الدّيمقراطيون وتأثيرهم المرتقب على السّياسة الخارجية الأمريكية في 2019

أدّى فقدانُ الرّئيس “ترامب” الأغلبيةَ الجمهورية في مجلس النوّاب الأمريكي إلى تغيّرٍ جوهريٍّ في معادلات التّوازن الحاكمة للعلاقة بين مؤسّسة الرّئاسة والسّلطة التّشريعية. فعلى الرّغم من مركزيّة مكانة الرّئيس الأمريكي في عمليّة صنع وتنفيذ السّياسة الخارجية، فإنّ الأغلبية الدّيمقراطية بمجلس النوّاب بات لديها من الأدوات التّشريعية والرّقابية ما يُمكّنها من تحجيم سياسات “ترامب” المثيرة للجدل على المستوي الخارجي، وهو ما سيؤدّي إلى تصاعد تأثير الاِستقطاب والاِنقسامات الدّاخلية على السّياسة الخارجية الأمريكية في عام 2019.

مسارات التغيّر والاِستمرارية: 

يؤكّد البعض أنّ السّياسة الخارجية الأمريكية سوف تشهد تحوّلا جذريّا في عام 2019 بسبب تغيّر تركيبة الكونجرس الأمريكي. غير أنّ فريقا آخر يذهب للتّأكيد على أنّ طبيعة النّظام السّياسي الأمريكي تساعد على تعزيز سلطات مجلس النوّاب فيما يتعلّق بملفّات السّياسة الدّاخلية، بينما يسيطر الرّئيس ومستشاروه على ملفّات السّياسة الخارجية، وهو ما يعني أنّ الحزب الدّيمقراطي قد يميل للتّركيز على ملفّات السّياسة الدّاخلية، مثل: قوانين الضّمان الاِجتماعي الّتي ألغاها “ترامب”، والضّرائب، وذلك اِستعدادا لاِنتخابات 2020.

ويرى أنصار هذا الرّأي أنّ “ترامب” سوف يميل إلى اِستغلال صلاحيّاته الواسعة فيما يتعلّق بتنفيذ السّياسة الخارجية ليترك بصمة خاصّة فيما يتّصل بالمباحثات الجارية مع كوريا الشّمالية بغرض التوصّل إلى صفقة، وكذلك لتجنّب الاِنخراط المتزايد في السّياسة الدّاخلية الّتي يُمكن أن تبدو معطّلة؛ حيث يتطلّب إنجازها توافقا مع الدّيمقراطيين، وقدرة كبيرة على المساومة، وهو ما لم ينجح فيه “ترامب” طوال العامين الماضيين، ولكن قد يجبره الوضع الجديد على التّعاون مع الدّيمقراطيين لإنجاز سياساته الدّاخلية المتعلّقة بالاِقتصاد وخلق الوظائف لكسب ثقة الطّبقات الرّيفية الّتي تُعدّ ضمن كتلته الصّلبة الّتي يعوّل عليها في اِنتخابات 2020. وعلى الرّغم من صحّة هذا الرّأي في بعض جوانبه، إلاّ أنّ السّياق الحالي قد يُمكّن الدّيمقراطيين من التّأثير بعض الشّيء على مسار السّياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما يتخوّف منه “ترامب”، فعلى سبيل المثال قام “ترامب” بعد إعلان نتائج الاِنتخابات بإقالة وزير العدل “جيف سيشنز” الّذي رفض طلبا سابقا لـ”ترامب” بوقف التّحقيقات في قضيّة التّواطؤ بين حملة “ترامب” وروسيا، وتعيين وكيل وزارة العدل “ماثيو ويتاكر” الموالي له، والمُعارض لما تسير فيه تحقيقات “لجنة مولر”.

فعلى الرّغم من اِطمئنان “ترامب” إلى الأغلبيّة الجمهورية في مجلس الشّيوخ، والّتي ستعارض أيّ تحرّك من مجلس النوّاب لعزله؛ إلاّ أنّ ذلك لم يُقلّل من تخوّفاته بشأن ما قد تنتهي إليه تحقيقات “مولر”، وهو ما كان واضحا في قراره بإقالة وزير العدل. وقد يقوم الدّيمقراطيون بتوظيف ورقة التدخّل الرّوسي في الاِنتخابات للضّغط على إدارة “ترامب”.

أدوات التّحجيم:

قد تلجأ الأغلبية الدّيمقراطية في مجلس النوّاب إلى اِستخدام صلاحيّاتها البرلمانية، مثل: الأداة التّشريعية، والمساءلة والرّقابة، وجلسات الاِستماع؛ لممارسة الضّغوط على إدارة “ترامب” بهدف إجباره على التّنسيق والتّوافق معهم حول قضايا السّياسة الخارجية محلّ الخلاف، ويمكن الإشارة إلى هذه الأدوات فيما يلي:

1- الاِعتمادات المالية: يستطيع الكونجرس الأمريكي الضّغط على الرّئيس الأمريكي عن طريق إيقاف الاِعتمادات المالية اللاّزمة لتنفيذ مشروعات “ترامب”، مثل: إقامة جدار على الحدود مع المكسيك، وتطوير التّرسانة النّووية الأمريكية، بالإضافة إلى أنّه قد يقلّص المعونة الأجنبيّة الّتي تقدّمها الولايات المتّحدة لبعض الدّول، أو يقوم بوضع مجموعة من الشّروط الإضافية عليها.

2- إجراءات العزل: ينتظر الدّيمقراطيون نتائج التّحقيقات الّتي يُمكن أن تُفضي إليها لجنة “مولر” حول التّعاون بين حملة “ترامب” وروسيا خاصّة بعد توصّلها مؤخّرا إلى إدانة “بول مانافورت” مدير حملة “ترامب”، وعلى الرّغم من تأكيد “نانسي بيلوسي” المرشّحة الدّيمقراطية لرئاسة مجلس النوّاب على عدم رغبتها في تفعيل قانون المساءلة للبدء في إجراءات عزل الرّئيس، إلاّ أنّ هذا الإجراء ما زال محتملا، خاصّة في ضوء ما يُمكن أن تُفضي إليه نتائج تحقيقات لجنة “مولر” إضافة إلى حالة العداء المتصاعدة بين الحزب الدّيمقراطي تجاه “ترامب”. وتُمكِّن الأغلبية الّتي حصل عليها الحزب الدّيمقراطي في مجلس النوّاب من البدء في إجراءات العزل الّتي تتطلّب أغلبية بسيطة (50%+1). ورغم عدم جدواها بسبب الأغلبيّة الجمهورية في مجلس الشّيوخ إلاّ أنّه قد يتمّ اللّجوء إليها للضّغط على “ترامب” والتغلّب عليه في اِنتخابات 2020.

3- جلسات الاِستماع: يُمكن أن تلجأ الأغلبية الدّيمقراطية في مجلس النوّاب إلى تفعيل أداة الاِستدعاء للاستماع لشهادات مسؤولي الإدارات الحكومية للتّحقيق في قضايا التهرّب الضّريبي للرّئيس “ترامب”، والتدخّل الرّوسي في الاِنتخابات، بالإضافة إلى رغبتهم في التوصّل إلى معلومات حول ما تمّ في اللّقاء الّذي جمع بين “ترامب” والرّئيس الرّوسي “فلاديمير بوتين” في جويلية 2018 بالعاصمة الفنلندية هلسنكي، وكذلك المفاوضات الّتي تُجريها إدارة “ترامب” مع كوريا الشّمالية فيما يتّصل بمشروعها النّووي.

قضايا السّياسة الخارجية:

من المتوقّع أن يهتمّ الكونجرس في تشكليته الجديدة بعدد من القضايا في عام 2019، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:

1- الحروب التّجارية: من المتوقّع ألاّ يشهد ملفّ الحروب التّجارية والسّياسات الحمائية خلافا كبيرا بين الجمهوريين والدّيمقراطيين في مجلس النوّاب، لا سيما وأنّ هناك اِنقساما داخل الحزب الدّيمقراطي حول هذا الملفّ. وعلى الرّغم من ذلك، ستعمل الأغلبية الدّيمقراطية على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الصّين باِعتبارها شريكا اِستراتيجيّا في الحوار مع كوريا الشّمالية، بالإضافة إلى تبنّيهم قوانين تتيح لهم الحفاظ على العلاقات مع الحلفاء مثل اليابان والاِتّحاد الأوروبي.

2- العقوبات على روسيا: يتشدّد الدّيمقراطيون في العلاقة مع روسيا؛ إذ يرى النّائب الدّيمقراطي “ليوت إنجل”- والّذي من المتوقّع أن يرأس لجنة الشّؤون الخارجية في مجلس النوّاب- أنّ تدخل روسيا في الاِنتخابات الرّئاسية لا يُمكن أن يمرّ دون محاسبة. وسيعمل الدّيمقراطيون على زيادة العقوبات المفروضة على روسيا خاصّة في ضوء التّصعيد الأخير الّذي تشهده الحدود الأوكرانية الرّوسية، وتصاعد الاِنخراط الرّوسي في سوريا. وعلى الرّغم من تصديق “ترامب” على العقوبات المفروضة على روسيا، إلاّ أنّ الدّيمقراطيين لا يزال لديهم شكّ في علاقة “ترامب” مع روسيا.

3- كوريا الشّمالية: على الرّغم من تأكيد الدّيمقراطيين على ضرورة الحوار مع كوريا الشّمالية، إلاّ أنّهم يشكّكون في قدرة إدارة “ترامب” على التّفاوض، مُبدين تخوّفهم من هرولة “ترامب” لعقد صفقة نووية قد تكون مجحفة للولايات المتّحدة وحلفائها الآسيويين، وتزداد هذه المخاوف بسبب عدم اِطّلاع أعضاء الكونجرس على التّفاصيل الكاملة حول هذا الملفّ، ومن المتوقّع أن يشهد عام 2019 عقد جلسات اِستماع بمجلس النوّاب للوقوف على ما توصّل له “ترامب” مع كوريا الشّمالية.

4- سياسات الهجرة: من المتوقّع أن يعمل الدّيمقراطيون على كبح جماح “ترامب” فيما يتعلّق بسياسات الهجرة خلال عام 2019 خاصّة بعد زيادة اِنتقاداتهم لسياسة الرّئيس الأمريكي في التّعامل مع قافلة المهاجرين القادمة من أمريكا الوسطى على الحدود الأمريكية المكسيكية. وفي السّياق ذاته، سيعمل “ترامب” خلال عام 2019 للحصول على موافقة مجلس النوّاب على المخصّصات المالية اللاّزمة لبناء الجدار الّذي يرغب في بنائه على طول الحدود الأمريكية المكسيكية، وهو ما قد ترفضه الأغلبيّة الدّيمقراطية الّتي تبدو أقلّ تشدّدا فيما يرتبط بملفّ الهجرة واللّجوء.

5- الاِتّفاق النّووي الإيراني: على الرّغم من معارضة الدّيمقراطيين لنهج “ترامب” المتشدّد تجاه طهران، إلاّ أنّهم لا يُمكنهم إلغاء العقوبات المفروضة على طهران. وقد يتدخّل الدّيمقراطيون مستقبلا لمنع فرض مزيد من العقوبات على طهران، بيد أنّ العقوبات الّتي فرضتها واشنطن على طهران ليست فعّالة بعدما قامت الولايات المتّحدة بمنح اِستثناءات واسعة لبعض الدّول الأوروبية والآسيوية المستوردة للنّفط الإيراني من العقوبات.

ختاما، يتوقّع أن يهيمن الاِستقطاب بين الجمهوريّين والدّيمقراطيين بحيث يتعمّد الدّيمقراطيون تعطيل أغلب التّشريعات الّتي يدعّمها “ترامب”، في مقابل تصعيد “ترامب” لخطابه العدائي تجاه الدّيمقراطيين، واِتّهامهم بمحاولة إعاقة تنفيذ تعهّداته للنّاخبين، وستكون “صفقات اللّحظة الأخيرة” هي المسار الحاكم لإدارة التّفاعلات بين الطّرفين في عام 2019.




14 سنة مرّت على اِستشهاده/ بماذا وصف عرفات محمود عباس؟

14 عاما مرّت على اِغتيال الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات، في الوقت الّذي لم يُعرف فيها القاتل بعد، في الوقت الّذي أعلن فيه محمود عبّاس رئيس السّلطة مرارا “أنّه يعرف القاتل”، وفي مرّة أخرى تحدّث أنّه “أمسك بمن دسّ السمّ لعرفات”.

ورغم وعود عبّاس بالكشف عن القتلة، إلاّ أنّه لم يفعل حتّى اللّحظة رغم مرور 14 عاما، لتسجّل قضيّة اِغتيال عرفات كأكبر قضيّة اِغتيال لم تكشف ملابساتها بعد.

وبالتطرّق إلى عبّاس ودوره الرّئيس في الكشف عن قتلة عرفات، ورغم طرح عديد التّساؤلات عن سبب عدم كشفه للقتلة رغم معرفته بهم حتّى اللّحظة، يبرز إلى السّطح، العلاقة بين عبّاس وعرفات سيما في الفترة الأخيرة من حياة عرفات.

صحيفة “هآرتس” العبرية، كانت قد نشرت تقريرا بتاريخ 10- 7- 2003 أي قبل مقتل عرفات بعام، جاء فيه اِتّهام الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات لمحمود عبّاس “رئيس الوزراء الفلسطيني حينها” بـ”خيانة مصالح الشّعب الفلسطيني”.

كان تصريح عرفات بمثابة اِنفجار، وكان ذلك خلال اِجتماع الرّئيس مع مبعوث الأمم المتّحدة تيري لارسن، وفقا لمصدر فلسطيني كان حاضرا.

وقال عرفات حينها “إنّ أبو مازن يخون مصالح الشّعب الفلسطيني”، وأضاف: “إنّه يتصرّف كأنّه لا يعرف ما يقوم به، كيف يجرؤ على الوقوف بجانب علم إسرائيل وإلى جوار رئيس الوزراء الإسرائيلي “أرييل شارون” والتصرّف بودّية مع رجل مع تاريخ معروف لجميع العالم؟”.

وقالت مصادر دبلوماسية إنّ لارسن ردّ بتأكيده على أهمّية دعم العمليّة الّتي بدأها عبّاس والّتي تشمل وقف إطلاق النّار واِستئناف المحادثات الدّبلوماسية.

ويأتي غضب عرفات في أعقاب موجة من الاِنتقادات من جانب مساعديه في اِجتماع اللّجنة المركزية لحركة فتح في تاريخ “5- 7-2003″، اِتّهم مساعدو عرفات عبّاس باِرتكاب تجاوزات تمثّلت بسوء التصرّف في المفاوضات مع “إسرائيل” إلى التّآمر مع “إسرائيل” لإبقاء عرفات تحت الحصار في رام الله.

في اليوم التّالي “يوم الثّلاثاء 6- 7- 2003″، ردّا على هذه الهجمات، اِستقال عبّاس من اللّجنة المركزية وعرض كذلك الاِستقالة من رئاسة الوزراء لأنّ مواقفه غير مقبولة لعرفات وحركة فتح.

وذكرت الصّحيفة أيضا أنّ معظم النّشطاء البارزين في فتح، كانوا يدعمون عرفات ضدّ عبّاس في ذلك الوقت، لكنّ عباس لديه مؤيّدين، وقد وصل الخلاف حينه إلى “شقاق خطير داخل فتح” حيث كان يسعى عبّاس لأخذ صلاحيّات الأمن والمال من عرفات.

وفي الأسبوع الثّاني من ذلك التّاريخ، عقد محمّد دحلان القيادي المفصول من حركة فتح، اِجتماعا مع وزير الجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز آنذاك عند نقطة تفتيش إيريز، وقالت مصادر إسرائيلية إنّ الاِجتماع يهدف إلى “الحفاظ على النّشاط” بدلا من التوصّل إلى اِتّفاقيات ملموسة.

وطلب دحلان من موفاز إطلاق سراح المزيد من السّجناء الفلسطينيين ونقل “القوّات الأمنية” إلى مدينة أخرى من الضفّة الغربية، لكنّ موفاز رفض كلا الطّلبين، قائلا “إنّ على السّلطة الفلسطينية أوّلا الشّروع في نزع سلاح المنظّمات الفلسطينية”.

من جهته، قال بسام أبو شريف مستشار الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات، “نبّهت الرّئيس أنّ هناك مخطّطا لدسّ السمّ لقتله، وأرسلت له رسالة مكتوبة، والرّئيس حوّلها لمن حوله”، مشيرا إلى أنّ هناك جهات “لم يسمّها” محيطة بعرفات حاولت تكذيب رسالتي.

وذكر أبو شريف في حديث خاصّ لوكالة “شهاب” في الذّكرى الـ14 لاِستشهاد عرفات، أنّ صديقا له وصفه بـ “المطّلع جدّا والمتنقّل في واشنطن”، سأله في رسالة “هل هناك أيّ رائحة للتخلّص من عرفات؟”، فأجابني بكلمة واحدة “ثاليوم”، ويتابع أبو شريف: “لم أعرف ماذا قصد حينها لكنّي عند البحث وجدت أنّها مادّة سامّة تنتجها شركة إسرائيلية لا لون ولا رائحة له وتوضع في كلّ شيء”.

ولفت إلى أنّ محمود عبّاس عارض الرّسائل الّتي أرسلتها لعرفات وحذّرته فيها من القتل بالسمّ، وعبّاس قال لعرفات: “أنا لا أثق بتقارير بسّام ولا غير بسّام”، لكنّ أبو شريف أخبر عرفات أنّه لا بدّ من عبّاس أن يأخذ الاِحتياطات فإذا كانت رسالتي صحيحة يمكن درء الخطر وإذا كانت خاطئة فالاِحتياط واجب، فردّ عرفات عليه “نعم هذا صحيح”.

وكشف أبو شريف أنّه اِقترح على عرفات الخروج من المقاطعة خلال حصارها من قوّات الاِحتلال، “لأنّهم يريدونه هدفا ثابتا لأيّ جنديّ إسرائيلي”، لكنّ اِقتراحه قوبل بالرّفض من عبّاس الّذي قال لعرفات: “إذا خرجت فإنّ الإسرائيليّين لن يُرجعوك اِبق هنا ولا تغادر”، ورضخ عرفات لعبّاس، وعلّق أبو شريف بالقول: “هناك من كان يريد إبقاء عرفات هدفا ثابتا للاِحتلال”.

وأوضح مستشار عرفات، التّحقيقات الّتي توصّلت إلى اِغتيال الرّاحل عن طريق “البولونيوم” بـ”المسخرة ومحاولة ذرّ الرّماد في العيون”، مؤكّدا “أنّها تمثّل اِستهتارا بعقل الشّعب الفلسطيني”.

وأشار إلى أنّ محمود عباس أعلن أنّه أمسك الشّخص الّذي دسّ السمّ لعرفات، فمن هو؟ ولماذا لم يفصح عنه؟، قائلا: “هذا اِستهتار وإذا ظنّ أنّ الشّعب الفلسطيني غير واعي وأنّه مجموعة من الخراف فهو مخطئ، والشّعب الفلسطيني يعرف في السّياسة أكثر ممّا يعرفه وزير من وزراء عباس”.

(المصدر : شهاب)




نتائج اِنتخابات التّجديد النّصفي للكونجرس وتأثيرها على الشّرق الأوسط

أثارت نتائج اِنتخابات التّجديد النّصفي للكونجرس الأمريكي الّتي جرت في 6 نوفمبر 2018، جدلا حول اِنعكاساتها على السّياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشّرق الأوسط. إذ أسفرت الاِنتخابات عن سيطرة الحزب الدّيمقراطي على 225 مقعدا بمجلس النوّاب، بما يعادل نسبة 51.7% من المقاعد، في مقابل حصول الحزب الجمهوري على 197 مقعدا. وفي مجلس الشّيوخ اِحتفظ الجمهوريون بأغلبية 51 مقعدا في مقابل حصول الدّيمقراطيين على 44 مقعدا وفقا للنّتائج المعلنة.

وعلى الرغم من التأثيرات المتوقعة للديمقراطيين على السياسة الخارجية الأمريكية في قضايا حقوق الإنسان، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين، وفرض العقوبات على إيران، وتوظيف القوة العسكرية الأمريكية في الإقليم، والعلاقة مع تيارات الإسلام السياسي بالمنطقة؛ إلا أن الأغلبية الديمقراطية بمجلس النواب ستواجه عدة عوائق، يتمثل أهمها في: احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في الكونجرس، والصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي في إدارة السياسة الخارجية، بالإضافة إلى الانقسامات الحادة داخل الحزب الديمقراطي التي ستؤثر على قدرتهم على طرح بدائل متماسكة لسياسات “ترامب”.

ملامح “سياسة الدّيمقراطيين”:

يحتفظ الكونجرس الأمريكي بمجلسيه بعدّة أدوات للتّأثير في مسارات السّياسة الخارجية من خلال إصدار التّشريعات في مجالات، مثل: فرض العقوبات، ومنح المساعدات الخارجية، وإقرار الاِتّفاقيات والمعاهدات، وتحديد ميزانية السّياسة الخارجية والدّفاعية، والموافقة على مبيعات الأسلحة، بالإضافة للرّقابة على تنفيذ السّياسة الخارجية من جانب السّلطة التّنفيذية الّتي يقودها الرّئيس الأمريكي. وفي هذا الإطار، تتمثّل أهمّ قضايا الشّرق الأوسط الّتي قد تتأثّر بوجود أغلبية ديمقراطية في مجلس النوّاب فيما يلي:

1- عودة ملفّ حقوق الإنسان: شغلت قضايا حقوق الإنسان مكانة مركزية في السّياسة الخارجية لإدارة الرّئيس السّابق “باراك أوباما”، وهو ما يرتبط بقيام الدّيمقراطيين في مجلس النوّاب والشّيوخ بطرح مشروعات قوانين لتجميد المساعدات لبعض الدّول اِستنادا إلى حالة حقوق الإنسان.

وجاءت إدارة الرّئيس “دونالد ترامب” على رأس الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الّتي رفعت بعض هذه القيود، خاصّة عن الحلفاء الاِستراتيجيّين للولايات المتّحدة في بعض أقاليم العالم في ظلّ تراجع مكانة حقوق الإنسان في السّياسة الخارجية مقابل التّركيز على المصالح القومية، وهيمنة منطق الصّفقات على سياسة “ترامب”. وفي المقابل قد يؤدّي حصول الدّيمقراطيين على أغلبية مجلس النوّاب إلى إعادة الاِهتمام بملفّ حقوق الإنسان من جديد، وربطها بالمساعدات السّنوية، لا سيما مع فوز عدد من المقرّبين لأوباما بمقاعد في الكونجرس، مثل “توم مالينوسكي” من الحزب الدّيمقراطي بمقعد في الكونجرس الأمريكي عن ولاية نيوجيرسي، والّذي سبق وأن شغل عددا من المناصب الحقوقية، منها أنّه كان عضوا في منظّمة “هيومن رايتس ووتش”، ومساعد وزير الخارجية الأمريكي السّابق لشؤون حقوق الإنسان والعمّال في الفترة من 2014 إلى 2017.

2- الاِنتشار العسكري الأمريكي: يعارض الدّيمقراطيون التّواجد العسكري الأمريكي في اليمن، وقد سبق وأن تقدّم عدد من النوّاب الدّيمقراطيين بمذكّرة للاِعتراض على توسّع عمليات الجيش الأمريكي في اليمن بموجب تفويض “الإذن باِستخدام القوّة العسكرية” Authorization to use Military Force الممنوح للرّئيس الأمريكي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لشنّ عمليات عسكرية دون المرور بالكونجرس للحفاظ على أمن الولايات المتّحدة، ويرى النوّاب الدّيمقراطيون أنّ الوضع في اليمن لا يشكّل خطرا على الأمن القومي الأمريكي، ممّا يجعل القيام بهجمات أمريكية في اليمن تخطّيا للدّستور الأمريكي. وفي هذا الإطار، أكّد النّائب الدّيمقراطي “إليوت إنجل” الّذي من المحتمل أن يترأس لجنة الشّؤون الخارجية في مجلس النوّاب أنّ اللّجنة سوف تدفع نحو إعادة النّظر في التّصريح المخوّل للرّئيس باِستخدام القوّة العسكرية في الخارج، وهو التّصريح الّذي بقي دون نظر منذ 15 عاما.

3- تحجيم العقوبات على إيران: سارع “دونالد ترامب” لتنفيذ أكبر حزمة من العقوبات الممكنة على إيران قبيل اِنتخابات التّجديد النّصفي نظرا لأنّه يعرف بموقف الدّيمقراطيين الأقلّ حدّة بشأن العقوبات، وفي الغالب لن يستطيع الدّيمقراطيون الدّفع بإصدار تشريع في الكونجرس بسحب العقوبات عن إيران، حيث أنّ إصدار تشريع يحتاج توافقا جمهوريّا ديمقراطيّا في الكونجرس، وهو الأمر المستبعد، إلاّ أنّ أكثر ما يمكن أن يقوم به الدّيمقراطيون في هذا الملفّ هو منع “ترامب” من إصدار عقوبات جديدة ضدّ إيران، خصوصا وأنّ الدّيمقراطيين يرون أنّ “ترامب” أهدر جهودهم الّتي بذلوها للوصول للاِتّفاق النّووي في عهد “أوباما”.

ويعزّز من هذا التوجّه رغبة تيّار واسع في الحزب الدّيمقراطي في الحفاظ على العلاقات بين الولايات المتّحدة وأوروبا، والّتي تأثّرت سلبا بسبب العقوبات، حيث يرى العديد من دول أوروبا- وعلى رأسها فرنسا وألمانيا- أنّ العقوبات تضرّ بمصالحهم الاِقتصادية، وفي هذا الإطار أشار وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” في أوت 2018 إلى أنّه يجب إنشاء نظام مالي مستقلّ عن الولايات المتّحدة لإنقاذ الصّفقة النّووية حتّى لا يظلّ مرهونا بنظام “السويفت” الّذي يقع تحت السّيطرة الأمريكية، بالإضافة إلى أنّ وزير المالية الفرنسي “برونو ماير” قد أعلن عن أهمّية اِستحداث آلية مالية مستقلّة لتفادي التّأثيرات السّلبية للعقوبات الأمريكية الّتي تلجأ لها دائما والّتي كان آخرها على إيران.

وسيراقب الدّيمقراطيون أيّ ميزانية يتمّ اِعتمادها في الكونجرس، ومنها ميزانية “مكتب مكافحة الإرهاب والاِستخبارات المالية” المختصّ بمراقبة التّعاملات التّجارية من وإلى إيران، وفي ظلّ التوسّع في بنود العقوبات فإنّ هذا المكتب من المحتمل أن يكون في اِحتياج ما يقدّر بحوالي 160 مليون دولار- حسب بعض المحلّلين- لمتابعة أعماله، وهو الأمر الّذي لن يمرّره الدّيمقراطيون بسهولة.

4- تقييمات متعارضة لسياسات إسرائيل: لا يمكن القول بوجود اِختلاف شاسع في وجهات النّظر بين الدّيمقراطيين والجمهوريين بشأن القضية الفلسطينية، والموقف من إسرائيل، فأوباما- الرّئيس الدّيمقراطي الّذي كان يوصف بأنّه مثالي- لم يأخذ موقفا حادّا من إسرائيل، ولم يتمّ تسجيل اِعتراض من الحزب الدّيمقراطي عندما كان على رأس السّلطة بشأن تمويل منظومة القبّة الحديدية لصالح إسرائيل، إلاّ أنّه من المتوقّع قيام تيّار أقصى اليسار في داخل الحزب بالتّنديد بسياسة الاِستيطان الإسرائيلية، خصوصا في ظلّ وصول عدد معقول من الشبّان إلى مقاعد مجلس النوّاب.

لكن ربّما يهتمّ الدّيمقراطيون بقرار سحب تمويل الأونروا، خصوصا لما يحمله هذا الملفّ من بعد إنساني أكثر منه سياسيّا، وهو ما يمكن أن يشكّل مدخلا جيّدا لبعض النوّاب الدّيمقراطيين الّذين تعهّدوا للنّاخبين بالاِهتمام بالبعد الإنساني أكثر من البعد السّياسي، مثل “رشيدة طليب” الأمريكية من أصل فلسطيني، و”إلهان عمر” النّائبة الدّيمقراطية عن ولاية مينيسوتا. ويمكن القول إنّ إسرائيل سعت لتكثيف تحرّكاتها الخارجية قبل فوز الدّيمقراطيين لأنّهم يدعّمون سياسة “حلّ الدّولتين” لإنهاء الصّراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتحسّبا لسيناريو عدم فوز “ترامب” بفترة رئاسية جديدة في 2020.

5- العلاقة مع جماعات الإسلام السّياسي: دعّمت منظّمة “كير” CAIR (مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية) الّتي ترتبط بعلاقات متينة مع جماعة الإخوان المسلمين الحزب الدّيمقراطي أثناء عمليّات التّصويت، حيث قامت بتوزيع كتيبات في عدّة ولايات أمريكية لتقديم الدّعم للحزب الدّيمقراطي، والمسلمين الّذين يخوضون الاِنتخابات عن الحزب، كما أطلقت المنظّمة هاشتاجا على مواقع التّواصل الاِجتماعي لهذا الغرض تحت عنوان #my_muslim_vote.

وقد يؤدّي فوز الدّيمقراطيين بأغلبية مجلس النوّاب إلى تعطيل أيّ مشروع لإدراج جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي في الولايات المتّحدة، كما قد يعمل على إعادة إحياء لوبي المؤسّسات الإسلامية التّابعة بدورها لتنظيمات مثل الإخوان المسلمين، خاصّة وأنّ هذا اللّوبي يمتلك شبكة من العلاقات بشخصيّات من داخل الحزب الدّيمقراطي.

تحدّيات صعود الدّيمقراطيين:

لا يمكن التوصّل إلى اِستنتاج قاطع بشأن السّياسة الّتي سيتبعها الدّيمقراطيون في المجال الخارجي، إذ يتطلّب الأمر متابعة أدائهم وتوجّهاتهم بالكونجرس للكشف عن مدى قدراتهم على المناورة وملامح السّياسة الخارجية الّتي يفضّلونها. فالدّيمقراطيون لا يحملون مشروعا واضحا في هذا الصّدد، وإنّما يعتمدون على ما يعتبرونه أخطاء لـ”دونالد ترامب”. ويؤكّد هذا التصوّر السّيناتور الجمهوري المعروف “ليندسي جراهام” الّذي صرّح بأنّ “الدّيمقراطيين لا يحسنون التّعامل مع الشّؤون الدّولية، ولا يوجد لديهم تصوّر واضح للسّياسة الخارجية، إنّهم لا يحبّون ترامب، ولكن ما هي الحلول الّتي يطرحونها، سواء في ملفّ أفغانستان، أو ملفّ سوريا، أو ما هي الحلول الّتي يطرحونها للتّعامل مع إيران، هذه أشياء لا يتحدّثون عنها”.

وفي حال تعمّد الدّيمقراطيين عرقلة كافّة قرارات الرّئيس “دونالد ترامب” فإنّ هذا قد ينعكس بشكل إيجابي على الرّئيس نفسه، حيث سيقوم بالتّرويج لهذا الأمر، وأنّ هناك جهة تعيق تنفيذ سياساته، ممّا سيخلق حالة من التّعاطف المجتمعي معه، فترامب بهذا سيكون قد وجد ما يصفه بالعدوّ المرئيّ في الدّاخل الّذي يمكن أن يوجّه له الاِتّهام مباشرة.

كما قد تؤدّي حالة الضّغط على “ترامب” خلال الفترة المقبلة إلى دفعه للإسراع بإنهاء عدّة ملفّات مفتوحة، مثل الحرب في سوريا، وملفّات أخرى خارج الشّرق الأوسط، لا سيما وأنّ “ترامب” لا تزال لديه فرصة الحصول على منصب الرّئاسة لفترة جديدة، وهو ما يدفعه لتكثيف تحرّكاته الدّاخلية والخارجية ليحافظ على موقعه داخل البيت الأبيض، وإنهاء الملفّات الّتي سيحاول الجناح الدّيمقراطي اِستغلالها للتّشهير به.

من جانب آخر، يعاني الحزب الدّيمقراطي من تعدّد الأجنحة به، فعلى الأقلّ يمكن رصد 3 أجنحة؛ “جناح بيرني ساندر”، و”جناح أوباما”، و”جناح كلينتون”، وهو ما يضعف من قوّة الحزب واِتّحاد كلمته، حيث لم يبرز حتّى الآن ما يمكن وصفه بالشّخصية الملهمة في الحزب، ولم يتمّ تقديم برنامج آخر سوى التصدّي لتهديدات “ترامب”.

ختاما، سيواجه الدّيمقراطيون صعوبات في إصدار التّشريعات الّتي تتّفق مع طموحاتهم السّياسية نظرا لاِستحالة إصدار تشريع دون موافقة أغلبيّة الكونجرس، وذلك غير ممكن في ظلّ وجود الجمهوريين، لذا سيكون أقصى ما يفعله الدّيمقراطيون هو تعطيل التّشريعات أو اِنتقادها بشدّة أو تقديم بدائل لها، وهو ما يعني من ناحية أخرى أنّ المرحلة الّتي كان يتمتّع خلالها “ترامب” بسيولة منقطعة النّظير في إصدار القرارات دون وجود معارضة قد اِنتهت.




ليبيا/ التخلّي عن خطّة إجراء اِنتخابات في ديسمبر

أرشيفيّة

قال دبلوماسيون ومصادر أخرى إنّ الأمم المتّحدة والقوى الغربية فقدت الأمل في أن تجري ليبيا اِنتخابات في المستقبل القريب وأنّها باتت تركّز أوّلا على المصالحة بين الفصائل المتنافسة المنخرطة في دائرة من الصّراع.

وفي ماي، أقنعت فرنسا الأطراف الرّئيسة في ليبيا بالموافقة شفهيّا على إجراء الاِنتخابات في العاشر من ديسمبر كسبيل لإنهاء الجولات المتكرّرة من إراقة الدّماء بين الفصائل المتنافسة الّتي ظهرت بعدما ساند حلف شمال الأطلسي اِنتفاضة عام 2011.

لكنّ مسؤولين غربيين يقولون إنّ القتال الّذي اِمتدّ لأسابيع بين الفصائل المتنافسة في العاصمة طرابلس وحالة الجمود بين برلمانيْن أحدهما في طرابلس والآخر في الشّرق جعلا الهدف غير واقعيّ.

وإلغاء خطط إجراء اِنتخابات رئاسية وبرلمانية هي أحدث اِنتكاسة للقوى الغربية الّتي ساعدت على الإطاحة بمعمّر القذّافي منذ سبع سنوات قبل أن تنسحب من المشهد لترى آمال الاِنتقال الدّيمقراطي تتبدّد.

وذكر دبلوماسيّون أنّ مبعوث الأمم المتّحدة الخاصّ إلى ليبيا غسّان سلامة سيركّز في إفادة إلى مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة، يوم الخميس، على عقد مؤتمر وطني في العام المقبل وإصلاح الاِقتصاد بدلا من الضّغط من أجل إجراء الاِنتخابات بوصفها هدفا قريب المدى.

وسيهدف المؤتمر إلى تكوين توافق في الرّأي في بلد مقسّم بين مئات الجماعات المسلّحة الّتي يسيطر معظمها على أراض وبلدات وقبائل ومناطق صغيرة.

وفي ليبيا حكومتان، إحداهما تدعّمها الأمم المتّحدة في العاصمة وأخرى بلا صلاحيّات إلى حدّ بعيد في الشّرق متحالفة مع القائد العسكري خليفة حفتر الّذي تسيطر قوّاته على معظم المناطق الشّرقية.

وسيضغط سلامة كذلك مجدّدا لإجراء إصلاحات اِقتصادية بهدف إنهاء نظام يفيد الجماعات المسلّحة الّتي يمكنها الوصول إلى النّقد الأجنبي الرّخيص بفضل نفوذها على البنوك.

ولم يصدر بعد تعليق من حكومة طرابلس أو برلمان الشّرق.

ويقول دبلوماسيّون إنّ الإصلاحات الّتي أجرتها طرابلس في سبتمبر، ومنها فرض رسوم على مشتريات العملة الصّعبة، لا يمكنها سوى أن تخفّف فقط جانبا من المصاعب الاِقتصادية اللّيبية ما دام البنك المركزي منقسما والفصائل محتفظة بمواقفها.

ولم تفعل الإصلاحات شيئا يذكر حتّى الآن لتحسين أوضاع اللّيبيين العاديّين المتأثّرين بالاِرتفاع الحادّ في التضخّم وأزمة سيولة مرتبطة بهبوط الدّينار في السّوق السّوداء.

وبالنّسبة للجماعات المسلّحة، قالت المصادر إنّ سلامة سيقترح “ترتيبا أمنيّا” جديدا على طرابلس يستهدف حرمان تلك الجماعات من السّيطرة على المواقع الرّئيسة ودمج أعضائها في القوّات النّظامية، وهو أمر ثبتت صعوبة تحقيقه فيما مضى.

وسلامة سادس مبعوث خاصّ للأمم المتّحدة لشؤون ليبيا منذ عام 2011.

وبدأت محادثات لتوحيد الجماعات المتنافسة في سبتمبر 2017، بعد وقت قصير من تولّي سلامة منصبه، لكنّها توقّفت بعد شهر واحد حيث كان دور حفتر نقطة خلاف رئيسة. ويعارض كثيرون في غرب ليبيا حفتر ويخشون أن يستغلّ موقعه للاِستحواذ على السّلطة.

ويقول الجيش الوطني اللّيبي الّذي يقوده حفتر إنّه ملتزم بعمليّة الاِنتخابات، الّتي ربّما يرشّح حفتر نفسه فيها.

ولطالما قوّضت الأجندات المتباينة للقوى الأجنبية جهود الأمم المتّحدة لإرساء الاِستقرار في ليبيا.

ويدعم المجتمع الدّولي رسميا الحكومة الاِنتقالية في طرابلس، لكنّ مصر والإمارات تدعّمان حفتر بينما تودّدت دول أوروبية منها فرنسا إلى القائد العسكري مع نموّ نفوذه.

وقال دبلوماسيّون إنّ فرنسا قادت المساعي لإجراء الاِنتخابات معتقدة أنّ بإمكانها الاِستفادة من المساعدة في حلّ الصّراع اللّيبي قبل أن تدرك أنّ البلد ليس مستعدّا للاِنتخابات.

وقال مسؤول فرنسي “علينا تسريع العمليّة الّتي سيتحدّث عنها سلامة والدّفع باِتّجاه الذّهاب إلى صناديق الاِقتراع”. وأضاف “ستتغيّر مواعيد الاِنتخابات لكنّ ذلك لا يمثّل مشكلة”.

وتتنافس فرنسا على النّفوذ في ليبيا مع إيطاليا، الّتي تسعى لحماية مصالحها المتعلّقة بالنّفط والغاز ووقف تدفّق المهاجرين إليها عبر البحر المتوسّط، من خلال بناء علاقات مع طرابلس. وإيطاليا هي الدّولة الغربية الوحيدة الّتي تفتح سفارة تعمل بشكل كامل في طرابلس.

وتستضيف إيطاليا الأسبوع المقبل مؤتمرا في باليرمو حيث ستجري مناقشة خارطة الطّريق الّتي وضعها سلامة.

وعلى مدى الأسابيع الماضية توقّفت القوى الغربية والأمم المتّحدة في هدوء عن الحديث عن إجراء الاِنتخابات في ديسمبر، دون أن تعلن رسميّا عدم إمكانيّة ذلك.

وقال مصدر مطلّع على خطط الأمم المتّحدة “الخطّة حاليا هي أنّ سلامة سيتحدّث عن مؤتمر وطني وإصلاحات اِقتصادية، لذا يأمل (المسؤولون) أن يمرّ موعد العاشر من ديسمبر بهدوء”.

وقال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية إنّ الاِنتخابات لا تزال هي الهدف لكن هناك حاجة لإحداث تقدّم على الأرض باِتّجاه تحسين عمليّة الحكم وتعزيز الأمن.

وأضاف المسؤول “أعتقد أنّ تعليق كلّ شيء على موعد واحد للاِنتخابات لم يثبت أنّه اِستراتيجية ناجحة”.

وتابع قائلا “نحن مهتمّون بجودة الاِنتخابات أكثر من الموعد، وأعتقد أنّه لا يزال أمامنا بعض العمل اللاّزم”.

(رويترز)




السّجون وتجنيد الإرهابيين

يتكفّل خطاب المحنة والمظلوميّة المؤسّس للتّنظيمات الإرهابية- في كثيرٍ من الأحيان- بتحويل السّجون من مجرّد حالة للعزلة والاِنكسار إلى حيّز يمكن توظيفه لخدمة أهداف التّنظيم وأفكاره، وفي الوقت ذاته إعطاء خطاب المحنة الزّخم اللاّزم لاِستمراريّته. وقد خلق هذا الخطاب حالة من التّنازع مع السّلطة الّتي أنشأت السّجون كآليّة للضّبط المجتمعي، وتخفيض حدّة التّهديدات الّتي يمكن أن تتعرّض لها الدّولة، وذلك من خلال اِحتجاز الأشخاص الّذين يشكّلون مصادر هذه التّهديدات.

وبقدر ما كانت تتراجع سيطرة السّلطة على السّجون وعمليّة إدارتها، بقدر ما كانت التّنظيمات الإرهابية تجد فرصا مواتية لنشر أفكارها في أروقة السّجون بحثا عن أعضاء جدد يبحثون عن حياة مغايرة. ومن ثمّ باتت السّجون- في أحيان كثيرة- آليّة لإنتاج أجيال جديدة من المتطرّفين يتولّون إعادة تفعيل المنظومة الإرهابية وتجديدها. ولعلّ هذا ما دفع الخبير في علم الجريمة الأمريكي “هارفي كوشنر” (Harvey Kushner) إلى اِفتراض تحوّل السّجون الغربية خلال السّنوات الماضية إلى إحدى ساحات التّجنيد الرّئيسة لتنظيم “القاعدة”.

عصابات السّجون:

ترتبط الكثير من عمليّات التحوّل الرّاديكالي داخل السّجون بالنّموذج الكامن للسّجون باِعتبارها أماكن للضّعف والاِنكشاف (Place of Vulnerability) تصوّر بشكل أو بآخر معاناة الأفراد النّاجمة عن العزلة المجتمعية والأزمات الشّخصية، فالشّخص يتمّ إخراجه من وسطه المجتمعي المعتاد عليه، وسرعان ما يشعر بالخواء، والّذي قد ينتقل في مرحلة ما، وفي ظلّ تجربة السّجن الجديدة، إلى قابليّة لتبنّي الأفكار المتطرّفة والاِستعداد للاِنخراط في الأنشطة الإرهابية.

وتفترض الأدبيات الّتي تناولت صناعة التطرّف والإرهاب أنّ السّجون تشكّل- في بعض الأحيان- نقطة تحوّل مؤلمة (Traumatic Turning Point) تدفع الأفراد إلى الخروج من مسار حياتهم التّقليدي، والبحث عن سياق جديد أكثر راديكالية. وفي هذا السّياق قد يكون التّماهي مع المنظومة الإرهابية المتطرّفة ناتجا عن رغبة في البحث عن المعنى والهويّة الّتي تعطي لحياة الفرد قيمة مختلفة، من وجهة نظره، لا سيّما إذا كانت هذه الهويّة تنطوي على اِعتراض وتحدٍّ للسّلطة والمجتمع، ومنح فرصة للتّعبير عن المظالم المتصوّرة في مخيّلة الفرد.

ثمّة جانب آخر متّصل بالتحوّل إلى الإرهاب والتطرّف داخل السّجون، وهو ذلك المتعلّق بالحاجة إلى الحماية المادّية، ففي بعض الحالات تتّسم السّجون بدرجة كبيرة من الفوضوية، وهو ما يؤدّي إلى نشوء كيانات موازية لتوفير الأمن، وفي هذه الحالة قد يلجأ الفرد الّذي لم يكن له تاريخ متطرّف معروف إلى بعض الجماعات المتطرّفة كي يحصل منها على خدمة الأمن، وقد كان لهذه الفكرة تجلّياتها- على سبيل المثال- في حالة السّجون الغربية، وظهور ما يُعرف بعصابات السّجون المسلمة (Muslim Prison Gangs) الّتي تقوم على أساس الاِنتماء الدّيني، وأحيانا على أساس عرقي، وتزوّد الأعضاء بشعور قويّ بالهويّة والولاء، فضلا عن حمايتهم من المجموعات الأخرى في السّجن.

صحيح أنّ هذه العصابات نادرا ما تضمّ إرهابيين مدانين، ولا يبدو أنّ أعضاءها يتمتّعون بفهم جيّد للدّين الإسلامي، إلاّ أنّهم قد يشكّلون بيئة محتملة لتطوير صيغ فرديّة أكثر تطرّفا، إذ إنّ محدوديّة فهمهم للدّين يحتمل أن تعزّز من قابليّة اِنكشافهم للأفكار المتطرّفة، لا سيّما مع الصّور البطولية الّتي تصاغ للكثير من القيادات الإرهابية على السّاحة العالمية.

مداخل تفسيرية:

باتت قضيّة التحوّل إلى الإرهاب داخل السّجون إشكاليّة للكثير من الحكومات خلال السّنوات الأخيرة، حيث كشفت العديد من الهجمات الإرهابية عن الاِرتباط بين منفّذي هذه الهجمات وتاريخهم السّابق في السّجون. وهنا تشير بعض التّقارير الغربية إلى أنّ “أحمدي كوليبالي” الّذي نفّذ هجومين في باريس جانفي 2015 كان قد تحوّل للتطرّف أثناء قضائه فترة في السّجن بتهم متعلّقة بالسّرقة والتّحايل، كما أفادت بعض التّقارير بأنّ “خالد مسعود” منفّذ هجوم ويستمنستر في بريطانيا مارس 2017 يُحتمل أن يكون تحوّل للتطرّف أثناء قضاء عقوبة له في السّجن، ويستدعي تحليل العلاقة بين الإرهاب والسّجون التّركيز على عدد من المداخل التّفسيرية المتمثّلة فيما يلي:

1- التجمّعات المتطرّفة: حيث إنّ التّداخل بين السّجناء المتطرّفين فكريًّا وغيرهم من السّجناء يعزّز من اِحتماليّة اِستقطاب هؤلاء السّجناء إلى المنظومة الإرهابية، وذلك في ظلّ تراجع الوعي بمخاطر المزج بين السّجناء من خلفيّات مختلفة، ناهيك عن العقليّة البراجماتية الحاكمة للكثير من التّنظيمات الإرهابية، وما تقتضيه من توظيف السّجون كأداة لاِستقطاب عناصر إرهابية جديدة، ونشر أفكار التّنظيم على أوسع نطاق ممكن.

وقبل عدّة سنوات، وبالتّحديد في عام 2014، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا بعنوان: “كيف ساعدت الولايات المتّحدة داعش” لكلّ من: أندرو ثومبسون Andrew Thompson، وجيرمي سوري Jeremi Suri، كشف عن عمليّة صناعة الإرهاب داخل السّجون الّتي أدارتها الولايات المتّحدة داخل العراق عقب الاِحتلال. ويفترض المقال أنّ الوجوه البارزة الّتي ظهرت في تنظيم “داعش”، على غرار “أبو بكر البغدادي”، كانت قد أمضت سنوات في المعتقلات، لا سيّما سجن معسكر “بوكا” الّذي أدارته الولايات المتّحدة في العراق وهي تقوم بعملية التّجنيد لعناصر محتجزة معهم، ونشر الأفكار الّتي اِعتمد عليها “داعش” فيما بعد.

وفي هذا الإطار، اِضطلعت الولايات المتّحدة، بحسب ثومبسون وسوري، بدور ما في صناعة الإرهاب داخل سجن بوكا حينما لم تتعاطَ بنهج تمييزيّ يفصل بين السّجناء المتطرّفين وغيرهم من السّجناء الأكثر اِعتدالا أو الّذين لم يثبت تورّطهم أو اِعتناقهم لأفكار متطرّفة، لا سيّما وأنّ عمليّات الاِحتجاز كانت تتمّ بشكل عشوائيّ دون تدقيق فعلي.

وقام السّجناء بنوع من الفصل على أساس طائفي، وهو ما سمح أيضا للمتطرّفين بنشر رسالتهم واِجتذاب عناصر جديدة، وهكذا تحوّل سجن “بوكا” إلى نموذج لعملية صناعة جيل جديد من الإرهابيين المنتسبين إلى تنظيم “داعش”.

2- طبيعة التّنظيمات الرّاديكالية: إذ تتباين التّنظيمات من حيث رؤيتها للعناصر المغايرة داخل السّجون، وبالتّالي مساحة التّفاعل معها والرّغبة في اِستقطابها للتّنظيم. فالسّجناء التّابعون لتنظيم “القاعدة”، على سبيل المثال، يرون أنّ من واجبهم نشر معتقدهم وأفكارهم، وبالتّالي هم يحملون رسالة “متخيّلة” لتحويل السّجناء الآخرين كي يصبحوا أتباع مخلصين للتّنظيم.

وعلى النّقيض من ذلك، فإنّ بعض التّنظيمات- على غرار الجيش الجمهوري الأيرلندي- تتبنّى نهجا أكثر نقاء في التّعاطي مع السّجناء خارج إطار التّنظيم، حيث كان ينظر أتباع التّنظيم داخل السّجن نظرة سلبيّة للسّجناء الآخرين بحسبانهم أشخاصا غير موثوق فيهم وغير منضبطين، وهو ما يجعلهم عبئا على التّنظيم، وقد يشوّهون صورته كحركة تسعى لتحقيق أهداف سياسيّة، ولهذا تجادل الأدبيات بأنّ الهدف الرّئيس لسجناء الجيش الجمهوري الأيرلندي كان في المقام الأوّل مرتبطا بتعزيز التّماسك التّنظيمي، والحفاظ على هياكل للقيادة تتمتّع بسلطة ما داخل السّجن، دون أن تمتدّ أهداف التّنظيم إلى محاولة اِستقطاب عناصر جديدة.

3- ثنائية الدّاخل والخارج: يتقاطع في ظاهرة صناعة الإرهاب داخل السّجون ثنائية المسارات الدّاخلية والخارجية الدّافعة للتطرّف، وتنطوي المسارات الخارجية على عمليّة تسرّب وتدفّق موادّ متطرّفة من قبيل الكتب ومقاطع الفيديو إلى داخل السّجن، فضلا عن الزوّار الخارجيّين الّذين قد يروّجون لرسائل متطرّفة.

وترتبط المسارات الدّاخلية للتطرّف بالسّجناء ذوي التوجّهات الإرهابية المتطرّفة، والّذين لم يتمّ فصلهم عن باقي السّجناء. وتحدث الإشكالية حينما يسعى هؤلاء المتطرّفون إلى الاِقتراب من السّجناء العاديين عبر تقديم خدمات لهم، والتّكريس لأدوار قياديّة ذات صبغة كاريزمية وروحيّة داخل السّجن.

ويبدو أنّ هذا النّمط كان حاضرا في حالة “أحمدي كوليبالي” الّذي تعرّف أثناء تواجده بسجن “فلوري ميروجيس” الفرنسي على “جمال بغال” الّذي كان يقضي عقوبة بتهمة التّآمر لتفجير السّفارة الأمريكية في باريس، وسرعان ما نشأت رابطة بين كوليبالي وجمال بغال لما يتّسم به من صفات قياديّة يوظّفها في اِستقطاب النّاس للاِنضمام إلى التّنظيمات الإرهابية، وهكذا أدّت هذه الرّابطة إلى تحوّل كوليبالي إلى التطرّف.

4- فوضوية السّجون: وينصرف هذا المدخل إلى المعضلات الّتي قد تعاني منها بعض السّجون، لا سيّما تلك المتعلّقة بالنّقص في الخبرات والموارد البشرية المتاحة لإدارة السّجن، فضلا عن الاِزدحام الشّديد داخل السّجن، باِعتباره نمطا شائعا في العديد من الدّول، والّذي يؤدّي إلى خلق ضغوط إضافية على السّجناء، ويحفّز الكثيرين منهم على الاِندماج في مجموعات فرعيّة، بعضها يحمل توجّهات متطرّفة تحقّق لها قدرا من الأمان داخل السّجن أو حتّى الوصول إلى بعض الموارد الّتي بطبيعتها شحيحة.

وتمهّد السّجون المزدحمة والفوضوية، والّتي يكون من الصّعب مراقبتها من جانب السّلطة، الطّريق للزّعماء المتطرّفين ذوي الكاريزما لخلق نمط من السّلطة في مجتمع السّجن، وفرض أنظمة معتقدات متطرّفة على أتباعهم من السّجناء العاديّين الّذين يجدون في هؤلاء الزّعماء نموذجا لبناء هويّة جديدة، وفي الوقت ذاته الحصول على الحماية اللاّزمة في بيئة السّجن الفوضوية.

سياسات المواجهة:

تُضفي عملية صناعة الإرهاب في السّجون، كأحد مظاهر التّداخل بين الإرهاب والجريمة crime – terrorism nexus، تعقيدات كثيرة على عملية مواجهة التّنظيمات الإرهابية لأنّ العديد من الحكومات باتت غير قادرة على صياغة الحدود الفاصلة بين الجريمة التّقليدية والإرهاب في ظلّ توجّه التّنظيمات الإرهابية إلى تبنّي أساليب إجرامية لتحقيق أهدافها، والمثير للاِنتباه أنّ هذه الأساليب باتت ترى في المجرمين التّقليديين في السّجون مخزونا بشريّا يمكن الاِعتماد عليه في تجديد دماء المنظومة الإرهابية.

وبالرّغم من الإشكاليّات الّتي تعترض محاولات تقويض عملية صناعة الإرهاب في السّجون، فقد تشكّل خلال السّنوات الماضية عدد من الاِتّجاهات الرّئيسة لمواجهة الظّاهرة، وتتلخّص فيما يلي:

1- تعزيز قدرات العناصر البشرية المسؤولة عن إدارة السّجون، وتطوير مؤشّرات للتطرّف يمكن الاِستدلال من خلالها على التحوّلات الّتي تحدث للسّجناء، ومن ثمّ التدخّل المبكّر لمواجهة الظّاهرة. وعادة ما تركّز هذه المؤشّرات في الخبرة الغربية على التغيّرات المفاجئة في السّلوك والمعتقدات الدّينية، ودلالات التّعبير عن دعم القضايا أو القادة المتطرّفين، وهو ما يتضمّن العثور على موادّ متطرّفة أو حتّى اِتّصالات مع أشخاص متورّطين أو مشتبه في تورّطهم في أنشطة متطرّفة، بالإضافة إلى أعمال التحدّي العلنيّة للسّلطة والّتي قد تشمل محاولات تهميش رجال الدّين المعيّنين من السّلطة، أو تدمير الممتلكات والهجوم على موظّفي السّجن.

2- تعزيز الشّراكة بين أجهزة الاِستخبارات ومؤسّسات السّجون، خاصّة في ظلّ عدم اِمتلاك السّجون القدرات الكافية لمراقبة الاِتّصالات الّتي تتمّ باللّغات الأجنبية، وتقييم محتويات الكتب ومقاطع الفيديو وكذلك أوراق اِعتماد الزّائرين الخارجيّين. وفي هذا السّياق، وضعت الولايات المتّحدة مبادرة للشّراكة بين السّجون الفيدرالية ومكتب التّحقيقات الفيدرالي، وتستهدف هذه الشّراكة جمع وتبادل المعلومات حول السّجناء وأئمّة السّجون، فضلا عن توفير مترجمين محترفين للسّجون، ومعلومات عن الأدبيات المتطرّفة.

3- تكثيف عمليّة الفصل بين السّجناء المتطرّفين وغيرهم من السّجناء لتقليل فرص التّواصل بينهم، وقد ظهر هذا الاِتّجاه في أكثر من دولة من ضمنها فرنسا الّتي أعلن رئيس وزرائها “إدوارد فيليب” في شهر فيفري الماضي عن خطّة وطنية لمكافحة التطرّف تشمل العديد من الإجراءات، من ضمنها: تعزيز إجراءات فصل السّجناء المتطرّفين عن غيرهم، ومضاعفة عدد الزّنازين المخصّصة للمتهّمين بالتطرّف إلى ألف و500 زنزانة، مع البدء بإنشاء 450 منها خلال 2018.

خلاصة القول، يمكن لهذه الإجراءات أن تؤثّر في عمليّة صناعة الإرهاب داخل السّجون، ولكن- في الوقت ذاته- ستظلّ اِحتمالية إنتاج نماذج متطرّفة داخل السّجون قائمة في خضمّ تطوّر قدرات التّنظيمات الإرهابية، أو ما تطلق عليه مارثا كرينشاو ( Martha Crenshaw) الاِبتكار الإرهابي، ناهيك عن التحوّلات المفاجئة وغير الظّاهرة الّتي تحدث لبعض الأفراد، ممّن لا يمتلكون ماضيا إرهابيّا، وهو ما يعني اِستمرار مأزق السّلطة في الاِكتشاف المبكّر لعملية صناعة الإرهاب في السّجون.




دعوات فرض حظر سلاح على السّعودية تضع قيم أوروبا في مواجهة مصالحها

أرشيفيّة

تتصاعد الضّغوط على الاِتّحاد الأوروبي لبحث فرض حظر للسّلاح على المملكة العربية السّعودية بعدما دعت ألمانيا والنّمسا والبرلمان الأوروبي إلى وقف مبيعات الأسلحة للمملكة بسبب مقتل الصّحفي السّعودي جمال خاشقجي.

وفي غضون بضع ساعات سلّطت الضّوء على التوتّر بشأن المسألة، جدّدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم الجمعة التّأكيد على أنّ بلادها لن تسلّم أيّ أسلحة إلى السّعودية إلى أن يتمّ توضيح ملابسات مقتل خاشقجي، بينما قال الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ مثل هذه الخطوات تنمّ عن “ديماغوجية” شعبوية.

وقال دبلوماسيّان، اليوم الجمعة، إنّ سفراء الاِتّحاد الأوروبي ربّما يناقشون القضيّة رسميا بعد طلب نادر بذلك من حكومات، وإنّ هولندا تسعى لحشد التّأييد لنظام جديد للاِتّحاد الأوروبي يفرض عقوبات بسبب اِنتهاك حقوق الإنسان بغضّ النّظر عن مكان حدوثها.

غير أنّ الجدل في بروكسل وعواصم الاِتّحاد الأوروبي يحيي من جديد اِنقسامات معتادة في السّياسة الخارجية للتكتّل، حيث تهتمّ القوى الرّئيسة في أوروبا بمصالحها الاِقتصادية والسّياسية فيما يقوّض عادة أيّ سياسة خارجية فعّالة للاِتّحاد يكون هدفها أن تكون مدفوعة بالدّيمقراطية وحقوق الإنسان.

وقُتل خاشقجي في القنصلية السّعودية في إسطنبول في الثّاني من أكتوبر وهو ما أثار غضبا دوليّا وتحوّل إلى أزمة لأكبر بلد مصدّر للنّفط الخامّ في العالم، كما سلّط الضّوء على مدى تحالف القوى الغربية مع المملكة العربية الّتي تعاقب بالجلد والإعدام على المعارضة.

وقالت منطقة والونيا البلجيكية، المالكة لشركة إف.إن هيرستال المصنّعة للأسلحة النّارية، إنّها ستدقّق “بأقصى درجات الحذر” في أيّ طلبات مستقبلية لإصدار تراخيص لتصدير السّلاح إلى أكبر زبائنها بعد مقتل خاشقجي.

وبينما تريد النّمسا، الّتي تتولّى الرّئاسة الدّورية للاِتّحاد الأوروبي لمدّة ستّة أشهر، وقف مبيعات السّلاح وستتوقّف ألمانيا عن إقرار صادرات السّلاح لحين اِتّضاح ملابسات مقتل خاشقجي، فقد تجاهلت فرنسا مثل تلك الدّعوات.

بل وذهب ماكرون إلى حدّ أبعد يوم الجمعة بقوله إنّه لا توجد صلة بين مبيعات السّلاح ومقتل خاشقجي، الّذي كان منتقدا بارزا لوليّ العهد السّعودي الأمير محمّد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة.

وقال للصّحفيين خلال زيارة إلى سلوفاكيا “هذه ديماغوجية محضة، أن نقول لا بدّ أن نوقف مبيعات السّلاح. هذا لا علاقة له بالسيّد خاشقجي”، رغم أنّه لم يستبعد فرض عقوبات منسّقة أخرى ضدّ من تثبت مسؤوليّتهم.

وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي يوم الأربعاء إنّ صادرات السّلاح البريطانية للسّعودية تتّفق مع القواعد الوطنية وقواعد الاِتّحاد الأوروبي المتعلّقة بتراخيص تصدير السّلاح.

في الوقت نفسه، تحاول إسبانيا المضيّ قدما في بيع 400 قنبلة من أجل حماية عقد سعودي مع حوض لبناء السّفن في إقليم الأندلس من شأنه توفير 5000 فرصة عمل.

وقال دبلوماسي كبير في الاِتّحاد الأوروبي “إذا كانت النّمسا تقترح مثل هذا الحظر، فاِسأل عندها كم تبيع النّمسا من الأسلحة للسّعودية”.

مليارات على المحكّ

على الرّغم من أنّ النّمسا لديها قطاع كبير للصّناعات العسكرية إلاّ أنّ بيانات من الاِتّحاد الأوروبي أظهرت أنّها لم تبع إلاّ ما يقدّر بنحو 1.4 مليون يورو (1.59 مليون دولار) من الأسلحة والذّخيرة للسّعودية في 2017.

ووافقت ألمانيا على إمدادات أسلحة للسّعودية تقدّر بنحو 400 مليون يورو في الأشهر التّسعة الأولى من العام الجاري.

وفي العام الماضي باعت ألمانيا ما قيمته 351 مليون يورو في صفقة شملت طائرات وطائرات هليكوبتر لكنّ بيانات الاِتّحاد الأوروبي لم تحدّد ما هو عسكري في هذه الصّفقة.

وتشكّل الأسلحة الألمانية ما يقلّ عن إثنين بالمئة من مجمل المشتريات السّعودية من الأسلحة.

وأظهرت وثائق برلمانية في المملكة المتّحدة أنّ بريطانيا صدّرت منتجات عسكرية للسّعودية قيمتها 1.1 مليار جنيه إسترليني (1.41 مليار دولار) في 2017 فيما بلغت قيمة صفقات الأسلحة بين الرّياض وبلجيكا ولوكسمبرج مجتمعتين 184 مليون يورو العام الماضي.

ووفقا لبيانات الاِتّحاد الأوروبي أيضا باعت فرنسا للسّعودية ما قيمته 1.8 مليار يورو من الطّائرات وطائرات الهليكوبتر ومعدّات جوّية أخرى في 2017 وهو مبلغ أخذ في التّزايد على مدى العقد المنصرم لكنّ تلك البيانات لا تظهر هي الأخرى مقدار الشقّ العسكري في تلك الصّفقات.

وتقول كامي لون الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “مبيعات الأسلحة أمر له صلة وثيقة بالسياسة ويعتبر جزءا من رؤية طويلة الأمد”.

واستشهدت لون بالموقف في ليبيا وسوريا وحتى في منطقة الساحل حيث تسعى فرنسا، التي لها آلاف الجنود على الأرض، للحصول على مساعدة من السعودية في تمويل القوات الأفريقية المحلية.

ويأتي وليّ العهد السّعودي الأمير محمّد بن سلمان في قلب اِستراتيجية ماكرون. والأمير البالغ من العمر 33 عاما هو الحاكم الفعلي للمملكة ويقدّم نفسه كإصلاحي لكنّ الأنظار تتركّز عليه في الوقت الرّاهن بسبب تساؤلات عن ضلوعه في اِحتجاز وقتل خاشقجي.

وقال دبلوماسي فرنسي كبير لرويترز “من السّهل على (المستشارة الألمانية أنجيلا) ميركل أن تقترح ذلك عندما تبيع أسلحة في كلّ مكان عدا السّعودية… عندما تنظر إلى مبيعات الأسلحة العالمية على مدى العامين الماضيين تجد أنّ ألمانيا من بين الأكبر في العالم لكن ليس للسّعودية بشكل كبير”.

ورحّبت متحدّثة باِسم الحكومة الألمانية يوم الجمعة بالمبادرة النّمساوية لكنّها أحجمت عن التّعليق لدى سؤالها عمّا إذا كانت ألمانيا والنّمسا منعزلتين في موقفهما داخل الاِتّحاد الأوروبي.

وتعهّدت ميركل مجدّدا يوم الجمعة بوقف كلّ صادرات الأسلحة للسّعودية لحين تقديم تفسير لمقتل خاشقجي.

ومن المخارج الّتي قد تحفظ ماء الوجه للاِتّحاد الأوروبي هو فرض عقوبات على الأفراد السّعوديين المتّهمين بقتل خاشقجي وفصل القضية عن العلاقات الوثيقة مع الدّولة السّعودية.

ووافقت حكومات الاِتّحاد الأوروبي مؤخّرا على آلية لفرض عقوبات على المسؤولين عن شنّ هجمات بأسلحة كيماوية من خلال اِستهداف أفراد بغضّ النّظر عن جنسيّاتهم.

ويمكن لها أن تضع آليّة مشابهة فيما يتعلّق باِنتهاكات حقوق الإنسان.

أمّا الولايات المتّحدة فلديها قانون ماجنيتسكي للمساءلة العالمية لفرض عقوبات تتعلّق باِنتهاكات حقوق الإنسان في أيّ دولة.

وقالت ريبيكا هارمز عضو البرلمان الأوروبي “على فرنسا وألمانيا التّعامل مع القضية الكبرى المتعلّقة بصادرات الأسلحة. يمكن لحكومات الاِتّحاد الأوروبي أن تطرح قانونا على غرار ماجنيتسكي للتصرّف على أساسه”. وشاركت هارمز في قيادة الجهود لإصدار قرار من البرلمان يدعو لفرض حظر على صادرات السّلاح وعقوبات أخرى هذا الأسبوع.

(روبين إيموت وجون أيرش وأندريا شلال)




المتابع لمسيرة أردوغان وميوله الاِستعراضيّة سيتوقّع بأنّه جهّز نفسه لعرض اِستعراضيّ شيّق مليء بالتّفاصيل والمعلومات المثيرة والقويّة..

الأستاذ عبد اللطيف دربالة

لماذا اِعتمدت تركيا لعبة “سريّة البحث الجنائي وعلنيّة التّسريبات الصّحفيّةّ” في جريمة الاِغتيال السّياسي للصّحفي جمال خاشقجي..؟؟!!

كيف تلاعبت تركيا بأعصاب السّعوديّين وجعلتهم يعترفون أخيرا بقتل خاشقجي فعلا داخل القنصليّة السّعوديّة على أيدي ضبّاط أمن ومخابرات وعسكريّين سعوديّين.. قبل حتّى أن تعلن تركيا نفسها ورسميّا نتيجة التّحقيق الجنائي بتأكيد قتل خاشقجي فعلا؟؟!!

أين جثّة خاشقجي؟
ومن هو أعلى مسؤول سعودي أعطى الأمر باِغتيال الصّحفي المعارض؟
هل يحمل تصريح أردوغان غدا الثّلاثاء حول نتيجة التّحقيق الأجوبة يقينا عن هذه الأسئلة الحاسمة؟

الأرجح على الظنّ بحسب ما توفّر من معطيات ومعلومات وتسريبات.. أنّ السلط التركيّة أدركت منذ الساعات الأولى لإبلاغ خطيبة الصحفي المعارض جمال خاشقجي عن إختفائه داخل مقرّ القنصليّة السعوديّة بإسطنبول.. أنّه قتل داخل مقرّ القنصليّة.. وأنّ المخابرات التركيّة كانت تتجسّس بطبيعتها على مقرّ القنصليّة.. على الأقلّ عبر الميكروفونات.. إن لم يكن عبر الكاميرات.. وهو ما مكّنها من الاطّلاع بدقّة ويقين.. وبعد ساعات فقط.. على ما دار في السفارة وما حصل لخاشقجي..
إلاّ أنّ هذه المعلومات الإستخباراتيّة لتركيا لم يكن يمكنها إستغلالها على حالتها.. وتعذّر عليها أن تعلن للعالم فورا أنّها تملك أدلّة إستخباراتيّة تجسّسية على جريمة إغتيال الصحفي المعارض..
أوّلا لأنّ ذلك سيشكّل إعترافا صريحا وعلنيّا فاضحا من الدولة التركيّة بأنّها تمارس التجسّس على مقرّات البعثات الدبلوماسية الأجنبيّة ببلادها.. ولئن كانت جميع البلدان في الحقيقة تفعل ذلك في بعضها البعض. . لكنّ الإعلان الصريح عن الأمر أو كشفه يسبّب دائما غضبا واحتجاجات وأزمات ديبلوماسية وسياسيّة..
وثانيا لكون إقرار وتأكيد تركيا بتجسّسها على قنصليّة السعوديّة.. سيجعل باقي سفارات وقنصليّات الدول الأجنبيّة تقوم بحملة كبرى لإعادة مراقبة وكشف وتطهير مقرّاتها من معدّات التجسّس التركيّة فيها.. ممّا سيسبّب بالتأكيد خسارة إستخباراتيّة كبرى لتركيا وهدم شبكات تنصّت ربّما قضت سنينا طويلة في إنشائها وزرعها بطرق خفيّة..!!!

لذا حاولت السّلط التركيّة في الأثناء البحث عن وسيلة تسوّق بها تلك التسجيلات.. مثل المزاعم بأنّ ساعة “آبل” للخاشقجي سجّلت كلّ شيء.. وهو ما شكّك فيه خبراء التكنولوجيا.. خاصّة بالنظر لمواصفات شبكة الهاتف الجوّال الحاليّة في تركيا المختلفة عن نظيرتها الأمريكيّة..!!!

لهذا السّبب عملت تركيا في المقابل على تجميع ملفّ جنائي قويّ يكون كافيا لتوجيه الاتّهامات بالقتل ليس لفريق من 15 أو 20 شخصا فقط حضروا إلى أسطنبول على عجل لتصفية معارض سعودي لنظام بلاده.. وإنّما توجيه اتّهامات بالقتل لدولة بأكملها هي المملكة العربيّة السعوديّة..
وتسعى تركيا لأن تكون أدلّة الإدانة كافية و”مقنعة” للعالم أجمع على حدّ تعبير رئيس تركيا أردوغان في أحد تصريحاته الأولى عن الحادثة.. أي ضمنيّا مقنعة للأنظمة الغربيّة خاصّة التي يحتاج لها للضغط على المملكة بشكل يحقّق معه النظام التركي فوائد سياسيّة.. باعتبار الخلاف والصراع المفتوح والمكتوم بينها وبين السعوديّة.. وباعتبار الجريمة تمّت على أراضيها..
في جرائم القتل خصوصا فإنّ الشبهات والقرائن مهما كانت قويّة لا تكفي لإدانة شخص بالقتل..
بل حتّى إعتراف الشخص نفسه بارتكاب جريمة قتل.. لا يعدّ كافيا في القانون الجنائي لإدانته إن لم يثبت بالدّليل القاطع إرتكابه فعلا لها..!!
فالأدلّة على إرتكاب متّهم لجريمة قتل يجب أن تكون قاطعة وحاسمة.. ويجب بالضّرورة كشف طريقة القتل على وجه الدقّة.. وإيجاد جثّة القتيل.. وإلاّ عدّت الجريمة إخفاء أو خطفا لا قتلا.. ويجب أيضا عرض الجثّة على الطبّ الشرعي لمطابقتها مع طريقة القتل المفترضة.. وضبط أداة الجريمة.. وإثبات وجود المتّهم بالقتل في مكان الجريمة عبر عدّة طرق مؤكّدة من بينها شهود العيان أو تسجيلات الفيديو أو حتّى آثاره البيولوجيّة مع تطوّر إمكانيّة ضبط البصمات الجينيّة للشخص..

لذلك بدأت السلطات التركيّة عمليّة بحث وتحقيق واسعة ودقيقة ودؤوبة لما تعتبره “جريمة دولة”.. تشارك فيها السلط القضائيّة والأمنيّة وأجهزة الإستخبارات..
بالتوازي مع ذلك بدأت تركيا مبكّرا حربها السياسيّة على النظام السعودي..
وفي غياب أخبار رسميّة تخصّ التحقيق الذي أبقته تركيا قصدا سريّا ومكتوما.. عمد النظام التركي في المقابل إلى طريقة التسريبات الصحفيّة.. عبر سياسة “القطرة قطرة”..
فتارة تصدر معلومات منسوبة لمصادر أمنيّة تركيّة رفيعة دون ذكر أسمائها.. وتارة عن مصادر سياسيّة أو حزبيّة أو قضائيّة أو ديبلوماسيّة.. ومرّة تكون التسريبات في شكل لقطات فيديو لكاميرا مراقبة أو صور.. ومرّة تكون في شكل رسم لخطّ سير سيّارات ديبلوماسيّة تابعة للقنصليّة السعوديّة يوم الجريمة أو معلومات تقنيّة دقيقة..
ولو أرادت السلطات التركيّة منع تلك التسريبات لفعلت.. لأنّ القوانين في كلّ دول العالم تمنع حتّى الإعلام من تسريب معلومات التحقيقات القضائيّة.. حتّى لا تؤثّر على البحث الجنائي.. ولا تفيد مرتكب الجريمة في طمس أدلّتها أو التهرّب منها..
لكنّ الحكومة التركيّة على ما يفهم بوضوح.. كانت هي “مايسترو” تلك التسريبات الصحفيّة بالتوزاي مع تصريحاتها الرسميّة الشحيحة جدّا والمقتضبة حول تفاصيل التحقيق..
والمؤكّد بأنّ الحكومة التركيّة سعت من خلال هذه السياسة وهذه الخطّة إلى تحقيق جملة من الأهداف الرئيسيّة:

1 ـ بداية إحراج النظام السعودي أمام العالم بأنّه متورّط في قتل صحفي معارض له.. وذلك بطريقة غادرة بمقرّ قنصليّة بلاده بدولة أجنبيّة.. دخلها آمنا مطمئنّا..
2 ـ إرباك النظام السّعودي بفعل سريّة التحقيق من جهة أولى والجهل بما يتوفّر لدى السلطات التركيّة من معلومات حول جريمة الإغتيال السياسي.. ومن جهة ثانية بفعل نوعيّة ومحتوى التسريبات المتواترة في كلّ مرّة.. في محاولة لدفع النظام السعودي على ما يبدو للتصرّف بطريقة متوتّرة ومضطربة ومتسرّعة وطائشة مرّة بعد أخرى لمحاولة إخفاء أدلّة الجريمة وسدّ الثغرات.. بطريقة قد تزيد على العكس في كشف أدلّة وعناصر الجريمة..
3 ـ دفع النظام السعودي للخروج من حالة الصّمت والإنكار التي انتهجها في السّاعات والأيّام الأولى للجريمة..
فبعد أن أنكرت السعوديّة وجود جمال خاشقجي في القنصليّة.. وصرّح وليّ العهد محمّد بن سلمان بنفسه في حديث صحفي مع “بلومبرغ” الأمريكيّة بعد يومين بأنّ جمال خاشقجي غادر القنصليّة السعوديّة بعد فترة زمنيّة بسيطة من دخوله.. وأنّه يمكن لمن يشاء دخول القنصليّة وتفتيشها.. بدأت المملكة تزعم تحرّيها بدورها في اختفاء مواطنها بإسطنبول.. ثمّ تراجعت السعوديّة تماما بعد نحو أسبوعين.. وصدرت بيانات رسميّة بعد منتصف اللّيل من يوم العطلة الأسبوعيّة الجمعة الفارط تعلن مقتل خاشقجي بالسفارة بالفعل.. لكن “إثر شجار” مع أشخاص أرسلوا لـ”مفاوضته” من أجل إقناعه بالرّجوع إلى المملكة.. وصدرت أوامر ملكيّة بزعم التحقيق مع المسؤولين عن القتل.. وخرجت أخبار عن إيقافهم رهن التحقيق..
ثمّ عمدت السعوديّة وعبر تسريب صحفي بدورها منسوبا إلى مسؤول سعودي رفيع.. إلى نشر تفاصيل جديدة في الرواية الرسميّة حول كيفيّة تنفيذ القتل (بكتم أنفاس جمال حتّى الموت لمنعه من الصياح).. ومحاولة طمس الجريمة (تسليم الجثّة لمتعاون محلّي مقيم بتركيا).. ومغالطة القيادة السياسيّة من طرف القتلة (إصدار تقريرات مغلوطة عن العمليّة تدّعي السماح لجمال بمغادرة القنصليّة)..
4 ـ المحافظة على إستمرار الإهتمام الإعلامي الدولي بقضيّة خاشقجي طيلة فترة التحقيق السريّة.. والتي كان واضحا من البداية أنّها ستحتاج لعدّة أسابيع.. ربّما يخفت فيها إهتمام العالم بالجريمة.. لولا أنّ النظام التركي أدار خطّة لا شكّ أنّها مدروسة بعناية لتصاعد التسريبات المثيرة والمتنوّعة والصّادمة.. ممّا أشعل زخمّ ذلك الإهتمام الإعلامي والسياسي أكثر وجعله متزايدا ومتواترا.. حتّى برغم صمت السّلط الرسميّة التركيّة عن التصريحات الإعلاميّة في تفاصيل الموضوع..
5 ـ ممارسة الضغط الإعلامي والسياسي على النظام السعودي عبر التسريبات بغرض إجباره أخيرا عن التخلّي عن الحصانة الديبلوماسيّة لمقرّ القنصليّة ومنزل القنصل.. والسّماح للسّلط التركيّة القضائيّة بتفتيشها.. وهو ما حصل فعلا في الأخير بحضور عشرات الأفراد من فرق البحث الجنائي التركي المختصّين في شتّى المجالات.. وقضاء ساعات طويلة للتدقيق والتفتيش بمقرّات البعثات الديبلوماسيّة السعوديّة.. وما كان ذلك ممكنا طبقا لاتّفاقيّات فيانا حول حصانة المقرّات الديبلوماسيّة دون موافقة المملكة.. وهو ما سمح بالتأكيد للسّلط التركيّة بالعثور على أدلّة جنائيّة ثمينة ودامغة..
6 ـ تعمّد تسريب المعلومات عن التحقيق التركي وما توفّر من أدلّة وتسجيلات بطريقة “القطرة قطرة”.. جعل النظام السعودي يقيس في كلّ مرّة حجم وسقف المعلومات التركيّة المتوفّرة ويصدر إعترافات على القياس تتوافق معها.. قبل أن تفاجئه تسريبات إضافيّة جديدة بدرجة أعلى من المعلومات.. يضطرّ معها السعوديّون للتراجع وتغيير روايتهم الرسميّة في كلّ مرّة.. وهو ما أظهر كذبهم وزيف تصريحاتهم.. وورّطهم بذلك في شبهة إرتكاب الجريمة بأمر من أعلى مستوى في نفس تلك السّلطة التي تصدر بيانات التوضيح الخاطئة..!!
7 ـ زيادة الضغط الدولي ولا سيما الأمريكي والغربي على النّظام السّعودي بشكل يضيّق الخناق عليه..
وطوال إنغماس تركيا في التحقيقات دون إعلان أيّ نتائج رسميّة.. فقد تتالت بالفعل.. ومع كلّ حزمة تسريبات جديدة.. مطالبات الحكومات الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة والألمانيّة وحتّى الأمم المتحّدة وغيرهم.. للسعوديّين بتقديم توضيحات كافية وإجابات صادقة في ما يخصّ مقتل خاشقجي..
وهو ما حصل ودفع السّلط السعوديّة في النهاية إلى التسليم والإعتراف بمقتل خاشقجي داخل سفارتها.. رغم أنّ السّلط التركيّة الرسميّة لم تصدر حتّى اليوم أيّ تصريح رسميّ يقطع بموت الخاشقجي يقينا..
8 ـ ترك الحبل على الغارب للإعلام السعودي في البداية.. والإعلام الموالي له والمموّل من قبله مثل الإعلام المصري.. لمجاراة نظام المملكة في الإنكار.. والتمسّك ببراءة السعوديّة تماما من قتل جمال خاشقجي بمقرّ قنصليّتها في تركيا بعد أن دخلها آمنا على نفسه.. والتأكيد على أنّه غادر المقرّ.. وأنّ جهة أخرى قد تكون لها مصلحة في إتّهام المملكة بالجريمة قد تكون هي التي اختطفت أو قتلت الصحفي السعودي المعارض..وإتّهام هذا الإعلام المخابرات التركيّة بتدبير وفبركة الحادث والإعلام القطري بتنظيم حملة إعلاميّة كاذبة وفجّة لتشويه خصيمتهم السعوديّة..
ثمّ ومع تراجع النظام السعودي وإعترافه بقتل الخاشقجي داخل القنصليّة فعلا وعلى أيدي قتلة سعوديّين من أعلى المسؤولين في أجهزة المخابرات والأمن والجيش في المملكة.. ولو مع التمسّك بكونهم مارقين تجاوزوا صلاحيّاتهم ولم يعلموا القيادة بالجريمة.. وجد الإعلام السعودي والموالي له أنفسهم جميعا في “تسلّل” مريع..!!
ويكون بذلك الأسلوب التركي قد أفقد الأذرع الإعلاميّة السعوديّة مصداقيّتها تماما أمام مواطنيها أنفسهم.. وأمام الشعوب العربيّة.. وأمام العالم.. بما يجعل من الصّعب الثقة في أخبارهم وتصريحاتهم بعد ذلك.. ومنهم رموزا وشخصيّات إعلاميّة كبيرة.. ووسائل إعلام ضخمة..

حتّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه الذي يتمتّع بعلاقات وثيقة جدّا بالنّظام السعودي الحالي.. وترتبط عائلته.. ولا سيما زوج إبنته جاريد كوشنر.. بعلاقة تحالف شخصي ومالي وسياسي مع وليّ العهد الشابّ محمّد بن سلمان.. وجد نفسه يقع بدوره في الفخّ التركي للعبة “سريّة التحقيقات وعلنيّة التسريبات”.. !!
فقد أخذ ترامب يتراوح بطريقة مدهشة بين إعلان عدم تصديق تورّط النظام السعودي في إغتيال الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي يتكلّم الأنجليزيّة بطلاقة ويكتب في كبرى الصحف الأمريكيّة وينزل ضيفا دائما على كبرى القنوات التلفزيّة الأمريكيّة.. ومطالبته السعوديّة بتوضيحات للغرض.. وبين تهديده بعقوبات قاسية ضدّها إن ثبت تورّطها.. ثمّ تراجعه للتعبير عن قناعته بصدق الملك ووليّ العهد اللّذان أكّدا له عدم علمهما بالجريمة وحرصهما على محاسبة مرتكبيها.. قبل أن يصعّد ترامب من جديد بالقّول بأنّ الرواية السعوديّة الرسميّة غير كافية.. وبأنّه يمكن التفكير في عقوبات أخرى على السعوديّة غير منع صفقات الأسلحة..!!
وهو ما جعل مسؤولين أمريكيّين وأعضاء بارزين في الكونغرس وفي الحزبين الجمهوري والدّيمقراطي ومدراء سابقين للمخابرات الأمريكيّة إضافة إلى أغلب وسائل الإعلام.. تتساءل عن مدى جديّة الرئيس الأمريكي في محاسبة النظام السعودي.. وما إذا كانت علاقته الماليّة بالملك ووليّ العهد السعودي تجعل “أقوى رجل في العالم” يمكن أن يصدّق فعلا روايات رسميّة سعوديّة “غير مقنعة”.. بل وتتضارب مع تسريبات متزايدة بدأت تخرج في الولايات المتحدّة عن تقارير مخابراتيّة أمريكيّة أبلغت إلى الرئيس ترامب نفسه.. وتتّهم النظام السعودي في أعلى مستوى بالتورّط في إرتكاب جريمة الإغتيال السياسي للصحفي خاشقجي..؟؟
ـ
بعض الملاحظين.. وأمام طول الصّمت الرّسمي التركي عن إعلان النتيجة النهائيّة للتحقيق في جريمة إغتيال الخاشقجي.. وحصول عدّة إتّصالات هاتفيّة معلنة بين الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وبين ملك السعوديّة سلمان بن عبد العزيز.. وبين أردوغان وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. والزيارة المستعجلة بمطار العاصمة أنقرة لوزير الخارجيّة الأمريكي لمقابلة أردوغان مباشرة بعد مجيئه من السعوديّة بعد أن قابل الملك سلمان وابنه محمّد وليّ العهد.. وتزامن ذلك مع الإفراج عن القسّ الأمريكي الموقوف في تركيا منذ أشهر طويلة على خلفيّة إتّهامات بالتجسّس.. وعودة الحرارة فجأة للعلاقات التركيّة الأمريكيّة.. بالتزامن مع إستماتة ترامب في الدّفاع عن النّظام السعودي.. بعض الملاحظين شكّكوا أمام كلّ ذلك في مدى مصداقيّة مآل الأبحاث والتحقيقات التركيّة في جريمة إغتيال خاشقجي.. وتحدّثوا عن صفقة قد يكون أردوغان أبرمها.. مقابل الصّمت.. أو على الأقلّ مقابل تمييع القضيّة والتخلّي عن تقديم الأدلّة الحاسمة التي يمكن أن تفيد تورّط النّظام السعودي مباشرة وفي أعلى مستوى في الأمر بالجريمة والإشراف على تنظيمها وتنفيذها..
غير أنّه.. وبقطع النّظر عن إمكانيّة تمسّك أردوغان بقيم الخير والحقّ والعدالة والقانون في هذه القضيّة من عدمه.. وحتّى من باب الحديث عن المصالح العليا لتركيا وأردوغان وعن الصفقات.. فإنّ حجم الخلاف السياسي الإستراتيجي بين النظام السعودي الحالي ممثّلا خصوصا في وليّ العهد محمّد بن سلمان.. وبين النظام التركي الحالي ممثّلا في رجب الطيّب أردوغان.. يجعل تنفيذ مثل هذه الصفقة أمرا مستبعدا للغاية..
فأردوغان وسلمان حاولا بمجرّد وراثة سلمان لعرش المملكة أن ينعشا العلاقات التركيّة السعوديّة.. وقد تبادلا معا الزيارات الرسميّة الوديّة إلى أنقرة والرياض.. وكانت التصريحات توحي ببداية عهد صداقة متجدّدة وقويّة.. لكنّ صعود محمّد بن سلمان المفاجئة برغم صغر سنّه إلى ولاية العهد.. وسيطرته السّريعة على مفاصل الحكم وسلطة القرار في المملكة.. وتحوّله إلى الرجل القويّ فيها والحاكم الفعليّ.. شكّلت بداية مرحلة تصادم جديدة مع تركيا لم تفلح على ما يبدو جميع المحاولات لرأب الصّدع في إصلاحها.. وظهر جليّا أنّ للشابّ بن سلمان خطّا سياسيّا وطريقة تفكير تختلف تماما عن خطّ وطريق أردوغان.. وأنّ مصالح البلدين أصبحت متنافرة ومتناقضة.. بل ومتنافسة ومتصارعة..
لذلك فإنّ نظرة أردوغان إلى محمّد بن سلمان سلبيّة للغاية.. (أيّا كان منهما على صواب وعلى حقّ).. وهو يدرك أنّ مستقبل العلاقات التركيّة السعوديّة في ظلّ حكم محمّد بن سلمان عندما يصبح ملكا.. لن تكون على الأرجح إيجابيّة أو مثمرة.. وأنّ حظوظ الصّراع بينهما متصاعدة وغالبة.. والحال أنّ نقاط التماس كثيرة جدّا بينهما.. ممّا ينبأ بأزمات كثيرة وكبيرة وطاحنة بينهما مستقبلا..
وبالنّظر إلى الثقل الإستراتيجي للملكة السعوديّة.. وموقعها.. وثرائها بالنّفط وتأثيرها على أسعار البترول بالأسواق العالميّة.. وبالتالي ثقلها البالغ في الإقتصاد الدولي..
وبالنّظر إلى ما تمتلكه السعوديّة من سيولة ماليّة هائلة وقدرة على الدّفع.. تمكنّها من أن تشتري الكثير.. بما في ذلك شراء حتّى الدّعم الأعمى لرئيس أمريكي مثل دونالد ترامب..
فإنّ الرئيس التركي رجب الطيّب أردوغان يعرف ويدرك تماما بأنّ السعوديّة تحت حكم محمّد بن سلمان ستتحوّل إلى خطر إستراتيجي عظيم يهدّد المصالح التركيّة العليا الإقليميّة والدوليّة..
لذا فإنّه لا يوجد على الأغلب أيّ إغراء مالي أو سياسيّ.. وما من صفقة يمكن أن يبرمها رجب طيّب أردوغان أكبر وأعظم في نظره من محاولة إزاحة شاب السعوديّة القويّ الأمير محمّد بن سلمان عن الحكم.. وربّما يعتقد أردوغان بأنّه لن تتاح له فرصة مماثلة أفضل من هذه الفرصة التي جاءته حتّى مكتبه في قصره السلطاني بأنقرة.. وهي الإغتيال السياسي لجمال خاشقجي.. والإهتمام البالغ للعالم بها.. وإمتلاك أردوغان لأغلب أوراقها هو شخصيّا..
وهو ما سيجعل أيّ صفقة مهما كبرت وغلت لن تحقّق لتركيا إلاّ فوائد آنيّة لا غير.. في حين سيبقى الخطر الإستراتيجي وفق الرؤية التركيّة ماثلا لثلاثين او أربعين عاما قادمة متوقّعة من حكم وليّ العهد السعودي الشّاب محمّد بن سلمان البالغ من العمر 33 سنة فقط.. إن نجح فعلا في وراثة الحكم عن والده..
على عكس ذلك يوجد رأي آخر يقول بأنّه لا يمكن لتركيا في كلّ الحالات إثبات أنّ أمر إغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي جاء من أعلى هرم السلطة بالمملكة.. أي الملك أو ابنه وليّ العهد.. وأنّه حتّى على فرض إثبات علاقة وليّ العهد بالجريمة بالنّظر إلى كون عدد من القائمين بها هم من المقرّبين منه والمنتمين لفريق عمله.. فإنّه قد لا يؤدّي بالضّرورة إلى عزل محمّد بن سلمان عن ولاية العهد.. وأنّ محاولة تركيا القيام بذلك باستغلال قضيّة خاشقجي ثمّ فشلها.. سيجعل من محمّد بن سلمان عدوّا أبديّا لها في العقود القادمة.. ولن يغفر لها ذلك أبدا عندما يصبح ملكا..
ويعتقد أصحاب هذا الرّأي بأنّه من مصلحة تركيا والحالة تلك مسك العصا من الوسط بكشف الجريمة فعلا.. لكن مع الوقوف عند حدّ معيّن دون محاولة توريط بن سلمان نفسه.. وهو ما يمكن أن يجعل هذا الأخير ممتنّا للرئيس التركي في ذلك.. ويرون أنّ هذه النقطة تحديدا هي التي يمكن أن تكون جوهر “الصفقة” بين البلدين.. خاصّة وأنّ الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يمكن أن يثمّن هذه الحركة من أردوغان مع حليفه السعودي.. وأن يغدق عليه بامتيازات وتنازلات أخرى عديدة في المقابل.. خاصّة في الملفّ السوري.. ويمكن أن يطلق يد تركيا في محيطها الإقليمي.. ويقوّي موقفها اتّجاه الإتّحاد الأوروبّي..
فكيف سيدير أردوغان الموقف في نهاية الأمر.. وهو الذي قال.. هو وأعضاء بارزين من حكومته.. بأنّهم سيضعون كلّ الحقائق المتوفّرة لديهم في ملفّ جمال خاشقجي أمام كلّ العالم بشفافيّة مطلقة..؟؟

يوم أمس الأحد أعلن الرئيس التركي بنفسه رسميّا بأنّه سيدلي بالمعلومات كاملة في ما يخصّ إغتيال جمال خاشقجي يوم الثلاثاء القادم.. أي يوم غد..
واليوم الإثنين أُعلِن في تركيا بأنّ الإجتماع الدوري للحكومة التركيّة برئاسة أردوغان سيتناول قضيّة خاشقجي بالنقاش.. بما قد يفيد بداية تحضير حكومة أردوغان للخطوات اللاّحقة لإعلان نتيجة البحث الجنائي غدا.. مثل الموقف من العلاقات مع السعوديّة.. والآثار المتوقّعة في السياسة الدوليّة للإعلان.. وتأثير ذلك على تركيا.. وكيفيّة إدارة الأزمة.. وخصوصا كيفيّة إدارة المسار القضائي للقضيّة.. مثل طلب سماع أو محاكمة المسؤولين السعوديّين عن القتل بتركيا.. وغيره الكثير..
وبدا لافتا بأنّ تصريح أردوغان أمس جاء فيه بأنّه سيقدّم تفاصيل مخالفة لمقتل خاشقجي.. في إشارة واضحة إلى أنّه سيقدّم رواية مختلفة تماما عن الرواية الرسميّة التي أطلقها النظام السعودي مؤخّرا..
وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى قوّة وحجيّة الأدلّة والمعلومات التي تمكّنت سلط التحقيق التركيّة من التوصّل إليها في الأخير.. وما إذا كانت قادرة فعلا على توجيه تهمة القتل إلى النظام السعودي في أعلى مستوياته.. أم ستحصر محدوديّة تلك الأدلّة التهمة حصرا في أعضاء فريق الإغتيال الذين جاؤوا إلى إسطنبول وغادروها في يوم تصفية خاشقجي بالقنصيّلة.. أو رّبما تلقي بظلال التورّط المباشر فيها فقط إلى بعض المسؤولين الأعلى منهم في أجهزة الدولة والأمن والمخابرات والجيش السعوديّة..؟؟

إنّ فوات ثلاثة أسابيع بالتمام والكمال على إغتيال الصحفي المعارض خاشقجي في سفارة بلاده بإسطنبول.. وإعلان رئيس تركيا أخيرا عن عزمه التحدّث شخصيّا في الموضوع وكشفه التفاصيل.. يوحي بأنّ عناصر الملفّ قد اكتملت في جزئها الرئيسي.. وأنّ ما لدى تركيا من معلومات ستكون على الأغلب ذات أهميّة كبرى.. وإلاّ لكان أردوغان ترك الأمر للمدّعي العام التركي.. أو في أحسن الحالات لوزير العدل أو وزير الداخليّة.. وعقدوا ندوة صحفيّة دوليّة في الموضوع تتناول المعطيات الفنيّة والقانونيّة والقضائيّة للجريمة..
لكنّ المتابع لمسيرة أردوغان وميوله الاِستعراضيّة سيتوقّع بأنّه جهّز نفسه لعرض اِستعراضيّ شيّق مليء بالتّفاصيل والمعلومات المثيرة والقويّة.. خاصّة وأنّه يدرك تماما بأنّ العالم سيتابع بتشويق بالغ خطابه الموعود.. وما سيقوله.. وسيقيّم قوّة المعلومات التي قد يدلي بها..
وإنّ أردوغان لن يجازف بأن يكون ما اختار أن يقدّمه شخصيّا وبنفسه أقلّ من مستوى رئيس مثله ينظر إلى نفسه بالكثير من الثقة والإعتداد بالنّفس..!!!

من المرجّح جدّا أن تصدر السلطات التركيّة أيضا ولاحقا بعد تصريحات رئيسها أردوغان.. مادّة إعلاميّة في شكل شريط فيديو توثيقي مثلا.. قد يتضمّن الكثير من تفاصيل عمليّة الإغتيال خاصّة مع توفّر مادّة مرئيّة.. وذلك بطريقة شبيهة بالفيديو التوثيقي الذي قدّمته شرطة دبيّ إبّان إغتيال محمّد المبحوح أحد قادة جماعة عزّ الدين القسّام الفلسطينيّة المقاومة للإحتلال الصهيوني والذي اغتالته المخابرات الإسرائيليّة في دبيّ.. وقد قدّمت سلطات دبيّ والإمارات حينها جميع صور المشاركين في العمليّة ولقطات فيديو حيّة من كاميرات المراقبة لنشاطهم وتحرّكاتهم.. منذ دخولهم المطار وحتّى خروجهم منه.. بما ساهم في كشف وفضح الجريمة وسبّب أزمات ديبلوماسيّة دوليّة للإسرائيليّين..

يحدث كلّ ذلك ولا تزال قطعة رئيسيّة في البحث الجنائي مفقودة.. وهي جثّة القتيل جمال خاشقجي..!!
وهو ما يحمل على الإعتقاد بأنّ قرار تركيا.. وأخيرا.. بالإعلان للعالم غدا الثلاثاء عن نتائج التحقيق الجنائي في اغتيال الخاشقجي.. يفترض معه إمّا أنّ تركيا وضعت في النهاية يدها فعلا على جثّة جمال أو أجزاء منها.. أو أنّها عرفت على وجه الدقّة مصيرها وما إذا كان وقع تهريب كامل الجثّة أو أجزاء منها إلى خارج تركيا.. أم وقع إتلافها أو دفنها أو إخفائها في تركيا..

كما يدرك أردوغان بأنّ دخوله في صراع مباشر بتوجيه تهمة القتل إلى النظام السعودي رأسا .. حتّى في شخص وليّ العهد محمّد بن سلمان فقط دونا عن والده الملك سلمان.. هو بمثابة إعلان حرب شرسة وباهظة التكاليف على دولة كبرى في حجم السعوديّة.. طالما لم يمتلك أدلّة وحججا قويّة ومقنعة ودامغة وحاسمة على أيّ إتّهام في ذلك الإتّجاه..!!

فهل يملك الرئيس التركي أردوغان اليوم فعلا معرفة بمصير جثّة الخاشقجي يقينا..؟؟
وهل يملك الرئيس التركي الآن أدلّة فعليّة عن أعلى مسؤول سعودي أعطى الأمر بقتل الصحفي السعودي المعارض ووجّه فريق الإغتيال لتنفيذ عمليّة التصفية في القنصليّة؟؟




قضيّة خاشقجي تكشف اِنهيار النّفوذ الأمريكي في الشّرق الأوسط

عندما يتعلّق الأمر بتوصيف الورطة الّتي تواجهها الولايات المتّحدة في السّعودية فأقصى ما يمكن أن يوصف به الرّئيس دونالد ترامب هو أنّه مرتزق.

فقد قال للصّحفيين في المكتب البيضاوي في مطلع الأسبوع إنّه إذا لم تحافظ واشنطن على صلتها الوثيقة بالسّعودية وتبيع لها السّلاح سيلجأ السّعوديون إلى موسكو أو بكين بدلا منها.

وفي ضوء ذلك بدا أنّه يشير إلى أنّ من واجب الولايات المتّحدة أن تحافظ على خططها لإتمام صفقة سلاح قيمتها 110 مليارات دولار وعلى 450 ألف وظيفة قال إنّ هذه الخطط ستجلبها.

وله في ذلك منطقه وهو منطق يفصح عن القضايا الجيوسياسية والأخلاقية الأشمل الّتي ينطوي عليها الأمر.

ففي أنحاء الشّرق الأوسط من تركيا إلى العراق والإمارات ومصر وغيرها، كلّما حاولت الولايات المتّحدة فرض إرادتها على حكومات يتزايد ميلها للحكم الاِستبدادي اِتّجهت تلك الحكومات ببساطة إلى وجهة أخرى.

فقد شهدت التّداعيات الفوضوية لما أطلق عليه الرّبيع العربي، والّتي شعرت فيها حكومات في المنطقة أنّ إدارة الرّئيس السّابق باراك أوباما اِنقلبت عليها في مواجهة اِنتفاضة شعبيّة، تدهورا سريعا في النّفوذ الأمريكي. وهذا بدوره يزيد من الصّعوبة الّتي تواجهها واشنطن للتّأثير في الأحداث ناهيك عن المطالبة بالتحوّل الدّيمقراطي وبضبط النّفس.

غير أنّ السّؤال الحقيقي قد يكون ما هو مدى اِستعداد أمريكا حقّا للحفاظ على دورها في المنطقة؟

فليس ثمّة شكّ في أنّ أمورا فظيعة تحدث في غرف التّعذيب وسجون خصومها وحلفائها على حدّ سواء. إلاّ أنّ ما ردّدته تقارير عن الوحشيّة الفظيعة الّتي تمّ بها تعذيب الصّحفي السّعودي جمال خاشقجي وقتله وتمزيقه في القنصلية السّعودية في إسطنبول هذا الشّهر قد يمثّل تحوّلا جوهريّا.

ولا يزال للولايات المتّحدة بعض التّأثير وهو ما يتّضح في السّرعة الّتي اِلتقى بها العاهل السّعودي الملك سلمان ووليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان هذا الأسبوع بوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.

ومن الواضح أنّ المملكة الغنيّة بالنّفط والقوّة العالمية العظمي البارزة تشعران أنّ كلاّ منهما يحتاج للآخر، وكما قال بومبيو في اللّقاءين فإنّ أيّا من الجانبين لا يريد الخوض في الحقائق الملموسة عن خاشقجي مفضّلا اِنتظار نتيجة التّحقيق الّذي تجريه الرّياض.

وقد بذلت إدارة ترامب والأسرة الحاكمة السّعودية جهدا كبيرا لإقامة علاقات وثيقة بينهما في العامين الأخيرين. غير أنّ قضيّة خاشقجي عملت فيما يبدو على تعظيم المخاوف القائمة من كلّ الجوانب حول قيمة هذه التّعاملات ومستقبلها.

وحتّى قبل الأزمة الأخيرة في العلاقات كانت أعداد متزايدة من أعضاء الكونجرس الأمريكي تريد وقف صفقات السّلاح الأمريكي وتناقش علنا فرض عقوبات على السّعودية. كذلك قطعت اِثنتان من شركات الضّغط الأمريكية الكبرى علاقاتهما مع الرّياض.

وينفي المسؤولون السّعوديون، حتّى الآن على الأقلّ، الضّلوع في أيّ عمليّة قتل وذلك رغم التّقارير الّتي ترجّح أنّهم سيقولون إنّ خاشقجي مات أثناء اِستجواب اِنحرف عن مساره.

إلاّ أنّه إذا كان أصحاب السّلطة ضالعين، كما هو معتقد، فيما حدث فسيشير ذلك إلى مدى اِستهانتهم بالضّغط الأمريكي والضّغط الغربي الأوسع نطاقا. مع ذلك فإنّ سحب الدّعم الغربي قد يزيد بعض الأمور سوءا من بعض الجوانب على الأقلّ.

ففي اليمن على سبيل المثال، حيث تقود الرّياض تحالفا ضدّ حركة تمرّد متحالفة مع إيران، ربّما تؤدّي حملة قصف جوّي سعوديّة تستخدم أسلحة وأساليب أكثر عشوائيّة على غرار ما تفعله روسيا- كما يحدث في سوريا- إلى مقتل المزيد من المدنيّين بخلاف الآلاف الّذين قضوا نحبهم بالفعل.

حتّى دول الشّرق الأوسط الّتي كانت في وقت من الأوقات تعتبر حلفاء معتدلين نسبيّا للغرب بدأت تتصرّف على أهوائها. فقد قالت خدمة بازفيد يوم الثّلاثاء إنّ الإمارات اِستعانت بمرتزقة أمريكيّين في مؤامرة اِغتيال فاشلة في اليمن.

وفي اليوم نفسه أعلنت الإمارات توجيه الاِتّهام لبريطاني يحضّر رسالة دكتوراه بالتجسّس بعد اِعتقاله أثناء رحلة لإجراء أبحاث. ومثل هذه التصرّفات تثير اِنزعاجا في لندن وواشنطن غير أنّه لا أحد يأبه لذلك تقريبا من زعماء المنطقة فيما يبدو.

والآن يعكس كلّ جانب من جوانب السّياسة في الشّرق الأوسط هذا الاِتّجاه. فعندما تفجّرت المظاهرات في سوريا في 2011 بذلت إدارة أوباما جهودا كبيرة في بحث أفضل السّبل لاِستخدام النّفوذ الأمريكي.

وتردّد أنّها اِختارت أسوأ الخيارات وشجّعت المعارضة دون أن تمنحها الدّعم الكافي لإحداث تغيير كبير. ومن الواضح أنّ القرار أصبح الآن في أيدي روسيا ونظام الرّئيس بشّار الأسد وأصبحت الولايات المتّحدة أشبه بالمتفرّج.

ورغم كلّ التّقارير الأخيرة عن إطلاق أنقرة سراح قسّ أمريكي مسجون، فقد بذلت تركيا في عهد الرّئيس رجب طيّب أردوغان جهودا غير مألوفة لتنأى بنفسها عن واشنطن وكان من أبرز مظاهر ذلك شراء نظام روسيّ للدّفاع الجوّي.

وفي الخليج لم تكن محاولات إدارتي ترامب وأوباما لتحسين العلاقات بين قطر حليفة الولايات المتّحدة والإمارات والسّعودية أفضل حالا من جهودهما لإدارة حرب اليمن.

وحتّى في العراق الّذي لا يزال يعتمد على المساعدة العسكرية الأمريكية كانت الحكومات المتعاقبة أكثر اِنفتاحا على النّفوذين الرّوسي والإيراني.

وهذا اِتّجاه من المرجّح أن يتسارع في السّنوات المقبلة. ومن المرجّح أن تكون أيّ إدارة ديمقراطية أمريكية مقبلة، أيّا كان من يقودها، أقلّ اِستعدادا من سابقاتها لخوض مغامرة عسكرية أو التقرّب إلى زعماء الشّرق الأوسط. كما أنّ الحكومات الأوروبيّة أكثر حذرا.

وتعتبر حربا العراق وليبيا تحذيرا جليّا من التورّط في المستقبل على الأقلّ فيما يتجاوز عمليّات مكافحة المتشدّدين كما حدث لتنظيم الدّولة الإسلامية في العراق وسوريا وغيرها.

وليس من الواضح أين تقع الخطوط الأخلاقيّة بل والعمليّة. وفي كثير من الأحيان أعود بفكري إلى الأيّام الّتي كنت فيها واحدا من الصّحفيين أغطّي الحرب في سريلانكا عند اِستئنافها في 2006.

فقد ساعدت فظائع الحكومة الّتي كتبنا عنها في دفع الغرب لخفض المساعدات العسكرية. وملأت الصّين وغيرها الفراغ بالكامل تقريبا بل وبأسلحة أكثر عشوائيّة واِرتفع عدد القتلى بسرعة صاروخيّة نتيجة لذلك.

وفي جوانب كثيرة يمثّل الشّرق الأوسط بأسره وخصوصا اليمن اِختبارا لهذا المأزق الجوهري ذاته. والأمر يغري بالقول إنّه يجب على الغرب ألاّ يلعب دورا في هذا السّياق لكنّ هذا في حدّ ذاته له عواقبه.

ومنذ فترة بدأ الصّبر الغربي على السّعودية ينفد لأسباب ليس أقلّها غضّ الرّياض الطّرف منذ فترة طويلة عن الدّعم الدّاخلي للتطرّف الإسلامي بل والتشدّد الدّيني في الخارج في بعض الأحيان.

وإذا لم يكن اِختفاء خاشقجي القشّة الأخيرة فربّما يكون من الواجب أن تكون تلك القشّة كارثة إنسانية تتكشّف فصولها في اليمن.

وقد يتّسم توصيف ترامب للوضع بالبلادة غير أنّه أصاب في تحديد مدى الصّعوبة، وربّما في الوقت نفسه مدى التّفاهة، الّتي أصبحت عليها الخيارات المتاحة أمامه وأمام من يخلفه.

(بيتر آبس/ من كتّاب المقالات عن الشّؤون العالميّة في رويترز)




رويترز: ساعة أبل وطائرة مستأجرة وسيّارات غامضة.. خيوط رئيسيّة في البحث عن خاشقجي

 

اِعتقد جمال خاشقجي الصّحفي السّعودي المخضرم أنّه آمن في تركيا. وكان خاشقجي يقيم في منفاه الاِختياري في واشنطن منذ أكثر من عام ويكتب مقالات لصحيفة واشنطن بوست دأب خلالها على توجيه اِنتقادات لحملة بلاده على المعارضين وحربها على اليمن والعقوبات الّتي تفرضها على قطر.

ونقل عنه أصدقاؤه وزملاؤه قوله إنّ بإمكانه الكتابة بحرّية في الولايات المتّحدة وهو ما يعدّ مستحيلا في بلده لكنّ القلق بدأ يساوره بشكل كبير من اِحتمال تعرّضه للأذى هو أو أسرته من جانب الرّياض.

وكان لخاشقجي أصدقاء أيضا في مناصب مرموقة في تركيا بينهم مستشارون للرّئيس رجب طيب أردوغان. لذلك فإنّه عندما دخل مقرّ القنصلية السّعودية في إسطنبول في السّاعة الواحدة بعد الظّهر يوم الثّلاثاء الثّاني من أكتوبر كان يأمل أن تكون المقابلة قصيرة، فهي مجرّد مهمّة روتينية بسيطة ستتيح له الزّواج من خطيبته التّركية الّتي اِلتقى بها قبل أربعة أشهر.

وقال ياسين أقطاي مساعد أردوغان والصّديق المقرّب لخاشقجي “كان يقول إنّ الدّولة الأكثر أمانا في العالم للسّعوديين هي تركيا”.

ولم يره أيّ من أقاربه أو أصدقائه منذ ذلك الحين.

وقال مسؤولون أتراك إنّهم يعتقدون أنّ خاشقجي (59 عاما) قُتل داخل القنصلية.

ورفضت السّعودية بشدّة هذا الاِتّهام. وقال سفير المملكة لدى الولايات المتّحدة الأمير خالد بن سلمان، إنّ التّقارير الّتي تشير إلى اِختفاء خاشقجي داخل القنصلية في إسطنبول أو إلى أنّ السّعودية قتلته “زائفة تماما ولا أساس لها من الصحّة” وهي نتاج “تسريبات خبيثة وشائعات مغرضة”.

وأضاف السّفير في بيان “جمال مواطن سعوديّ فُقد بعد مغادرة القنصلية” وقال إنّ المملكة أرسلت فريقا أمنيّا للعمل مع السّلطات التّركية مؤكّدا أنّ الهدف هو الكشف عن الحقيقة وراء اِختفائه.

وقدّم مسؤولون أتراك في أحاديث صحفيّة تفاصيل جديدة عن تحقيقاتهم في اِختفاء الصّحفي السّعودي.

وكشف مسؤولان تركيّان بارزان عن وجود شيء قد يوفّر خيوطا مهمّة لمعرفة مصير خاشقجي: وهو ساعة أبل سوداء كان يرتديها عندما دخل القنصليّة. وقالوا إنّ السّاعة كانت متّصلة بجهاز هاتف محمول تركه بالخارج.

وينصبّ اِهتمام المحقّقين كذلك على 15 سعوديّا دخلوا القنصلية في نفس الوقت تقريبا الّذي دخل فيه خاشقجي وغادروا بعد فترة وجيزة. وقال المسؤولون إنّ هؤلاء الرّجال وصلوا قبل بضع ساعات قادمين من الرّياض أغلبهم على متن طائرات خاصّة، وبحلول نهاية اليوم كانوا في طريقهم عائدين للمملكة.

وقالت صحيفة صباح التّركية، اليوم الأربعاء، إنّها حدّدت هويّة الرّجال وأنّهم أعضاء في فريق مخابرات سعودي وكان بينهم خبير في الطبّ الشّرعي. ولم يفنّد مسؤول تركيّ ذلك.

وقال أحد المسؤولين إنّ المحقّقين يحاولون تعقّب مركبة غادرت القنصلية السّعودية في الوقت الّذي غادرتها فيه سيّارتان متّجهتان للمطار، لكنّ هذه المركبة لم تتوجّه إلى المطار بل اِنطلقت في الاِتّجاه العكسي.

وتستند هذه الرّواية إلى لقاءات مع مسؤولين أتراك ومع خطيبة خاشقجي وأكثر من 12 من أصدقائه الّذين قدّموا تفاصيل عن حالته النّفسية في الأيام السّابقة على اِختفائه. وقدّموا تفسيرات عن سبب ذهابه إلى القنصلية السّعودية في إسطنبول وليس للسّفارة السّعودية في واشنطن حيث يقيم.

وتهدّد قضيّة اِختفائه بحدوث شقاق بين السّعودية وتركيا وبين الرّياض وحلفائها الغربيّين، وقال الرّئيس الأميركي دونالد ترامب يوم التّاسع من أكتوبر إنّه يعتزم التحدّث مع المسؤولين السّعوديين بشأن اِختفاء خاشقجي.

ويهدّد لغز اِختفائه كذلك بتقويض مساعي وليّ العهد السّعودي محمّد بن سلمان لجذب اِستثمارات أجنبية وشركات تكنولوجيا متطوّرة للبلد المعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النّفط.

وقال مسؤول كبير في الحكومة التّركية ومسؤول أمني بارز إنّ الجهازين المتّصلين هما محور التّحقيق في اِختفاء خاشقجي.

وقال المسؤول الأمني “تأكّدنا من أنّه كان يرتديها (السّاعة) عندما دخل القنصليّة”. ويحاول المحقّقون تحديد طبيعة المعلومات الّتي بثّتها السّاعة. وأضاف المسؤول “جهاز المخابرات ومكتب الاِدّعاء وفريق تقني يعملون على ذلك. تركيا ليست لديها السّاعة لذا فإنّنا نحاول القيام بذلك عن طريق الجهازين المتّصلين”.

ويقول خبراء تقنيون إنّ أيّ ساعة أبل يمكن أن ترسل بيانات مثل موقع الشّخص ومعدّل نبضات قلبه. لكن ما يمكن أن يجده المحقّقون يعتمد على طراز السّاعة وإن كانت متّصلة بالإنترنت وما إذا كانت قريبة بالقدر الكافي من هاتف آيفون لبثّ البيانات.

وأبلغ مصدران أمنيّان تركيان رويترز بأنّ تسجيلات كاميرات المراقبة أظهرت أنّ خاشقجي لم يغادر القنصليّة من أيّ من مخرجيها الإثنين.

وأضافا أنّ 15 سعوديا دخلوا المبنى في الوقت ذاته الّذي دخل فيه خاشقجي بعد أن وصلوا إسطنبول في وقت سابق من ذلك اليوم، معظمهم على متن طائرة خاصّة من الرّياض بينما جاء بعضهم على متن رحلات تجاريّة.

وتابع المصدران أنّ الرّجال غادروا القنصلية بعد فترة من الوقت في سيّارتين وعادوا إلى المطار. وقالا إنّ سيّارة ثالثة غادرت في الوقت ذاته لكنّها تحركت في الاِتّجاه المعاكس. ويحاول محقّقون تتبّع مسارها بتحليل بيانات كاميرات المراقبة. وأحالت القنصلية في إسطنبول التّساؤلات بشأن الرّجال الخمسة عشر والسيّارات الّتي تحرّكوا فيها إلى السّلطات السّعودية الّتي لم تردّ على طلب للتّعقيب.

وقال أحد المصدرين الأمنيّين “إنّه وضع غامض للغاية. دبلوماسيّون حضروا في طائرات خاصّة ومكثوا في تركيا لعدّة ساعات ثمّ غادروا. كان من السّهل عليهم أن يجتازوا الإجراءات الأمنيّة بسبب حصانتهم الدّبلوماسية”.

ووفقا لموقع فلايت تراكر وهو نظام لتتبّع الرّحلات، فإنّ طائرة خاصّة نقلت تسعة من الرّجال في السّاعات الأولى من الثّاني من أكتوبر وكانت مسجّلة لدى شركة تدعى سكاي برايم لخدمات الطّيران. وأكّد مسؤول من الشّركة أنّها تملك الطّائرة وأنّها اُستخدمت يوم الثّاني من أكتوبر لكنّه لم يذكر تفاصيل أخرى. وذكر أنّ الشّركة مملوكة لشركة خاصّة مسجّلة في السّعودية. وقال مصدران في الصّناعة إنّ الشّركة مملوكة للحكومة السّعودية. ولم تردّ الشّركة على طلب للتّعقيب.

وقال المصدر الأمني إنّ الستّة الباقين وصلوا على متن رحلات تجارية. ونزل الرّجال الخمسة عشر لفترة قصيرة في فندقين هما موفنبيك وويندهام القريبان من القنصلية السّعودية. ورفض الفندقان التّعقيب.

وأبلغ مصدر سعودي رويترز بأنّ المخابرات البريطانية تعتقد أنّه كانت هناك محاولة لتخدير خاشقجي داخل القنصليّة اِنتهت بإعطائه جرعة زائدة. وأضاف أنّ المعلومات جاءت من مصدر في المخابرات البريطانية. وعندما اِتّصلت بها رويترز، رفضت المخابرات البريطانية التّعقيب. وقال مسؤول سعودي عندما سُئل عن هذه الرّواية إنّ هذه “الميتة غير حقيقيّة”. (عن شبكة رصد)




متابعات/ كتاب: في الإجابة عن سؤال: ما السّلفية؟

صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات كتاب جديد للدّكتور عزمي بشارة بعنوان في الإجابة عن سؤال: ما السّلفية؟ والكتاب دراسة وافية ومعمّقة عن السّلفية. وتلحظ مقدّمة الكتاب أنّ السّلفية قد لحقها مقدار كبير من التّعريفات والشّروح والاِستعمالات المتباينة، فما برح الدّارسون والباحثون يتداولون هذا المصطلح إمّا بالتّبسيط الّذي يُخلُّ بالمعنى، أو بالنّقول المتواترة الّتي لا تضيف أيّ جديد على ما قاله الأسلاف. غير أنّ هذا الكتاب، خلافا لذلك، ينأى تماما عن إعادة تدوير كتابات السّلف، كما درجت العادة عند الكُتّاب التّقليديين، بل يقتفي أثر العلم والبحث التّاريخي التّحليلي والتّفكير النّقدي، فلا يدرس السّلفية بوصفها مفهوما مجرّدا ذا معانٍ اِختزالية، بل بوصفها مصطلحا له تاريخ، وله منشأ تاريخي، وخضع في سياقه التّاريخي لتعديلات مهمّة في معناه ودلالاته معا، إذ إنّ مفهوم السّلفية لم يبقَ واحدا، بل صار متعدّدا، وصارت لدينا سلفيذات لا سلفيّة واحدة، كالسّلفية الإصلاحية والسّلفية الدّعوية والسّلفية العلمية والسّلفية الجهادية … إلخ.

يحفر عزمي بشارة أثلاما في التّاريخ الإسلامي، في محاولة لتأسيس مدخل علمي نقدي تحليلي يُمكِننا من خلاله فهم السّلفيات في تطوّرها التّاريخي والدّلالي بما في ذلك العلاقة بين السّلفية والوهابيّة، بوصف الوهابيّة إحدى السّلفيات المحدثة وليست السّلفية، وإشكالية العلاقة بين سلفية “أهل الأثر” القدامى وسلفية اِبن تيمية، وصولا إلى السّلفية (الوهابية) المحدثة، ومحاولة تجذير نفسها في الماضي “السّلفي”، مماهية بين الحنبلية والسّلفية، وصولا إلى تحليل السّلفية الإصلاحية الحديثة وإشكالية علاقتها بالحداثة ومسائل اِستيعاب التقدّم العلمي والحضاري، والجمع بين الدّعوة الوطنية والدّعوات التّحديثية العصرية مثل سلفيات علاّل الفاسي ومحمّد عبده ورشيد رضا الإصلاحية.

يتألّف الكتاب (255 صفحة بالقطع الصّغير، موثّقا ومفهرسا) من أربعة فصول متكاملة. يبحث الفصل الأوّل، “عن السّلفية”، في معنى السّلفية الّذي يكاد ينحصر في ثلاث: العودة إلى الكتاب والسنّة، ونبذ البدع، وإنكار المحدثات. ثمّ ينبري الكتاب لمناقشة بعض نظرات الاِستشراق إلى هذه المسألة، ومساءلة مفهوم آخر مرتبط بالسّلفية هو مفهوم الأصوليّة كما يستخدم في أدبيّات دراسات الشّرق الأوسط المعاصرة، مبيّنا التّعارض بينه وبين المفهوم الكلاسيكي الإسلامي للأصوليّة، واِنتشاره كأنّه “كليشيه” مفهوميّة قارّة من دون تمحيص وتبصّر نقدي، بهدف فهم الدّلالات التّاريخية لمفهوم السّلفية خارج تلك “الكليشيهات” السّائدة والمهيمنة على آليّة إنتاج الأفكار.

يتصدّى الفصل الثّاني، “عن التّكفير”، لبحث مصطلح “التّكفير”، ويجول في شعاب التّاريخ الفكري للجماعات الإسلامية المبكّرة كالخوارج والمرجئة، ثمّ موقع التّكفير في منظومة اِبن تيمية وفتاواه في الإسماعيليّة النّزارية والإثني عشرية، وتمييزاته بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن … إلخ، صعودا نحو الحركات الجهادية الإسلامية الّتي اِعتنقت التّكفير، وظهرت في مصر في ستّينيات القرن العشرين وسبعينيّاته.

في الفصل الثّالث، “السّلفية والحركات الإسلامية”، يناقش المؤلّف كيف تحوّلت الوهابيّة من دعوة إلى مؤسّسة مع تبنّي اِبن سعود وأبنائه من بعده تلك الدّعوة وقولبتها في مؤسّسة دُعيت “هيئة كبار العلماء”. على هذا الغرار، ظهر كثير من المؤسّسات الّتي تحوّلت لاحقا إلى تيّارات سياسية، كان بعضها متصادما مع الصّوفية المدينيّة الشّعبية الّتي تمثّل التديّن الشّعبي مقابل التديّن الفقهي المؤسّسي. في هذا الفصل بحث وافٍ عن “الإصلاح” الوهابي وعن ظهوره في بوادي نجد، وعن الحركات “الإصلاحية” الأخرى كجماعة الإخوان المسلمين الّتي أنشأت بنيتها التّنظيمية على منوال الأحزاب اللّينينية صاحبة مبدأ المركزية الدّيمقراطية الّذي بات على يدَي حسن البنّا مركزية شوروية مُعلِمة لا مُلزمة. وتوصّل بشارة إلى خلاصة تقول إنّ الحركات السّلفية إنّما هي حركات حديثة نشأت في العالم الحديث بآليّات التّنظيم الحديثة ونتيجة لضغوط العالم الحديث، وإنّ من غير الممكن أن نفهم نصوص سيّد قطب مثلا من دون فهم اِغتراب المثقّف الشّرقي عن الحضارة الغربية وفي الدّولة الحديثة وفي مواجهة الأيديولوجيات القومية والطّبقية والعلمانية والتّحديثية الجذريّة. ويتشعّب المؤلّف في النّظر إلى الدّوافع العميقة لظهور التّكفير وإلى كوابحه في الوقت نفسه، ويمعن في عرض الأفكار الّتي تطلق باب التّكفير على مصراعيه مثل مفهوم “الحاكميّة” لدى أبي الأعلى المودودي، ولدى سيّد قطب في كتابه معالم فيالطّريق، فضلا عن أفكار مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأوّل، حسن البنّا، وما قابلها من أفكار تحديثيّة مثل أفكار طه حسين وأفكار اللّيبراليين المصريّين عموما.

خاتمة الكتاب هو الفصل الرّابع، “الوهابيّة في هذا السّياق”. والمؤلّف يصرّ على أنّ حركة محمّد بن عبد الوهاب بدت أشبه بتأسيس دين جديد عبر تخيّل المطابقة مع الإسلام في ظهوره الأوّل من حيث المنهج ونشر الدّعوة، ومن خلال مقارنة الجاهليّة الّتي سبقت دعوة النبيّ محمّد بالأوضاع في نجد في عصر محمّد بن عبد الوهّاب. وفي هذا المجال، كتب محمّد بن عبد الوهّاب كتابا عنوانه مسائل الجاهلية، وتبعه محمّد قطب في كتابه جاهليّة القرن العشرين، وتبحّر سيّد قطب في تأصيل عبارة الجاهلية في كتابيه في ظلال القرآن ومعالم في الطّريق.

لاحظ المؤلّف أنّ الوهابية ما كان في إمكانها أن تنتصر في الجزيرة العربية لولا سياقها النّجدي، وتحالفها القبَلي مع آل سعود، وهذا يعني اِنفصال زعامة الدّعوة (محمّد بن عبد الوهّاب) عن زعامة البلاد والعباد (محمّد بن سعود)، خلافا لما كان الأمر عليه في مرحلة الإسلام الأولى حين كان النبيّ هو صاحب الدّعوة وهو الإمام في الوقت ذاته. كما لاحظ بشارة أنّ الوهابية تصادمت طويلا وعلى نحو جذريّ مع التديّن الشّعبي، وحاولت فرض أنماط جديدة من التديّن على النّاس، الأمر الّذي أدّى إلى تبرّم العامّة منهم، والنّظر إليهم على أنّهم فاتحون بالقوّة والتغلّب.

يوضّح المؤلّف أنّه لا يتّفق مع مماثلة الوهابيّة والبروتستانتية حتّى مع وجود بعض التّشابه بين مارتن لوثر ومحمّد بن عبد الوهّاب، خصوصا في سرعة التّكفير والقسوة في فرض مظاهر الدّين على العامّة، ثمّ التمرّد على الكنيسة الرّسمية الّتي ستوازيها مشيخة دار الإسلام العثمانيّة. يرى المؤلّف أنّ الوهابيّة هي، في الأصل، تيّار صغير ذو توجّه طهراني تقشّفي، ولم يخرج من الجزيرة العربيّة إلاّ إلى قبائل التّخوم في مواسم غزوات البدو الموسمية على أرياف الشّام والعراق. لكنّ الوهابيّة صارت حركة دعوية وتبشيرية من جرّاء مأسسة العلاقة بين الدّعوة والسّلطة، وبزوغ ريعيّة الدّولة والمجتمع نتيجة عوائد الثّروة النّفطية السّعودية، وفي سياق الصّراع بين المحور المصري والمحور السّعودي في ستّينيات القرن المنصرم، والاِستغلال الاِستعماري الغربي للوهّابية في محاربة المحور الرّاديكالي العربي بزعامة جمال عبد النّاصر ومحاربة اليسار والشّيوعية باِسم الإسلام. ويعقد الكاتب مقارنة مهمّة بين الوهّابية الأولى والسّلفية الجهادية المعاصرة، ويستعيد مشاهد دخول الوهّابية إلى كربلاء في عيد الغدير في 22 أفريل 1802 وذبحهم كلّ من لقيهم في طريقهم كالشّيوخ والنّساء والأطفال، ونهب كلّ ما وقع في أيديهم بما في ذلك المرقد المقدّس. وكذلك دخول سعود بن عبد العزيز إلى مكّة في 25 ديسمبر 1802 وإعدامه قاضي المدينة منيب أفندي ومعه عشرون من المشايخ، علاوة على هدمه القباب والمشاهد التّركية.

يمثّل هذا الكتاب مساهمة مهمّة على المستويين النّظري والتّحليلي التّاريخي النّقدي في فهم ظاهرة السّلفية على مختلف اِتّجاهاتها، ويتميّز بقدراته التّفكيكية للمفاهيم الشّائعة والمبسّطة القارّة عنها، متحدّيا لها، وفاتحا أفق معرفة جديدة بها.