شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | مقاربة ومفارقة ومقارنة، بين الأردن وتونس!!

مقاربة ومفارقة ومقارنة، بين الأردن وتونس!!

Spread the love
image_pdfimage_print
المخرج أسامة عكنان

بناء على الإجابات الّتي وردت على السّؤال الّذي طرحته في المنشور السّابق حول تكلفة وجبتي إفطار وغداء متوازنتين في الأردن، أستطيع القول بأنّ هناك شبه توافق على أنّ مبلغ “15” دينارا، قد يكون هو المبلغ الّذي تحتاجه الأسرة الأردنية المتوسّطة المكوّنة من “5” أفراد لتحصيل هاتين الوجبتين، وفي المقابل فإنّ المبلغ المناظر الّذي تحتاجه الأسرة التّونسية لتغطية نفقات وجبتين متوازنتين لأسرة مكوّنة من “5” أفراد بنفس مواصفات ما تمّ اِعتماده للأسرة الأردنية، وبناء على معرفتي بالسّوق التّونسي وبالأسعار التّونسية، وبنمط الاِستهلاك التّونسي هو في حدود “25” دينارا تونسيّا، ومن هذه النّتيجة التّوافقية سأنطلق في منشوري هذا:

أوّلا.. إنّ متوسّط دخل الأسرة الأردنية المكوّنة من “5” أفراد بحسب البيانات الأردنية الرّسمية لعام 2018، هو “400” دينار أردنيا.

ثانيا.. إنّ متوّسط دخل الأسرة التّونسية المكوّنة من “5” أفراد بحسب البيانات الرّسمية التّونسية لعام 2018، هو “900” دينار تونسي.

ثالثا.. تحتاج الأسرة الأردنية المكوّنة من “5” أفراد، إلى اِقتطاع مبلغ شهري من دخلها وعلى مدى كامل فترة عمل معيل الأسرة إلى حين التّقاعد قيمته “75” دينارا أردنيا، لغايات تغطية الأقساط الجامعيّة لأبنائها الثّلاثة.

رابعا.. لا تحتاج الأسرة التّونسية لأيّ اِقتطاعات من دخلها لتغطية أيّ أقساط جامعية لأيّ من أبنائها، لأنّ التّعليم الجامعي في تونس مجانيّ لمن يستحقّه، وتنطبق عليه شروط اِستحقاقه بالتّنافس الحرّ.

خامسا.. تحتاج الأسرة الأردنية المكوّنة من “5” أفراد” وبحسب التّقديرات الحكومية الرّسمية إلى فاتورة كهرباء، وغاز، وماء، ووقود للتّدفئة، بقيمة متوسّطها شهريّا “50” دينارا أردنيا.

سادسا.. تحتاج الأسرة التّونسية المكوّنة من “5” أفراد” وبحسب التّقديرات الحكومية الرّسمية إلى فاتورة كهرباء، وغاز، وماء، ووقود للتّدفئة، بقيمة متوسّطها شهريا “100” دينار تونسي.

سابعا.. يحتاج معيل الأسرة لمبلغ “50” دينارا أردنيا شهريا في المتوسّط لتغطية فاتورة مواصلته من وإلى مقرّ عمله.

ثامنا.. يحتاج معيل الأسرة التّونسية إلى مبلغ “120” دينارا تونسيا في المتوسّط لتغطية فاتورة مواصلاته من وإلى مقرّ عمله.

تاسعا.. لن ندخل في الحسابات نفقات إيجار السّكن، وتكلفة الاِتّصالات، والرّفاهية، والملابس، والعلاج، بسبب عدم ثباتها ولأنّها تختلف من شخص لآخر ومن أسرة لأخرى، لذلك نتركها خارج نطاق الحسبة، راجين من القارئ أن يأخذ هذا الاِفتراض في الاِعتبار عند اِستظهار النّتائج الّتي سنتوصّل إليها تاليا في هذا المنشور.

التّحليل:

إذا خصمنا من الدّخل المتوسّط للأسرة الأردنية والبالغ “400” دينار شهريا المبالغ “75 + 50 + 50″، لأصبح الباقي “225” دينارا أردنيا.

وإذا خصمنا من الدّخل المتوسّط للأسرة التّونسية والبالغ “900” دينار شهريا المبالغ “100 + 120” لأصبح الباقي “680” دينارا تونسيّا.

ولأنّنا تجاوزنا مجموعة من النّفقات سابقا ولم نوردها في الحسابات، فإنّنا سنكتفي بمناقشة الخلل الإنفاقي حتّى لو لم تكن تلك البنود الإنفاقية موجودة أصلا، لنصل إلى التّالي:

دخل الأسرة الأردنية يكفيها لتغطية وجبتي طعام يوميا لمدّة “225 ÷ 15 = 15” يوما فقط، ونحن لا نحتسب وجية العشاء، وذلك لأنّنا نفترض أنّ الشّعب الأردني راقٍ جدّا ويمارس الرّيجيم لأنّه يحرص على أن يكون كلّ فرد فيه رشيقا مثل المانيكانات!!

أمّا إذا وزّعنا ذلك الدّخل المتبقّي للأكل على 30 يوما، فإنّ الأسرة الأردنية تضطرّ لتأكل بمبلغ “7,5” دينارا يوميا، أي أنّ مادّة اللّحم ومادّة الفواكه وجزء من مادّة الخضار ستحذف من السّلم الغذائي للمواطن الأردني، أو أنّه سيتّبع نظاما غذائيا شديد الإرباك ومبنيّا على مبدأ سدّ الرّمق في أدنى حدّ متصوّر.

أمّا إذا ذهبنا إلى المواطن التّونسي، فإنّنا نلاحظ أنّ ما تبقى من دخل الأسرة بعد تلك الخصومات يكفيها لتغطية وجبتي طعام يوميا لمدة “680 ÷ 25 = 27” يوما، دون اِحتساب وجبة العشاء.

وفي ضوء هذه النّتائج فإنّ لدى المواطن التّونسي مرونة أكبر بكثير لإعادة موضعة بنود الإنفاق لديه كي لا يشعر بالفاقة والعوز الحقيقيّين اللّذين يشعر بهما المواطن الأردني.

ليست هذه النّتيجة هي كلّ ما أودّ أن أوصلها إلى القرّاء، وإنّما كان هدفي هو إيصال النّتيجة التّالية:

إنّ المواطن التّونسي الّذي يعاني من عجز اِستهلاكي غذائي يعادل 3 أيّام شهريّا، يقيم الدّنيا ولا يقعدها، ويقلب رأس المجنّ على كلّ نخبه السّياسية، ويرمي بكلّ السّياسيين الّذين خذلوه إلى حاويات القمامة، وينتخب بكلّ حرّية رئيسا لم يتوقّعه أحد، ويخرس كلّ الألسن الّتي راهنت على التحكّم فيه وإدارته كالقطيع، ليعلّمها أدب التّعامل مع الشّعوب، فلا تجرأ أيّ إدارة على فرض ضريبة اِستثنائيّة عليه.

بينما الشّعب الأردني الّذي يعاني من وضع معيشي يشبه الفاقة والمسغبة، ويقترب من حدود المجاعة الفعليّة، وتتلاعب به الحكومات فارضة عليه ضرائب من أغرب الأنواع، وهو يترقّب أن يدفع ضريبة على الهواء الّذي يتنفّسه، دون أن يحرّك ساكنا، وإذا تحدّث أيّ كان عن هذا الوضع وعن هذه الحالة، يخرج عليه من يقول له: “يا أخي اِحمد ربّنا على نعمة الأمن والأمان”، مع أنّ آخر الإحصائيات الرّسمية أدرجت الأردن في قائمة الدّول الخمسين الأكثر اِنتشارا لجرائم السّطو والقتل!!

يعيش الأردن الصّابر المرابط الّذي ينتظر يوما يقاتل فيه الإسرائيليّين وهو شرقي النّهر وهم غربيه، زاحفا على بطنه من الجوع، كاسرا كلّ القواعد الاِستراتيجية الّتي تقول أنّ الجيوش والشّعوب لا تقاتل على بطونها.

ويعيش الأردنيّون الشّعب العظيم الّذي يصبر على جوع اليوم كي يرأف به مجوّعوه غدا، فلا يسرِّعوا وتيرة تجويعه على نحو لا يحتمله، مطالبا فقط بأن يكون تجويعه متدرّجا كي يكون قادرا على حسن الاِنحناء قبل أن يسقط وينهار.