شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | لبنان والعراق: ثورة بعبء حرب إقليمية

لبنان والعراق: ثورة بعبء حرب إقليمية

Spread the love
image_pdfimage_print

“هل قضت العولمة على الدّولة القومية؟” كان هذا السّؤال منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم شغلا شاغلا للفكر السّياسي العالمي. يذهب بعض المفكّرين السّياسيين إلى أنّ قضاء العولمة على الدّولة القومية فكرة نابعة من سوء فهم أصيل لطبيعة الدّولة، وأنّ الدّولة، بالأساس، تُمثّل جزءا من شبكة تفاعلات عالمية معقّدة، ستكون الدّولة هنا ضالعة كوحدة لا تتجزّأ في شبكة التّفاعلات تلك مهما زادت درجة تعقيدها، وأنّ العولمة ليست إلاّ تغيّرا في طبيعة هذا التّعقيد.

على جانب آخر، يتّفق الكثير من الأدباء والفلاسفة والمفكّرين والاِقتصاديين والجغرافيين، من الرّاديكاليين خصوصا، على أنّ العولمة تمثّل طفرة غير مسبوقة في التّاريخ الإنساني، وأنّها طفرة مبنية بالأساس على الطّبيعة الاِقتصادية للتحوّلات الّتي مرّت بها الرّأسمالية العالمية وأنّ ظهور “النيو ليبرالية” أو “الرّأسمالية المتأخّرة” أو “الاِقتصاد ما بعد الصّناعي” هو حجر الأساس في التحوّلات الّتي قضت على فكرة “الدّولة الأمّة” وعلى دولة الرّفاه الاِجتماعي.

أيًا ما كان، وسواء أكانت الرّأسمالية العالمية هي السّبب الرّئيسي في ظهور العولمة وآثارها الّتي لا يمكن تجنّبها، أو كان السّبب هو التحوّلات البيئية الّتي لا يمكن لدولة منفردة أن تواجهها، أو صعود سياسات الهويّة العابرة للقومية أو تغيّر تقسيم العمل الدّولي بعد الحرب الباردة أو ثورة الاِتّصالات؛ هناك شيء واحد يجتمع عليه المجيبون بالسّلب والإيجاب على السّؤال السّابق وهو أنّ فكرة السّيادة القومية الدّاخلية لم تعد كما كانت، فلا يمكن مثلا لدولة ضعيفة صغيرة “نتجت” منذ ثلاثين عاما فقط بسبب تفتّت الاِتّحاد السّوفيتي أن تخوض حربا لأهداف قوميّة ضدّ دولة مجاورة، وبالمثل، وللمفارقة، لا يمكن لدولة أوروبية ثريّة يمتدّ عمرها لقرون مثل بريطانيا، ويمتدّ ماضيها الإمبراطوري والاِستعماري لقرون أيضا، أن تحدّد سياساتها الاِقتصادية بمعزل عن قرارات الاِتّحاد الأوروبي.

لقد اِكتشف العالم مؤخّرا أنّ نهاية عصر الأقطاب لم يصب في صالح تحرّر الدّول القومية من هيمنة أكبر منها، وأنّ كثرة الكيانات السّياسية الّتي تدّعي السّيادة على رقعة من الأرض ومجموعة من السكّان لا تُرادف تحقّق “القدرات السّيادية” بأيّ معنى. على هذا النّحو، تعدّ منطقة الشّرق الأوسط أكبر دليل على ذلك، لكنّ الدّول الّتي تتقاسم مساحة تلك المنطقة من العالم تختلف فيما بينها من حيث قدراتها ومصالحها.

يُمكن أن نتّخذ من سوريا مثالا مبدئيّا لفهم هذه المعضلة: دولة تتشارك الحدود السّياسية مع “إسرائيل” ممّا يستدعي بالطّبع تدخّلا دوليّا دائما، وأميركيّا على وجه الخصوص. وهي دولة تتشارك نفس المانيفستو الدّعائي مع النّظام السّياسي في إيران، وتتشارك نفس الإشكال السّيادي حول المعضلة الكردية مع تركيا، وتتدخّل بكلّ ثقلها على مدار عشرات السّنين في شؤون جارتها لبنان، وتستعدي تدخّلا روسيّا، وصينيّا أحيانا، كلّما آلت علاقتها مع الجانب الأميركي إلى ما لا يُرضيها، وبالتّالي، في سوريا نظام سياسي عسكري سلطوي شمولي، يبدو، كما تُخبر عنه آلته الدّعائية القومية البعثية أنّه يُمارس نوعا ما من السّيادة على مجمل أراضيه، إلاّ أنّه، بالرّغم من وجوده المادّي الواضح، والعنيف في أغلب مراحله، لا يملك لنفسه، إقليميّا، صرفا ولا عدلا، إلاّ بدعم من حلفائه. هو نظام سياسي موجود بالفعل، لكنّ مشكلاته الكُبرى، وحلولها أيضا، لا تأتي من داخله. لذلك، لمّا أراد السّوريون إسقاطه، فوجئوا أنّهم يخوضون حربا مفتوحة ضدّ نظام سياسي، لا ينازلك منفردا، بل تجد نفسك مضطرّا لتحمّل مخاطرة “الهتاف” ضدّ شبكة مصالح دوليّة ممثّلة في النّظام العسكري الّذي لا يرحم.

إن كان الأمر في سوريا كذلك، فإنّ الأمر في لبنان والعراق، بالنّسبة للشّعبين بالطّبع، أصعب وأكثر تعقيدا. فهاتان الدّولتان بالتّحديد لا تملكان نظاما سياسيّا يمكنك أن “تهتف” لإسقاطه، ثمّ تلتفت لتوفيق أوضاعك مع شبكات المصالح الإقليمية والدّولية، إن كان ذلك ممكنا في سوريا بأيّ شكل. لقد خرجت العراق من تجربة صدّام حسين وحروبه الإقليمية وطموحاته التوسّعية وسلطويّته، إلى تجربة مريرة مع الغزو الأميركي البريطاني في 2003، ثمّ إلى كيان سياسي يعمل بشروط الحدّ الأدنى على المستوى المحلّي، ويتخلّى عن كلّ مهامّه الإدارية والتّنظيمية والتّنموية، ليجد العراقيون بلدهم ساحة مفتوحة للتدخّل الإيراني والتّركي والأميركي والسّعودي، عبر ممثّلي مصالحهم في الدّاخل العراقي، أو حتّى بشكل مباشر، وهو ما يحدث بالفعل.

أمّا في لبنان، فقد اِكتسب نظام المحاصصة الطّائفية السّياسي شرعيّته بعد نهاية حرب أهليّة، يستخدمها دائما كفزّاعة في وجه أيّ نوع من أنواع التذمّر السّياسي، وبالرّغم من أيّ معقولية قد تُضفى على التّقسيم الطّائفي المُعترف به قانونيّا وسياسيّا، إلاّ أنّ اليد الطّولى في لبنان تملكها حركة أيدولوجية مسلّحة هي “حزب الله”، تقرّ علنا بأنّها مموّلة من الجمهورية الإيرانية. ولذلك، فإنّ العمل السّياسي داخل لبنان، وعبر عقود، لم يكن محكوما بالقدرة على اِكتساب الشّرعية أو بالقدرة على الفوز بثقة النّاخبين داخل إطار عمل ديموقراطي تمثيلي، حتّى وإن كان طائفيّا، بل بإمكانيّة الحصول على القوّة اللاّزمة لمجابهة النّفوذ الإيراني، ممّا يستتبع تدخّلا واسعا لسوريا والسّعودية داخل لبنان، كما يستتبع بالطّبع، ضعف المؤسّسات الرّسمية، سواء البرلمانية أو الوزارية، حتّى القوّات المسلّحة الرّسمية.

لم نكن لنسمع، في اِحتجاجات “السّترات الصّفر” في فرنسا على سبيل المثال،  بمطالبات من نوعيّة “إسقاط النّظام”. فقد خرج المتظاهرون باِحتجاجات مطلبيّة واضحة، بالرّغم من غضبهم العارم ضدّ النّظام السّياسي الفرنسي، إلاّ أنّ الاِحتجاجات كانت تستبطن مخاطبة المؤسّسات الرّسمية بتجميد الضّرائب الّتي تضرّ بالطّبقات الفرنسية الأفقر، هنا حالة يُمكن فيها للمطالبات أن تؤتي ثمارها: نظام سياسي قائم على مؤسّسات شرعية وقانونية منتخبة، يمكنها تحت الضّغط أن تستجيب لمطالب الغاضبين. حتّى في ثورات دول عربية مثل مصر وتونس، وبالرّغم من أنّ المظاهرات لم تخل من هتاف “الشّعب يريد إسقاط النّظام” إلاّ أنّ مطالبة “مؤسّسات الدّولة” بالتحرّك لإجبار رأس النّظام على التنحّي مثَّل اِتّفاقا ضمنيّا غير مشكوك في عقلانيّته طوال الوقت، حتّى إن لم يكن كذلك على الحقيقة.

في العراق ولبنان، والحال هذه، وخلال فترة قصيرة، خرج المتظاهرون إلى الشّوارع محتجّين على أوضاع اِجتماعية واِقتصادية وسياسية تمسّ حياتهم اليومية، وبمطالب لا تنقصها العدالة، لكن يبدو أنّه على تلك الاِحتجاجات، الّتي سرعان ما تحوّلت إلى ثورات، أن تكون ثورات راديكالية بكلّ ما للكلمة من معنى، وأن تتخلّى عن الطّابع المطلبي الّذي اِتّسمت به الثّورات العربية السّابقة، سواء شاء المتظاهرون ذلك أم أبوا، لأنّه ببساطة ليس ثمّة من “يمكنه” أن يستجيب. لم يخرج العراقيون ليعترضوا على تلكّؤ حكومة عادل عبد المهدي الّتي لم تحرّك ساكنا خلال عام من تشكيلها في ملفّات مهمّة تمسّ حياة المواطن بشكل يومي، ولم يخرج اللّبنانيون ليعترضوا على “ضريبة الواتساب”، لقد خرج المُحتجّون وهم يرون أنّ مشكلاتهم ومعاناتهم اليومية في أبسط نشاطات الحياة ليست وليدة لحظة ولا شخص ولا قانون ولا ضريبة جديدة ولا سوء إدارة ولا حتّى وجود نظام سياسي فاسد، هم يعلمون تماما أنّ الأنظمة السّياسية الصّورية الّتي يبدو أنّها تتسبّب في مشاكلهم، وتريد أن تصدّر نفسها على أنّها قد تصل إلى حلّ مُرضٍ في يوم من الأيّام، ليست في الواقع سوى ممثّل لقوى إقليميّة ودوليّة أكبر منها.

يبدو أنّ هذه الموجة اللّبنانية والعراقية من موجات الاِنتفاضات العربية قد أخذت موقعها التّاريخي بعد أن فُرض عليها أن تتعلّم درسا راديكاليّا واضحا غاب عمّا سبقها من الموجات العربية، حتّى في نسخها السّودانية والجزائرية الأقرب عهدا: واجه عدّوك الحقيقي. هذه الاِحتجاجات، بدون تعلّم هذا الدّرس، ستواجه أخطر ما يمكن لثورة أن تواجهه في مثل هذه الحرب المفتوحة، وهو أن تتحوّل إلى حركات مطلبيّة تقف موقعا وسطا بين التّطمينات الإصلاحية وبين تقهقر الاِحتجاجات بسبب ثقلها الذّاتي، الّذي لا يمكن أن يستمرّ إلى الأبد، في ظلّ التّهديد بحرب أهليّة جديدة، إن لم تُبادر بالتحرّك إلى الأمام.

يبدو هذا العبء ثقيلا، أن تدخل مجموعة من المُحتجّين بحناجرهم في صراع بحجم حرب إقليميّة، ولا يمكن لمثل هذا التكتّل الّذي يخترم لبنان أن يتنازل عن مكاسبه بلا ضريبة، وليس هناك خطّة مسبقة التّجهيز لخوض غمار تلك المشقّة. وبالرّغم من ذلك، الرّهان هنا يعدل المخاطرة، وهذا الأمل الجسور المستحقّ، سيشكّل إن تكلّل بالنّجاح، خطّة عمل عفويّة، ودرسا ثوريّا واضح المعالم بالنّسبة للمحتجّين الّذين يجوبون عدّة دول أخرى في العالم، لا سيما في دول عربيّة، ولا ينقصهم إلاّ دليل على أنّ أهدافهم قد تكون قابلة للتحقّق.

(الكاتب مصطفى عبد الظاهر)