بقلم الأستاذ رياض الشعيبي: هل يمكن للفوضى أن تكون حلاًّ

رياض الشعيبي*

الأستاذ رياض الشعيبي*

لن أناقش مفهوم الفوضى من منظور فلسفي فأنا أعرف أنّ فقهاء الفلسفة وحدهم من يستطيع أن يُحِلّ الحرام ويُحرِّم الحلال بإعطاء طابع منطقي أو بسحبه عن أيّ شيء كمجرّد الحديث عن “الفوضى الخلاقة”. أمّا في واقع الحياة فلا قيمة إلاّ للأحقّية من جهة شرعية أيّ فعل ما، وللصّلوحية من زاوية النّجاعة والفائدة. ذلك أن الدعوات المتكررة للفوضى باعتبارها حلاّ للأزمة الحالية في تونس، لم تتضمّنها فقط أدبيات الجماعات الإرهابية العدمية، أو لوبيات الفساد المستفيدة من ضعف الدولة، إنّما بات ذلك واضحا في خطاب مجموعات سياسية وإيديولوجية، بعضها في انسجام تام مع إستراتيجيتها في التغيير، ولذلك حافظت على نفس الخطاب منذ الثورة، والبعض الآخر اضطرارا أمام يأسها من تغيير موازين القوى بسرعة تجعلها المستفيد الأكبر منها. بل تبدو بعض القوى السياسية في الحكم وكأنّها تدفع للفوضى من أجل التبرير للتخلص من شراكتها مع أطراف أخرى.

يبدو إذن وكأن المشهد الغالب على الساحة السياسية بات يراهن على الفوضى من أجل تحقيق أهدافه السياسية، رغم تناقض هذه الأهداف إلى حد التنافي. فالمراهنون على الفوضى باعتبارها حلا، يستفيدون من استفحال الأزمة الحالية للادعاء بأنّه لا يوجد حلّ ولذلك يجب أن نغيّر قواعد اللعبة.

لكن قبل أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، دعنا نغوص في تحليل هذا الواقع المتأزم المدفوع عن قصد أو المتشكل ذاتيا لنفهم مفردات هذا الرهان على الفوضى. فما من شك في أن ما نعيشه من انسداد سياسي واجتماعي بعد ست سنوات من ثورة الحرية والكرامة، منذر بأزمات مؤسساتية وشعبية خطيرة. فمسار التوافق السياسي الذي سلكته بعض القوى الحزبية انتهى أخيرا إلى حيث كان المنطلق، الانقسام والتجاذب الحاد وحتى الخطابات الاقصائية من هنا وهناك. وعوض أن نشهد استقرارا مؤسساتيا ضروريا لإدارة الدولة، بتنا نعيش على وقع رِدّة سياسية ودستورية تحت ذريعة عدم ملائمة الدستور البرلماني للوعي الجمعي الشعبي الرئاسي. وما ذلك إلا تنقيبا عن المسوّغات للعودة لنمط الدولة التسلطية التي ثار عليها الشعب التونسي بعد أكثر من خمسة عقود من تأسيسها. فرأينا رئيسا للجمهورية يتجاوز صلاحياته في العلن قبل السر، ينطلق في ذلك من ارتباطه بنموذج مؤسس دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة، وهو يحدّث نفسه أنه سيكون المؤسس الثاني للدولة التونسية؛ آخر حلم يتعلق بستاره وقد أدرك خريف العمر. وفي ذلك وأد لحلم التونسيين في أن يكونوا أصحاب دولتهم، لا سلطة فيها تعلو على سلطتهم. فلقد أصبح رئيس الجمهورية المؤتمن على حسن تطبيق الدستور والضامن للنظام الجمهوري، هو العائق الأوّل اليوم أمام استكمال تنزيل الدستور التونسي، في الواقع، باغتصابه لصلاحيات بقية المؤسسات السيادية، والمهدد للجمهورية، بما أضفاه من تدخل مباشر وغير مباشر في الصراع السياسي، لاسيما داخل حزبه من أجل تقوية نفوذ عائلته السياسي، فضلا عن النفوذ المالي الذي بدأ يتعاظم بما يعيد لذاكرتنا صورة بائسة عن نظام المخلوع. ومرة أخرى يتحول الحكم في تونس إلى إدارة للمصالح وتوزيع للمواقع داخل الدولة وتخطيط لاستدامة الاستمرار في السلطة، بعيدا عن الانشغال بوضع حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن التونسي. والمتابع لاهتمامات رئيس الجمهورية وحاشيته يتبين بوضوح حقيقة المشاكل والأولويات التي يشتغل عليها. في حين تبقى مآسي مئات آلاف الشباب العاطل عن العمل، والعزلة والتهميش الذي تعاني منه عديد الجهات، والأزمة الاجتماعية المطلة برأسها من خلال ميزانية 2017، كل ذلك لا يعنيه في شيء، بل يعتبرها قضايا هامشية أمام قضيته الرئيسية متمثلة في التخلص من شريكه في التوافق وترتيب الأرضية لاستمرار نفوذ عائلته المستقبلي.

في مقابل ذلك، تتزايد حدة الأزمة الاجتماعية، الناتجة في جزء منها، عن خيارات اقتصادية حكومية أثبتت فشلها في تونس منذ ربع قرن، والناتجة في جزء آخر على تفشي الفساد ما أفسد كلّ ممكنات المجتمع لصناعة نهضته الشاملة، والناتجة في جزء ثالث على هيمنة خارجية على مقدرات هذا الشعب واستغلالها بشكل غير عادل وتحويل البلاد إلى سوق استهلاكي لمنتجات مستوردة بديلة عن نظائرها الوطنية. واليوم تزداد معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، وينحصر الشعور بالانتماء الوطني لدى فئات مهمشة واسعة الانتشار بسبب الفشل في مهمة الإدماج الاجتماعي، ويتحول كل ذلك إلى شعور عام باليأس والإحباط بعد أن تكررت تصريحات المسؤولين الرئيسيين في الدولة من عجزهم على تقديم حلول ناجزة لهذه المشاكل. ما يزيد في تأزيم هذا الوضع هو عدم تبلور بديل حتى الآن يقلب موازين القوى في البلاد، ويفرض روزنامة انتخابية تكرس التداول على السلطة، في وقت لم يعد للسلطة الحاكمة فيها أية قدرة على إدارة البلاد. وفي الحقيقة، فإنّ حداثة العمل الحزبي المفتوح في تونس ساهم في تعطل تشكيل هذا البديل، فرغم انحصار شعبية أحزاب التوافق الحكومي، إلا أن أسبقيتها التنظيمية، وليس انتشارها الجماهيري، مثّل سبقا مهما في معركة موازين القوى في الواقع. ورغم أن مجموع أحزاب التوافق الحكومي، في نوايا التصويت لا يتجاوز الآن ثلث المستجوبين، فضلا عن أغلبية تفوق نصف الناخبين لا تنوي التصويت أصلا، رغما عن ذلك فإن تفوقها التنظيمي، وبناءها الهيكلي يمكنها حتى الآن من الاستمرار في مقدمة القوى السياسية في البلاد. كما أن الحداثة التنظيمية للقوى السياسية الصاعدة وهشاشة بناءها الهيكلي، وعدم امتلاكها منابر تستطيع من خلالها إيصال صوتها ونشر رؤيتها، كل ذلك ساهم بشكل حقيقي، زيادة على أسباب أخرى داخلية وخارجية، في تجميد العملية السياسية، حتى بدا وكأننا إزاء ديمقراطية يمينية محافظة هدفها تحويل الصراع من المجال غير السياسي إلى الفضاء السياسي دون تغيير حقيقي في موازين القوى. لكن ما ينغص على رواد الديمقراطية التوافقية المتأزمة في تونس فرحتهم، هو تفجر الوضع الاجتماعي وعدم استقرار الوضع الإقليمي، هذا طبعا ينضاف إليه عدم الإيمان الحقيقي من طرف بعض هذه القوى بالتوافق منهجا للعمل المستقبلي.

في الحقيقة، إن الرهان على الفوضى يستبطن خلفيات إيديولوجية وسياسية مفسرة لمثل هذه المقاربات على غرار:

  • الإيمان العميق بالعنف والإقصاء باعتباره آلية ناجعة وسريعة لتغيير موازين القوى والهيمنة على الخصوم. وليست عقلية إدارة الدولة التسلطية من بورقيبة إلى بن علي ببعيدة عن هذه المقاربة، خاصة عندما نجد منظرين وفاعلين رئيسيين في ممارسة العنف والاجتثاث، قد عادوا اليوم ليصبحوا من أركان السلطة السياسية بعد انتخابات 2014. مثالنا على ذلك واضع نظرية “تجفيف المنابع” الذي أصبح مستشارا لدى احد الرئاسات الثلاث، وغيره كثر. لكن نظرية العنف باعتباره حلاّ، مرتبطة أيضا بالقدرة على التغيير الاجتماعي، فبعض المقولات الإيديولوجية التي خبرناها جيدا ومسلكية سياسية لبعض الأطراف التي تُسوِّق لخطاب العنف والإقصاء من منظور إيديولوجي، تحفر منذ سنوات بؤرا للتوتر تريد أن تحوله إلى حالة من الفوضى التي تعتقد أنها ستغير حتميا موازين القوى لصالحها.
  • اليأس المرّ من إمكانية التغيير في أفق زمني معيش، يجعل من أصحاب هذه الخلفية قادرين على تحقيق استفادة شخصية رمزية أو مادية، من أية عملية تغييرية. فالتسرع واللاتاريخية هي ما يدفع البعض لاعتبار الفوضى حلا، باعتبار الفوضى تفسح المجال لانقلاب في موازين القوى بعيدا عن الشروط الذاتية خاصة المؤهلة لقيادة هذا التغيير، وليس ذلك لنقص في المؤهلات ولكن لضعف في الاقتدار أحيانا.

في اعتقادي، إن هذا الإيمان بالعنف أو/والإحساس بالعجز هو ما يدفع لهذا النمط من التفكير اللاتاريخي، الذي يرى أنه ما من حلّ إلاّ الفوضى. لكن أي تنظير للفوضى، أو دفع في اتجاهه لا يمكن أن يتضمن أي أفق سياسي مفتوح، ولا يمكن إلاّ أنّ يعود بنا سريعا للاستبداد والديكتاتورية، مهما كان شعارها ثوريا أو نمطيا على منوال دولة الاستبداد، ولا يمكن حتى أن يحافظ على الحد الأدنى من العيش المشترك. بل إن ما نلاحظه من توافق على استدامة الأزمة والدفع للفوضى “الخلاقة”، قد لا يغير فقط من قواعد اللعبة، وإنما قد يجعلنا نفقد الشروط الضرورية لأية لعبة ممكنة.

*رياض الشعيبي؛ مفكّر وسياسي من تونس

مقالات الرّأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها




محمد القادري يكتب: تجلّيات الدفاع عن الوطن

download

“وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه * * * نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي”

محمّد القادري*

محمّد القادري*

لايمكن الدفاع عن الوطن، عن قضاياه الكبرى، عن رهاناته المستقبلية والمصيرية بنوع من الخوف أو الحسابات التكتيكية الضيقة، خاصة إذا كان هذا الوطن يشهد نكوصا على مستوى تأهيل المواطن، وإدماجه في المنظومة الكونية للدفاع عن الأوطان، كما نتابعها عند الأمريكيين، كتجلٍّ قويٍّ لمظاهر إبراز الذات، أو عند الدول الاسكندنافية، كتجلٍّ هادئ لتقدم متحكم فيه، أو عند إيران، كتجلٍّ لإرادة قوية من قبل المسؤولين الذين اختاروا أن يلعبوا دورا وطنيا حقيقيا.
الوطن للجميع؛ هذا على مستوى التنظير وبيع الوهم. الوطن للقلة؛ هذا على مستوى الواقع العربي عموما والتونسي خصوصا. من هنا أصبح الدفاع عن الوطن مهمة كل التونسيين، وخاصة الطبقة المسحوقة، الطبقة المفعول بها، الطبقة المهمشة، الطبقة المعدمة.
لماذا أصبحت الدعوة إلى الدفاع عن الوطن دعوة ملحة وضرورية ولازمة؟
للجواب عن هذا السؤال الذي يتردد عندنا جميعا، بطرق مختلفة وبصيغ متعددة، علينا فقط أن نعاين ما يجري، أن نتابع الأحداث وطريقة معالجتها، أن نراقب مستوى تطورنا في جميع مفاصيل حياتنا. يمكن النظر إلى مستوى التعليم؛ أهم ركائز التطور الحضاري للأمم، النظر الى مستوى مختلف خدمات المواطن. أهم مؤشر لقياس استجابة النظام لحاجيات المواطن. النظر إلى مستوى المسؤولين العلمي والمعرفي للوقوف على بوصلة الوطن وإلى أين يتجه، النظر إلى مثقفيه لمعرفة طبيعة خاماته ومعادنه الإنسانية، النظر إلى مستوى جامعاته ومؤسساته البحثية.
الدفاع عن الوطن لا يقتصر فقط على رفع البندقية والاعتكاف عند الحدود الجغرافية، وتبادل إطلاق النار مع العدو، رغم شرف المهمة ونبلها. فهناك دفاع آخر لايقل أهمية وقدسية، إنه بالدرجة الأولى يكمن في تحصين المواطن ضد أمراض الفشل والإحباط والجهل والفقر، فهذه هي الأمراض الاجتماعية التي يصعب معالجتها أو تداركها. لايمكن لقائد يفتخر بشخصه أن يقود أمة من الجهلة والجبناء والمعوزين. فهذا وحده كافٍ للتدليل على فشله الشخصي وعلى ضرورة تغييره بقائد يمتلك نخوة وعزة نفس وكبرياء، بحيث يخرج شعبه من الظلمات إلى النور، من الجهل إلى العلم، من الفقر إلى الرفاه، من الخوف إلى الإقدام، من التبعية إلى الإستقلالية. ففرد واحد يستطيع هزم جيش بكامله في عالم اليوم.
أصبحت أخطاء الحكومة والنظام تمثل وصمة عار على جبين الوطن الراهن. وزراء دون مستوى مناصبهم، ومستشارون قصارى طموحهم أن يجمعوا الثروات، وينهبوا خيرات الوطن. ومثقفون مدجنون إلى درجة الانبطاح والتكلس، وشعب لاحول له ولاقوة في تغيير واقعه. وكأن الفقر والجهل والخوف هي الصفات التي خلق الله سبحانه وتعالى عليها هذا الشعب.
ربما ضاع الإنسان التونسي -العربي- مع ضياع علمائه وفقهائه، ومفكريه و سياسيّيه، فهم يعتبرونه دائما جاهلا أميا غير مسؤول مازال لم يرتقِ بعد إلى درجة المواطنة فهو إلى الآن يسمى رعية. أما علماء الفيزياء فيرون أنه لو اتّسقت كل ذرات الإنسان في نسق واحد لاختفى عن الأنظار؛ بمعنى أن الإنسان طاقة لا حد لها، وأما الرياضيون فيعتبرون الإنسان معادلة رياضية لا نهائية وإن توصل العلم اليوم إلى معادلة الحمض النووي، فهذا الحد يمثل للرياضيات جدار بلانك الفيزيائي. أما علماء الاقتصاد فإنهم يجعلون الإنسان مركز الثروة ومحورها. بينما الفلاسفة يرون أن الإنسان هو الجسر والهدف. والدين يعتبر الفرد أمة، والأمة قوة.
فكيف نعتبر نحن الفرد أو المواطن التونسي اليوم ؟
إنهم يعتبرونه مجرد مادة لامتصاص الدم ومراكمة الثروات، وإسفلتا يمشي فوقه القوم وأسيادهم، إنهم يعتبرونه مجرد كائن لم يبلغ بعد سن الرشد وخلق ليقاد لا ليقود وهو في مرتبة الكفيف دائما يحتاج إلى دليل.
آن الأوان للدفاع عن المواطن التونسي -العربي- وإخراجه من دوامة المتاجرة واللعب السياسوي العقيم. فنحن مجبرون على العيش الكريم في وطن واحد. وعلى كل فرد منا أن يدافع عن الوطن انطلاقا من موقعه، وحسب كفاءته.

هل نستطيع ذلك؟؟.

*محمّد القادري؛ كاتب تونسي 

=================================

ملاحظة: مقالات الرأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها

=================================




شروط تجنيد الإرهابيّين

ارهاب

هذه دراسة وقع قبولها كمداخلة لي في المؤتمر الثّاني للإرهاب الإلكتروني الّذي انعقد بمصر أيّام 21-24 مارس الفارط.

إبراهيم الزغلاميإنّ تجنيد النّشطاء الإرهابيّين يمثّل تحدّيا كبيرا، لا سيّما خارج مناطق الصّراع المباشر. فإذا كانت الحروب الأهليّة أو المرتكزة على الدّين توفّر، بشكل طبيعيّ تقريبا، قوّات من المسلّحين على استعداد للقتال من أجل قضيّتهم، فإنّه من الصّعب جدّا العثور على أفراد مقتنعين بما فيه الكفاية للتّخلّي عن مناطق يعمّها  السّلام إلى مناطق  تنخرها الحرب.

تاريخيّا، كثيرا ما وجد عدد من الشّبّان على استعداد للتّضحية، وبالتّالي فإنّ الحماسة تأخذهم نحو حمل السّلاح طوعا. أمّا الآن، فقد انتقلت العدوى إلى الشّابّات. فجميعهم لهم شعور بأنّهم يقاتلون من أجل قضيّة نبيلة وكريمة، وآخرون  من أجل  متعة حمل السّلاح أو بدافع العنف. وقد كان التّجنيد متيسّرا بعامل القرب، الدّراسة، الخدمة العسكريّة أو السّجن . ثمّ ظهرت الدّعاية والاتّصالات، المناشير، الاجتماعات العامّة،  الصّحافة والصّورة… وكما اخترعت الأنظمة الشّموليّة أدواتها، فقد خاضت الدّيمقراطيات معاركها عن طريق الأشرطة الوثائقيّة الحقيقيّة. وهذا لم يكن كافيا في عالم سيطرت عليه الأنترنت  من خلال الفيسبوك، تويتر، ويب 0.2 والشّبكات الاجتماعيّة.

وكما لاحظ لوران بونيلى، فالكلّ انضمّ إلى رؤية للإسلام تجعل من المقاتلين أبطالا، المجاهدون، تبسط على أعمالهم مسحة من العظمة رغم أنّهم بعيدون عن مناطق الصّراع، ولأجل ذلك، فإنّهم يسافرون إلى  سوريا، باكستان، أفغانستان، اليمن والبوسنة.

الدّعاية، الصّحافة والملتقيات بإمكانها توفير شبكة لقراءة مبسّطة للعالم نسبيّا، تجمع في كلّ متناغم تجاربهم الملموسة في الهيمنة، تلك الّتي جرّبت في شعوب أخرى، في مالي والشّيشان وفلسطين، إضافة إلى سرد حضاريّ كبير يشير إلى مسؤوليّة  اليهود والكفّار عن كلّ هذه الشّرور. هذا التّصوّر والمفهوم للدّين يكون أفضل عندما يؤيّد بالوعي بوضعهم وبتحريرهم، الثّورة، ويوفّر للثّورة  مثلا أعلى وشاملا أكثر من  الجنوح أو التّهميش.

العديد منهم يُطلق عليهم، جيل الأحياء الّتي ينتمون إليها. وُلد جميعهم في الثّمانينات، والّتي وُسِمَت  بنكران الانتساب، وبتشديد الحصول على فرص العمل غير المختصّة، الفصل المكانيّ، وبالنّسبة للبعض الآخر، رؤية خاصّة للمراقبة البوليسيّة وأثْنَنَةٌ  للعلاقات الاجتماعيّة، وتراجع التّعبئة السّياسيّة الّتي كانت ميزة كبار السّنّ.

كلّ هذا، طبعا، لا يكفي لوصف عمليّة التّجنيد  بجاذبيّة وجمال القضيّة  أو الرّغبة في تأكيد الهويّة بين ثقافتين، وحضارتين، وإقصاءين. وإذا كان التّطرّف هو طريقة وتمشٍّ ومنهج، كما يشرح ذلك علماء السّياسة Collovald و Gaiti، فيجب أن يُقبل أن يُتَّبَع قبل أن تتمكّن من شرح ذلك. لذلك  فالمرور من سؤال “لماذا” إلى “كيف” أمر ضروريّ.

برنامج مراقبة التّطرّف الأوروبيّ يسعى لاستكشاف العوامل الحاسمة في أعمال العنف أو الإرهاب.  فعدد المتغيّرات الّتي تلعب دورا في التّطرّف الفرديّ كبير جدّا، ولكنّ الأبحاث الّتي أجريت في النّظام تبيّن أنّ هناك عددا قليلا من الثّوابت هي: أوّلا، الإرهاب متجذّر في السّخط، خاصّة في السّياسة، ثانيا، ثقافة الاغتراب والإهانة يمكن أن تكون بمثابة أرض خصبة لعمليّة التّطرّف، ثالثا، الرّغبة في الانتقام، سواء كانت فرديّة أو جماعيّة، وغالبا ما يتكرّر هذا الثّابت في تبرير الإرهاب.

وتكشف بعض دراسات الحالة كيف يمكن لأناس يعيشون في الغرب، في كثير من الأحيان هم من الجيل الثّاني أو الثّالث من المهاجرين، وقد لُقنّوا  فكريّا وتأثّروا نفسيّا من الدّعاية الإرهابيّة، على الرّغم من أنّهم يعيشون في الدّيمقراطيّات حيث الحرّيّة والعدالة مضمونة عموما.

وأظهر برنامج البحوث أنّ أسباب التّطرّف يجب أن نبحث عنها  في المقام الأوّل على المستوى الفرديّ. وهذا يعني مشاكل خاصّة  بالهويّة، وباندماج  فاشل، ومشاعر الاغتراب والتّهميش والتّمييز، وانعدام الأمن، مباشرة أو عن طريق وكيل، الإذلال والوصم و / أو الرّفض.

وغالبا ما يقترن هذا النّوع من النّظرة السّلبيّة  بالغضب الأخلاقيّ والرّغبة في الانتقام أو الثّأر. وعلى أيّ حال، فإنّنا نجد الثّوابت التّالية في استنتاجات برنامج البحوث: معظم الإرهابيّين هم، سريريّا، أسوياء تماما. وهي واحدة من النّتائج الأكثر إثارة للقلق في الدّراسات الحاليّة وهو أنّ معظم الإرهابيّين يبدون،  سريريّا، أسوياء، على الرّغم من أنّ عنفهم هو انتهاك صارخ للأعراف الاجتماعية، وبهذا المعنى، فهو عمل ضدّ-اجتماعيّ أو خارج المعهود . في الوقت الّذي يتوقّع أن تجذب الجماعات الإرهابيّة المجانين والحمقى أساسا، فإنّهم اختاروا، لأسباب تتعلّق بالسّلامة والأمن، إمّا أناس متعلّمين وملتزمين سياسيّا، أو بلهاء مفيدون ومناسبون لأعمال انتحاريّة.

ومع ذلك، من بين الإرهابيّين الموسومين بالذّئاب المنفردة، الّذين هم قليلون جدّا، فإنّه يبدو أنّ عددا من الأفراد المنحرفين أعلى بكثير. فإنّ بعض الإرهابيّين سيولدون من جديد من خلال مشاركتهم في أعمال العنف، ويعتقد العديد من المتأسلمين الجدد أنّ حياتهم السّابقة كانت فاشلة ، وأنّهم هم أنفسهم كانوا ضالّين  قبل التحاقهم  بجماعة إرهابيّة.

ليس هناك في الواقع أيّ ملمح (نموذج) للإرهابيّ. وهي نتيجة أخرى من برنامج البحوث، وهو أنّه لا يوجد نوع معيّن أو فريد من النّاس عرضة للسّقوط  في العمل الإرهابيّ. هناك بعض الأفراد الّذين يقع جذبهم عن طريق الأيديولوجيّة التّخريبيّة وعن طريق القشعريرة الّتي يعطيها النّشاط السّرّي أو العمل العسكريّ. وآخرون أصبحوا متطرّفين في أعقاب  التّعرّض لمظالم شخصيّة، أو مشاكل هوويّة أو إحباط  مهنّي.

البعض ينجرف نحو الإرهاب تحت تأثير الأصدقاء أو الأقرباء الّذين يدفعونهم نحو التّطرّف أو يجنّدونهم لحساب منظّمة إرهابيّة أو تحت راية مزيّفة.

 في كتابه، الإرهابيّون الجدد، صنّف ماثيو غودير الّذين  انضمّوا الى شبكات الجهاديّين إلى ثلاث فئات من الأفراد: أوّلا، أولئك الّذين يسعون إلى الانتقام، ثانيا،هؤلاء الّذين يبحثون عن الاعتراف وإثبات الذّات، وثالثا، أولئك الّذين يريدون تأكيد الانتماء.

فالأيديولوجيا هي المصدر لرخصة القتل. فنحن نولي اهتماما كبيرا في مجال البحوث بشأن الانتقال إلى الفعل الإرهابيّ، ودور التّصوّرات المتطرّفة، والكيفيّة الّتي ينظر بها الإرهابيّون إلى العالم عند تحوّلهم إلى الفعل. وفعلا، فقد ظهرت الأيديولوجيا كعنصر مركزيّ مطلق وثابت في مسار التّطرّف. فهي تساهم في قبول العنف كوسيلة من وسائل العمل لإحداث تغيير سياسيّ، وتؤدّي أيضا إلى خلق ثقافة أو ثقافة فرعية للعنف المعترف به. فالأطر الّتي تفرضها بعض الإيديولوجيّات الإقصائيّة  تُستخدم في بعض الأحيان لبناء هويّات بديلة، فرديّة أو جماعيّة على أساس صراع التّصوّرات، والّذي يمكن أن يسمّى بصراع الحضارات، وقصص للصّراع حيث يتمّ عكس الخير والشّرّ في بعض الأحيان.

وتستعمل الأيديولوجيا أيضا لإخفاء المظالم، الإحباط، الاستياء الشّخصيّ، والمرور إلى عمل إجراميّ بحت الّذي يساعد أيضا لتبرير وترشيد العنف.

أصبحت الإنترنت عنصرا أساسيّا من عناصر التّطرّف. ويوفّر الإرهاب مزيجا فريدا من العنف والتّواصل، وتشخيص وعرض على نطاق واسع. وظهر بشكل قاطع أنّه بسبب انخفاض تكلفته، وسهولة الوصول إليه، وسرعته، وبإخفاء الهويّة والإسم، وبلامركزيّتها، وبحجمها، وبعلاقتها مع بقية العالم، وتقريبا بانعدام السّيطرة… فقد لعبت شبكة الإنترنت، وتستمرّ في لعب دور رئيس في نشر الرّسائل المتطرّفة، وفي خلق مجتمعات افتراضيّة لها أيديولوجيّة خاصّة بها، وفي جمع التّبرّعات لتمويل الإرهاب، بما في ذلك السّماح بالتّواصل العاجل بين أعضاء المنظّمات الإرهابيّة، بما في ذلك الاتّصالات المجهولة من خلال الشّبكات  الأقلّ عرضة للاختراق والاعتراض من شبكة الاتّصالات العالميّة المعتادة.

ومنذ اعتماد قانون مكافحة الإرهاب في نوفمبر 2014، في فرنسا، وقع حظر عديد المواقع المتّهمة بالدّعوة والتّمجيد للإرهاب. ومنذ منتصف مارس 2015، فإنّه من الصّعب جدّا الوصول إلى هذه المواقع، علما وأنّ التّجاوزات تبقى دائما ممكنة. وتهدف هذه التّدابير إلى محاولة التّصدّي للتّطرّف الإسلاميّ الصّريح الّذي يجري منذ عدّة أشهر عبر الإنترنت لتشمل الشّباب، ولا سيّما الفتيات، حيث سُجّلت زيادة ملحوظة في عدد المرشّحين منذ بداية 2014 الى أماكن الجهاد.

وقد كشفت هجمات باريس في أوائل عام 2015، والحرب في سوريا بكلّ وضوح، أنّه في غضون بضعة أسابيع أو حتّى أيّام، يمكن للمرء، من خلال الإبحار على الشّبكات والمنصّات الاجتماعية أو الأشكال الأخرى من الأنشطة على الانترنت، يمكن تشكيل كتائب صغيرة من المتدرّبين الجهاديّين على استعداد لتبنّي المثل العليا للجماعات الإرهابيّة بجميع أنواعها وعلى اختلاف مشاربهم.

هناك أيضا المئات، إن لم يكن الآلاف، من الشّباب الّذين يقع تصيّدهم عبر الإنترنت. فالمرور عبر المسجد لم يعد إلزاميّا، كذلك أماكن الاجتماعات المعتادة. فالانترنت هي عنصر تقوية للتّطرّف. فبعض الشّباب بإمكانهم المغادرة، بين عشيّة وضحاها، من دون أدنى اتّصال فعليّ مع أيّ مجنِّد على الإطلاق، أو حتّى ممارسة فعليّة للشّعائر الدّينيّة. وأشارت إلى ذلك دنيا بوزار، ولا سيّما في نطاق مركز الوقاية من الانحرافات الطّائفيّة  المتعلّقة بالإسلام، وهو في المراتب الأولى في مواجهة التّطرّف في فرنسا. ففي تقرير صدر أواخر 2014،  كشف هذا المركز أنّ هذا التّلقين شمل قرابة  80٪ من الأسر الملحدة أو غير الممارسة للشّعائر الدّينيّة،  أسر ليست من الفئات المحرومة بل على العكس من ذلك، تُعدُّ من الفئات المتوسّطة أو العليا. وقبل كلّ ذلك، فإنّه يؤثّر أساسا على الشّباب الّذين تتراوح أعمارهم بين 15-25 سنة، الّذين خطّط بعضهم، أو غادر فعليّا نحو أرض الجهاد.

هذا التّجنيد من أجل قضايا قصوى هو نتيجة لدعاية فعّالة جدّا تقام بحسب عدّة مراحل.

يمكن أن تبدأ، وفقا لدنيا بوزار، بأشرطة فيديو يكتشفها، عشوائيّا، أثناء بحث على الإنترنت. ثمّ يقع تعميق البحث حول المواضيع الّتي تهتمّ  بالمؤامرة الّتي يسلّطها الأقوى على الأضعف، أو برفض المجتمع الاستهلاكيّ مع الحصّة المفترضة من أكاذيبهم وفضائحهم، أو بمؤامرة شركات الأدوية، أو بالفضائح الصّحيّة، أو بالدّعاية الكاذبة، أو بنوع من ” يخفون علينا كلّ شيء، لا يخبرونا  بشيء” في عالم، بطبيعته،  فاسد تماما . يقول برونو FALISSARD، مدير INSERM 669 “المراهقون لا يتحمّلون الظّلم “، عندما يتحدّث على الصّحّة النّفسيّة للمراهق. ووفقا لذلك، فالعملية تأخذ مجراها، من خلال مجموعة من التّوصيّات على شكل خوارزميّات ، بواسطة طرق فنّية لاختراق المعلومات تلقائيّا استنادا إلى مراكز اهتمام المستخدمين، ويُعتمد في ذلك على عدد من ناقلات الويب 2.0 . يمكننا أن نجد  شركات سرّيّة مهمّتها التّلاعب بالإنسانيّة، ورموز أخفتها  قوى شرّيرة في جميع أنحاء العالم، أو عناصر مقنّعة وقع كشفها عن طريق عمليّات دعاية أو تواصل أو تلاعب.

من نقرة إلى أخرى، ينزلق المترشّح نحو مضامين تستحضر، بطريقة تصاعديّة، الالتجاء المتزايد ضدّ الشّرّ المطلق، والعلاج هو الإرهاب. وتسمح أشرطة الفيديو بتمديد، واستكمال مرحلة التّلقين. وهناك يبدأ تسليط الضّوء على صور، من طبعها مدح الجمال الطبيعيّ للعنف، والقدرة على الخروج من اللّعبة عن طريق القتل، الذّهاب إلى القتال أو من خلال الاندماج في الإنسانيّ.

ويدخل الشّاب مباشرة  في مرحلة التّطرّف، حيث يبدأ المجنِّدون بإغرائه وحثّه على تساؤلات روحيّة، عادة ما تكون غير موجودة حتّى ذلك الحين أو قليلة الحضور، قبل أن تتلوها زخّات ثالثة من أشرطة الفيديو، ولكنّها تحتوي هذه المرّة على مواعظ تنذر وتهدّد من عاقبة الذّهاب إلى الجحيم، وعلى فوائد التّأسلم أو العمل، وهي منتوجات  تدعو  إلى الاستيقاظ  و/أو الفعل.

وبالتّوازي، يقع التّلقين أيضا على الشّبكة الاجتماعيّة. فلا بدّ أن يبدأ المراهق بالانخراط في مجموعة مفتوحة على الشّبكة الشّهيرة من طرف مجنِّديه  لتشجيعه على محاربة المؤامرة. ينسج، وبسرعة، علاقات مع أصدقاء جدد، الّذين يستحضرون، تدريجيّا، الجهاد الكلّيّ أو الحرب على الغزاة.

وبطريقة رقيقة جدّا، يتمّ تصميم خطاب على هذه الشّبكات من قبل المجنِّدين  حسب احتياجات كلّ مترشّح. على سبيل المثال، الفتيات اللّائي تدلّ  ملفّاتهنّ الشّخصيّة (وسمهنّ، ملامحهنّ) على استعدادهنّ للانخراط في القضايا الإنسانيّة والاجتماعيّة، لمساعدة أو تمريض الآخرين، القريبات من الأطفال أو  الحسّاسات بشكل خاصّ لوضع البلدان المحتلّة أو الّتي في حالة حرب أهليّة، كامنة أو حقيقيّة، يتمّ تحديدهنّ ومبادرتهنّ تحت هذه الزّاوية المُئْثِرَة.

وفي هذا الصّدد، كشفت، مؤخّرا، دراسة علميّة بريطانيّة أنّه يُكتفى بعدد قليل من النّقرات على الشّبكة الاجتماعية بحيث تصبح معروفا لديهم أفضل من معظم الأصدقاء أو الأقارب. وهو الشّيء نفسه في عدد من عمليّات الشّراء الّتي تسمح، مقابل دفع، بتحديد ملامح محدّدة بالنّسبة للتّجارة على شبكة الإنترنت، ولكنّ من الواضح أنّ هذا يستخدم أيضا في الشّبكة الإرهابيّة.

في كامبردج، أكّد الخبراء أنّ مئات “إعجاب”، وعبارة “أنا أحبّ” الّتي عبرها يحدّد المستخدم  الصّفحات التّي يفضّلها، يكفي لخوارزميّة لتحديد شخصيّة ما. وبعيدا عن كونه نتيجة لعمل هاوٍ، فإنّ عمليّة التّجنيد  مشابهة لتمشٍّ تجاريّ حقيقيّ، مماثلة لتلك الّتي وجدت عند الطّوائف أو في عمليّات استهداف دقيقة للغاية من وجهة نظر صناعيّة. “إنّها تتوجّه للجميع “، هكذا قال سيرج BLISKO، رئيس البعثة المشتركة بين الوزارات لمكافحة الانحرافات الطّائفيّة  Miviludes . لأنّه  يجب أن لا ننسى البعد الإغوائيّ المُظهر من قبل المجنِّدين الّذين يحاولون الظّهور كأصدقاء للجميع.

إنّها استراتيجيّة للحصر وللإحاطة، وفي نفس الوقت  إرادة للتّحرّر. يتلقّى المستخدم المُبحر رسائل كثيرة من أصدقائه الجدد، مئات من الرّسائل النّصيّة يوميّا، ويجد نفسه في منطق التّفكيك (لشخصيّته). والهدف من وراء ذلك هو عزله. فالرّسائل تستخدم لغة جديدة، ولسانا جديدا، لغة المطّلعين على أسرار الكلمات وتأثيراتها البلاغيّة والعرفانيّة….

وتبدأ قائمة المحظورات تتمدّد فيما يخصّ الغذاء، التّموقع، المنطق… ومن هنا تبدأ هجمة مقاطع أشرطة الفيديو الدّعائيّة على شبكة الإنترنت في مرحلة إعادة البناء. يتمّ إعادة كتابة التّاريخ مع اعتقاد الشّاب، ويقع تشجيعه تدريجيّا نحو التّشدّد، أي المرور إلى الفعل، أي الذّهاب إلى القتال أو الجهاد، لأنّ هذه الطّرق تشمل الآن، لا المشاركة في الجهاد الإسلامي فقط، ولكن أيضا في بعض الأحيان في منطق التّطرّف  الفاشي أو العنصريّ، ولا سيّما ضدّ السّكّان السّود في الولايات المتّحدة الأمريكيّة….

 




محمّد القادري يكتب: الدولة والوطن

محمّد القادري*

محمّد القادري*

الوطن للجميع والدولة لذوي الامتياز، الدولة للأغنياء والوطن للفقراء، الدولة يبنيها الفقراء ويتمتع بخيراتها الأغنياء. هذه الخلاصة هي ما يمكن أن يخرج بها أي متأمل في مسار التاريخ الحديث للدولة العربية المعاصرة. وأي محاولة لمحاصرة مفهوم الدولة عبر صورها التي حددها الفلاسفة أو المفكرون على مر حقب التاريخ سيدخلنا في متاهات لا مخرج لها. فهناك من يربط مفهوم الدولة بالسلطة الإدارية الحاكمة، وهناك من يربطها بثنائية الجغرافيا والنظام مع اختزال الشعب في رقم إضافي تابع. وهناك من ينفذ بها إلى حدود الجمع بين الجغرافيا والشعب والنظام.
وينداح مفهوم الدولة إلى استتباعات مفاهيمية عدة كالحق والتجانس والوحدة. ومفهوم الدولة يستدعي كذلك مفاهيم أخرى، كالسيادة والسلطة والحق والقانون كما يرى ذلك بعض المفكرين. ولعل هذا الانثيال المفهومي والتداعي الاصطلاحي هو ما دفع “جون جاك روسو” إلى محاولة عقلنة العلاقة بين الدولة والفرد -المجتمع- بابتكار مفهوم العقد الاجتماعي، كحل أمثل لتوتر العلاقة بين المجتمع والدولة، أو بين الفرد ورجل السلطة. لكن هذا لا يعني أن روسو كان أول من عمل على تأسيس مفهوم العقد الاجتماعي. فلو عدنا إلى وراء قليلا لألفينا الفيلسوف “سبينوزا” يمنح للدولة مفهوما متقدما جدا، بعد تحديده لغائية الدولة حيث يرى أن “غاية الدولة تتمثل في ضمان الحماية للأفراد، وليس في ممارسة السلطة، بل إن على الدولة أن تضمن الشروط الموضوعية التي تمكنهم من استخدام عقولهم والعمل على تنميتها “، ومن ثم يؤكد الفيلسوف أن الحرية هي الغاية الأساسية من وجود الدولة.

كثيرا ما يتداخل مفهوم الدولة مع مفهوم الحكومة، مما يضفي على الدولة طابع الهيمنة والغلبة باسم السيادة، رغم ضبابية هذا المفهوم إذا أخضعناه للتشريح والتدقيق والتفصيل، واستحضرنا دور ووظيفة الدولة والمنشأ الذي يتحدر منه أفرادها، ودور المفكرين أو الطبقة المثقفة عامة ودور الجيش والأغلبية العظمى من أفراد المجتمع الذي تسوسه حكومة ما. وإذا كان الغرب قد طور من مفهوم الدولة بدءًا من منتصف القرن الثامن عشر، إثر موجات النقد العلمي الذي رعته مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية، وهو ما يمكن أن نجد له إرهاصات في كتب التاريخ القديمة، في الأدبيات التي تتناول علاقة الحاكم بالمحكوم، والتنصيص على حقوق الإنسان الكونية ثم إلى مبدإ العدالة الذي عرف تطورا كبيرا مع ظهور ما يسمى بالمجتمع المدني، حيث تم نحت مصطلح العدالة الاجتماعية؛ الذي انثالت منه مفاهيم المساواة والمواطنة وتوزيع الثورة وحتى توزيع الأدوار والمسؤوليات داخل المجتمع والدولة ومنها الحقوق والوجبات ……إلخ.

هكذا يتشعب مفهوم الدولة في تطوره التاريخي، وتحولاته المفاهيمية دون أن ينعكس هذا التطور وتلك التحولات على مفهوم الدولة في الوطن العربي. فنحن إذا ما استعرنا تعريف توماس هوبز لهذه الدولة المهيمنة والمستحوذة، فإننا نوافقه تمام الموافقة على وصفه إياها بالدولة التنين البحري أو “الوحش الضخم “.

*كاتب تونسي 

مقالات الرأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها




سوريا وأكرادها، نقاش في منطق التاريخ

(Norbert Schiller (1995

(Norbert Schiller (1995

رستم محمود*

من حيث المبدأ، يؤمن كاتب هذه السطور أن النقاش حول أصول الجماعات الأهلية في كيان سياسي ما، يضر بشمولية وعمومية المساواة بين أفراده، وأن أي كيانٍ سياسي يجب أن يكون بمؤسساته ومواثيقه وسُلطاته الفعلية والرمزية على مسافة متساوية من الكُتل الأهلية الجمعية فيه، بغض النظر عن تاريخ وأسبقية وجود جماعة أهلية ما، أو عن مُساهمتها في تاريخ هذا الكيان. ولا يبدو أن ذلك قد تحقق في أي من دولنا الحديثة في المنطقة، تلك التي تأسست على أنقاض الامبراطورية العُثمانية، فعلى الدوام كان ثمة «جماعة أهلية مركزية» ما، تفرض عالمها الرمزي على الكيان ومؤسساته ومواثيقه، وتملك ميلاً حثيثاً لتهميش باقي الجماعات الأهلية قدر المُستطاع، ومحاولة تذويبها وتفكيك ديناميكيات التعاضد فيما بين أفرادها، في مستوى أعلى راديكالية.

يرى كاتب السطور أن مُناقشة تاريخ الجماعات الأهلية، في أي كيان كان، بغير أغراض المعرفة التاريخية والأنثروبولوجية، وبالضبط حينما تكون في الحقل السياسي والخطابات التي تتحدث عن جماعة أصلية ما وأخرى أقل أصالة، إنما تدفع دوماً إلى تعزيز القيم القومية والمذهبية والدينية اليمينية.

*****

لكن في الحالة السورية الراهنة، وبمناقشة مسألة الحقوق الديمقراطية للأكراد السوريين، لا يبدو أن الأمر يُمكن أن يسير بتلك البداهة بيُسر. فكما أن النُخب الحاكمة ذات المرجعية القومية العربية لم تكن تعترف بأي وجود فردي أو جمعي للجماعة الأهلية الكُردية، فإن أغلبية واضحة من النُخب السياسية الصاعدة مع الثورة السورية تعترف بذلك بشكلٍ نسبي تماماً، ففي خِطاب هذه النُخبة ومُخيلتها، يأخذ الاعتراف بالكرد أحد نمطين من الحضور في السُلطة والمجال العام: فيُمكن لأي فرد من هذه الجماعة أن يمُارس خواصه وهوياته وعوالمه الرمزية في مجاله الخاص فحسب، بالضبط كما يحق لأي باكستاني في بريطانيا. أو يتم الاعتراف بالجماعة كتكوينٍ أقلوي، لها أن تؤسس بعض الجمعيات والتنظيمات الثقافية الجُزئية الخاصة في حيزٍ بذاته، بشكلٍ مُطابق للذي كانت تعترف به الدولة السورية للجماعة المسيحية السورية. أي أن ثمة تغييباً تاماً للمساواة المُفترضة بين الجماعتين العربية والكُردية في الدولة والمواثيق والمؤسسات والسُلطة العامة السورية المُفترضة مُستقبلاً.

لا تفتقر تلك الميول الشمولية إلى مُحاججات تُعتبر منطقية في رأي هذه النُخب، إذ أنها بعمومها تتمركز على أن الكُرد السوريين بأغلبيتهم جماعة طارئة على الكيان السوري، وأنه ثمة جماعة تأسيسية واحدة هي الجماعة العربية، وأن الكُرد هاجروا أو هُجّروا إلى سوريا في فترات لاحقة لتأسيس الدولة السورية عام 1918، جراء التحولات السياسية الضخمة التي جرت في تُركيا عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث شهدت الانتفاضات القومية الكُردية حالات قمعٍ شديدة من قِبل الجيش التُركي، ما أضطر عشرات الآلاف من الأكراد للنزوح جنوباً إلى الكيان السوري، وما الوجود الكُردي الراهن سوى نتيجة لتراكم هؤلاء المُهاجرين/المُهجّرين، مُضافين لأعداد قليلة من الكُرد الذين كانوا يعيشون ضمن الجغرافيا السورية قبل ذلك التاريخ، لكن نسبتهم تكاد لا تُذكر؛ وبذلك فإن جملة حقوقهم «الديمقراطية» لا يجب ولا يُمكن أن تتجاوز الحقوق التقليدية للجماعات المُهاجرة إلى الكيانات المُتمركزة على هويات وجماعات تأسيسية!!

تفتقر تلك الرؤية إلى الجذور الأساسية للقراءة التاريخية التقليدية المنهجية، وإلى الوعي المعرفي الرصين بتاريخ هذه الكيانات الحديثة في منطقتنا، ومنها بالذات سوريا. فهي من جهة تفتقر إلى المعرفة العميقة بتأسيس الكيان السوري مثله مثل باقي الكيانات، وثانياً لا تعي طبيعة العلاقة التأسيسية للكُرد مع هذا الكيان السوري، وأخيراً لا تعي طبيعة وتفاصيل تلك التحولات والهجرات التي جرت في تلك الحُقبة من تاريخ المنطقة. وهذا ما سوف تُحاول هذه المقالة تفكيكه ومُناقشته.

*****

كانت جميع دول منطقتنا قد تأسست نتيجةَ تفاهمات وتوازنات القوى الكُبرى عقب الحرب العالمية الأولى، وحتى الدولتان الأكثر تاريخية ورسوخاً، تُركيا وإيران، كانتا أيضاً نتيجةَ توافق بقائهما مع مصالح وتطلعات تلك الدول العُظمى وقتئذ. بهذا المعنى، فإنه ليس من دولة في منطقتنا تُحقق شرط «تاريخية الكيان»، كما ينطبق الأمر على مِصر والمغرب مثلاً، إنما جميعُ الكيانات مُستحدثة، وبدون إرادة مركزية من مجموع سُكانها ومُختلف جماعاتها الأهلية. ولهذا بالضبط، فإنه لا توجد جماعة مركزية ذات كيان تاريخي عتيق وشرعي تم تحديثها إلى الأشكال الجديدة من الكيانات الراهنة.

ما كان يُرشد مُخيلة القوى العُظمى لحظة تأسيس هذه الكيانات هو مجموع مسألتين بسيطتين: تقوم الأولى على تجميع أكثر من ولاية عُثمانية تقليدية في دولة واحدة، مُنفصمة عن الكيان العُثماني الأُم، لتطيح بتلك الامبراطورية. والمسألة الثانية هي أن تُحقق تلك الخطوط التي سوف تفصل بين الكيانات مصالح وتوازنات الدول المُنتصرة في الحرب.

بمعنىً ما، لم تكن مصالح الدول العظمى مُتوافقةً مع المُخيلات والرغبات والاتفاقات الجزئية التي عقدتها مع القوى المحلية، ومنها اتفاقيات الشريف علي بن الحُسين مع بريطانيا بشأن تأسيس «كيانٍ عربي موحد» على أنقاض جزءٍ من الامبراطورية العثمانية. ومن الأشياء غير المُدرَكة في وعي «النُخب العربية» أن مثل تلك الاتفاقيات والتعهدات إنما عُقدت مع كثيرٍ من الزُعماء المحليين ضمن الامبراطورية العُثمانية، مع زُعماء أرمن وأكراد وآشوريين وطاشناق وشركس، وأن أياً منها لم تكن ذات أهمية في سياق التحولات التي جرت خلال الحرب بين القوى العُظمى، إنما كانت فقط جزءً من التكتيكات البينية بين الأجهزة البريطانية والفرنسية في مزاحمتها لنظيرتها العُثمانية والألمانية، وفي مرات كثيرة كان هؤلاء الزُعماء المحليون يصكون اتفاقيات تعاون مع القوتين المُتحاربتين في الآن ذاته. يعني هذا أنه ليس من جماعة قومية في المنطقة امتلكت إرادة تاريخية قبلية لتحطيم الكيان الامبراطوري العُثماني التقليدي، وبناء كيانات قومية أو دينية أو مذهبية؛ بل كانت جميع النزعات التي حدثت وقتئذٍ نتيجة تفاعل جزءٍ من هذه الجماعات مع الظروف الموضوعية لاهتراء الكيان الامبراطوري العُثماني، وصعود القوى العُظمى الجديدة وتراكم وعودها بشأن المزيد من الاستقلالية والسُلطة لهذه المناطق والجماعات العُثمانية.

كان الكيان السوري بجوهره نتيجة محاولة الدول العُظمى جمع ولايات حلب ودمشق والموصل العُثمانية، مع الكثير من التعديلات التي يُمكن أن تُحقق توافقاً بين مصالح الدول المُنتصرة. فتم اقتطاع بعض الإيالات1 الشمالية من ولاية حلب وضمها لتُركيا، كان آخرها لواء الإسكندرونة، وذلك لأن اتفاقية سيفير، التي انتهت الحرب بموجبها مؤقتاً، نصت على فصل المناطق التي لا ينطق سكانها بالتُركية عن الكيان التُركي الجديد، ولم ينطبق هذا الشرط على أغلبية واضحة من الامتداد الأناضولي الشمالي لولاية حلب، فتم اقتطاعها على فترات متعاقبة بعد نهاية الحرب. الأمر نفسه جرى مع مناطق ولاية دمشق، لحسابات تتعلق برغبة بريطانيا وفرنسا مُنِحَ الموارنة واليهود أشكالاً من الحماية في كيانات مُنفصلة عما قد يتشكل ككيانٍ «عربي سُني» بأغلبيته السُكانية، وهو المسار الذي نشأت عبره دولة لبنان، والمسألة الفلسطينية/الإسرائيلية فيما بعد. وأخيراً تم فصل كامل ولاية الموصل عن الكيان السوري الجديد، لأن المصالح البريطانية النفطية تطلبت ذلك، وتمت إضافة إيالة دير الزور فقط لتكون بمثابة تعويض للمصالح الفرنسية.

بهذا المعنى، فإن سوريا الراهنة ككيان لم تكن بداهة في سياق التاريخ، حتى في الجزء الأقل عُمقاً منه، أي في لحظات تأسيسه. بل بدرجاته العُظمى كانت نتيجة لتوازنات القوى الدولية ومصالحها وقتئذٍ، بما يفوق تماماً الإرادات والنزعات المحلية/الداخلية لتأسيس الكيان. ومما تُنكره المُخيلة القومية العربية وتُغيبه بشكلٍ عمدي، هو أن رفض الكيان السوري بشكله الراهن في السنوات التأسيسية أنما أخذ حيزاً واسعاً ظهر من خلال الحركات والنزعات المحلية السورية، فطبقةٌ واضحةٌ من الأعيان المُحافظين السوريين، التي كانت قوية ومركزية في سوريا، بقيت ترفض الاعتراف والإيمان بسوريا الجديدة، وبقيت تراها كياناً غير شرعي بُني بمؤامرة خارجية على الكيان الشرعي العُثماني المُسلم السُنيّ، ورافقتها كثيرٌ من النزعات في مناطق الأقليات، التي كانت ترفض العيش في كيان ذو أغلبية سُكانية مُسلمة سُنيّة، وكانت تسعى لتأسيس كياناتها المُطابقة للُبنان «الماروني». وعلى عكس ما هو مُتخيل، فإن الاستعمار الفرنسي هو ما ساعد على توطيد أركان العلاقة بين مركز الكيان الجديد وأطرافه، الرمزية والجُغرافية، من خِلال خلق منظومة قانونٍ عامٍ وجيشٍ مركزي ومؤسسات مدنية للحُكم والتعليم والصحة، وهي التي، بشكلٍ فعلي، خلقت سوريا الراهنة ككيان مُتناغم، وليس أي شرطٍ سابق لذلك، لا جُغرافي ولا لُغوي ولا قومي ولا ديني.

لا يعني ذلك التشكيك بالكيان السوري أو الدفع لمحاولة تفكيكه بأي شكل، بل على العكس تماماً. إن محاولة قراءة التاريخ التأسيسي لسوريا، تهدف إلى استبعاد المُخيلة والرؤية التي ترى الكيان السوري ذاتاً تاريخية بديهية مُطلقة، وتُحوّله إلى شيء معبود لا يُمكن قراءة مُعضلاته بشكلٍ موضوعي، وتدفع على الدوام إلى أن يكون كياناً ذا جماعة مركزية، كياناً غير حيادي تجاه جماعاته الأهلية، ومن ثم أقل مأسسةً و«علمنة» و«عدالة». وهكذا فإن الشك في بداهته هو الآلية الوحيدة والطبيعية لتحويله إلى «كيانٍ بديهي»، عبرَ الآليات المُعاكسة لما جرى خلال السنوات القاسية من تاريخه الحديث.

*****

تسعى الجزئية المركزية التي تهدف إليها خطابات «الهجرة الكُردية» إلى القول إنه ليس ثمة «مناطق كُردية» في سوريا، وإلى القول إن المناطق التي يُشكل فيها الكُرد أغلبية سُكانية راهنة إنما تشكلت بفعل هذه الهجرات المُتتالية. ويهدف هذا المسعى إلى دحض أية إمكانية لتأسيس سوريا غير مركزية على أساسٍ سياسي، يكون للكرد فيها مناطق حُكمٍ محلية في جُغرافياتٍ سوريّةٍ ذات أغلبية سُكانية كُردية.

تفتقد تلك الرؤية إلى المنطق من حيث المبدأ، لأنها تفترض أنه كان ثمة مناطق شاسعة في الشمال السوري، بالغة الخصوبة والقابلية للحياة، لم يكن فيها أي وجود سُكاني متواصل، وجاء الأكراد السوريون وسكنُوا تلك المناطق بعد تشكل الكيان السوري. لا تُخبرنا تلك الرواية عن الأسباب التي حالت دون أن يسكن الكُرد هذه المناطق في المراحل التي سبقت تأسيس الكيان السوري، رُغمَ أن مناطقهم كانت مُلاصقة للمناطق التي غدت سوريةً فيما بعد. ولا تُخبرنا أيضاً لماذا لم يُسكنها العرب بكثافة، وسكنوا جنوبها الأقل خصوبة!!

أما فيما لو كانت تلك المناطق مسكونة من قِبل العرب، وباتت ذات أغلبية سُكانية كُردية بعد زمن الهجرات، فكيف لمنطق التاريخ أن يُصدّق ذلك، أن يُصدّق أنه كان لجماعة من المُهجّرين أن يغيروا كُلياً من الطبيعة السُكانية لمناطق واسعة ومُمتدة ومسكونة من قِبل جماعة تُشكل الأغلبية السُكانية للبِلاد، وتشغل المكانة المركزية في سُلطة ومؤسسات الدولة، وفي أقل من عشرات السنوات. أين ذهب أولئك العرب الذين كانوا يسكنون تلك المناطق من قبل؟ وما هي الآليات السياسية والعُنفية التي استخدمها الكُرد السوريون في سبيل ذلك؟ كيف جرى كُل ذلك خلال عشر سنوات؟ حينما حذر تقرير وزير المعارف السوري، محمد كُرد علي، من الطبيعة الكُردية للمناطق الشمالية عقب زيارته لمنطقة الجزيرة عام 1933. يناقضُ كُل ذلك المنطقَ الطبيعي لما كانت عليه الأمور آنذاك.

الطبيعي أن الكيان السوري لم يتأسس على مناطق ذات أغلبية سُكانية عربية فقط، لأنه لم يتأسس على الأراضي التاريخية في ولايتي دمشق وحلب فحسب، بل على أجزاء من تلك الولايتين بالأساس، وعلى قطعٍ من ولايات أخرى. ومن المُهم المُلاحظة هُنا أنه حتى ولايتي حلب ودمشق لم تكونا ولايتين عربيتين بالمعنى القومي، أو لم تكونا كذلك بالضبط، خصوصاً حلب، التي كانت إيالاتها الشمالية غير عربية تماماً، أورفا وعنتاب وكلس وأنطاكيا، بل كانت مزيجاً من الكُرد والأتراك والسريان والتُركمان والأرمن في أغلبيتها.

كانت المناطق التي يُشكل فيها الكُرد أغلبية سُكانية جزءً تقليدياً من ثلاث ولايات عُثمانية، منطقة الجزيرة وكانت جزءً من ولاية ماردين2؛ منطقة كوباني/عين العرب ومُحيطها، وكانت جزءً من ولاية ديار بكر؛ ومناطق عفرين التي كانت جزءً من ولاية حلب، وبالذات من إيالة كلس، التي كانت بأغلبيتها المُطلقة غير عربية. بهذا المعنى فإن سوريا الحديثة ضمت أراضٍ من مناطق وولايات لم يكُن العرب يشكلون فيها سوى أقلية قليلة، ولم يقم الكيان السوري بكامله على مناطق «عربية» أو مناطق ذات أغلبية سُكانية عربية، بل ضمَّ مناطق من خارج ولايتي حلب ودمشق التاريخيتين، اللتين كانتا على امتداد الزمن العُثماني ذات أغلبيتين سُكانيتين عربيتين.

سيشكل مزيدٌ من الوعي بما كانت عليه أحوال الولايات العُثمانية في عشرات سنواتها الأخيرة، أداةً لوعي التركيب الذي قامت عليه كياناتنا اللاحقة، التي تأسست على أنقاضها. فمن المُهم للوعي القومي العربي أن يُدرك بأن مناطق «كردستان» التاريخية التي كانت ضمن الامبراطورية العُثمانية، إنما كانت تعيش شكلاً من الفيدراليات الوراثية، بأعلى درجات الحُكم الذاتي، وكانت تُسمى الإمارات الكُردية العُثمانية. كانت أشبه بحُكم عائلة محمد علي باشا لمصر، ولم تكن تُطابق أشكال الحُكم العثمانية للولايات العربية (عدا مصر)، بل كانت بالغة المركزية في مسألة حُكمها من قِبل الباب العالي في اسطنبول، وكانت محكومة على الدوام قِبل غير السُكان المحليين.

من هُنا بالضبط يمكن إدراك ردة الفعل الكُردية على تحطيم الامبراطورية العُثمانية وتأسيس الدول الجديدة، فعشرات الانتفاضات الكُردية التي جرت بين عامي 1917-1940 لم تكن رفضاً للاستعمار البريطاني والتُركي والفرنسي فحسب، بل كانت بشكلٍ عميق ردّة فعلِ جمعية على إلغاء المكانة «المُميزة» التي كانت للعُنصر الكُردي في الدولة العُثمانية، وتحوله إلى جماعات غير مُعترف بها في الدول الحديثة. كان الرفض الكُردي للاعتراف بالدولة العراقية الحديثة أكبر دلالة على ذلك الفِصام فيما بين الكُرد والدول الحديثة، وليس كما حاولت المُخيلة الوطنية المُصطنعة فيما بعد أن ترسمه، موحيةً أنها كانت انتفاضات محلية ضد القوى الاستعمارية. لم يدخل الكُرد في حكومة عبد الرحمن الكيلاني التي سبقت العهد الملكي في العراق، ولم يحضروا تتويج الملك فيصل ملكاً على العراق. ورفضَ كُرد ولاية الموصل المشاركة في استفتاء أواخر عام 1918، وكانوا يُشكلون الغالبية المُطلقة لأربع إيالات موصلية من أصل خمسة، وأصروا على رفض الاندماج في الدولة العراقية الحديثة. ومثل ذلك كانت الثورات الكُردية العديدة في العراق خلال تلك السنوات، من ثورتي الشيخ محمود الحفيد /1919-1921/ في السُليمانية، اللتين أعلنتا السُليمانية مركزاً للإمارة الكُردية الرافضة للكيان العراقي، وتعاضدت بريطانيا والمؤسسات العراقية الجنينة على تحطيمها، إلى ثورات الشيخ عبد السلام برزاني، وباقي الانتفاضات الكُردية حتى عام 1991.

حدثَ في الحيّز السوري شيء من ذلك «الرفض الكُردي» بشكلٍ جنيني فقط، لأسباب تتعلق بنسبية الديموغرافية الكُردية في سوريا مُقارنة لما هي عليه في العراق، وبمركزية الفعل السياسي السوري في دمشق وحلب وهامشية باقي المناطق السورية، وأخيراً لأن الأغلبية المُطلقة من الأكراد السوريين لم تؤمن وتُسلّم بسوريا بيُسرٍ بالغ كما كثيرٍ من باقي السوريين، وبقيت تعتبر نفسها جزءً من الحياة الداخلية والسياسية والاقتصادية للولايات التي اقتطعت عنها، وتعتبرُ أن مصيرها مُرتبط بكيانات تلك الولايات. لكن بالرُغم من كُل ذلك، كانت أحداث عام 1936 في الجزيرة السورية أثناء مُفاوضات الوفد السوري مع الحكومة الفرنسية، عندما انقسم الكُرد بشكل واضح بين تيارٍ صغير يوالي المُفاوضين السوريين، وآخر أقوى بكثير يسعى إلى طيفٍ من الخيارات يتراوح بين طلب الحُكم الذاتي، وطلب الاستقلال بقيادة حاجو آغا الهفيركي، الذي تحالف معه كثيرٌ من زُعماء أقليات منطقة الجزيرة، وشاركوه مشاعر رفض الكيان السوري بشكله الذي أُرسيَ عليه فيما بعد. ويذهب الأستاذ محمد جمال باروت في كِتابه التأريخي عن الجزيرة السورية إلى أن تلك الأحداث في الجزيرة السورية كانت فقط ألاعيب من قِبل الاستخبارات الفرنسية للضغط على الوفد السوري المُفاوض، دون أن يرى فيها أي بُعدٍ يتعلق برفض أبناء الجماعات غير العربية للكيان السورية بشكله الراهن. وليس هذا التعليل سوى جزءٍ تقليديٍ من القراءات التسخيفية للنزعات المُعترضة على السردية الوطنية الاصطناعية، التي ترى أن سوريا بشكلها الراهن أيضاً قد تكونت بكثيرٍ من أشكال الإجبار التي طالت الرافضين له، الذين كانوا يسعون إلى أن تكون مناطقهم جزءً من كيانات أخرى، أو كيانات مُستقلة عن الكيان السوري.

مُقابلَ كُل ذلك، فإن ما تقدم لا يعني أن هذه المناطق التي يُشكل فيها الكُرد أغلبية سُكانية مُطلقة راهناً، كانت على الدوام كذلك، وأنها الجزء الطبيعي والتقليدي لكيان كُردستان الذي تُطالب به النزعة القومية الكُردية. بل من الطبيعي أن تلك المناطق مثل كُل المناطق العُثمانية، فيها خليط سُكاني كُردي وعربي وسرياني وأرمني وشركسي وتُركماني، وإن كان بأغلبية سُكانية كُردية في السنوات التي سبقت وتَلَت تشكل الكيان السوري على تلك البِقاع. لا يعني ما أقوله بأي حالٍ أنها كانت مناطق كُردية أو بأغلبية كُردية على الدوام، كما لم تكن باقي المناطق عربية أو سريانية أو تُركمانية على الدوام، إنما خضعت جميع تلك الجغرافيات بشكلٍ دائمٍ وحيوي للتحولات الديموغرافية غير القصدية، أي تحولات ديموغرافية ناتجة ولاحقة للمُجريات السياسية والاقتصادية والمناخية التي كانت تجري حولها.

إن رفع القداسة عن أي بُقعة جغرافيّة سيفسح المجال واسعاً ليتداول السوريون بشأن نِظامٍ سياسي رُبما يستقر على أن تكون لبعض المناطق السورية صُبغة وهوية سياسية كُردية ما، حيث يُشكل الكُرد فيها أغلبية سُكانية واضحة؛ لكن رفع القداسة عن الجغرافيا نفسه يجب أن يؤدي مُباشرة إلى أن لا يتمسك الكُرد بدورهم بأية مُخيلة تعتبر هذه المناطق جُغرافيتهم المُقدسة، التي لا يُمكن لأحدٍ أن يُشاركهم فيها سياسياً ورمزياً، سواءً من العرب أو من أبناء باقي المكونات المؤسسة للكيان السوري، وبالذات شماله، كالسريان والتُركمان والأرمن.

*****

فوق كُل هذا، هل يعني ذلك بالضبط أنه لم يكن من هجرات كُردية من شمال الكيان السوري نحو داخله؟ الحقيقة أن كُل الدلائل تُشير إلى أن ذلك حدث بالفعل؛ لكن بالفعل أيضاً لم يكن ذلك كما يجري الترويج لها في السردية القومية العربية لتاريخ سوريا المُعاصر، والتي على أساسها يتم البخس من طبيعة الوجود الكُردي في البلاد، وبالتالي من الحقوق الديمقراطية الكُردية.

لم تكن تلك الهجرات سياسية، أي أنها لم تكن تستبطن أية رغائب بتغيير الوضع الديموغرافي في الشمال السوري قط، ليس فقط لأنه لم يكن من مؤسسة سياسية كُردية توجه ذلك، ولأن كُل الحالات حدثت بقرارات بالغة الشخصية، بل جوهرياً لأنها كانت تتم ضمن الحيز الجغرافي للتنقل الطبيعي نفسه لأكثر من خمسة قرون. أي أن تلك الهجرات في العالم النفسي والخيال الجغرافي لم تكن تجري من كيان إلى آخر، ففي كثيرٍ من الحالات جرى أن الأخوة وأولاد العمومة قرروا النزوح جنوباً للعيش المتواصل مع باقي أفراد العائلة أو العشيرة الذين أحدث الخط الجديد شرخاً في منطقة عيشهم الواحدة، التي كانت موحدة لأكثر من خمسة قرونٍ متتالية. فمجموع هذه الأراضي بقيت أراضٍ عُثمانية في عُرف وسلوكيات السُكان المحليين، حتى بعد سنوات وعقود كثيرة مما جرى صكه في مؤتمرات الصُلح والمُعاهدات.

ما يُعزز ذلك هو طبيعة خطوط الفصل بين الكيان السوري ونظيره التُركي، التي لم تُكرَّس بشكلها الحالي إلا بعد قُرابة عقدين من تأسيس الكيان السوري عام 1918، والتي يدعي الخِطاب القومي العربي بأنها السنوات التي جرت فيها حالات النزوح الشديدة. فمُنذ هُدنة مودروس الشهيرة في نهاية عام 1918، التي اعُتبرت بمثابة اللحظة التي استسلمت فيها الامبراطورية العُثمانية، وباتت فيها خطوط التماس بينها وبين القوى العُظمى أساساً لما سوف يُرسَم من حدودٍ للكيانات الجديدة، ومن ثُم مؤتمر باريس للصُلح عام 1919، ومروراً بمؤتمر سان ريمو واتفاقية سيفر عام 1920، واتفاقية أنقرة التُركية-الفرنسية عام 1921، ومن ثُم اتفاقية لوزان عام 1923، وحتى التوافق الفرنسي التُركي على استفتاء لواء الإسكندرونة عام 1939. طوال هذه «المُماحكات» والمداولات الكُبرى، كانت الحدود بين الكيان السوري ونظيره التُركي الحديث محل تغير شامل. إذ كان ثمة مناطق هاجر إليها الأكراد على أنها انسلخت عن تُركيا، لكن عاد الفرنسيون والأتراك واعتبروها جزءً من الدولة التركية، وكان هناك، بالمقابل، مناطق من المُفترض أنها جزء من الدولة التُركية الحديثة، لكن الفرنسيين ألحقوها بالكيان السوري في السنوات اللاحقة، كما في منطقة ديريك/المالكية ومُحيطها، التي كانت تُسمى «منقار البطة».

الأمر المُهم هُنا هو التركيز على أن تلك الهجرات لم تُغير من الطبيعة الديموغرافية للمناطق ذات الأغلبية الكُردية في شمال البِلاد، لأنها كانت هجرة نسبية، فالوجود الكُردي المُستقر كان سابقاً لتلك الهجرات بفترات طويلة، ولم يكُن بناء الكُرد والسريان والأرمن مُدناً حديثة بعد تشكل الكيان السوري، مثل القامشلي والدرباسية وكوباني/عين العرب، نتيجةَ أنهم هاجروا من شمال خط الفصل إلى جنوبه، بل لأن سُكان تلك المناطق انقطعت صلتهم بالمُدن التاريخية التي كانوا يتداولون معها طوال قرون، مثل ماردين وأورفا وجزيرة بوطان/ابن عُمر، لذا سعوا إلى بناء هذه البلدات الجديدة، لتلبي حاجاتهم وديناميكيتاهم الاقتصادية.

ما يزيد من تلك النسبية هو كونها لم تكن خاصة بالأكراد وحدهم، بل إلى جانب الأكراد كان العرب والسريان والأرمن، الذين انزاحوا للظروف نفسها التي أدت بالعديد من الكُرد إلى الانزياح. فالوجود العربي في أقصى شمال الخط الفاصل مثلاً لا ينحصر بالقبائل العربية التي قدمت من المناطق الجنوبية واستقرت فيما بعد في هذه المناطق، بل الوجود الأكثر قدماً للعرب في الجزيرة السورية مُتأتٍ من آلاف العوائل المردلية والمحلمية3 العربية التي نزحت من تُركيا الراهنة نحو سوريا، بالترافق مع النزوح الكُردي، وشكلت مكوناً أساسياً لكُل المُدن والبلدات التي تأسست فيما بعد على طول الخط الفاصل. الأمر نفسه ينطبق على السريان والأرمن والآشوريين والتُركمان السوريين.

وبالمُحصلة فإن نسبة النزوح الكُردي وازت نسبة نزوح باقي الجماعات، وبالتالي لم تُحدث تغييراً ديموغرافياً كما هو مُتخيل، أو كما في تقرير وزير المعارف السوري «القومجي» محمد كُرد علي في ثلاثينيات القرن المنصرم، ووثيقة الضابط الفاشي محمد طلب هلال في الستينات، التي شكلت، في أكثر من بُعد، الخلفية النظرية والخِطابية لما رُسم من خِطابٍ حول الوجود الكُردي في سوريا.

أخيراً، لم يكن الكُرد وحدهم من نزحوا نحو الجزيرة العُليا مع الربع الثاني من القرن المنصرم، بل كذلك القبائل العربية التي أتت من الجنوب، وكثيرٌ منها من خارج الحدود السورية الراهنة، وكذلك الآشوريون الذين تم تسكينهم في منطقة تل تمر عقب مجزرة بكر صدقي الشهيرة بحقهم في العراق عام 1936. لذلك فإن نقاش مسألة الهجرة الكُردية دون كُل تلك المُحددات والتفاصيل، يدخل بشكلٍ موضوعي في خدمة خيار سياسي بعينه.

*****

مرةً أخرى، إن كاتب هذه السطور ليس من الذين يفضلون مُناقشة تاريخ الجماعات الأهلية في أي كيانٍ بغير أغراض المعرفة التاريخية والأنثروبولوجية، ودوماً خارج حقل السياسة والخطابات التي تتحدث عن جماعة أصلية ما وأخرى أقل أصالة، والتي تدفع دوماً إلى تعزيز القيم القومية والمذهبية والدينية اليمينية، المُناهضة بجوهرها للرغبة ببناء كيان سوري ديمقراطي وعادل، يستمد شرعيته من العيش المُشترك والمُساواة التي يوفرها لجميع ساكنيه.

لم تكن المُحاججات السابقة بغرض العمل على إثبات الوجود الكُردي في سوريا، وهو مُثبتٌ بالواقع والعيش وليس بالوثائق والتاريخ والمرويات، لكن فقط لدحض أشكالٍ من الخِطابات التي تنموا في أماكن متفرقة، والتي تسعى لأن تُعيد من جديد تأسيس سوريا على جماعة مركزية ما، وعدم منح باقي السوريين الجدارة نفسها بالحضور والمُشاركة في الهوية السورية، وهو شيء يبخس من تضحيات السوريين في سبيل كيانٍ أكثر عدلاً، قبل كُل شيء.

*****

المراجع:

– سليم مطر، «جدل الهويات: عرب، أكراد، تركمان، سريان»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.

– محمد جمال باروت، «التكوّن التاريخي الحديث للجزير السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران النظري»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2013.

– م.س.لازاريف، «الإمبريالية والمسألة الكُردية (1917-1923)»، ترجمة عبدي حاجي، دار موكرياني، 2012.

– مجموعة نصوص معاهدات واتفاقيات سيفر ولوزان وأنقرة وسان ريمو.

– Jordi Tejel, «Syria’s Kurds: History, Politics and Society», 2009.

– Michael M. Gunter, «Out of Nowhere: The Kurds of Syria in Peace and War», Michael Center, 2014.

هوامش

1. الإيالة في القانون الإداري العُثماني تُساوي «المنطقة» في التقسيمات الإدارية السورية الراهنة، فكُل ولاية عُثمانية كانت تنقسم إلى عددٍ من الإيالات.
2. في العُرف الكلامي لكُرد الجزيرة السورية، تُسمى سهوب المنطقة عادةً «Bêrya Mêrdînê»، أي «برية ماردين».
3. أسماءٌ لبعض «الجماعات الأهلية» العربية التي كانت تسكن مدينة ماردين ومُحيطها، ونزحت إلى الأراضي السورية بعد رسم الخط الفاصل بين البلدين لأسباب سياسية وعائلية واجتماعية.

*كاتب وباحث سوري، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.




عودة الدين للتحكم بالفضاء العام في إسرائيل (مقالة مترجمة عن العبريّة)

الحمد لله، تبارك الله، لماذا رجعنا إلى الدين؟

يارون كوهين تسيمح؛ ترجمة: خالد خليل

المصدر: هآريتس

كما حدث على مر التاريخ، تجري حروب على السيادة بين المذبح والتاج، بين الدين والدولة/ تصوير: أوليبيا بيتوسي

كما حدث على مر التاريخ، تجري حروب على السيادة بين المذبح والتاج، بين الدين والدولة | تصوير: أوليبيا بيتوسي

العودة إلى الدين تتصدر المشهد في إسرائيل (مقدمة المترجم)

تشهدُ إسرائيل، حسب محللين إسرائيليين، مداً دينياً وعودة متنامية لدور الدين والمتدينين في السيطرة على الحياة السياسية والاجتماعية، على الرغم من أن إسرائيل هي نتاج حركة يسارية علمانية «الصهيونية»، ترفع شعار الديمقراطية.

وبالفعل، تعتبر عدم قدرة اليسار على الوصول إلى سدة الحكم خلال ما يربو على عقدين من الزمن في ظل هيمنة اليمين «الليكود» ويمين الوسط «كاديما»، ترجمةً حقيقيةً للمدّ الذي يقوده التيار الديني داخل المجتمع الإسرائيلي. فأحزاب اليسار التي كانت تستمد قوتها من الصهيونية العلمانية في تراجع مستمر، كان آخره ما ذاع من أن يتسحاق هرتسوغ، زعيم المعارضة الإسرائيلية، ورئيس حزب العمل، تحالف مع نتنياهو مقابل بعض المقاعد الوزارية.

كما يعود رجحان كفة اليمين والأحزاب الدينية وتصدرها للمشهد السياسي والاجتماعي في إسرائيل على حساب اليسار المنهار، حسب مراقبين للشأن الإسرائيلي، إلى حقيقة أن الجمهور الإسرائيلي لم يعد يلمس وجود فروق إيديولوجية ذات مغزى بين أحزاب اليسار وأحزاب اليمين.

الكنيست الإسرائيلي

الكنيست الإسرائيلي

وبينما تتغنى إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، نراها تطرح شعار عنصرياً «يهودية الدولة» في ظل تنامي دور الأحزاب الدينية التي تسعى إلى «هودنة الديمقراطية» على حساب «دمقرطة الدولة»، إن جاز التعبير.

في هذا السياق ترى وزيرة العدل الإسرائيلية أييلت شاكيد من حزب «البيت اليهودي»، أنه كلما كانت إسرائيل يهودية أكثر، ستكون أكثر ديمقراطية. ونشرت الوزيرة الشابة مقالاً قبل أسابيع، وهو الأول من نوعه، أوردت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقتطفات منه: «أؤمن أننا سنُصبح دولة أكثر ديمقراطية كُلما كُنا دولة أكثر يهودية».

وزيرة العدل الإسرائيلية أييلت شاكيد

وزيرة العدل الإسرائيلية أييلت شاكيد

دَعَت شاكيد إلى تعزيز الطابع اليهودي لإسرائيل من خلال خطوات تشريعية، لافتةً إلى أنها لا ترى تناقضاً بين تشريع يُفضي إلى تعزيز الطابع اليهودي لإسرائيل، وبين أسس الديمُقراطية. ووصفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» آراء شاكيد بأنها ستكون في حالة تطبيقها «أعتى عاصفة سياسية على الإطلاق»، حيث تطالب الوزيرة بأن تتعامل الدولة مع اليهودية على أنها أكثر من مصدر رمزي، مشيرة إلى أنها وضعت هدفاً أمامها وهو أن تطرح قانوناً أساسياً يزيد من ثقل الهوية اليهودية لإسرائيل، ويعمل على إرسائها ضمن مفاهيم عملية، بموازاة حجم القوانين الأساسية الليبرالية والشمولية.

كما ذهبت شاكيد إلى الادعاء بأن المُنظرين السياسيين الذين صمموا ووضعوا أسس الديمقراطية المُعاصرة، مثل جون لوك وتوماس جفرسون، استندوا في ذلك على التوراة، وأن المبادئ الغربية الشاملة المتعلقة بحرية التعبير عن الرأي ومبدأ تغليب الأكثرية كلها تنبع من التقاليد اليهودية.

إذاً، هي محاولة إصباغ هوية دينية محددة على دولة متعددة الأديان، وهنا يرى الباحث الإسرائيلي يارون كوهين تسيمح أنه عندما تتوقف الدولة عن تزويد مواطنيها بالخدمات الأساسية، وتتوقف عن كونها مصدراً للهوية والتضامن الاجتماعي، فإن الدين يعود إلى الواجهة ويقوم بهذا الدور الذي لم يتخلَ عنه واعتاد على تأديته عبر التاريخ ويؤديه في الحاضر، وسيواصل تأديته في المستقبل.

يستعرض تسيمح في بحث مفصّل، نشرته صحيفة «هآرتس» بتاريخ 2 تشرين الأول (أكتوبر)، تحت عنوان «الحمد لله، تبارك الله، لماذا رجعنا إلى الدين؟»، معارك «السيادة» بين الدين والدولة. ويرى أن تنامي النَفَس الديني في إسرائيل ما هو إلا جولة جديدة لما كان يحدث عبر التاريخ من الحروب على السيادة بين «المذبح» و«التاج»، بين الدين والدولة.

ويشرح الباحث كيف كان الدين مسيطراً على حياة البشر قبل نشوء الدولة، التي ألغت الدين، وكيف أن العولمة ألغت الدولة؛ إلا أن حاجة الإنسان للتضامن وبحثه عن هويته الخاصة أسبابٌ دفعته للانضمام إلى جماعة، أي عودة الدين، وهكذا ألغت الجماعاتية العولمة. لذلك يحذر «الدولة» من ترك أي فراغ، كي لا يستغله خصمها، «الدين».

*****

على ضوء قضية «أحداث السبت» بخصوص عمل القطار يوم السبت قبل أسبوعين، هناك تساؤل يطرح نفسه، هل سنشهد عودة الدين للتحكم بالفضاء العام في إسرائيل؟ إذا كان كذلك، مَن الذي يمنع هذه العودة غير لعبة المصالح السياسية متعددة الأطراف؟ وهل هناك «عودة» إلى الدين في عصرنا؟ إذا كان الجواب نعم، لماذا؟

تجدر الإشارة إلى أن هناك وظيفتين يشغلهما الدين في حياة الإنسان والمجتمع: من الناحية الداخلية، الدين يعطي لمعتنقه تصوراً جاهزاً ومبلوراً عن طبيعة النفس البشرية، والهوية والتضامن والتكافل الاجتماعي. أما من الناحية الخارجية والاجتماعية، فهو يساعد على خلق التضامن المطلوب لتشكيل الجماعة والحفاظ عليها عبر التزام أفرادها بانتهاج طرق سلوك معينة وفقاً لمعتقدات مشتركة حول العالم. ووفقاً لهاتين الوظيفتين، فالدين يسعى لتحقيق سيادة كاملة وحصرية، ونوع من الحكم الذاتي أو الاستقلالية في حياة الناس، أفراداً أو جماعات على حد سواء، وصولاً إلى درجة إلغاء الحد الفاصل بين ما هو خاص وما هو عام. فهوية الإنسان هي جزء من المظهر الذي يمارسه في المجتمع، ونظرته إلى العالم تعطيه تصوراً روحياً بخصوص ما يعتقده كقديس.

عندما يحقق الدين هذا الهدف، يصطدم مع مؤسسات بشرية أخرى تحاول هي بدورها تحقيق السيادة ذاتها. إحدى هذه المؤسسات هي الدولة، وبشكل خاص الدولة القومية التي ولدت في العصر الحديث، والتي تتطلع هي أيضاً لبلورة أطر ناظمة للهوية والتضامن والجماعاتية في المجتمع. من هنا يبدو طريق التصادم بين الدين والدولة قصيراً جداً.

 الدين فوق الدولة

لمحاولة فهم مصادر الصراع في الدول الغربية، ومن بينها إسرائيل، لا بد من فهم أن الثورة الحضارية والاقتصادية التي حدثت في نهاية العصور الوسطى، بدأت عند ولادة الدول القومية على حساب الدولة الإقطاعية. في العصور الوسطى لم يكن الفصل نهائياً بين وحدات السيادة الصغيرة والكبيرة – التي تختلف في اللغة والثقافة، ولها نظام نقود وضرائب مختلف، والتي حُكمت من قبل طبقة النبلاء وأصحاب النفوذ وإقطاعات الأراضي. إضافة إلى هؤلاء، وعلى درجة أعلى منهم، حكمت الكنيسة الكاثوليكية من مقرها في روما، وفرضت على أرجاء أوروبا وجهة نظر واحدة، بما في ذلك تعليمات سلوك وتصرف في هذا العالم، ومنح صكوك الغفران للآخرة.

حددت الكنيسة المسموح والممنوع، مَن الحاكم ومَن المحكوم، وفي الوقت نفسه، قدمت الخدمات الطبية والتعليم والتربية. ولكن القضية الأهم هي أنها منحت نوع الهوية والتضامن والتكافل الاجتماعي المطلوب كي يستطيع شخص ما الانضمام إلى الجماعة، إلى درجة أنها امتلكت القدرة على دعوة جميع المسيحيين لترك أراضيهم وأسرهم وأسيادهم الاقطاعيين، للخروج في الحملة الصليبية لمحاربة الكفار في الطرف الآخر من العالم.

 الدولة تلغي الدين

هذا الوضع بدأ بالتغير في القرن الـ 16، مع انهيار الإقطاعية والكنيسة، والتحسن الاقتصادي ونمو الصناعات الحديثة وظهور مدن جديدة. كل هذه الأسباب أدت إلى ظهور أنظمة سياسية جديدة من بينها الدولة القومية، وما يميز الدولة القومية أنها تحت سيادة حاكم واحد على أرض واسعة، ولغة واحدة وعاصمة واحدة وإدارة واحدة، ولكن في الأساس مع منظومة اقتصادية واحدة تخضع لمصالح الدولة، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدولة كوحدة مستقلة.

خلقت الحروب الدينية الكثيرة وظهور التيارات المتنافسة في تلك السنوات، الحاجة للدعوة إلى التسامح الديني، الأمر الذي فرض ضرورة أن تكون السيادة حيادية من الناحية الدينية، وأن على الدين ألا يتدخل في منصب الحاكم.

في المقابل، الدولة – التي حكمها بدايةَ الأمر ملكٌ ذو نفوذ وقوة، ولكنها مع مرور الزمن تحولت إلى ديمقراطية – بدأت تسعى للحصول على التزام الجماهير وثقتهم، وفقاً للحالة الوطنية باعتبارها مصدراً للسلطة والهوية، كما بدأت بإبعاد الدين عن وظائفها هذه، أو على الأقل بلورة دين محلي يخضع لسيادة الدولة.

وقد ساهمت العلوم والاكتشافات الحديثة في هذه العملية، البداية كانت مع كوبرنيكوس وغاليلو اللذين أزاحا الكرة الأرضية من مركز الكون، ووضعا الشمس مكانها (ومنذ ذلك الحين تحولت الأرض إلى مجرد كوكب من مليارات الكواكب). مروراً بـ«نيوتن» وفيزيائيين آخرين توصلوا إلى أن الإنسان يمكنه تدبّر أموره بدون الإله للوصول إلى التفسير الحقيقي للعالم ولما يجري حوله، وكذلك داروين الذي أكد أن الإنسان كائن متطور وليس من صنع الإله. كل هذه الأمور قدمت حقائق متعددة ومناقضة لما جاءت به الكتب المقدسة. من هنا يجب أن نخلص إلى أن العلم، وليس الدين، هو الطريق إلى الحقيقة والتقدم، وينبغي الاعتراف أن الدين هو محض هراء حتى يمكننا التخلي عنه، وإغلاق مؤسساته ومصادرة أمواله، وبكل تأكيد عدم السماح له بالتأثير على حياة البشر.

غاليليو غاليلي

غاليليو غاليلي

علاوة على ذلك بدأ الاقتصاد يكتسب أهمية متزايدة، ومع بداية الـقرن 17 بدأت المصالح المحلية وحياة الرفاهية والربح والتطلع إلى الثراء والسعادة تتحول إلى أمور أكثر شرعية، ومطلوبة. وبات مطلوباً من الإنسان العمل بذكاء لتحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة والثراء، طالما أنه يستمتع بحياته هذه كل ما كان ذلك أفضل. وفي نهاية القرن الـ 18، قال «آدم سميث» إن العمل انطلاقاً من الرغبة الطبيعية لتحقيق الأرباح والمكاسب يعتبر من صلب الحياة الاجتماعية، لذا على الدولة والدين عدم التدخل لمنع هذه الرغبة.

هكذا، على مشارف القرن الـ 20، كان المجتمع الأوروبي مجتمعاً صناعياً ورأسمالياً، وعلمياً وعقلانياً (على الأقل كما يرى نفسه)، وآمن بالفكرة الساذجة «بالعلم يزدهر العالم»؛ والاقتصاد هو الميدان الذي يجسد طبيعة هذا الازدهار، والتكنولوجيا تساهم في تقدم الإنسانية؛ وعلاوة على ما سبق يولي المجتمع الأوروبي أهمية للدولة القومية الحديثة، كسيادة ناظمة للنظام الاقتصادي والاجتماعي، تمنح الفرد انتماءً وهوية وواجبات.

ماذا عن الدين؟ على الرغم من ذلك لم يختفِ كما هو متوقع، وتم التعامل معه كشأن خاص، وقيم أخلاقية مستمدة (وفق اعتقادٍ خاطئ) من قوة عليا. وتحولت المؤسسات الدينية ذاتها لمؤسسات خدمية مجتمعية ونفسية فقط، تخضع لسيطرة الدولة واحتياجاتها، من دون التأثير على الفضاء العام الذي تشكّلَ من جديد وفقاً للروح القومية. هكذا وفي نهاية المطاف تحوّل الدين إلى نوع من الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها. أما في إسرائيل فقد توّلت تقديمَ هذه الخدمات الأحزابُ الدينية التي تمثل المؤسسات الدينية والتقليدية في الحكومة، حتى أن جزءً من القوانين في الدولة عبرت عن معتقدات دينية وتقليدية، الأمر الذي أعتبر حلاً وسطاً نبع من المصلحة السياسية، حتى لا يتأذى الناسُ الذين لم يتخلوا عن دينهم ولم يتجهوا نحو الحداثة بعد.

في الواقع، إن الدول التي أقيمت في القرن الـ 20، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الهند وإسرائيل واليابان وتركيا، هذه الدول وُلدت (أو وُلدت من جديد) كدول ديمقراطية علمانية بمزيج يجمع بين الاقتصاد الوطني والرأسمالية، بينما كانت تحاول التقليل من دور الدين الذي كان يفرض نفسه داخلها على مر التاريخ. حيث بلور جمهور اليسار، وكذلك بالنسبة للمتدينين، وعياً وطنياً يقدم الهوية والانتماء على الدين، والطقوس والأعياد الوطنية على تلك الدينية، والمصالح الوطنية على المصالح الدينية، وخدمات رسمية ووطنية لرفاهية المواطنين كالتعليم والخدمات الاجتماعية والصحة والأمن والإسكان والغذاء.. إلخ. والسكان بدورهم سعوا وراء معيشتهم، ودفعوا الضرائب المستحقة عليهم وخدموا في الجيش، ولم يكن لديهم شك بأن هذه الدولة هي لخدمتهم وتعمل لصالحهم ولصالح الأمة والدولة. وإذا كان هناك شعور بأن الحكومة تقصر في عملها أو أنها تسير في الاتجاه الخاطئ، يقوم المواطنون والأطراف السياسية بتقديم بدائل لتصحيح المسار.

شاطئ منفصل للرجال في «بيت-يم» – جيل كوهين ماجين/ هآرتس

شاطئ منفصل للرجال في «بيت-يم» – جيل كوهين ماجين/ هآرتس

العولمة تلغي الدولة

كل شيء على ما يرام، ولكن مع مطلع القرن الـ 21 بدأت تظهر شروخ في هذا الانسجام، من بينها أن الدولة القومية بدأت بالتفكك بعد سلسلة تغيرات اقتصادية وعالمية. ومع نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، وُلدَ انطباعٌ بأن الرأسمالية والتفكير العلمي بالمصالح (الذي أفرز تكنولوجيا متقدمة بشكل سريع)، وأن الليبرالية، قد انتصرت لدرجة إعلان نظرية «نهاية التاريخ»، ورافقَ ذلك ظهورُ العولمة الاقتصادية الواقعية، وتحول العالم إلى قرية عالمية يتداول فيها الناس السلع والأفكار بأريحية تامة، ويستطيعون التنقل إلى أي مكان ومن أي مكان. وفي قلب هذا العالم كان الإنسان المُعولم، إلى درجة أنه في أكثر الفترات ليبراليةً أُلغيت الفكرة السائدة حول أن خبرة الإنسان هي التي تجعله يفهم العالم ويفسر ما يجري حوله بصورة علمية. ووفقاً لذلك بات مصطلح «الحقيقة»، مثل مصطلح «الأمة»، فاقداً لمعناه.

بدأت العولمة والاقتصادية العالمية بتنظيم الدول والاقتصادات المحلية وفقاً لاحتياجاتها، وبتقويض سلطة الدولة في التأثير على مواطنيها. وأجبر عرابو العولمة الدول على فتح أسواقها المالية والتجارية، والابتعاد عن أي شكل من أشكال سياسات الحماية الاقتصادية الوطنية بحجة دعم وتفضيل المنتج المحلي. وتحسين النظام الضريبي والانفاق الحكومي، بما في ذلك الامتناع عن كل ما من شأنه أن يثقل كاهل الميزانية والاقتصاد.

بالفعل، ما حدث هو أن «القومية» تحولت إلى بضاعة كاسدة، وعبء لا بد من التخلص منه للدخول إلى عالم العولمة، أو على أقل تقدير أصبحت شيئاً غير واقعي فيما يخص العمليات الاقتصادية أو الهوية الشخصية. وإذا بقي شيء ما من «القومية» ومن «الدولة الرسمية» المحلية، فهذا يعتبر ضرباً من ضروب التلاعب العاطفي وأداة للسيطرة على الجماهير، أو مجرد مصطلح فارغ من المحتوى، وليس كما يهذي كثيرون بأنها الطريق الصحيح، والماضي المشترك والحاضر الذي يبشر بمستقبل واعد.

إذا ما أخذنا إسرائيل نموذجاً على سبيل المثال، فقد قامت الدولة بخصخصة معظم خدماتها مثل الصحة والرفاهية وأمن المواطن، وأعفت نفسها من كل الالتزامات بتأمين حياة مريحة لمواطنيها. ومن ناحية أخرى، الناس في إسرائيل باتوا يشعرون أن الدولة لا تقوم بدورها المنوط بها حسب العقد الوطني، لذلك يشعرون بأنهم مخدوعون، لأنهم في الحقيقة لم يعودوا مؤثرين، فالانتخابات بين اليمين واليسار لا تغير في الواقع شيئاً، لا سيما بخصوص ما ستقوم به الدول تجاه مواطنيها. وفي كل مرة، إن مَن يحدد ما يحدث هنا هو رأس المال وخاصة في الاقتصاد العالمي، لا سيما في إطار العولمة.

هكذا، يجد الإنسان نفسه في قلب العالم، حراً في تقديم مصالحه الشخصية على غيرها، وحراً في اختيار وبلورة هويته في العالم الذي يمكنه شراء أي شيء، وحراً في أن يعيش في أي مكان. فالإنسان مُلزم بتدبير أمور حياته بنفسه، وفقاً «لعمق جيبه»، ومع شبكة أمان بدرجة ما، هذا بشكل عام. ولكن هناك مَن نجحوا بذلك بالفعل، وبلوروا هويتهم وفقاً للعالمية. وفي المقابل هناك من بقي حائراً وغارقاً في سيول العولمة، لدرجة إحساسه بالضياع وبأنه بحاجة إلى نوع من التوجيه والإرشاد والمساعدة، وفي خضم هذا الارتباك وُلِدَ الدِين من جديد.

امرأة مسلمة على شاطئ البحر – رويترز

امرأة مسلمة على شاطئ البحر – رويترز

الجماعاتية تلغي العولمة

الهوية، الاستغاثة في وقت الشدائد، قيمة الحياة والشعور بالتضامن الجماعاتي، وخدماتٌ من قبيل الصحة والتعليم والإرشاد الروحي والتقليدي، كل هذه الأمور يعود الدين إلى تلبيتها، بدلاً من الدولة، كما كان يفعل على مدى آلاف السنين. وانطلاقاً من المكانة الداخلية والرمزية التي تمركز فيها الدين في العصر الحديث، ومنها الحفاظ على طبيعة المجتمع الديني وصورته التقليدية التي لم تختف فعلياً، بدأ الدين ينمو من جديد على هيئة «ملتزمين» أو «تائبين»، فهؤلاء بدأوا بإنشاء طائفة «جماعة» ذات معتقدات وأسلوب حياة مشترك، وطالبوا أيضاً بتغيير الفضاء العام بما يتناسب ومعتقداتهم، سواء فيما يخص ثقافة المجتمع (ممنوع عمل المرأة، على سبيل المثال)، أو فيما يخص الاقتصاد (متى يفتح التاجر حانوته ومتى يغلقه)، وما هو مسموح العمل به وما هو ممنوع، ممن حلالٌ أن تشتري ومن أي محل؟ ومن يُحرّم التعامل معه؟ وطالبوا الدولة أن تولي اهتماماً بمشاعر أعضاء الجماعة في الفضاء العام بخصوص الخدمات الرسمية، سواء في الجيش أو الإعلام أو التدخل في مناهج التعليم، وما هو مناسب وما هو غير مناسب.

هذا النهج لاقى تأييداً من قطاع العمل من الناحية الاقتصادية، وعلى المستوى السياسي من تلك الأحزاب الدينية التقليدية التي راحت تمثل جمهور المتدينين المتجدد. فهؤلاء اكتسبوا كثيراً من القوة والقدرة على تحقيق إنجازات سياسية جوهرية على شكل خلق الفضاء العام وإعطاءه صبغة دينية، من خلال السعي المستمر لإضفاء بعد ديني على «القومية» التي أُفرغت من محتواها.

هذا، وساهم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في إبراز المفاهيم الدينية للقومية. ومع الزمن توقف الصراع عن كونه بين أمتين (وهو أطلاقاً لم يكن بهذه الصورة) وتحوّل إلى صراعٍ بين الأديان. كما يعود الدين في أوروبا إلى الساحة كلاعب قوي وذلك بسبب حركة الهجرة الإسلامية إلى القارة العجوز، وتنامي النَفَس الإسلامي في أحياء كاملة داخل المدن الكبرى في أوروبا، ما يثير غضب اليمين، الأمر الذي يضفي بعداً دينياً على القومية ويحولها إلى عصبية عندما تتم الدعوة إلى حملة صليبية جديدة على الكفار الذين احتلوا «أوطانهم».

 أديان هجينة

أتاحت العولمة وسياسات الخصخصة مساراً آخراً، قياساً على قدرة كل فرد في توليف دين مناسب لنفسه ولاحتياجاته من الأمور المتاحة، والتي في متناول اليد. دينٌ لا يحتاج إلى سندٍ لاهوتي ولا يعترف بسلطة العرش المقدس لتحديد ما هي الديانات الصحيحة. تُعرَفُ هذه الديانات في إسرائيل بديانات العصر الحديث، وانتشرت بكثرة في التسعينيات من القرن الماضي، ومنحت معتنقيها بعداً روحياً بصورٍ مختلفة، مثل الرضا وتجليات وتأملات داخلية. ويمكننا أن نسميها اليوم بالأديان الهجينة، أو الديانات متعددة المعتقدات. أي وفقاً لهذه الديانات يمكن للإنسان أن يقيم يوم السبت وفي اليوم التالي يذهب إلى البحر، ولا يلتزم بعدم تناول الأطعمة المحرّمة ومع ذلك تراه يصوم يوم الغفران، ويفسر التلمود وفقاً لروح تعاليم بوذا، ويشعر بالتقرب من الله في قداس عيد الميلاد أو في معبد في الهند.

في سنوات «التوبة» أو التقرب إلى الله في مراحله الأولى، يرى الإنسان ضرورة إقامة مؤسسة دينية كي يسيطر الدين على جوانب الفضاء العام. وخلافاً للتيار التقليدي القائم على المتدينين الأتقياء والمتشددين طوال الزمن، فإن الديانات الهجينة توجه انتقادات إلى الاحتكار الديني بغطاء الدولة التي اعتنقت اليهودية الأرثوذكسية، الأمر الذي يؤثر سلباً على إمكانية تجسيد تطلعات الديانات مختلفة ومتعددة المعتقدات. ونرى ذلك في قضايا وأمور مثل الحلال والحرمانية، وأحكام الزواج والطلاق، وأحكام السبت والإعفاءات المتعددة التي يحصل عليها من هم في تيار الدين الأرثوذكسي.

ومع ذلك، وإن بقدر معين، تشكل هذه الأديان الهجينة أو متعددة المعتقدات حافزاً للأشخاص الذين لا يرغبون بالعيش في إسرائيل، في الوقت الذي يتيح فيه عالم العولمة للإنسان العيش في أي مكان يراه مناسباً وفقاً لما تمليه عليه حاجاته الاقتصادية والنفعية. في هذه الحالات يثبت الإنسان لنفسه على وجه الخصوص، بأنه لا يزال متمسكاً بالمعتقد اليهودي، بعيداً عن الحاخامية.

في الفجوة بين أولئك الذين يدعون إلى التمسك بالطابع الديني في الفضاء العام، وإضفاء بعد ديني على القومية التي أُفرغت من محتواها، وبين مَن يعتنقون الديانات الهجينة ويطالبون بإلغاء الاحتكار الروحي للدين، لا تزال هناك أغلبية صامتة، تسمى لدينا خطأً بـ «العلمانية»، شكلت هويتها المختلطة سواء من الدين أو القومية، والعالمية والمحلية، وتعترف بإمكانية العيش في أي مكان في العالم، وإيجاد مصادر للهوية والبحث عن التضامن والتكافل مع أي إنسان آخر في العالم. على ظهر هذه الأغلبية، وعلى مر العصور، جرت وتجري حرب السيادة بين المذبح والتاج (الكاهن والملك)، وبين الدين والدولة.

ولكن الدولة الحديثة، أو ما بعد الحديثة، بحاجة إلى أن تضع في حسبانها، أنه لا ينبغي أن يكون هناك فراغ. وعندما تتوقف الدولة عن تزويد المواطن بالخدمات الأساسية والدعم، وتكف عن كونها مصدراً للهوية والتضامن والتكافل الاجتماعي، فإن الدين سيقوم بهذا الدور، الذي كان يقوم به على امتداد التاريخ في الماضي، ويقوم به الآن، وسيستمر بالقيام به في المستقبل.

مع ذلك، قد يكون هناك أيضاً من يعتقدون أن الدين هو مجموعة من الخرافات، وأن الدولة لا تفي بالتزاماتها أمام مواطنيها حسب العقد، لذلك يقطعون صلتهم بالثقافة الوطنية التي امتلأت بأمور غريبة عنهم.

========================================================

ملاحظة: المقال مترجم عن العبريّة ولا يعبّر بالضرورة عن الخطّ التحريري لـ “لحظة بلحظة” 

========================================================