الجزائر تخترع “الرّئيس الاِفتراضي”…

الأستاذ نصر الدين بنحديد

التخبّط الّذي تعيشه الطّبقة السّياسية في الجزائر والّذي تزداد وتيرته مع اِقتراب الموعد “المفترض” لاِنتخابات ربيع 2019 الرّئاسية ملفت للاِنتباه ومثير للجدل في بلد كانت الممارسة السّياسية فيها أقرب إلى دقّة “السّاعات السّويسرية” أي الصّمت المشفوع بالدقّة…

لا علاقة مباشرة أو هي عضوية/ آلية بين هذا التخبّط من ناحية والحال الصحّي للرّئيس بوتفليقة، بل هو تخبّط مردّه العجز عن تصوّر “رئيس جديد” يؤدّي المهامّ الّتي يؤدّيها الرّئيس الحالي دون أن يكون مؤثّرا بما يزيد عن المطلوب لصناعة الصّورة، ممّن جاؤوا به إلى منصب الرّئاسة…

صفات الرّئيس الحالي أو هي أساليب ممارسته للدّور أو الوظيفة صارت هي المرجع: رئيس نسمع عنه ولا نراه إلاّ لماما، نقرأ ما يقول دون أن نشاهده ينطق، وأخيرا نرى فعله دون أن نبصره أثناء الممارسة..

كلّها صفات “الرّئيس الاِفتراضي” الّذي يأتي الفعل أهمّ من الفاعل والصّورة أنفع من الأصل، ليكون الخيار (ربّما) بالمواصلة على النّهج ذاته، أي الحديث عن “الرّئيس” في صيغة “نائب الفاعل” دائما، لتستمرّ الجزائر “أرض المعجزات” فعلا…

سيقولون أنّ العالم يراقب هذه التّجربة الرّئاسية عن كثب… فعلا العالم ينظر وينتظر…




تونس لا تتحمّل مغامرات جنونيّة قد تأتي على الأخضر واليابس

أرشيفيّة

الأستاذ خليد بلحاج

أن تختلف مع اليعقوبي فهذا من حقّك، أن لا توافق على خطّة نضال نقابة الثّانوي فهذا أيضا من حقّك، لكن إعلم إن لم تكن تعلم وتذكّر إن نسيت أنّ نقابة الثّانوي كانت أهمّ نقابة واجهت اِستبداد بن علي وقاومته من أجل الشّعب.

لقد أطّر الأساتذة تحرّكات شباب الثّورة واِكتسحوا الميادين. لقد فرضوا الأمر الواقع على اِتّحاد جراد الخائن وألزموه بالاِنخراط في الحراك الثّوري… ولكنّ هذه المركزية لم تشذّ يوما عن طبيعتها وعن عمالتها. لم يطلب الأساتذة شيئا ﻷنفسهم إبّان الثّورة في حين اِغتنم الكلّ الفرصة ومارسوا اِبتزازهم…

ليعلم شعب تونس أنّ القاعدة الأستاذية لم تختر معاداة شعبها ولكنّها للأسف تتعرّض للغدر وللاِبتزاز. قاعدة مطحونة بين مطرقة الحكومة وغدر المركزية واِبتزاز ها. الكلّ يشتم الأساتذة ولكنّهم لا يتورّعون عن نيل المكاسب بفضلهم. والطبّوبي يستعملهم وسيلة للتّفاوض من أجل زيادات الوظيفة العمومية ثمّ يرمي بهم، والحكومة اِستطابت اللّعبة واِختارت تأبيد الأزمة وتلهية الشّعب بها لتمرير قانون المالية منذ أيّام.

بكلّ بساطة، الحكومة والاِتّحاد شريكان في كلّ المآلات. والإثنان لا همّ لهما إلاّ مصالحهمها الذّاتية، وآخر همّهما العدالة الاِجتماعية. همّ الحكومة الاِستقرار أي حقّ الوجود والاِستمرار. وهمّ الاِتّحاد ضمان نفس الموقع المؤثّر في موازنة الحكم. والحكومة تتقدّم على الاِتّحاد لأنّها تمتلك أوراقا أخطر وهي ملفّات الفساد الّتي تمارس بها ضغطا على الطبّوبي.

اِنكشفت اللّعبة ولا بدّ من التّعجيل بالحلّ. تونس لا تتحمّل مغامرات جنونيّة قد تأتي على الأخضر واليابس.




تونس ليست فريسة يتناهشها ذئبان

تونس ليست فريسة يتناهشها ذئبان.

الأوّل محرّكه شهوة الاِنتقام.
والثّاني محرّكه شهوة السّلطة.

ووراء كلّ واحد عصابات إعلامية فاسدة وعصابات سياسية فاسدة وعصابات مالية فاسدة… خلف السّتار الأيادي الأجنبية تحرّك الدّمى المتراقصة على الرّكح.

فخّار يكسّر بعضه؟ يا ريت!! لكنّهم بحربهم الدّاخلية هذه، عصابات ضدّ عصابات، قد يكسّرون أيضا الوطن وهذا غير مسموح به أبدا.

الأمل والعمل: ثلاث اِستراتيجيّات

1- المحافظة على الاِستقرار وتفويت الفرصة على الفوضى المصطنعة والمدفوعة الأجر مع الحفاظ على حقّ الشّعب في نضالاته السّلمية الحقيقية…خاصّة عدم السّقوط في فخّ الاِصطفاف وراء هذا وذاك، وهما وجهان لنفس العملة المزوّرة.

2- التجنّد لكي تقع الاِنتخابات في وقتها وخاصّة لكي تتوفّر شروط نزاهتها:

* إنشاء المحكمة الدّستورية أخيرا… ونفهم تخوّفهم من وجودها لكنّنا لن نسكت عن ضرورة إيجادها قبل الموعد المحدّد دستوريّا للاِستحقاقات القادمة.

*إتمام تركيبة اللّجنة المستقلّة للاِنتخابات والتأكّد من جاهزيّتها وحيادها التامّ. عدم نسيان اِستقالة رئيسها السّابق وما تتضمّنه الاِستقالة من رسائل مبطّنة.

*إخراج القضاء المستقلّ لملفّ الشّكوى الّذي تقدّمت به منذ أربع سنوات أي بعد اِنتخابات 2014 كي لا تتكرّر نفس الجرائم الاِنتخابية وحتّى لا تصادر العصابات الإعلاميّة- السّياسية- المالية سيادة الشّعب واضعة أمامه خيارا واحدا لا غير: اِستبداد فاسد أم ديمقراطية فاسدة.

3- تسريع القوى السّياسية الوطنية التّفاوض حول “المشترك الوطني” والنّزول به إلى الشّعب المحبط المنهك اليائس ليتجدّد فيه الأمل بأنّ هناك بدائل جدّية وذات مصداقية قادرة على إقالة تونس من عثرتها ووضع حدّ لهذه الفترة المضحكة المبكية الضّائعة عبثا من تاريخها الحديث.

ولا بدّ للّيل أن ينجلي




17 ديسمبر بين النّوايا المنقوصة والتّجارب النّاقصة: كلام مناسبات وحديث لغو…

الأستاذ نصر الدين بنحديد

حين نقارن بين نقطتين (بالمفهوم الزّمني) ونشخّص ما تحقّق/ تقهقر بين سنتي 2010 و2018، نجد أنّ الإنجاز الأوحد الوحيد يكمن في كسر حاجز الخوف/ الصّوت والقدرة على التّعبير بأصوات جدّ مرتفعة مع بقاء القدرة على الفعل معطّلة بل ملغاة…

هناك سعي متواصل لجعل اِحتفال 17 ديسمبر نسخة مشوّهة عن 7 نوفمبر: شعارات المناسبة ومن بعد ركن اللاّفتات إلى العام الموالي.

رغم النّفس المتفائل أو المتظاهر بذلك من باب إظهار والتّظاهر بعدم اليأس من الثّورة، هناك مرارة جامعة، بأنّ الواقع أدنى بكثير جدّا من الحلم الثّوري الّذي هزّ الآلاف ومن بعدهم الملايين بالحرّية للجميع والتّوزيع العادل للثّروات على قاعدة تنمية تشمل جميع المناطق.

ما نلاحظ من اِنفصال الحراك السّياسي الفوقي وممّا هو عراك من أجل الغنيمة، يمثّل الطّعنة الكبرى والصّفعة المدوّية لبقيّة ما تبقّى من “الحلم الثّوري” ليكون السّؤال الرّاهن/ الحارق ليس حول ما تحقّق أو لم يتحقّق، بل عمّا يجب فعله ليس لإطلاق الثّورة من جديد، بل للاِنتقام من “ثوّار الأمس” كما “أزلام الحاضر” الّذين يرون فيه “الثّورة” ما كان يرى بن علي في 7 نوفمبر: شعارات على لافتات وخطب حماسية هدفها تأبيد الوضع إلى ما لا نهاية، أو بالأصحّ الحلقة الاِنتقامية القادمة، والعياذ بالله…




في الثّورة والدّيمقراطية والسّيادة الوطنية والمقاومة: هل من تكامل بين هذه العناوين أم هل من تعارض؟

الأستاذ البحري العرفاوي

أعتقد أنّنا نحتاج وعيا قادرا على فصل “الدّوائر” وعلى “ربطها” في آن، نحتاج وعيا مرنا غير “متصلّب”، مرونة لا تنفي “المبدئيّة” ولا تلغي “الوضوح”.

الثّورة ليست فقط حالة غضبيّة تنتهي بقلب جهاز حكم بما هو شخوص وأدوات، الثّورة رؤية، مسار، رموز، قيم جديدة وعلاقات جديدة وقدرة متبصّرة على القطع الهادئ العميق مع ماض سيّء من أجل مستقبل أرقى وأنقى ومن أجل حياة جديرة بأن تُحيا.
من معاني الثّورة تغيّر النّظام الاِجتماعي باِتّجاه عدالة أقلّ حيفا وطبقيّة وتغيّر النّظام السّياسي باِتّجاه ديمقراطية عميقة لا ديمقراطية شكليّة وتغيّر التّعبيرات الفنّية والثّقافية والقيميّة نحو ما هو إنساني جمالي.

الثّورة تهدف ـ نهايةـ إلى تحرير الإنسان بما هو إرادة وشوق وفكر وتعبير وفعل، كما تهدف إلى تحرير الوطن في قراره السّيادي سياسة وثقافة وتشريعا وهذا يظلّ مشروطا بتحقيق شروط السّيادة إذ لا سيادة لمجتمعات تستورد ما تستهلك من أغذية وملابس وأدوية وتجهيزات وآلات ومعدّات وتقترض من البنوك الأجنبية لبعث مشاريع أو لدفع مرتّبات الموظّفين، لا سيادة لمجتمعات لم تحقّق اِكتفاءها الذّاتي ولم تتحرّر من الحاجة لغيرها “ومن يملك قوتَك يملك أن يقودك ومن يطعمك يُلجمك”.
المجتمعات الّتي تتوقّف مشاريعها وجرايات موظّفيها على القروض الخارجية وعلى المنح والهبات لا يمكن أن تكون ذات قرار سيادي سواء في سياسة أو في ثقافة أو حتّى في تشريعات.

الثّورة الّتي تنتهي إلى بناء نظام ديمقراطي يتحرّر فيه المواطن ويتحرّر فيه القرار السّيادي هي الثّورة الّتي ستنتهي ـ نهايةـ إلى بناء وطن “مقاوم” للضّغوط الأجنبية ولإملاءات الدّوائر الاِستعمارية، الأوطان المتحرّرة من “الحاجة” هي الأوطان المتحرّرة من الإملاءات ومن التّبعية وهي الأوطان الّتي يقدر فيها مسؤولوها ومواطنوها على رفض أيّ تدخّل خارجي في شؤونهم الوطنية وفي كيفيّات تصريف شؤونهم.

الثّورات ليست حدثا معجزا يتنزّل جاهزا إنّما هي حالة تشكّل عبر دُربة ثوريّة تحتاج مكابدة وجهدا وصبرا وتحتاج تجريبا ومراوحة بين مدّ وجزر أو كرّ وفرّ دون “جبن” ودون “تهوّر”، وفي ذلك تحتاج الثّورات عقولا مُنظّرة ومطّلعة على الواقع بتفاصيله وعلى الخفايا الّتي تدار وتحاك في غرف الظّلام، فليس الثّوري من يُبدي شجاعة دائمة ولكنّه من يظلّ صاحيا دائما فلا يُستغفل ولا يُحاط به.
في الحالة التّونسية يتساءل مثقّفون ومحلّلون عن ثورة كيف لم تقدر على حسم موقفها من النّظام القديم ولم تقطع مع الدّوائر الخارجية الّتي كانت داعمة للاِستبداد؟

هذه الأسئلة تبدو منطقيّة نظريّا إذ من معاني الثّورة القطع مع الماضي السيّء، ولكنّنا حين ننظر نظرة واقعية نكتشف أنّ الواقع ليس ما نشتهي إنّما هو ما يتبدّى لنا بكلّ عناصره لا نملك قبالته إلاّ التّفاعل معه ببعض آلياته وببعض آلياتنا الّتي هي من أحلام الثّورة.

هل كان ممكنا قطع العلاقات مع فرنسا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا مثلا لكونها دولا كانت في علاقة مع النّظام الاِستبدادي؟ وهل يمكن إعلان عدم الاِلتزام بكلّ مواثيق ومعاهدات الدّولة التّونسية مع تلك الدّول عقابا لها على وقوفها ضدّ حرّية شعبنا وكرامته؟ وهل كان ممكنا غلق سفارات تلك الدّول ورفض مقابلة سفرائها؟

الإجابات الثّورية الفورية تقول “نعم” ولكن الواقع العملي يقول إنّنا دولة لم تخرج عن كونها “تابعة” بالواقع والحقيقة لا بالمشيئة والاِختيار، فنحن في دولة مثقلة بالدّيون وعليها أعباء عقود من التخلّف والفقر والبطالة والعجز حتّى وإن كانت مُعبّأة بالأشواق التحرّرية وروحيّة التمرّد والمقاومة.

سيكون من السّهل على أيّ متابع من موقع نظري أن يتّهم السّاسة الّذين هم في الحكم بالضّعف أو حتّى بـ”الخيانة” و”العمالة” لكونهم لم يخرجوا من مدار الدّول الاِستعمارية ولكونهم يتلقّون دعما أو مشورة من تلك الدّول ولكونهم يلتقون سفراءها.
بل أكثر من ذلك سيجد آخرون سهولة في اِتّهام السّاسة الّذين هم في الحكم بكونهم لا يدعّمون المقاومة ضدّ الكيان الصّهيوني، والسّؤال هنا: هل ننتظر منهم دعما عمليّا أم سياسيّا للمقاومة؟.

أعتقد أنّ ما يتوفّر الآن في بلادنا من حرّية هو أكبر “منصّة” لدعم المقاومة حين نمارس نقدنا المسؤول للنّظام السّياسي وأدائه في كلّ المجالات وحين نمنع اِرتخاءه وضعفه حتّى لا يتجرّأ عليه أعداء الأمّة ينتزعون منه مواقف مهينة لشعبنا وأمّتنا ومحبطة لروحه المقاومة وحين نفهم أنّ المقاومة جهد شامل في مواجهة المشاريع الاِستعمارية والصّهيونية وهي مشاريع تشتغل على كلّ الواجهات السّياسية والعلمية والثّقافية والقيمية والرّياضية والنّفسية والأخلاقية وهي واجهات مهمّة وخطيرة وهي مقدّمات للواجهة العسكرية.

الثّورة التّونسية الّتي تغمرنا فيها أجواء الحرّية هي ثورة تفتح على الدّيمقراطية وعلى السّيادة الوطنية وعلى المقاومة حين نعي بأنّنا نحن الّذين نذهب بمداها بقدر وعينا وصبرنا وفعلنا وحكمتنا.




الثّورة ستنتصر رغما عنكم وشرطا بدونكم

الأستاذ خليد بلحاج

بدأت الثّورة يوم 17 ديسمبر واِنطلقت من جسد أرادت نار القهر أن تحرقه فأحرقها وأحرق نار الظّلم والباطل معها، ولكنّها لم تكتمل بعد. فكلّ ثورة مشروع يحتاج إلى سنين ليتحقّق وربّما عشرات السّنين ليصبح مشروعا كوني القيم والأهداف. إلاّ أنّ ما حدث في 14 جانفي كان تاريخ تدليس لشهادة ميلاد فاُستبدل الوليد ثائر الكرامة بالوليد اللّقيط خائن وليّ النّعمة وأعطوه اِسمه.
لن تنجح الثّورة إلاّ بعد أن تكشف كلّ الحقيقة وتسقط كلّ الأقنعة ويحاسب كلّ المجرمين وأخطرهم شركاء بن علي.
إنّ جراد أحد الّذين رفضوا مساندة الثّورة حيث بقي في صفّ بن علي إلى آخر لحظة. و بقي الاِتّحاد مساندا لبن علي ولم يغيّر موقفه إلاّ بضغط القواعد والقيادات النّقابية القاعدية.
كذبكم مكشوف أنتم أعداء الثّورة والشّعب ولن يطول وقت اِنتظار الحساب.
الثّورة ستنتصر رغما عنكم وشرطا بدونكم.




متابعات/ المؤتمر الوطني الثّالث لمكافحة الفساد

الأستاذ محمّد رضا البقلوطي

نظّمت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، يومي 7 و8 ديسمبر 2018 المؤتمر الوطني الثّالث لمكافحة الفساد، وذلك بمناسبة اليوم الوطني والعالمي لمكافحة الفساد

ّوكان هذا المؤتمر فرصة لإعادة التّأكيد على الاِلتزام الثّابت للجهات الفاعلة على المستوى الوطني وشركاء تونس على المضي قدما في هذا المسار الّذي يهدف إلى اِستعراض تنفيذ الاِستراتيجية الوطنية للحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد ومدى التقدّم في خطّة العمل التّنفيذية للفترة (2017-2018)، من أجل اِستخلاص الدّروس المستفادة وتقديم التّوصيات ذات الصّلة لوضع خطّة عمل ثانية للفترة 2019-2020

:آليات تعزيز النّزاهة ومكافحة الفساد

كما يرمي إلى التّشاور حول آليات تعزيز النّزاهة ومكافحة الفساد في سياق اللاّمركزية وتقديم أفضل الممارسات الدّولية القانونية في مجال مكافحة الفساد. ومن الأهداف الّتي أقيم من أجلها المؤتمر كذلك، تعزيز الشّراكات وتقديم عرض تقييمي لكلّ ما تم إنجازه في إطار تعزيز الإطار القانوني والمؤسّساتي لمكافحة الفساد بعد عامين من تطبيق أهمّ القوانين في هذا المجال

وقد جمع المؤتمر الثّالث، الّذي اُنتظم بدعم من برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي في تونس ومن الوكالة الكورية للتّعاون الدّولي، جميع الأطراف المعنيّة لمناقشة الإنجازات المحقّقة في مجال مكافحة الفساد بالإضافة إلى مراجعة وتقييم الجهود المبذولة في هذا المجال وتقديم التّوصيات الضّرورية للمرحلتين التّالية والمستقبليّة

:ميثاق عمل الاِستراتيجية الوطنية للحوكمة الرّشيدة

وللإشارة فإنّ المؤتمر الوطني الأوّل لمكافحة الفساد قد اِنعقد بتونس يوم 9 ديسمبر 2016 وتمّ خلاله التّوقيع على ميثاق عمل الاِستراتيجية الوطنية للحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد لفترة 2016-2020

:أطفال وألوان ضدّ  الفساد

وقامت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على اِمتداد فعاليات المؤتمر بتركيز مكتب قارّ لتلقّي التّصاريح بالمكاسب والمصالح كما نظّمت الهيئة أيضا خيمة تنشيطيّة بعنوان “أطفال وألوان ضدّ الفساد” بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة اِحتفالا باليوم العالمي لمكافحة الفساد وتزامنا مع اِختتام فعاليّات المؤتمر الوطني الثّالث لمكافحة الفساد، في بادرة هي الأولى من نوعها بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ووزارة الدّفاع الوطني ووزارة التّربية وذلك بحضور رئيس الهيئة، العميد شوقي الطبيب ووزير التّربية السيّد حاتم بن سالم

:مسابقة الصّحافة الاِستقصائية

ومن التّظاهرات الموازية مسابقة الصّحافة الاِستقصائية لسنة 2018: ثلاث جوائز وثلاث تنويهات

:وقد أعلنت لجنة التّحكيم على النّتائج التّالية

“جائزة الملتيميديا: تحصّلت عليها الصّحفية أمل المكّي عن عملها المنشور في موقع إنكفادا “ضحايا “S17 -مزاج الدّاخلية”جائزة السّمعي البصري: تحصّلت عليها الصّحفية نجوة الهمّامي لتحقيقها في برنامج “ما لم يقل” على قناة التّاسعة بعنوان “تخريب معالم وطمس التّاريخ

-جائزة الصّحافة المكتوبة: تحصّل عليها الحسين بن عمر عن عمله المنشور بجريدة وموقع العربي الجديد “اِستباحة الشّاطئ التّونسي… ممثّلة شهيرة ولاعب دولي سابق في قائمة مخالفي غار الملح

كما نوّهت اللّجنة بثلاثة أعمال

تنويه للصّحفية الاِستقصائية حنان زبيس عن عملها “محضر التريّث الّذي عرّى الفساد في قطاع الذّهب” المنشور في موقع إنكفادا

تنويه للصّحفية فاطمة مقني لتحقيقها المصوّر والمنشور في موقع راديو صفاقس “بارونات التّهريب عبر ميناء صفاقس

وتنويه إلى الصّحفية آية مانسي لمقالها المنشور في وكالة تونس إفريقيا للأنباء “قطع الغيار والمحرّكات المستعملة: تجارة مربحة في ظلّ ضعف الرّقابة وعدم اِحترام القانون

:جامعات ضدّ الفساد

كما اُنتظم بمناسبة المؤتمر الوطني الثّالث‏ الملتقى الخاصّ بمبادرة “جامعات ضدّ الفساد”. هذا الملتقى أطلقته الهيئة بالشّراكة مع برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي (منطقة المشرق العربي وشمال إفريقيا) والشّبكة العربية للنّزاهة، نجح في لمّ شمل طلبة تونسيّين من جامعات تونس الكبرى وصفاقس وقابس وجندوبة بطلبة عرب من جامعات أردنية و لبنانية وعراقية، ليكون لقاءً ثقافيّا عربيا ثريّا من حيث المحتوى وجودة المضمون وسط أجواء تفاعلية وتلقائية مميّزة. وقد مثّلت الجلسة الختامية فرصة لنقاش مفتوح وصريح بين الطّلبة والخبراء الأجانب والعميد شوقي الطّبيب والسيّد شرف الدّين اليعقوبي ممثّل الهيئة العليا للرّقابة الإدارية والمالية

:البريد أصدر طابعا بريديا بالمناسبة

وللإشارة فإنّه بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، 09 ديسمبر، أصدر البريد التّونسي يوم السّبت، 08 ديسمبر 2018 طابعا بريديّا، وتوافق ذلك مع اِنعقاد المؤتمر الوطني الثّالث لمكافحة الفساد بتونس العاصمة

:مكاتب للتّصريح بالمكاسب بالتّزامن مع المؤتمر

فعلا تميّزت فعاليّات المؤتمر الوطني الثّالث لمكافحة الفساد المقامة يومي 7 و8 ديسمبر 2018 بالثّراء والتنوّع حيث تمّت عمليّة تلقّي تصاريح السيّدات والسّادة المعنيين بالتّصريح بالمكاسب والمصالح لدى المكتب المتنقّل الّذي تمّ تركيزه بالتّزامن مع أشغال المؤتمر. يُشار إلى أنّ القانون دخل حيّز التّنفيذ يوم الثّلاثاء 16 أكتوبر 2018 ويتوجّب على المعنيّين بالتّصريح إيداع تصاريحهم في أجل 60 يوما. هذا وقد أعلن رئيس الهيئة في اِختتام المؤتمر أنّ عدد المصرّحين منذ اِنطلاق الحملة 20 ألفا

:مزيد إرساء أسس الحوكمة الرّشيدة بالبلديّات

من جهة أخرى فإنّ الجهود متواصلة بخصوص عقد اِتّفاقيات بين الهيئة وعديد الأطراف أهمّها البلديات، بهدف مزيد إرساء أسس الحوكمة الرّشيدة بالبلديّات وتسهيل التّعاون المشترك على مستوى تبادل المعلومات في الملفّات المتعلّقة بشبهات الفساد وكذلك تفعيل خطّة عمل الاِستراتيجية الوطنية للحوكمة الرّشيدة ومكافحة الفساد الّتي تنصّ على تشريك جميع الهياكل والمؤسّسات والمنظّمات في الجهود الوطنية لمكافحة الفساد

:تواصل الجهود في إطار التّعاون والتّشارك

ّواِعتبارا لأهمّية المؤتمر فإنّ الإشراف كان على مستوى رفيع من ذلك إشراف رئيس الحكومة على جلسة المؤتمر أكّد خلالها أن الحكومة بصدد وضع اللّمسات الأخيرة على الأمرين التّرتيبيّين المتعلّقين بالقانون عدد 10 لسنة 2017 والمتعلّق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين، قائلا “الأمران سيصدران في القريب العاجل”. مؤكّدا اِلتزام الحكومة بالمضيّ قدما في هذا المسار وإرساء الحوكمة، ومشدّدا على أنّ الأطراف المتدخّلة من حكومة وهيئات ومجتمع مدني وإعلام ومنظّمات دولية ستواصل جهودها في إطار التّعاون والتّشارك

وبيّن السيّد يوسف الشّاهد فى كلمته أنّ مكافحة الفساد هي “من متطلّبات تكريس دولة القانون وتعزيز المسار الدّيمقراطي”، مذكّرا بجملة مشاريع القوانين ذات الصّلة بمكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة والّتى أحيلت إلى البرلمان منذ سنة أن شرعت الحكومة في مهمّتها  (2016) وتمّت المصادقة عليها

:حماية المبلّغين

يذكر أنّ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد كانت دعت في أكثر من مناسبة ومنذ المصادقة على القانون، إلى إصدار الأمرين التّرتيبيّين المنصوص عليهما في القانون، وذلك من أجل تفعيل التّبليغ عن الفساد والتّشجيع عليه وحماية المبلّغين. ويتعلّق الأمران بمنح الهياكل الّتى تختصّ في مجال التوقّي من الفساد حوافز، وتحديد آليات ومعايير إسناد المكافأة الّتى تسند للمبلّغين الّذين أدّى إبلاغهم إلى الحيلولة دون اِرتكاب أيّة جرائم فساد في القطاع العام أو في اِكتشافها أو اِكتشاف مرتكبيها أو البعض منهم أو اِسترداد الأموال المتأتّية منها

:مقاومة الفساد  أضحت مُهمّة وطنيّة

من جهته أشار رئيس مجلس النوّاب لدى اِفتتاحه المؤتمر أنّ مقاومة الفساد أضحت مُهمّة وطنيّة متأكّدة تخصّ كلّ المواطنين وكلّ القوى المدنيّة والاِجتماعيّة المتشبّثة بقيم العمل المثابر والشّريف لتحقيق الاِمتياز وخلق الثّروات وضمان العيش الكريم تحت طائلة القانون

وأضاف السيّد محمد النّاصر أنّ مكافحة الفساد تشكّل إحدى وجوه المجتمع الدّيمقراطي العادل والمتوازن الّذي نرمي إلى تكريسه. فنحن اليوم في حاجة ماسّة إلى إنتاج ثقافة مُناهضة للفساد وللمُفسدين. لأنّ للفساد ثقافة مُدمّرة للقيم البشريّة النّبيلة وللسّلوكيات النّزيهة

ومن هذا المنطلق، فإنّنا نتطلّع إلى مساهمة رجال التّربية والثّقافة والفنون والفكر والإعلام، واِنخراطهم في جهود مقاومة الفساد بهدف تحصين المجتمع ضدّ كلّ الشّوائب والسّلبيات المُؤدّية لممارسات الفساد وسلوكياته أو المُبرّرة لها




هيئة الحقيقة والكرامة تقدّم تقريرها النّهائي وسط غياب أعلى ممثّلي السّلطة

أصدر عدد من منظّمات المجتمع المدنيّ  بيانا بمناسبة اِختتام أعمال هيئة الحقيقة والكرامة أعربي فيه عن قلقها حول غياب أعلى ممثّلي السّلطة، هذا نصّه:

بمناسبة اِنعقاد ندوة اِختتام أعمالها، تتوجّه منظّمات المجتمع المدني بالتّهنئة لهيئة الحقيقة والكرامة على إنهاء أشغالها رغم الوضع السّياسي الّذي لا ينفكّ يعطّل مسارها. كما تُعرب عن قلقها حول غياب مُمثّلي الرّئاسات الثّلاث عن هذا الحدث التّاريخي.

تستعدّ الهيئة لعرض تقريرها الختامي الّذي يُمثّل تتويجا لأربع سنوات من العمل والتقصّي والبحث والتّوثيق حول اِنتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الاِقتصادية والمالية منذ فترة الاِستقلال إلى حين سنة 2013. 

وتؤكّد منظّمات المجتمع المدني في هذا السّياق أهمّية هذا التّقرير الّذي سيكون مُنطلقا لخطّة وبرامج عمل الحكومة إثر نشره.

على مسار العدالة الاِنتقاليّة أن يتواصل إلى حين تفعيل توصيّات هيئة الحقيقة والكرامة الّتي ستساهم في إلغاء الإفلات من العقاب والوقاية من كلّ أشكال التّجاوزات مستقبلاً. 

وفي سبيل المحافظة على مسار العدالة الاِنتقاليّة، وجب إحداث لجنة برلمانيّة خاصّة صلب مجلس نوّاب الشّعب تتولّى مراقبة تفعيل هذا المسار وتنفيذ برامج عمل الحكومة. 

وفي هذا السّياق، تطالب مكوّنات المجتمع المدني المُدافعة عن مسار العدالة الاِنتقاليّة منذ نشأته بـ:

  1. التزام الدّولة باِستكمال مسار العدالة الاِنتقاليّة وفق ما يقتضيه الدّستور في فصله 148- المطّة 9 وحسب ما ينصّ عليه القانون الأساسي عدد 53/2013 المتعلّق بإرساء العدالة الاِنتقاليّة
  2. ضرورة تنظيم تظاهرة رسميّة لتقديم التّقرير للعموم بحضور الرّؤساء الثّلاث 
  3. نشر تقرير اِختتام أعمال الهيئة كاملا في الرّائد الرّسمي للجمهورية التّونسية وفق ما يقتضيه الفصل 67 من القانون الأساسي المتعلّق بالعدالة الاِنتقالية
  4. اِلتزام الدّولة بإعداد خطّة وبرامج عمل يعكس توصيّات هيئة الحقيقة والكرامة المتعلّقة بالإصلاحات المؤسّساتيّة الكفيلة بعدم تكرار اِنتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الاِقتصادية وحماية الذّاكرة الوطنية باِتّجاه تحقيق المصالحة الوطنية. وتدعو مكوّنات المجتمع المدني إلى تشريكها واِستشارتها على اِمتداد فترة إعداد برنامج العمل
  5. إصلاح الإطار القانوني المُنظّم للأرشيف الوطني بهدف ملاءمته مع خصوصيّة الأرشيف المتعلّق بملفّ العدالة الاِنتقاليّة وحفظ ملفّات الضّحايا، إلى جانب حفظ الذّاكرة الوطنيّة وذلك في اِنتظار إحداث هيئة مختصّة في الشّأن وفق ما ينصّ عليه قانون العدالة الاِنتقالية
  6. ضرورة إصدار الأحكام المودعة لدى الدّوائر المختصّة في العدالة الاِنتقاليّة في آجال معقولة بهدف كشف الحقيقة وضمان حقّ النّفاذ إلى القضاء وتحميل المسؤوليّة للمنتهكين
  7. اِحترام توصيّات هيئة الحقيقة والكرامة المتعلّقة بالتّعويض وجبر ضرر الضّحايا مراعاةً لوضعيّتهم وخاصّة الفئات الهشّة منهم. وفي هذا الأساس، تدعو مكوّنات المجتمع المدني إلى تفعيل صندوق الكرامة وتسييره بكلّ شفافيّة
  8. توفير الحماية الجسديّة والمعنويّة للقُضاة داخل الدّوائر المختصّة في العدالة الاِنتقاليّة وللضّحايا والشّهود وموظّفي هيئة الحقيقة والكرامة ورؤساء لجانها إثر اِنتهاء أعمالهم، والّذين لا تطالهم أيّ مسؤوليّة حول فحوى التّقرير الختامي والتّوصيات المنبثقة عنه، وذلك وفق الفصل 69 من قانون العدالة الاِنتقاليّة.



عفوا معالي الوزير معذرة، أبواب الفيسبوك (ستبقى) مشرّعة من شرم الشّيخ إلى سعسع/ صعصع…

الأستاذ نصر الدين بنحديد

عفوا معالي الوزير معذرة، أبواب الفيسبوك (ستبقى) مشرّعة من شرم الشّيخ إلى سعسع/ صعصع…

[مع شديد الاِعتذار من مظفّر النوّاب]…

لم يفهم بعد ولم يعِ معالي وزير الشّؤون الدّينية الجزائري، وغيره من الوزراء داخل الجزائر وخارجها، أنّ زمن “الدّولة القطرية” القادرة على ممارسة ضبط كامل لجميع مواطينها على أيّ شبر من “التّراب الوطني” ولّى واِنقضى ومن الجزم القول بل اليقين أنّه لن يعود، على الأقلّ في الصّورة الرّاسخة والمحبّبة إلى معالي الوزير.

لذلك واِحتكاما إلى المنطق السّليم، يمكن الجزم أنّ لغة “الويل والثّبور” لم تعد كافية وإن كان ضرورة ولزاما أن تمارس الدّولة دورها في ضبط الأوضاع وتمكين الفرد من العيش في كرامة وحمايته من أيّ تعدّ على حقوقه….

الدّولة في الجزائر (على الأقلّ أمثال معالي الوزير) دون وعي أنّها تتعامل مع “وعي/ إدراك” أكثر منه أفراد بالمفهوم الجسماني للكلمة، وبالتّالي تأتي لغة “التّهديد والوعيد” عديمة النّفع عقيمة الفائدة، بل دون جدوى…

معالي الوزير، سبقني وسبقك الفاروق رضي الله عنه بالحديث عن مبدإ “الحرّية منذ لحظة الولادة”. حرّية لا يجب أن تنقطع ومن ثمّة تؤسّس ويتأسّس عليها المواطن/ الشّريك وليس “الغرّ” القابل للتّهديد…

معالي الوزير، دون السّقوط في نظريّة المؤامرة، أوافقك أنّ هناك من يتربّص بالبلد شرّا وأنّ هناك من تزعه “القرمة” (العصا بمعنى السّلطان) دون القرآن الكريم. لكنّ ذلك لا يُلزم بالتّعميم أو وضع كلّ النقّاد/ المنتقدين في كيس واحد…

معالي الوزير، ومن وراءك من وزراء ومن هم فوق الوزير…

المواطن الواعي/ الشّريك وحده حارسكم ومانع عنكم الألسن الخبيثة والتّهديدات الجسام…

دون ذلك ما نرى من مأساة/ ملهاة لعبة “القطّ والفأر” في الجزائر…

ختاما معالي الوزير، أستغفر الله لي ولك ولكلّ الجزائريين، طالبا من الكريم المنّان، أن تعوّض الرّحمة “القرمة” بيننا…

آمين رب العالمين…




الشّهيد الحيّ زهيّر الكلاعي في ذمّة الله

الأستاذ سالم المساهلي

حين يرحل الأتقياء الأصفياء الأنقياء، فعلى العالَم أن يحزن، لأنّ علامةً من علامات الصّلاح اِمّحت، وشمعة من شموع الهداية اِنطفأت. وحين يغادر أحد ضحايا القهر والظّلم متأثّرا بجراح الغدر وسهام المكر ونار الحقد والحصار الخانق، دون أن يستردّ حقّه ويستعيد كرامته، فعلى الأحرار والشّرفاء أن يحزنوا أيضا لأنّهم لم يتمكّنوا من نجدته ولم ينصروه حقّ النّصر. ولكن يكفي الشّهيد زهيّر الكلاعي الّذي قتلوه ببطء شديد، من خلال ما زرعوا فيه من جراثيم الأمراض، أنّه شهد لحظة اِنعتاق شعبه وسعد بها واِستردّ حركته العادية وإن كانت ثقيلة بفعل المعاناة.
زهيّر الكلاعي الأستاذ والمربّي الفاضل يغادرنا إلى الأبد، بعد أن وقف رجلا وعانى صابرا، مقاوما لمرضه متعدّد الوجوه والأوجاع، فقد قضّى أغلب فترات حياته في مستشفيات العاصمة والكاف، بين التّحاليل والمخابر الطبّية. لم يورّثه سجن بن علي إلاّ البذور المرضية الخبيثة فلم يلبث أشهرا بعد مغادرة السّجن حتّى اِستأصل معدته، وظلّ مكتفيا بالسّوائل غذاء، ثم عشّش المرض في رئته فضيّق أنفاسه، ولكنّه كان يقاوم بتعاليه عن التوجّع محبّا للحياة، محتسبا حامدا، ولكنّ اِستفحال المرض لم يترك له سبيلا حين أصيب بسرطان الدّم.
لم يفكّر جاري وزميلي وأخي زهيّر يوما في أن يستمتع بالتّعويض عن آلامه، كان يضحك حين يرى ويسمع الجدل المحموم والمزايدات المقيتة حول مسألة صندوق الكرامة، كان يقول لي: “كرامتي في صحّتي وسلامتي، ويكفيني الشّفاء من الأمراض”. فماذا ستفعل له صناديق الدّنيا اليوم وهو يغادرنا هازئا بلغونا ولغطنا القبيح؟ وكيف يمكن لاِبنه وزوجته أن يستردّا حياته ورفقته وصوته ودفئه، وكيف لي أن أصافح الفراغ كلّ يوم أنظر فيه إلى داره فلا أرى بشاشته وبسمته وتحيّته الدّافئة؟!
إنّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع وإنّ الوجدان ليحترق وإنّ الكلمات لترتبك في غيابك يا زهيّر، أنا جبان وضعيف أمام وداعك أخي الحبيب، لا تسعفني العبارات الّتي تزدحم في حلقي ولا شعور الفقد الّذي يلهب ضلوعي، ولكن يكفي أن تكون بين يدي أرحم الرّاحمين، أيّها التقيّ الورع الصّادق الخلوق، ولا أزكّي على الله أحدا، حسبك أنّك كنت رفيق الفجر في المسجد، أنيس أوقات الصّلاة مواظبةً، وحسبك ما يشهد به النّاس جميعا في حقّك، أنّك لم تؤذ أحدا ولم تغضّ الطّرف عن تحيّة أحد، حسبك أنّك تعذّبت وتألّمت ولكنّك لم تنتظر جزاء من أحد، كنت كغيرك من الّذين اِرتقوا شهداء، أو من قضوا وما بدّلوا، حيث لم يحسبوا للدّنيا ومكاسبها حسابا. كانت قيمة المبادئ أسمى وأغلى. حسبك أنّك قضيت ولم تأخذ مليما واحدا من أيّ أحد، وتعفّفت راجيا الجزاء من الغنيّ الكريم. تركتهم يخوضون واِرتفعت عاليا، فلك الله الرّحيم الّذي وعد عباده الصّادقين بأن يبدّلهم من بعد خوفهم أمنا ومن بعد حزنهم فرحا ومن بعد آلامهم لذّات الجنان.
أي حبيبي، لقد كنت محبّا لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام مستمسكا بسنّته واقفا عند وصاياه، فنسأل الله أن يجمعك به في علّيين، مع الشّهداء والصّالحين .. ولك علينا أن نحفظ أخوّتك بالدّعاء لك عسى يجمعنا الحليم في مقعد صدق، إخوانا على سرر متقابلين حيث يفرح المؤمنون بوجهه الكريم. فسلام عليك حيث أنت، والله نسأل أن يؤنس وحشتك وينير قبرك ويرفع مقامك ويعفو عنك ويغفر لك والحمد لله ربّ العالمين وسلام على عباده الّذين اِصطفى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.