية” الأخرى كجماعة الإخوان المسلمين الّتي أنشأت بنيتها التّنظيمية على منوال الأحزاب اللّينينية صاحبة مبدأ المركزية الدّيمقراطية الّذي بات على يدَي حسن البنّا مركزية شوروية مُعلِمة لا مُلزمة. وتوصّل بشارة إلى خلاصة تقول إنّ الحركات السّلفية إنّما هي حركات حديثة نشأت في العالم الحديث بآليّات التّنظيم الحديثة ونتيجة لضغوط العالم الحديث، وإنّ من غير الممكن أن نفهم نصوص سيّد قطب مثلا من دون فهم اِغتراب المثقّف الشّرقي عن الحضارة الغربية وفي الدّولة الحديثة وفي مواجهة الأيديولوجيات القومية والطّبقية والعلمانية والتّحديثية الجذريّة. ويتشعّب المؤلّف في النّظر إلى الدّوافع العميقة لظهور التّكفير وإلى كوابحه في الوقت نفسه، ويمعن في عرض الأفكار الّتي تطلق باب التّكفير على مصراعيه مثل مفهوم “الحاكميّة” لدى أبي الأعلى المودودي، ولدى سيّد قطب في كتابه معالم فيالطّريق، فضلا عن أفكار مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأوّل، حسن البنّا، وما قابلها من أفكار تحديثيّة مثل أفكار طه حسين وأفكار اللّيبراليين المصريّين عموما.

خاتمة الكتاب هو الفصل الرّابع، “الوهابيّة في هذا السّياق”. والمؤلّف يصرّ على أنّ حركة محمّد بن عبد الوهاب بدت أشبه بتأسيس دين جديد عبر تخيّل المطابقة مع الإسلام في ظهوره الأوّل من حيث المنهج ونشر الدّعوة، ومن خلال مقارنة الجاهليّة الّتي سبقت دعوة النبيّ محمّد بالأوضاع في نجد في عصر محمّد بن عبد الوهّاب. وفي هذا المجال، كتب محمّد بن عبد الوهّاب كتابا عنوانه مسائل الجاهلية، وتبعه محمّد قطب في كتابه جاهليّة القرن العشرين، وتبحّر سيّد قطب في تأصيل عبارة الجاهلية في كتابيه في ظلال القرآن ومعالم في الطّريق.

لاحظ المؤلّف أنّ الوهابية ما كان في إمكانها أن تنتصر في الجزيرة العربية لولا سياقها النّجدي، وتحالفها القبَلي مع آل سعود، وهذا يعني اِنفصال زعامة الدّعوة (محمّد بن عبد الوهّاب) عن زعامة البلاد والعباد (محمّد بن سعود)، خلافا لما كان الأمر عليه في مرحلة الإسلام الأولى حين كان النبيّ هو صاحب الدّعوة وهو الإمام في الوقت ذاته. كما لاحظ بشارة أنّ الوهابية تصادمت طويلا وعلى نحو جذريّ مع التديّن الشّعبي، وحاولت فرض أنماط جديدة من التديّن على النّاس، الأمر الّذي أدّى إلى تبرّم العامّة منهم، والنّظر إليهم على أنّهم فاتحون بالقوّة والتغلّب.

يوضّح المؤلّف أنّه لا يتّفق مع مماثلة الوهابيّة والبروتستانتية حتّى مع وجود بعض التّشابه بين مارتن لوثر ومحمّد بن عبد الوهّاب، خصوصا في سرعة التّكفير والقسوة في فرض مظاهر الدّين على العامّة، ثمّ التمرّد على الكنيسة الرّسمية الّتي ستوازيها مشيخة دار الإسلام العثمانيّة. يرى المؤلّف أنّ الوهابيّة هي، في الأصل، تيّار صغير ذو توجّه طهراني تقشّفي، ولم يخرج من الجزيرة العربيّة إلاّ إلى قبائل التّخوم في مواسم غزوات البدو الموسمية على أرياف الشّام والعراق. لكنّ الوهابيّة صارت حركة دعوية وتبشيرية من جرّاء مأسسة العلاقة بين الدّعوة والسّلطة، وبزوغ ريعيّة الدّولة والمجتمع نتيجة عوائد الثّروة النّفطية السّعودية، وفي سياق الصّراع بين المحور المصري والمحور السّعودي في ستّينيات القرن المنصرم، والاِستغلال الاِستعماري الغربي للوهّابية في محاربة المحور الرّاديكالي العربي بزعامة جمال عبد النّاصر ومحاربة اليسار والشّيوعية باِسم الإسلام. ويعقد الكاتب مقارنة مهمّة بين الوهّابية الأولى والسّلفية الجهادية المعاصرة، ويستعيد مشاهد دخول الوهّابية إلى كربلاء في عيد الغدير في 22 أفريل 1802 وذبحهم كلّ من لقيهم في طريقهم كالشّيوخ والنّساء والأطفال، ونهب كلّ ما وقع في أيديهم بما في ذلك المرقد المقدّس. وكذلك دخول سعود بن عبد العزيز إلى مكّة في 25 ديسمبر 1802 وإعدامه قاضي المدينة منيب أفندي ومعه عشرون من المشايخ، علاوة على هدمه القباب والمشاهد التّركية.

يمثّل هذا الكتاب مساهمة مهمّة على المستويين النّظري والتّحليلي التّاريخي النّقدي في فهم ظاهرة السّلفية على مختلف اِتّجاهاتها، ويتميّز بقدراته التّفكيكية للمفاهيم الشّائعة والمبسّطة القارّة عنها، متحدّيا لها، وفاتحا أفق معرفة جديدة بها.




أبعاد الأزمة بين تركيا والولايات المتّحدة ومآلاتها

مقدّمة

تميّزت العلاقات التّركية- الأميركية[1] بالتّعاون طوال سنوات الحرب الباردة بسبب الموقع الاِستراتيجي لتركيا وعدم اِمتلاك الولايات المتّحدة الأميركية بديلا منها؛ مع اِستثناء عام 1974 حين اِتّخذت الحكومة الأميركية قرارا بحظر توريد السّلاح إلى تركيا بسبب عمليّة إنزال الجيش التّركي في جزيرة قبرص، وقرار إعادة زرع الخشخاش في أراضيها بعد أن حظرت ذلك عام 1971 بعد الضّغوطات الأميركية. وكان من غير المنطقي بالنّسبة إلى تركيا مغادرة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو توتّر علاقاتها بالولايات المتّحدة نظرا إلى المعونات الأميركية الاِقتصادية والعسكرية الهائلة في تلك الفترة.

لكن، عقب الحرب الباردة، بدا الاِرتباك واضحا حول شكل النّظام الّذي تريد الولايات المتّحدة تأسيسه في المنطقة والعالم من ناحية، والحيرة بخصوص نوع العلاقة بالحلفاء السّابقين في هذا النّظام الجديد الّذي أدّى إلى تذبذب العلاقات بين الطّرفين من ناحية أخرى.

وبعد العملية العسكرية الثّانية في قبرص بادرت الولايات المتّحدة إلى فرض عقوبات على تركيا في 14 أوت 1974، والّتي دخلت حيّز التّنفيذ في 5 فيفري 1975 رسميًّا مدّة ثلاث سنوات. فجاء ردّ الحكومة التّركية الّتي ترأّسها بولند أجاويد آنذاك بالحدّة نفسها؛ إذ أغلقت جميع القواعد العسكرية في تركيا بما فيها القاعدة الاِستراتيجية إنجرليك، إضافة إلى إلغاء اِتّفاقية التّعاون والدّفاع المشترك الموقّعة عام 1969، ووافق البرلمان التّركي على إيقاف جميع الفعاليات العسكرية الأميركية في القواعد التّابعة لحلف شمال الأطلسي.

بقيت الولايات المتّحدة مصرّة على قرار العقوبات مدّة ثلاث سنوات حتّى بدأت تظهر ملامح الثّورة الإيرانية في الأفق، حيث قرّر الكونغرس الأميركي إلغاء العقوبات بعد أن شعرت الإدارة الأميركية بحاجتها إلى تركيا في تلك المرحلة. وبالفعل أعلن الرّئيس الأميركي جيمي كارتر إلغاء العقوبات في 26 سبتمبر 1978.

العلاقات التّركية- الأميركية عقب الحرب الباردة

لم تتمكّن تركيا والولايات المتّحدة من تحديد مصالحهما المشتركة بعد اِنتهاء الحرب الباردة. وقد ساهم هاجس إقامة دولة كردية مستقلّة سواء في سورية أو العراق، بمساعدة ومباركة أميركيّتين في زيادة حدّة شكوك تركيا الّتي طالما كانت تعتبر نفسها قوّة إقليمية وأنّها تتمتّع بهامش واسع للمناورة واِستقلالية تمكّنها من توسيع دائرة نفوذها. كما توقّع صنّاع القرار الأتراك أن تلقى الدّولة التّركية اِحتراما وقبولا في النّظام الدّولي الجديد. لكنّ الولايات المتّحدة لم تُبدِ ميلا واضحا إلى ذلك، حيث توجّست واشنطن من أن تتيح فترة ما بعد الحرب الباردة لتركيا فرصة لتكون قوّة إقليمية كبيرة، لا تستطيع السّيطرة على سلوكها.

لم تتخلّ تركيا عن مشروع التّكامل مع الحضارة الغربية، رغم الصّعوبات والأزمات المتكرّرة؛ ويمكن القول إنّه لا يوجد فيها من يدافع عن القطيعة مع الدّول الغربية. وقد رأى البعض أنّ رجب طيّب أردوغان في مقالته الشّهيرة الّتي نشرها في جريدة نيويورك تايمز[2] شكّك في إمكانيّة اِستمرار علاقات تركيا بالولايات المتّحدة الأميركية والدّول الغربية. لكنّ هذا الكلام يفتقر إلى ما يدعّمه من أدلّة؛ فالاِعتراضات التّركية على بعض التصرّفات الأميركية لا تعني أنّها تفضّل المحور الرّوسي- الصّيني حليفا اِستراتيجيّا، بل لا تعدو عن كونها اِمتصاصا لغضب الرّأي العام التّركي. فتركيا تريد أن تُؤخذ مطالبها في الحسبان في وقت تتولّى فيه القوى الكبرى إعادة صياغة النّظام الإقليمي. وبناءً عليه، فإنّ إشارة أردوغان إلى أنّ الولايات المتّحدة حليف قويّ تثبت النيّات الحقيقيّة لتركيا، ورغبتها في تحسين العلاقات بها.

ويبدو أنّ العامل المفجّر للخلاف في العلاقات التّركية- الأميركية تاريخيّا هو اِحتلال العراق وتداعيّاته على المنطقة؛ علما أنّ تركيا كانت قد خرجت من حرب الخليج الأولى من دون مكاسب بسبب الحسابات الخاطئة للحكومة في تلك الفترة، إضافة إلى خسارتها بعد حرب الخليج الثّانية من النّاحيتين الاِقتصادية والسّياسية. فقد شهدت العلاقات التّجارية مع العراق اِنهيارا كبيرا لم تستطع تركيا تحصيل تعويضات عليه من الولايات المتّحدة رغم تقديمها دعما سياسيّا كبيرا لها. ومن النّاحية السّياسية، بدأت المؤشّرات الأوّلية للكيان السّياسي الكردي تظهر في شمال العراق، إضافة إلى حادثة قيام الجنود الأميركيّين باِعتقال عدد من العسكريّين الأتراك في شمال العراق في جويلية 2003، وتغطية رؤوسهم بأكياس على نحو أثار موجة غضب في الرّأي العام التّركي. وقد فُهمت هذه التصرّفات كعمليّة ثأر ومعاقبة لتركيا الّتي رفضت السّماح للقوّات الأميركية بالمرور عبر أراضيها واِستخدامها قاعدة للإنزال في العراق.

العلاقات التّركية- الأميركية في عهد حزب العدالة والتّنمية

لا يمكن تفسير موقف حزب العدالة والتّنمية في الآونة الأخيرة من الولايات المتّحدة أو تأويله ببراغماتيّته فحسب، خاصّة إذا أخذنا في الحسبان إمكانيّة إغلاق القواعد العسكرية الأميركية على نحو مشابه لموقف الحكومة التّركية عام 1974. في الوقت نفسه، تبدو ريبة تركيا حيال سياسات القوى الكبرى في سورية وعدم رغبتها في الاِستسلام للرّوس يمنعانها من اللّجوء إلى سياسات غير مرنة تجاه الولايات المتّحدة. فردّات أفعال الحكومة التّركية تجاه الأزمة الأخيرة كانت قاسية في مظهرها ولكنّها مرنة في جوهرها لأنّها مبنيّة على مواقف سياسيّة في الأغلب، سواء فيما يخصّ الموقف التّركي بشأن تسليم فتح الله غولن، أو الخلاف مع الولايات المتّحدة حول وجود القوّات التّركية في منبج. ومع ذلك، يبذل الطّرفان قصارى جهدهما لإنقاذ العلاقات، وهو ما يبدو جليّا عند تحليل تصريحات المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى، كوزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، فمن السّهل ملاحظة أنّ تركيا لا تريد خسارة حليفها الاِستراتيجي رغم كلّ الخلافات.

وبالعودة إلى السّنوات الّتي تسلّم فيها حزب العدالة والتّنمية مقاليد الحكم، يلاحَظ أنّ جذور الموقف التّركي تكمن جزئيّا في اِحتلال الأميركيّين العراق، وشكل النّظام الّذي تحاول الولايات المتّحدة صناعته. يضاف إلى هذه العوامل الرّبيع العربي الّذي دفع وزارة الخارجية التّركية إلى تغيير سياسة “صفر مشاكل” من جهة، في الوقت الّذي ترك بصماته الإيجابية على العلاقات التّركية- الأميركية من جهة أخرى. فقد عملت تركيا والولايات المتّحدة معا في معظم البلدان الّتي شهدت ثورات، ولكنّ التّعاون والتّنسيق الأميركي مع المملكة العربية السّعودية والإمارات العربية المتّحدة بشأن الاِنقلاب في مصر، وعدم تلبية الولايات المتّحدة المطالب والتوقّعات التّركية هي من العوامل الّتي أدّت إلى التصدّع في العلاقات بين الطّرفين.

وبالتّوازي مع هذه التطوّرات بدأت تركيا تدرك أنّها الخاسر الأكبر في سورية على جميع المستويات، ومن هنا عليها تغيير سياساتها تجاه روسيا وحلفائها. وكان العامل المغذّي لهذه الرّؤية هو توسّع النّفوذ الكردي وتمدّده في مناطق مختلفة شمال سورية مع اِحتمال إقامة دولة كردية مستقلّة أو شبه مستقلّة فيها، واِستعادة جيش النّظام السّوري معظم المناطق من الجماعات المسلّحة وتقدّمه في بعض المحافظات. لقد بدت هذه التحوّلات كأنّها مؤشّر واضح على أنّ المغامرة الّتي خاضتها تركيا في سورية قد اِقتربت من نهايتها.

أمّا العملية العسكرية في مدينة الباب في حلب، الّتي تزامنت مع تغيّر أولويات الدّول الغربية من إطاحة الرّئيس بشّار الأسد إلى مكافحة الإرهاب، فلم تكن سوى إثبات للذّات أمام الحلفاء الغربيّين، إضافة إلى كونها محاولة لكسر هيبة تنظيم وحدات حماية الشّعب الكردي ونفوذه. وبناء عليه، باتت تركيا على دراية تامّة بأنّ علاقتها بالولايات المتّحدة لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها.

وكان فوز دونالد ترامب في الاِنتخابات الأميركية بمنزلة الحبل الّذي تريد تركيا التمسّك به لإنقاذ ما تبقّى من الجهود التّركية هناك. لكنّ ترامب لم يعر مطالب تركيا في شمال سورية اِهتماما، بل تعدّى ذلك نحو الموافقة على السّياسات السّابقة الّتي ترى مواصلة سياسة التّسليح للوحدات الكردية، إضافة إلى اِتّخاذ قرارات أخرى، كنقل السّفارة الأميركية من تلّ أبيب إلى القدس[3]. والأهّم من ذلك تعامل ترامب مع السّعودية والإمارات من منطلق اِقتصادي مصلحي، على نحو قوّض التطلّعات والآمال الّتي علّقتها تركيا على ترامب.

اِنعكاسات الأزمة التّركية- الأميركية على العلاقات بروسيا

تعتبر روسيا هذا النّمط من العلاقات التّركية– الأميركية والتوتّر السّائد بينهما إيجابيّا في المدى القريب إذ إنّه يوفرّ لها مكاسب هائلة؛ بدءًا من حدوث تصدّعات في الناتو، وصولا إلى الحصول على تنازلات من تركيا لا سيما فيما يخصّ التّبادل التّجاري في المجالات المختلفة. أمّا من جانب تركيا، فمن المرجّح أن تكون روسيا بديلا من الولايات المتّحدة في المدى القريب فقط. ولكن في المدى البعيد يبدو هذا صعبًّا؛ فتركيا لا يمكنها الاِبتعاد عن المحور الغربي بسبب علاقاتها الاِقتصادية به، رغم تعرّضها لأزمات. فمن النّاحية الاِقتصادية، لا يمكن أن تحلّ روسيا في أيّ حال من الأحوال محلّ الشّركاء الغربيّين.

في مقابل ذلك، فإنّ فرض العقوبات المالية على تركيا من شأنه أن يؤدّي إلى اللّجوء إلى سياسات الاِكتفاء الذّاتي اِقتصاديا. وبإلقاء نظرة فاحصة على الأزمات الّتي تعرّضت لها تركيا في السّنوات السّابقة، يبدو أنّه من غير المنطقي أن تنتهج الولايات المتّحدة سياسات تدفع تركيا إلى محور الصّين وروسيا، وتتسبّب في اِتّباع سياسات تجعل تركيا بعيدة عن الاِرتباط صناعيّا بها خاصّة في مجال الدّفاع.

تدرك موسكو جيّدا أنّ تركيا سوف توفّر لها مكاسب هائلة وفرصا كثيرة في مجالات مختلفة. لذلك تبذل قصارى جهدها في الوقت الحالي للحؤول دون الإضرار بها، لا سيما في ما يتعلّق بالقضايا الّتي تعتبرها تركيا اِستراتيجية وحيوية بالنّسبة إليها؛ فلم تكن اِتّفاقية أستانا[4] سوى ضمٍّ لتركيا الّتي تضرّرت ولم تستفد من تحالفها مع المحور الغربي في سورية، إلى عمليّة المفاوضات للحلّ السّلمي في سورية وتحويلها إلى لاعب قريب، يخضع لمراقبتها. ويبدو أنّ الولايات المتّحدة وروسيا خَلُصتا إلى أنّ تركيا تقوم حاليا على معادلات حسّاسة جدّا، وبناء عليه، يجب تجنّب الخطوات الّتي تدفعها إلى الذّهاب إلى صفوف المعسكر الآخر.

وفضلا عن ذلك، أخذ البنتاغون زمام الأمور في ما يخصّ العمليات العسكرية في الشّمال السّوري، على نحو من شأنه التّأثير أكثر في مستوى العلاقات التّركية- الأميركية ومستقبلها، خاصّة في ظرف يتمّ فيه تعطيل دور وزارة الخارجية الأميركية الّتي تتقن ممارسة الدّبلوماسية وضبط الخلافات، في حين يميل البنتاغون إلى التّعامل بلغة عسكريّة حتّى مع الحلفاء أحيانا. ويُنبئ هذا بأنّ تحسّن العلاقات بين الطّرفين ربّما يحتاج إلى وقت.

مستقبل العلاقات التّركية- الأميركية

يبدو أنّ السّؤال الاِستراتيجي المطروح حاليا هو: كيف يمكن تحسين العلاقات التّركية- الأميركية ومعالجة الأزمة الرّاهنة على نحو يزيل المشاكل بين الطّرفين؟

وفقا للمعطيات، فإنّ هذا الأمر بات مرتبطا بتغيير السّياسات الأميركية بخصوص ما يسمّى حماية جماعة غولن، وحلّ وحدات حماية الشّعب الكردي الّتي ترتبط الإدارة الأميركية بعلاقات مميّزة بها. والأهّم من ذلك حلّ الخلافات بشأن اِلتزام تركيا بالعقوبات المفروضة على إيران الّتي تعتبرها الولايات المتّحدة عدوّا إقليميّا لها[5]. يضاف إلى ما سبق، مدى رغبة تركيا في الحصول على الدّور الّذي ترسمه لها الولايات المتّحدة ضمن النّظام الإقليمي.

يمكن توقّع اِستمرار التوتّر بين الطّرفين بسبب عدم تطابق النّظام الإقليمي الّذي تريد الولايات المتّحدة الأميركية إقامته في المنطقة مع التطلّعات التّركية على المدى المتوسّط، إضافة إلى تحفّظات الإدارة الأميركية تجاه سياسات الحكومة التّركية، في الوقت الّذي تنتقد هذه الأخيرة أميركا اِنتقادا لاذعا بسبب تخلّيها عن هدف إطاحة النّظام السّوري ورئيسه بشّار الأسد، والتّقاعس في سبيل ذلك[6]، وتفضيل وحدات حماية الشّعب الكردي على تركيا الحليف الاِستراتيجي في إطار منظومة النّاتو. في المقابل تدّعي الولايات المتّحدة أنّ تركيا لم تؤدّ دورها في الحرب ضدّ تنظيم “داعش” ممّا أجبر الإدارة الأميركية على التّعاون مع وحدات حماية الشّعب الكردي “القوّة الوحيدة العلمانيّة أو غير المتطرّفة”.

خاتمة

ما زال التوتّر قائما في العلاقات التّركية- الأميركية. وتمثّلت ردّة الفعل الأميركية حول هذه الأزمة في فرض عقوبات على وزيرين في الحكومة التّركية. أمّا ذرائع ذلك فتخطّت قضية القسّ الأميركي نحو خروقات حقوق الإنسان وحرّية الرّأي واِنتهاكاتها في تركيا.

يمكن القول إنّ النّخبة السّياسية التّركية أساءت تقدير قضيّة القسّ الأميركي، ولم تتمكّن من التنبّؤ باِهتمام المسيحيّين الإنجيليّين بها، الّذين لهم دور ونفوذ كبيران في الإدارة الأميركية. بالتّوازي مع ذلك، يبدو أنّ تقييمها كان خاطئا بشأن التّنازلات الّتي يمكن أن تحصل عليها الحكومة التّركية من القيادة الأميركية الّتي فضّلت قصدًا عدم اِستخدام القنوات الدّبلوماسية؛ فقد تعمّد دونالد ترامب ونائبه مايك بنس في تصريحاتهما اِستهداف الحكومة التّركية مباشرة. فقد اِختارت الإدارة الأميركية المشادّات الكلامية مع تركيا على مرأى الرّأي العام العالمي، وهذا الأسلوب في التّصعيد هو الّذي حدّد نمط الردّ التّركي.

والواضح في الوقت الرّاهن أنّ العودة إلى القنوات الدّبلوماسية ليست أمرا سهلا مع أنّ ذلك ليس مستحيلا، فالتّصريحات المكشوفة أمام الرّأي العام جعلت فرصة التّعامل مع القضيّة من النّاحية الدّبلوماسية أشدّ صعوبة.

(إسلام أوزكان)

[1] انظر: “الأزمة التركية – الأميركية: هل بدأت أسس التحالف المشترك تتمزق؟”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 16/8/2018، شوهد في 18/9/2018، في: https://bit.ly/2MD9Gg4

[2] Recep Tayyip Erdogan, “Erdogan: How Turkey Sees the Crisis With the U.S.,” TheNew York Times, 18/8/2018, accessed on 16/9/2018, at: https://nyti.ms/2Me39NS

[3] للمزيد انظر: أنيس قاسم وآخرون، ملف ندوة: “قرار نقل السفارة الأميركية ووضع القدس القانوني والسياسي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 11/9/2018، شوهد في 18/9/2018، في: https://bit.ly/2pb5vyR

[4] للتوسع في ما يخصّ اتفاق أستانا: “اتفاق أستانا الثلاثي: خلفياته وفرص نجاحه”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 9/5/2017، شوهد في 18/9/2018، في: https://bit.ly/2Nh2StR

[5] للمزيد انظر: “العلاقات الأميركية – الإيرانية بعد فرض العقوبات: احتمالات التصعيد والاحتواء”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 9/8/2018، شوهد في 18/9/2018، في: https://bit.ly/2MAH0oc

[6] للمزيد انظر: “نقاشات إدارة ترامب حول الضربة العسكرية للنظام السوري وغياب إستراتيجية أميركية”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19/4/2018، شوهد في 18/9/2018، في: https://bit.ly/2OsKTNC؛ “تدهور العلاقات الأميركية – التركية وتضارب المصالح في سورية”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 22/2/2018، شوهد في 18/9/2018، في:https://bit.ly/2p8KAfT




ماذا يكشف الهجوم على العرض العسكري في إيران؟

جاء الهجوم المُسلّح على العرض العسكري في الأهواز جنوب غربي إيران اِمتدادا لاِضطرابات الدّاخل الّتي تشهدها طهران منذ نهاية العام الماضي ومطلع العام الجاري، إذ شهدت إيران موجات اِحتجاجية متتابعة كان أكثرها اِحتداما في ديسمبر 2017 نتيجة لتردّي الأوضاع الاِقتصادية والاِجتماعية، ولقد كشف الهجوم عن تصاعد الاِحتقان في العلاقة بين النّظام الإيراني والأقلّيات، وتصاعد تهديدات الفصائل المُسلّحة المنتمية لأقلّية الأهواز، وهو ما قد يدفع الحرس الثّوري الإيراني لاِتّخاذ إجراءات اِنتقامية بحقّ الأهواز، كما قد يلجأ النّظام الإيراني للتّصعيد خارجيًّا للإفلات من ضغوط وتعقيدات المشهد الدّاخلي.

ملابسات الهجوم:

أعلن التّلفزيون الرّسمي الإيراني أنّ أربعة مسلّحين قاموا بإطلاق النّار على عرض عسكري في الأهواز جنوب غربي إيران، وهو ما أدّى إلى مقتل ما يصل إلى 29 شخصا معظمهم من قوّات الحرس الإيراني، وإصابة العشرات. وعلى الرّغم من إعلان تنظيم “داعش” في البداية عبر وكالة أعماق مسؤوليّته عن الهجوم، إلاّ أنّ المتحدّث باِسم حركة “النّضال العربي لتحرير الأهواز” قد نفى ذلك، معلنا تبنّي المقاومة الوطنية الأهوازية الّتي تنضوي حركته تحتها لهذا الهجوم المسلّح، وقد جاء هذا الهجوم بالتّزامن مع ذكرى الحرب العراقية الإيرانية الّتي عانى الأهواز بشكل خاصّ من تبعاتها. بينما رأت بعض التّنظيمات المعارضة أنّ هذا الهجوم جاء بتدبير من النّظام الإيراني نفسه لاِدّعاء المظلومية، خاصّة أنّه قد تمّ تنفيذه قبيل حضور الرّئيس “حسن روحاني” اِجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتّحدة، واِجتماع مجلس الأمن حول إيران المزمع عقدها خلال الأسبوع المقبل.

فيما قامت الخارجية الإيرانية باِستدعاء سفراء كلّ من المملكة المتّحدة وهولندا والدّنمارك متّهمة إيّاهم بإيواء عناصر ومنظّمات إرهابية على أراضيها، ولا سيما تلك الحركات الأهوازية النّاشطة هناك، وندّد وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” بهذا الحادث، مصرّحا بأنّ “إيران ستردّ بسرعة وحسم دفاعا عن أرواح أبنائها”.

تأزّم الدّاخل: 

تشهد السّاحة الإيرانية منذ فترة حالة من عدم الاِستقرار السّياسي والاِقتصادي خاصّة بعد اِندلاع الاِحتجاجات الشّعبية الأخيرة في مطلع العام الجاري بسبب تدهور الأوضاع الاِقتصادية على الرّغم من الوعود الحكومية المستمرّة بتحسين الوضع الاِقتصادي، وقد حاول كلّ من الإصلاحيّين والمحافظين تحميل مسؤوليّة تدهور الأوضاع للطّرف الآخر، وقد اِزدادت هذه المحاولات تحديدا بعد إعلان الرّئيس الأمريكي “دونالد ترامب” فرض حزمة جديدة من العقوبات الاِقتصادية على إيران والدّول الّتي لا تلتزم بهذه العقوبات في إطار السّعي لتحجيم النّظام الإيراني حتّى إسقاطه وفقا للمعلن.

وهو ما يحمّله التيّار المحافظ للإصلاحيّين باِعتبارهم الدّاعين للتّصالح مع الغرب والخروج عن نهج الثّورة الّذي يطالب بمواجهة “قوى الاِستكبار”. ويرى المحافظون أنّ الإصلاحيّين قد هدّدوا ثوابت الأمن القومي الإيراني بفتح المجال للتدخّلات الخارجية، ممّا أدّى لحدوث شقاق اِجتماعي أسهم في حالة عدم الاِستقرار الدّاخلي الّذي تعيشه إيران منذ توقيع الاِتّفاق النّووي بين إيران ومجموعة دول 5+1 عام 2015.

وفي المقابل، يرى الإصلاحيّون أنّ المحافظين والمؤسّسات الدّاعمة لهم- وعلى رأسهم “الحرس الثّوري”- هم المتسبّبون في حالة عدم الاِستقرار الدّاخلي بسبب سوء إدارة موارد الدّولة، ولا سيما في أعقاب الاِنفراجة الاِقتصادية الّتي أعقبت الاِتّفاق النّووي والإفراج عن معظم الأموال الإيرانية المجمّدة في الخارج، واِستخدامها في تمويل الأنشطة الإيرانية خارج الحدود، خاصّة في كلٍّ من العراق وسوريا واليمن، الأمر الّذي أدّى لاِستنزاف موارد الدّولة الإيرانية في صراعات خارجية على حساب توجيه هذه الأموال لدعم الدّاخل. ومن هنا فإنّ هذا الشّقاق الّذي لم يحسمه المرشد الأعلى “خامنئي” حتّى الآن سيؤدّي بالتّبعية لمزيد من الإشكاليات على الصّعيد الدّاخلي، وسيسعى كلّ طرف للخروج من تبعات الأزمات الحالية على حساب الآخر.

حراك المعارضة:

تزايدت خلال الفترة الماضية أنشطة التّنظيمات المعارضة للنّظام الإيراني على المستويين الدّاخلي والخارجي، فقد شهد العام الجاري عددا من الاِحتجاجات الواسعة في بعض الأقاليم الإيرانية، ولا سيما في كلّ من كردستان والأهواز، ونشوء كيان عُرف باِسم “حراك الشّعوب الإيرانية” أصبح المسؤول عن التحرّكات الدّاخلية والخارجية ضدّ النّظام الإيراني، وهو ما يُقلق النّظام الإيراني، لا سيما وأنّ الولايات المتّحدة تقوم بدعم العديد من الحركات المعارضة في الخارج.

وتُعتبر الولايات المتّحدة أهمّ داعم للمعارضة الإيرانية في الوقت الحالي، خاصّة أنّ لديها جالية إيرانية كبيرة تُمثّل كافّة أطياف الشّعب الإيراني، وتركّز غالبيّة أنشطتها على مجال حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، عقدت منظّمة “مجاهدي خلق” الإيرانية، في 22 سبتمبر 2018، مؤتمرا في نيويورك تحت عنوان “اِنتفاضة إيران نحو الحرّية” لبحث البدائل أمام المعارضة الإيرانية لتغيير النّظام، كما اِستضاف الكونجرس الأمريكي عددا من الحركات المعارِضة للنّظام الإيراني في جوان 2018. وتدلّ هذه الفعاليّات على حصول المعارضة الإيرانية على الدّعم المباشر من الدّول الغربية في غالبية تحرّكاتها، لا سيما وأنّ الهجوم الّذي وقع لم يَلقَ إدانات من غالبية الدّول الغربية باِستثناء بعضها مثل فرنسا رغم المطالبات الإيرانية بإدراج المنظّمات المعارضة كتنظيمات إرهابيّة.

وقد اِعتمدت المعارضة الإيرانية في الخارج منذ فترة وجيزة على اِستراتيجية جديدة في تعاطيها مع النّظام الإيراني، مستفيدة من التحوّلات الخارجية، لا سيما من قبل الغرب الّذي تخلّى عن محاولات اِحتواء النّظام إلى السّعي لتغييره تماشيا مع الرّؤية الأمريكية في هذا الصّدد، حيث قرّرت التّنظيمات المعارضة توحيد حركتها في الخارج، وعدم الدّخول في أنشطة قد تؤدّي لاِستعداء الدّول الحاضنة لها، خاصّة وأنّ هذه الدّول قد شهدت العديد من العمليات الإرهابية ممّا يجعلها حذرة من أيّ أنشطة قد تقوم بها هذه الجماعات وتؤدّي لزعزعة اِستقرارها، ومن هنا فإنّ هذه الجماعات قد سعت لتحويل أنشطتها إلى داخل إيران على غرار العمليّة الأخيرة الّتي وُجِّهت ضدّ مؤسّسة “الحرس الثّوري” دون القيام بعمليّات ضدّ مدنيّين أو مؤسّسات مدنيّة تجلب عليهم إدانات تسهم في تحجيم حركتهم في الدّول الحاضنة لهم، وإدراجهم كمنظّمات إرهابية، في حين أنّهم يسعون للظّهور في صورة حركات مقاومة مسلّحة تواجه التّجاوزات الّتي تحدث من جانب النّظام الإيراني بشكل عمدي ضدّ الأقلّيات الإيرانية، وهو ما يُكسبهم مزيدا من التّعاطف الخارجي والدّعم لأنشطتهم داخل إيران بحسب رؤيتهم.

ويتزامن مع هذا صعود الاِحتجاجات في إيران منذ مطلع شهر سبتمبر الجاري، واِستمرار الإضرابات والاِعتصامات في عدد من المدن الإيرانية على خلفيّة تردّي الوضع الاِقتصادي، واِنهيار العملة المحلّية واِرتفاع الأسعار. من جانب آخر، فإنّ عدم رضا “البازار”- والّذي يعدّ من العناصر الدّاعمة تقليديًّا للنّظام- عن السّياسات الاِقتصادية الّتي ينتهجها النّظام تمثّل عنصر ضغط شديد على النّظام باِعتباره قادرا على تحريك الشّارع الإيراني، وهو ما برز خلال اِحتجاجات جويلية 2018.

وتسعى المعارضة الخارجية لجذب “البازار” إليها في ظلّ الطّبيعة البراجماتية لمكوّناته وسعيها لتحقيق مصالحها، الأمر الّذي يقلق مؤسّسة الإرشاد باِعتبار أنّ “البازار” المموّل الرّئيسي لأنشطة رجال الدّين والحوزات، بسبب أموال “الخمس” من ناحية، والمصالح الاِقتصادية للمؤسّسات الدّاعمة للنّظام الثّوري الّتي تستثمر مواردها المالية من خلاله.

ختاما، يمكن القول إنّ العمليّة العسكرية الأخيرة ضدّ “الحرس الثّوري” لا تكمن خطورتها في حجم الخسائر الّتي سبّبتها، وذلك على الرّغم من فداحتها ومساسها بسمعة الأمن الإيراني، بيد أنّ خطورتها تتّضح في قيام حركة “النّضال العربي لتحرير الأهواز” بتبنّي الهجوم لاِستعراض قدراتها، ودفع النّظام الإيراني لمحاولة الاِنتقام من الدّاخل، والقيام بأعمال تعسّفية لاِستعادة هيبته، ممّا سيؤدّي بالتّبعية إلى زيادة الضّغوط الخارجية على النّظام كردّ فعل على الممارسات التعسّفية المتوقّعة، ويأتي هذا كلّه في ظلّ تكثيف الدّول الدّاعمة للمعارضة لحركتها ضدّ النّظام الإيراني اِستعدادا لاِجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتّحدة حول إيران، الأمر الّذي سيفرض على “طهران” مزيدا من الضّغوط خلال المرحلة القادمة في الدّاخل وفي تحرّكاتها الخارجية لا سيما مع وضوح حجم الخلافات بين إيران وروسيا الّتي تسعى بدورها لتحجيم النّفوذ الإيراني في سوريا.




الجزائر/ أبعاد تغيير القيادات العسكرية الأخيرة

اِتّخذ الرّئيس عبدالعزيز بوتفليقة جملة من القرارات خلال الفترة الأخيرة، شملت إقالة عدد من القيادات في المؤسّسة العسكرية (سبعة من كبار جنرالات الجيش والدّرك والشّرطة والمخابرات)، حيث قام بإحداث تغييرات في قيادات المناطق العسكرية الميدانية وُصفت بالاِستثنائية، لأنّ العادة جرت أن تتمّ مثل هذه التّغييرات في توقيتات زمنيّة محدّدة ترتبط بذكرى اِستقلال البلاد (الخامس من جويلية) أو في ذكرى الثّورة التّحريرية (في أوّل نوفمبر).

فقد قام بإنهاء مهامّ “اللّواء حبيب شنتوف” (قائد المنطقة العسكرية الأولى في البليدة)، وتُعدّ هذه المنطقة هي الأهمّ في تقسيم الجيش الجزائري حيث تقع على بعد 50 كم جنوب العاصمة الجزائر. واللّواء “السعيد باي” (قائد النّاحية العسكرية الثّانية في وهران). كما أجرى تعديلا على قيادة المنطقة العسكرية السّادسة بتعيين اللّواء “محمّد عجرود” لها في منطقة “تمنراست” جنوب البلاد. وشملت الإقالات اللّواء “شريف عبدالرّزاق” قائد المنطقة العسكرية الرّابعة ومقرّها ورقلة، والّتي تدخل ضمن نطاقها مسؤولية حماية المنطقة النّفطية الممتدّة في الصّحراء الجزائرية جنوبا.

كما شملت الإقالات قيادات في القوّات البحرية والبرّية وقائد القوّات الجوّية اللّواء “عبدالقادر الونّاس”، بجانب إنهاء مهام مدير صندوق الضّمان الاِجتماعي العسكري، هذا إلى جانب إصدار قرارات بمنع السّفر بحقّ القيادات العسكرية والأمنية سابقة الذّكر (قائد الدّرك الوطني السّابق اللّواء منّاد نوبة، واللّواء سعيد باي واللّواء بوجمعة بو دواو قائدا المنطقتين الأولى والرّابعة).

أسباب التّغييرات:

يمكن تفسير حملة التّغييرات الّتي شهدتها المؤسّسة العسكرية الجزائرية خلال الفترة الأخيرة من خلال عدد من العوامل، ومن أهمّها ما يلي:

1- تطوير منظومة الدّفاع: حيث صرّح رئيس أركان الجيش “أحمد قايد صالح” بأنّ تغيير القيادات العسكرية جاء بهدف رغبة الرّئيس بوتفليقة في تطوير ديناميكية المؤسّسة العسكرية بشكل عام، وتطوير منظومة الدّفاع وفقا لمعيار الكفاءة عبر ضخّ دماء جديدة، حيث ظلّ بعض هذه القيادات في مواقعهم أكثر من 12 عاما، وذلك لتحقيق هدف رئيس هو تمكين الجيش الوطني من مواجهة التحدّيات الأمنية، ولا سيما مواجهة التّنظيمات الإرهابية في منطقة شمال إفريقيا والمغرب العربي، كما تعمل المؤسّسة العسكرية على ضبط الحدود الجنوبية والشّرقية مع كلّ من ليبيا ومالي خشية تسلّل عناصر تابعة لتنظيمات إرهابية، ومن ثمّ زعزعة الاِستقرار الأمني والسّياسي والعودة بالبلاد إلى ما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي.

2- التورّط في قضايا فساد: حيث تشير المصادر الدّاخلية إلى تورّط عدد من القادة العسكريين في تجارة المخدّرات، ففي شهر جويلية الماضي كشفت وزارة الدّفاع عن وصول شحنة مخدّرات (701 كلغ كوكايين) في ميناء “وهران”، وقام القضاء العسكري بالتّحقيق مع عدد من الضبّاط البارزين الّذين تمّت إقالتهم في شهر جويلية الماضي، ومنهم: الجنرال “بودواور” (مسؤول المالية في وزارة الدّفاع)، والجنرال “زيّان مقداد” (مسؤول مصلحة المستخدمين)، وتورّطهما في قضايا فساد مالية كبيرة وعلاقتهما بصفقة المواد المخدّرة الّتي تمّ ضبطها وتورّط فيها بشكل رئيس رجل الأعمال “كمال البوشي”، وأثبتت التّحقيقات علاقته بمسؤولين كبار، كما تمّت إقالة مدير الأمن في البلاد “عبد الغنيّ هامل” في شهر جوان الماضي على خلفيّة التّحقيقات في هذه القضية في ظلّ وجود اِتّهامات متبادلة بممارسة بعض الجهات السّيادية في الدّولة ضغوطا هائلة على المحقّقين في القضية، وإغفال عدد كبير من المسؤولين في قضايا فساد دون محاسبتهم.

3- تهيئة الأجواء الدّاخلية: لخوض الاِنتخابات الرّئاسية القادمة المقرّر إقامتها في أفريل 2019، حيث جاءت التّغييرات الأخيرة في القيادات العسكرية لتؤكّد توجّهات الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة والدّائرة السّياسية المقرّبة منه بإعادة ترشّحه لفترة رئاسية جديدة، وبالتّالي فإنّ هذه التّغييرات حملت في طيّاتها رسالة سياسيّة للقوى السّياسية المؤيّدة والمعارضة بأنّ الدّائرة المقرّبة من الرّئيس بوتفليقة سوف تظلّ قادرة على التّأثير في المشهد السّياسي بالبلاد، والّتي يتزعّمها قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وقائد الحرس الجمهوري الفريق علي بن علي. فقد ظهر تأثيرهما في الطّريقة الّتي تمّ الإعلان بها عن جملة التّغييرات الأخيرة، حيث لم تُصدر الرّئاسة بيانا رسميّا عن الرّئيس بوتفليقة بصفته وزيرا للدّفاع يتضمّن مجمل الإقالات والتّعيينات الجديدة، وأيضا لم تعلن وزارة الدّفاع عنها إلاّ بعد فترة زمنية عند قيام قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح بمراسم تسليم المهامّ للقيادات الجديدة، وقد فعلها بوتفليقة من قبل عندما أقال رئيس أركان الجيش الأسبق الفريق محمّد العماري في عام 2004، ورئيس جهاز المخابرات الفريق محمد مدين في عام 2015، من أجل ضمان إبعاد المنافسين المحتملين له في الحياة السّياسية، ويرى اِتّجاه آخر أنّ هذه التّغييرات جاءت من قبل بوتفليقة لتهيئة الأمر لشقيقه سعيد.

وقد أدّت هذه المتغيّرات إلى مطالبة بعض القوى السّياسية ومنظّمات المجتمع المدني (مكتب الفيدرالية الوطنية لأبناء الشّهداء بتيزي وزّو- الجمعية الثّقافية قصباوية بالجزائر العاصمة) الجنرال محمّد مدين (الجنرال توفيق) بترشيح نفسه في الاِنتخابات الرّئاسية القادمة، وذلك لتاريخه ومواقفه الوطنية تجاه الاِضطرابات السّياسية الّتي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة والّتي اِتّخذها حفاظا على الوضع الدّاخلي للبلاد.

كما دعت حركة مجتمع السّلم (حمس) ذات التوجّهات الإسلامية إلى ضرورة اِنتخاب رئيس جديد توافقي، ثمّ اِختيار رئيس حكومة توافقي، يجسّد الرّؤية الاِقتصادية والإصلاحات السّياسية المتوافق على أولويّاتها، ثمّ تشكيل حكومة توافقية واسعة التّمثيل، تجمع بين الكفاءة والخبرة والرّمزية السّياسية، وتوافق مع رؤية (حمس) كلّ من حزبي “النّهضة” و”العدالة الاِجتماعية” الرّافضين لفكرة التّجديد لبوتفليقة.

غير أنّ تلك الدّعوة لم تجد صداها عند كثير من الأحزاب، وعلى رأسهم أحزاب الموالاة مثل “جبهة التّحرير الوطني” (الأفلان)، و”التجمّع الوطني الدّيمقراطي” (الأرندي)، اللّذين قبلا بالمبادرة في أبعادها الثّلاثة، وأعلنا اِستعدادهما لتشكيل لجان مشتركة خاصّة للجانب الاِقتصادي، وتحسين وتطوير اللّجنة المستقلّة لمراقبة الاِنتخابات، غير أنّهما رفضا الأساس السّياسي للمبادرة، وتمسّكا بالتّوافق على تولّي بوتفليقة العهدة الرّئاسية الخامسة.

4- المؤسّسة العسكرية: على الرّغم من أنّ القيادات الّتي تمّت إقالتها كانت معروفة بالولاء لرئيس البلاد ورئيس أركان الجيش، كما أنّ معظمهم يحتلّ رتبا عسكرية أقلّ من رئيس الأركان، إلاّ أنّه كان هناك هاجس ظهور شخصيات من داخل المؤسّسة العسكرية قد تنافس رئيس الأركان قايد صالح مستقبلا باِعتباره الحاكم لهذه القرارات، ويبقى رئيس الحرس الجمهوري علي بن علي هو أبرز المنافسين لـ”قايد” في حال إعلان بوتفليقة عدم ترشّحه مستقبلا وإعلان “قايد” الترشّح بدلا منه، وفي هذه الحالة ستنخرط المؤسّسة العسكرية بشكل مباشر في التّفاعلات السّياسية بالبلاد.

تنافس مستتر:

ترجّح المؤشّرات الحالية وجود تنافس أو صراع بين سعيد بوتفليقة (شقيق الرّئيس بوتفليقة)، ومؤيّدي بقاء بوتفليقة لولاية خامسة من جهة، و”قايد صالح” من جهة أخرى، حيث ذكرت مصادر محلّية تفيد بأنّ اللّواءين اللّذين أُنهيت مهامّهما محسوبان على “سعيد بوتفليقة”، وهو ما يعدّ اِستبعادا لقيادات الصفّ الأوّل بالجيش، ويرجّح ذلك اِستبعاد الاِحتمال القائم على تهيئة بوتفليقة لشقيقه “سعيد” لخلافته في حكم البلاد.

ورغم أنّ عملية تغيير القيادات العسكرية الّتي حدثت مؤخّرا لم تكن الأولى من نوعها في البلاد، إلاّ أنّها أحدثت حالة من الاِنقسام داخل المجتمع الجزائري. فمن جهة، رأى البعض أنّ هذه التّغييرات عملية مقبولة وفي وقتها، خاصّة أنّها تسبق إجراء الاِنتخابات الرّئاسية المقبلة بتسعة شهور تقريبا، وهو إجراء معتاد يقدم عليه دوما الرّئيس بوتفليقة قبيل الإعداد لمثل هذه الاِستحقاقات الاِنتخابية، بالإضافة إلى أنّها جاءت في وقت تواجه فيه البلاد تحدّيات أمنية متعلّقة بمكافحة الإرهاب والتّهريب وتجارة الأسلحة.

بينما رأى فريق آخر أنّ هذه التّغييرات الجماعية غير عادية منذ عام 2004، خاصّة أنّها مسّت قادة من الصفّ الأوّل، حيث طالت رؤساء المناطق العسكرية الهامّة، وبعضهم معروف عنه كفاءته مثل اللّواء مفتاح صواب (رئيس المنطقة العسكرية السّادسة) في مجال مكافحة الإرهاب، كما أنّ هذه التّغييرات تؤكّد حقيقة الدّور السّياسي للمؤسّسة العسكرية.

وستظلّ المؤسّسة العسكرية هي الدّاعم الأوّل للرّئيس الحالي، والمؤثّر الرّئيس في مجمل تطوّرات التّفاعلات السّياسية بالبلاد، هذا بالإضافة إلى الدّعم الفرنسي الواضح لبوتفليقة، وهو ما يرجّح الاِتّجاه إلى مساعدته في تولّي فترة رئاسية خامسة حفاظا على اِستقرار البلاد من ناحية، والعلاقات الفرنسية الجزائرية من ناحية أخرى.




فرنسا تسعى لتطوير تعليم اللّغة العربية في المدارس الفرنسية

أكّد وزير التّعليم الفرنسي، جان ميشيل بلانكر، إنّه يسعى لتطوير تعليم اللّغة العربية في المدارس الفرنسية، وذلك من خلال اِتّباع اِستراتيجية نوعية جديدة تعطي لهذه اللّغة حقّها كواحدة من كبرى اللّغات وأكثرها تحدّثا في العالم وفي فرنسا.

وقال بلانكر في مقابلة على BFMTV: “اللّغة العربية لغة هامّة ويجب أن يتمّ تعلّمها ليس فقط من قبل الأشخاص ذوي الأصول المغاربية أو البلدان النّاطقة بالعربية”.

وجاء كلام الوزير ردّا على توصيّات مركز الأبحاث اللّيبرالي “l’institut Montaigne ” الّذي أكّد في تقرير نشره مؤخّرا ضرورة إفساح المجال لتعلّم اللّغة العربية في المدارس بدل المساجد تجنّبا لاِنتشار التطرّف الدّيني وما وصفه “باِنتشار الأسلمة في فرنسا” قدر الإمكان.

وقال الكاتب حكيم القروي في تقرير معهد مونتيني: “نعلم أنّه سيتمّ تعليم اللّغة العربية بناء على نصوص علمانيّة وتاريخية وليس بناء على صورة معيّنة من خلال الدّين”.

وأكّد القروي أنّ الطلاّب لن يتحوّلوا إلى “متخلّفين أو متطرّفين إسلاميين”، لكنّهم سيتعلّمون العربية بشكل يتماشى مع قيم بلدانهم الّتي يبقى اِحترامها محفوظا في فرنسا.

وتمّ الاِعتراف باللّغة العربية كلغة من لغات فرنسا منذ 1999. حيث تحتلّ المركز الخامس في فرنسا والرّابع في العالم كأكثر اللّغات تحدّثا. وتحتلّ كذلك المركز السّادس بين اللّغات الرّسمية في الأمم المتّحدة.

واِنخفض في السّنوات الأخيرة أعداد الطلاّب الّذين يتعلّمون اللّغة العربية في المدارس الفرنسية (600 طالب في الاِبتدائية و14000 في المتوسّطة والثّانوية فقط). وهو عدد أقلّ بضعفين ممّا كان عليه قبل عشر سنوات. وفي نفس الوقت، اِزداد عدد الطلاّب الّذين يقصدون المساجد لتعلّم اللّغة العربية أكثر من عشرة أضعاف.




كتاب جديد يصف الفوضى في الفرع التّنفيذي للمؤسّسة الحاكمة في الولايات المتّحدة بأنّها تصل إلى حدّ “الاِنقلاب الإداري” و”الاِنهيار العصبي”

“الرّئيس الأميركي، دونالد ترامب، كان يريد اِغتيال الرّئيس السّوري بشّار الأسد العام الماضي لكنّ‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬وزير دفاعه تجاهل الطّلب”، هذا ما ذكره كتاب جديد، سيصدر الأسبوع المقبل.

ويصوّر الكتاب الّذي جاء بعنوان “خوف” كبار معاوني ترامب على أنّهم لا يأبهون أحيانا بتعليماته للحدّ ممّا يرون فيه سلوكا مدمّرا وخطيرا لدى الرّئيس.

فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست، أمس الثّلاثاء، مقتطفات من الكتاب الّذي أعدّه الكاتب الشّهير بوب وودورد، مفجّر فضيحة ووترغيت. و”خوف”، الّذي لم يصدر بعد، هو أحدث كتاب يعرض تفاصيل التوتّر داخل البيت الأبيض في ظلّ رئاسة ترامب الّتي بدأت قبل 20 شهرا.

وفي أوّل ردّ له على ذلك، قال ترامب على تويتر إنّ الاِقتباسات الواردة في الكتاب والمنسوبة إلى وزير الدّفاع، جيمس ماتيس، وكبير موظّفي البيت الأبيض، جون كيلي، وآخرين هي “حيل مختلقة، خداع للجمهور” مضيفا أنّ الإثنين دحضا ما جاء في الكتاب.

وكان وزير الدّفاع، ماتيس، وكبير موظّفي البيت الأبيض، جون كيلي، قد علّقا على ما ورد في الكتاب من أخبار عنهما، وقام ترامب بنشر تعليقهما على حسابه على تويتر.

فقد نفى جون كيلي ما جاء في “خوف” عن وصفه للرّئيس الأميركي “بالغبيّ”، واصفا الكتاب بالمحاولة “المزرية لتشويه سمعة المقرّبين من الرّئيس ولصرف الاِنتباه عن النّجاحات الّتي حقّقتها الإدارة”.

ورفض ماتيس الكتاب، في بيان له أمس الثّلاثاء، واصفا إيّاه بـ”صنفا فريدا من أعمال واشنطن الأدبيّة”. وقال بشأن كلمات الاِزدراء من ترامب الّتي نسبت إليه “لم أنطقها قطّ أو لم تُنطق في وجودي”.

ويصوّر الكتاب ترامب على أنّه سريع الدّخول في نوبات غضب، يتفوّه خلالها بعبارات بذيئة. ويضيف أنّه مندفع في اِتّخاذ القرارات، راسما صورة للفوضى الّتي يقول وودورد إنّها تصل إلى حدّ “الاِنقلاب الإداري” و”الاِنهيار العصبي” في الفرع التّنفيذي للمؤسّسة الحاكمة في الولايات المتّحدة الأميركية.

ويقول الكتاب إنّ ترامب أبلغ وزير دفاعه أنّه يريد اِغتيال الأسد بعدما وجّه الاِتّهام إلى حكومة دمشق بشنّ هجوم بالسّلاح الكيميائي على المدنيّين في أفريل 2017. وأبلغ ماتيس ترامب بأنّه “سيفعل ذلك على الفور”، لكنّه أعدّ بدلا من ذلك خطّة لتوجيه ضربة جوّية محدودة لم تهدّد الأسد شخصيّا.

ويشير الكتاب إلى أنّ ماتيس أبلغ معاونيه بعد واقعة منفصلة بأنّ ترامب تصرّف مثل “تلميذ في الصفّ الخامس أو السّادس”.

وردّ البيت الأبيض جاء على لسان المتحدّثة باِسمه، سارة ساندرز، بقولها إنّ الكتاب ليس سوى “قصص مختلقة، الكثير منها أدلى بها موظّفون سابقون ساخطون، بهدف إظهار الرّئيس في صورة سيّئة”.

وشكّكت نيكي هيلي سفيرة الولايات المتّحدة لدى الأمم المتّحدة في الرّواية الخاصّة بالأسد. وقالت للصّحفيين، أمس الثّلاثاء، “أتمتّع بكوني مطّلعة على مثل تلك المحادثات… ولم أسمع قطّ الرّئيس يتحدّث عن اِغتيال الأسد”.




بلومبيرغ لاِبن سلمان: لو كنت ذكيّا لأوقفت هذا المشروع “نيوم”…

خلصت صحيفة “بلومبيرغ” الشّهيرة، في تحليلها الأخير عن مخالفة اِبن سلمان الطّريق الصّحيح للإصلاح الاِقتصادي والاِجتماعي المطلوب في المملكة والّذي يدّعي الأمير الشابّ أنّه يسعى إلى تحقيقه، إلى خطل سياسات وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان، وإلى تسرّعه في اِتّخاذ قرارات خطيرة وغير مدروسة، وذلك إثر تعليق طرح أسهم شركة النّفط السّعودية- أرامكو- إلى أجل غير مسمّى.

وينصح كاتب التّحليل “بوبي غوش” اِبن سلمان، بطريقة كمن يتحدّث إلى تلميذ صغير لا يعي ما يفعل، قائلا: “لا يمكن أن تبدأ الإصلاح بأكبر شركة نفط في العالم يبلغ حجمها تريليوني دولار، اِبدأ بمشروعات صغيرة (مثل خصخصة المطارات) ومبادرات واقعيّة كتقليل دور الحكومة في الاِقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاصّ، وإعمال مبدأ الشّفافية حول كيفيّة توزيع عائدات النّفط”.

ويواصل غوش نصحه لاِبن سلمان قائلا له: “لا يمكن أن تتحدّث عن منح النّساء فرصا للمشاركة في الحياة اِقتصاديا واِجتماعيا وتعتقل النّاشطات، ولا يمكن أن تلغي الدّعم عن السّلع الرّئيسة، وتفرض مزيدا من الضّرائب، وتلغي العلاوات والزّيادات في مرتّبات موظّفي القطاع العامّ، ولا يمكن أن تتحدّث عن نجاحات مشروعاتك بالخارج ولم تحقّق أيّ نجاح بالدّاخل”.

غير أنّ الصّفعة الكبرى الّتي يوجّهها غوش إلى اِبن سلمان بسبب خطل سياساته وحياده عن الطّريق القويم هي مشروع “نيوم” في شمال غرب السّعودية، ويضيف بالنصّ ”لو كنت ذكيّا يا محمّد بن سلمان لأوقفت هذا المشروع لأنّ الـ 500 مليار دولار من الأفضل صرفها في مبادرات تنمية القطاع الخاصّ”. ويشير إلى أنّ ذلك يؤدّي إلى تنويع الاِقتصاد بعيدا عن الاِعتماد غير الصحّي على النّفط.

ويحذّر (الأستاذُ) اِبنَ سلمان من أنّ هذه التصرّفات الخاطئة بجانب قطع العلاقات مع كندا تجعل المستثمرين يحجمون عن الاِستثمار في السّعودية، ويحثّه على السّيطرة على تسرّعه واِندفاعه لتنفيذ مشروعات كبيرة في وقت قصير- مثل بيع أرامكو- لترسيخ سيطرته على البلاد، ويقول له “من الأفضل لك أن ترسّخ حكمك بناءً على ثقة النّاس في تصرّفاتك”.

غير أنّ كاتب بولمبيرغ يشكّك في اِستماع اِبن سلمان إلى نصحه عندما يقول إنّ بعض التصرّفات قد تكون مقبولة عندما تأتي من شخص يبلغ من العمر 32 عاما فقط، سيطر على الأمور بحكم الواقع، ويريد أن يبيّن أنّ بإمكانه أن ينجح، وبسرعة، فيما فشل فيه الآخرون.

للاِطّلاع على المقال في نسخته الأصليّة، اُنقر هنا: https://www.bloomberg.com/view/articles/2018-08-28/saudi-prince-salman-should-be-more-practical-about-reform

 




“الإيكونيميست”: على قادة العالم أن ينصحوا بن سلمان بأن يتوقّف عن إلحاق الأذى ببلده وسمعته

أخطر ما جاء في المقال الأخير لأكثر إصدارات العالم رصانة “الإيكونيميست” ليس الوصف الّذي أطلقته على وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان بأنّه متهوّر ويهدم في السّعودية، فهذا أصبح معروفا للكافّة! لكنّ الأخطر هو ما أشار إليه المقال في فقرته الأخيرة وهي أنّ على قادة العالم أن ينصحوا بن سلمان بأن يتوقّف عن إلحاق الأذى ببلده وسمعته وإن لم يستمع إليهم فعليهم أن يتوقّفوا عن بيع الأسلحة إليه.

“الإيكونيميست” تعلم تماما أنّ حلفاء بن سلمان بدأوا يتململون من تصرّفاته ويواجهون ضغوطا شعبية شديدة بسبب قتل الأطفال وقصف المدنيّين في اليمن بلا هوادة والّذي يصفه بن سلمان بلا حياء على أنّه عمل “قانوني” و“مشروع”!

وشدّدت “الإيكونيميست” في مقالها الأخير على أنّ ابن سلمان يسهم في عدم اِستقرار الشّرق الأوسط بأكمله لأهمّية المملكة العربية السّعودية للعالمين العربي والإسلامي وقالت إنّه الحقّ العار بحلفائه بعد دخول حرب اليمن عامها الرّابع ولم تحقّق إلّا الدّمار وقصف المدنيّين وقتل الطلاّب.

وحذّرت “الإيكونيميست” وليّ العهد السّعودي من أنّ المستثمرين لن يقدموا على الاِستثمار في السّعودية لأنّ رجال الأعمال لا يرهنون أموالهم لنزوات شخص لا يمكن الوثوق في تصرّفاته.

وضربت المجلّة مثلا لذلك بالحصار الّذي فرضه على قطر وقالت إنّه أدخل المنطقة كلّها في أزمة غير ضرورية وعقّد الأمور السّياسية والاِقتصادية فيها بجانب إلقاء القبض على رجال الأعمال بصورة لا تخضع إلى أيّ أسس أو إجراءات قانونية.

أمّا الأزمة مع كندا فقد وصفتها “الإيكونيميست” بـ”الحماقة” الّتي أضرّت بالسّعودية وشوّهت سمعتها وصورتها بأنّها مكان غير مستقرّ وغير مناسب لخلق علاقات اِقتصادية وسياسيّة متينة.

وذكّرت المجلّة بأنّ الصّادرات الكندية إلى السّعودية لا تتجاوز 2% بينما ألحق قرار قطع العلاقات “المتهوّر” الضرر بالطلاّب والمرضى السّعوديين في كندا الّذين وجدوا أنفسهم فجأة في حاجة عاجلة للتّعافي أو إكمال الدّراسة في مكان آخر.

وقالت المجلّة إنّه كان على ابن سلمان تجاهل “تغريدة” وزيرة الخارجية الكندية على موقع “تويتر” الّتي تنتقد فيها اِعتقال النّاشطات السّعوديات دون محاكمات.

وقلّلت”الإيكونيميست” من أهمّية الحديث عن إصلاحات مثل السّماح للمرأة بالقيادة بينما يعتقل اِبن سلمان النّاشطات اللاّتي سعين إلى ذلك. وشدّدت على أنّ جميع هذه الحملات ضدّ حقوق الإنسان لا داعي لها وتشوّه سمعة السّعودية ولا تخدم أيّ غرض.
عندما تصف “الإيكونيميست” اِبن سلمان بأنّه متهوّر ويهدم في السّعودية ويشوّه سمعتها ويصوّرها بأنّها غير صالحة للاِستثمار ويعمل على عدم اِستقرار المنطقة وإحراج حلفائه فهذا يعني أنّ الوضع خطير وأصبح خارج السّيطرة وأنّ القادم أسوأ لأنّ مثل هذه المقالات تعبّر فعلا عن وجهات النّظر لقطاع واسع من متّخذي القرار ورجال الأعمال في العالم.




تداعيات تصاعد التوتّر مع واشنطن على الاِقتصاد التّركي

اِتّسع نطاق التوتّر بين تركيا والولايات المتّحدة الأمريكية مؤخّرا بالتّزامن مع فرض الإدارة الأمريكية عقوبات على وزيرين تركيّين بسبب سجن القسّ الأمريكي آندرو برونسون، وهو ما سوف يقوّض، على أقلّ تقدير، من الثّقة الدّولية في الاِقتصاد التّركي. وقد تتكبّد تركيا خسائر اِقتصادية أكبر في حالة ما إذا اِتّجهت السّلطات الأمريكية نحو رفع مستوى العقوبات المفروضة عليها، كما تعهّد الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب في حالة عدم إطلاق سراح برونسون. وتحت وطأة التّهديدات الأمريكية، سوف تضطرّ تركيا، على الأرجح، للرّضوخ للمطالب الأمريكية، لا سيما في وقت يعاني فيه الاِقتصاد من صعوبات عديدة لعلّ أبرزها اِستمرار تدهور اللّيرة أمام العملات الصّعبة.

مؤشّرات مختلفة:

شهدت العلاقات التّركية- الأمريكية توتّرا شديدا في الآونة الأخيرة، على نحو اِنعكس في عدّة مؤشّرات يتمثّل أبرزها في:

     1- عقوبات جديدة: صعّدت الولايات المتّحدة الأمريكية من ضغوطها على تركيا مؤخّرا للإفراج عن القسّ آندرو برونسون، حيث اِتّجهت الإدارة الأمريكية، في أوّل أوت الجاري، إلى فرض عقوبات على وزيرى العدل والدّاخلية التركيّين عبد الحميد غول وسليمان سويلو، بعد اِتّهامهما بالمساعدة في اِعتقاله.

ومن المتوقّع، حسب عدّة ترجيحات، أن تمتدّ العقوبات لتطال كيانات وشركات تركية أخرى، لا سيما في ظلّ دعم الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشديد العقوبات على تركيا إذا لم تطلق سراح القسّ، وسبق أن اِتّبعت الإدارة الأمريكية النّهج نفسه، في فيفري الماضي، بعدما أعلنت تركيا عن نيّتها شراء نظام الدّفاع الصّاروخي الرّوسي S400.

     2- سجن مسؤولين أتراك: مثّلت قضيّة اِتّهام بنك خلق التّركي بمساعدة إيران في خرق العقوبات الأمريكية عام 2012 أحد أسباب التوتّر القائمة بين واشنطن وأنقرة، خاصّة مع قيام السّلطات القضائية الأمريكية، في أفريل 2018، بالحكم على النّائب السّابق لرئيس البنك محمّد هاكان أتيلا بالسّجن لمدّة 32 شهرا بعد اِتّهامه بخرق عقوبات واشنطن على إيران والاِحتيال المصرفي والمشاركة في خداع الولايات المتّحدة الأمريكية. ومن المحتمل أيضا أن تقدم السّلطات الأمريكية على توقيع غرامة بمليارات الدّولار على البنك التّركي ما إذا تصاعد التوتّر بين البلدين في الفترة المقبلة.

     3- رفض العقوبات على إيران: تصرّ أنقرة على مواصلة اِستيراد النّفط والغاز من إيران رغم تطبيق العقوبات الأمريكية على الأخيرة، في 7 أوت الجاري، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية التّركي مولود تشاويش أوغلو بقوله أنّ تركيا تعارض العقوبات الأمريكية على إيران وليست ملزمة بتطبيقها، في الوقت الّذي أكّد فيه وزير الطّاقة التّركي فاتح دونميز مواصلة تركيا شراء الغاز الطّبيعي من إيران. ولتركيا مصلحة واضحة في اِستمرار واردات الطّاقة من إيران تتمثّل في القرب الجغرافي من الأخيرة، وجاذبيّة أسعار النّفط والغاز الإيراني فضلا عن جودته.

     4- حرب تجارية متبادلة: تعدّ العلاقات التّجارية بين تركيا والولايات المتّحدة الأمريكية أحد المتغيّرات الأخرى الّتي ساهمت في توتّر العلاقات بين البلدين، وهو ما يتزامن مع اِتّجاه الإدارة الأمريكية، في مارس الماضي، إلى زيادة الحمائية التّجارية وفرض تعريفات جمركية بـ25% على واردات الصّلب و10% على واردات الألومنيوم من دول العالم وبينها تركيا، على نحو دفع الأخيرة للردّ بفرض رسوم جمركية بقيمة 267 مليون دولار على قائمة من السّلع الأمريكية في جوان الماضي. ونتيجة لذلك، أعلنت الإدارة الأمريكية عن اِتّجاهها لمراجعة الإعفاءات المقدّمة لتركيا من الرّسوم الجمركية على بعض السّلع، وهى خطوة قد تضرّ بصادرات تركية إلى السّوق الأمريكية بقيمة 1.7  مليار دولار.

     5- خلافات سياسية حول الأكراد: لا زال الدّعم الأمريكي المستمرّ للفصائل العسكرية الكردية في سوريا وأبرزها “قوّات حماية الشّعب” أحد الخلافات الأساسية بين البلدين، إذ يثير هذا الدّعم مخاوف تركيا بشدّة خشية أن يزيد من القوّة العسكرية للأكراد عموما في المنطقة بما فيها “حزب العمّال الكردستاني” في شمال شرق تركيا، وهو ما قد يهدّد الأوضاع الأمنية والسّياسية.

تأثيرات محتملة:

تتزامن التوتّرات التّركية- الأمريكية مع تراجع ملحوظ للاِقتصاد التّركي، وهو ما أثار شكوك ومخاوف المستثمرين من اِحتمال تنفيذ الرّئيس رجب طيب أردوغان تعهّداته بإخضاع المؤسّسات الاِقتصادية، ومن بينها البنك المركزي، لسلطته خاصّة مع اِنتقاداته المستمرّة لإصرار البنك على رفع أسعار الفائدة.

ونتيجة لذلك، تكبّدت اللّيرة خسائر كبيرة تقدّر بأكثر من ربع قيمتها منذ بداية العام الجاري وحتّى الآن، مسجّلة أدنى مستوى لها على الإطلاق في 6 أوت الجاري عند مستوى 5.4 ليرة للدّولار الواحد، وهو أكبر اِنخفاض في جلسة واحدة في نحو عشر سنوات، وهو ما دفع المؤسّسات الدّولية للتّحذير من اِحتمال اِرتفاع مستوى  التضخّم أكثر من المستويات القائمة والبالغة 15.8% في جويلية الماضي، في الوقت الّذي حذّر فيه بنك الاِستثمار جولدمان ساكس من أنّ مزيدا من التّراجع سوف يؤدّي إلى اِنخفاض القاعدة الرّأسمالية للبنوك التّركية.

وعلى أقلّ تقدير، سوف يؤدّي التوتّر الحالي إلى تقويض الثّقة الدّولية في الاِقتصاد التّركي، وربّما تتزايد خسائره إذا ما نفّذ ترامب تعهّداته بتشديد العقوبات على تركيا. وهناك من المؤشّرات الدّالة على جدّية الإدارة الأمريكية في مواصلة هذا الاِتّجاه، حيث وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشّيوخ، في 26 جويلية الماضي، على مشروع قانون يلزم الولايات المتّحدة الأمريكية بمعارضة منح أيّ قروض لتركيا من جانب المؤسّسات الدّولية مثل مؤسّسة التّمويل الدّولية التّابعة للبنك الدّولي.

وبحسب ترجيحات عديدة، قد تتّجه الإدارة الأمريكية أيضا إلى إعداد قائمة من شخصيّات وشركات تركية لفرض عقوبات عليها، وذلك على غرار العقوبات الأمريكية المفروضة على مؤسّسات وشركات وشخصيات روسية. وفي ظلّ هذا التّصعيد المحتمل، من المحتمل ألاّ تقتصر خسائر الاِقتصاد التّركي على تراجع العلاقات الاِستثمارية والتّجارية مع واشنطن، إذ قد تتعثّر العديد من الشّركات التّركية وتتراجع قدرتها على الاِقتراض دوليّا، بجانب اِضطراب الأسواق المالية التّركية واِنخفاض عملتها بشدّة في الفترة المقبلة.

محاولات الاِحتواء:

في العادة، اِسّتمرت المصالح الاِقتصادية بين الطّرفين بوتيرة قويّة في الماضي، على الرّغم من توتّر العلاقات السّياسية بينهما بين فترة وأخرى، وهو ما يفسّر تخطّي حجم الاِستثمارات الأمريكية بالسّوق التّركية أكثر من 110 مليار دولار خلال الفترة من (2000- 2017)، بجانب وصول المبادلات التّجارية بين الطّرفين إلى 20.5 مليار دولار. وعلى الجانب السّياسي، قد لا تكون لدى الإدارة الأمريكية رغبة في دفع تركيا للاِقتراب أكثر من روسيا.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية على اِستعداد لتقليص شراكتها مع تركيا بسبب أزمة القسّ، لا يبدو أنّ تركيا لديها اِستعداد لخسارة الدّعم الأمريكي لها على المستوى الاِقتصادي على أقلّ تقدير، وهو ما دفع وزيرة التّجارة التّركية روهصار بيكجان مؤخّرا إلى تأكيد أنّه لا ينبغي أن يسمح الجانبان التّركي والأمريكي لأزمة ليست لها أرضيّة اِقتصادية بأن تعيق التّعاون الاِقتصادي بين البلدين. وجاء ذلك على هامش لقائها مع ممثّلي 30 شركة أمريكية خلال الاِجتماع التّشاوري للعلاقات الاِقتصادية التّركية- الأمريكية.

كما تدرك تركيا جيّدا أنّ تشديد العقوبات الأمريكية عليها يفرض أضرارا اِقتصادية كبيرة في الفترة المقبلة، وهو ما دفعها لإرسال وفد من وزارة الخارجية مؤخّرا إلى واشنطن لبحث قضية القسّ. وفي نهاية المطاف، ربّما يضطرّ أردوغان إلى التوصّل لاِتّفاق مع الولايات المتّحدة الأمريكية لإطلاق سراح برونسون مقابل الحصول على إعفاء من العقوبات الأمريكية، وذلك على غرار اِتّفاق ضمني توصّل إليه مع ألمانيا في الأشهر الماضية للإفراج عن الصّحفي الألماني دينيز يوجيل مقابل تطبيع العلاقات الاِقتصادية مع دول الاِتّحاد الأوروبي.

وختاما، يمكن القول إنّ تركيا سوف تتّجه، على الأرجح، نحو اِحتواء تأزّم علاقاتها السّياسية مع الولايات المتّحدة الأمريكية، تجنّبا لتعرّض الاِقتصاد إلى مزيد من الخسائر خلال الفترة المقبلة.