شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الاِنطباعات الأوليّة على المناظرة الرّئاسيّة التّلفزيّة الأولى ليلة السّبت 7 سبتمبر 2019

الاِنطباعات الأوليّة على المناظرة الرّئاسيّة التّلفزيّة الأولى ليلة السّبت 7 سبتمبر 2019

Spread the love
image_pdfimage_print
الأستاذ عبد اللطيف دربالة

في تقييم سريع لمختلف المترشّحين لجلسة المناظرة التلفزيّة الأولى للرئاسيّة ليلة البارحة.. فإنّه لا أحد من المرشّحين الثمانية أبدى تميّزا واضحا.. أو جاذبيّة طاغية.. جعلت حضوره إستثنائيّا ومتوهّجا مقارنة ببقيّة المنافسين ..
وربّما كان أسلوب المناظرة نفسها.. والتضييق من روح المبادرة لدى مختلف المرشّحين.. وتقييدهم بضوابط وقواعد صارمة.. مسؤولا نسبيّا عن ذلك الجمود العامّ.. لكنّ هذا لا ينفي أنّه لم يكن أحدا من المرشّحين “فلتة” في أسلوبه.. أو نجما في فنّ الخطابة وأسلوب الحديث.. ولا في عبقريّة الأفكار..

في المقابل.. فهذه اِنطباعات أوليّة سريعة عن كلّ مترّشح.. في اِنتظار بقيّة المناظرات لتقييم جميع المترشّحين..
ونؤكّد على كلمة “اِنطباعات”..
وسنعتمد ذكر المرشّحين باِعتماد التّرتيب المعتمد بالمناظرة في أخذ الكلمة:

محمّد المنصف المرزوقي.. الرّئيس السّابق فترة الترويكا.. اِعتمد خطابا مرجعيّته خبرته السّابقة كرئيس طيلة ثلاث سنوات.. واِطّلاعه على عدّة ملفّات.. إضافة إلى أفكاره المعروفة المعبّر عنها في عديد المناسبات.. وقد تحدّث بحماسة كعادته.. لكن عموما حاول أن يجعل خطابه هادئا بلا تشنّج أو خروج عن النصّ..
لم يكن المنصف المرزوقي متوهّجا.. وإن حاول أن يمسّ طرحه لدور رئيس الجمهوريّة الشّريحة الكبرى من الجماهير في مختلف نقاط مشاكلهم.

محمّد عبّو.. بدا واثقا من نفسه كعادته.. وحاول اِعتماد خطاب متوازن وقويّ ومتكامل.. مركّزا على حصر وتوضيح حدود الصّلاحيّات الدّستوريّة لرئيس الجمهوريّة بعيدا عن الخطابات الفضفاضة الّتي تتجاوز الدّور الحقيقي للرّئيس..
عبّو اِعتمد تقنية الدّعاية لنفسه عبر تكرار اِسمه الشّخصي عدّة مرّات بالمداخلة من خلال عبارة “إذا وصل محمّد عبّو للرّئاسة فإنّه..”..
محمّد عبّو حافظ على تناسق أفكاره وكان وفيّا للفكرة العاّمة المكوّنة عنه قبل المناظرة.

عبد الفتّاح مورو.. اِرتكز على مهارته الكلاميّة كعادته.. بأسلوب الخطيب أو من يلقي درسا على التّلاميذ.. إلاّ أنّ القيود الصّارمة المفروضة على طريقة المناظرة وتدخّل الخصوم.. حرمه من سلاحه الفعّال بالتّجاوب مع محاوريه واِستعمال الدّعابة وروح النّكتة والكلام المنمّق.. الشّيء الّذي أفقده ميزته الأساسيّة وجعل مداخلته عاديّة كبقيّة المرشّحين..
مورو حاول أن يكون خطابه جامعا لأكثر عدد ممكن من مختلف الشّرائح الاِنتخابيّة في تونس.. بمن فيها الذّين لا يزالون يتوجّسون من حزبه حركة النّهضة ويعارضون وجودها أصلا..
عموما لم يكن محتوى خطاب عبد الفتّاح مورو يحمل أفكارا خارقة.. أو جديدة.. ولم يكن متوهّجا طبق ما اُشتهر به.

عبير موسي.. شكّلت مفاجأة المناظرة.. فخلافا لخطابها العدائي والمستفزّ والتّصادمي المعتاد.. اِنتهجت موسي أسلوب خطاب هادئ ومتوازن.. حاولت أن تجعله يليق بـ”اِمرأة دولة”.. وبدا واضحا أنّها بذلت جهودا من أجل إعطاء هذا الاِنطباع.. إلاّ أنّ ذلك وإن كان يعجب أنصارها باِعتباره يردّ الاِتّهامات الموجّهة لها عن تشنّجها وعدوانيّتها.. لكنّه لا يحقّق لها في الأخير الميزة الّتي صنعت على أساسها شريحة المعجبين بها.. والّتي تشكّلت من الرّافضين للثّورة والمتحسّرين على بن علي وعلى الدّولة القويّة وإن كانت مستبدّة وعلى المعاديين للإسلاميّين.. وما جذبهم إلى عبير موسي هو أساسا خطابها المثير والمستفزّ والعدواني..
عبير موسي نجحت في أن لا تظهر أقلّ من أغلب بقيّة المرشّحين الواقفين معها في نفس المناظرة.

عبيد البريكي.. بدا بعيدا جدّا عن الوّاقع.. ولا يملك المستوى الفكري أو السّياسي الّذي يخوّل له رئاسة الجمهوريّة.. حاول أن يظهر تكاملا منطقيّا في طرحه.. لكن كان من السّهل ملاحظة أنّه لا يملك العمق الكافي في طرحه.. ولا في أسلوبه..
حاول البريكي اِستغلال “متلازمة” المرأة والحداثة.. وأجاب عن سؤال عن اِستراتيجيّته كرئيس للجمهوريّة في ما يخصّ السّياسية الخارجيّة بأنّه مع تعيين اِمرأة كوزيرة للخارجيّة.. باِعتبار مكانة المرأة وأنّها نصف المجتمع وتلك الإسطوانة المعهودة.. مناديا أيضا باِعتماد مبدأ التّناصف في المناصب الدّيبلوماسيّة بالخارج.. وكأنّه يجعل من إشراك المرأة عنوة أعلى من معيار الكفاءة والاِستحقاق بقطع النّظر عن الجنس.. وقد ألهته فكرة “المرأة” في السّياسة الخارجيّة عن محتوى السّياسة الخارجيّة نفسها..
خطاب عبيد البريكي لم يكن له صدى ولا أثرا يذكر على غالبيّة المتابعين للمناظرة..

ناجي جلّول.. بدا مشحونا.. وقد حاول أن يصنع الحدث في المناظرة.. ليس فقط بأجوبته وأفكاره وإنّما بأسلوبه.. فقد عمد مرّتين إلى محاولة الإستلطاف والدّعابة بالتّعليق على السؤال في بداية ردّه ساخرا “صعيب برشة السؤال هذا..”..
كما حاول اِنتهاج خطاب تصادمي بمهاجمة بعض المرشّحين الآخرين ضمنيّا.. والدّفع بتصريحاته إلى خلق ردود فعل.. إلاّ أنّ القيود المفروضة على المرشّحين وصرامة المناظرة والتضييق من روح المبادرة جعلت محاولاته محدودة ومردودة..
جلّول صرّح في قول مفاجئ بأنّه يعرف من أدخل البذور المعدّلة جينيّا إلى تونس والتي تسبّبت في وفاة 15 شخصا بالسّرطان.. وهو تصريح جديد وخطير لم يسبق له قوله سابقا.. ولا كشف حقائقه لاحقا..
خطاب وأفكار ناجي جلّول لم تكن اِستثنائيّة أو متفوّقة على منافسيه.

المهدي جمعة.. اِنطلق من منصبه السّابق كرئيس للحكومة سنة 2014.. وحاول إظهار تجربته وخبرته واِطّلاعه على الملفّات الكبرى للدّولة.. وقد بدا خطابه متوازنا ومحضّرا له جيّدا.. دون أن يحدث الاِستثناء في أجوبته ورؤيته وبرامجه.. ولا في أسلوبه الّذي كان عاديّا.. ومتماشيا مع ما هو معروف عنه من كونه ليس خطيبا مفوّها..
في المقابل حاول مهدي جمعة أن يكون هجوميّا ليضرب خصومه من المنافسين الآخرين من جهة.. وليحدث لنفسه ضجّة دعائيّة من جهة أخرى.. وكان أبرز ما قام به هو عبارات أنّه لن يكون الشّاهد على الفقر ولا الشّاهد على البطالة وغيرها.. في غمزة مباشرة وصريحة إلى منافسه في الرّئاسيّة رئيس الجمهوريّة الحالي يوسف الشّاهد..
المهدي جمعة لم يقدّم جديدا ولم يتمكّن بخطابه من كسر صورته من رئيس حكومة تكنوقراط معيّن وعادي لا بريق خاصّ له.. إلى رئيس دولة اِستثنائيّ منتخب.

عمر منصور.. القاضي السابق والوالي السّابق والوزير السّابق.. بدا خارج الموضوع تماما.. وفاجأ الحضور بمستواه المعرفي الضّعيف في السّياسة.. ومحتوى خطابه.. فقد بدا واضحا أنّ الرّجل لم يكن على مستوى الحدث.. ولم يكن أهلا ليس لمنصب رئيس الجمهوريّة فقط.. بل وأهلا للترشّح أصلا للمنصب أو الوقوف في مناظرة تلفزيّة..
حتّى وقت الدّقيقة ونصف المخصّصة لجوابه على الأسئلة لم يكن منصور قادرا على قول كلام في حجمها.. رغم أهميّة الأسئلة الموجّهة إليه وتعلّقها بمنصب رئيس الجمهوريّة والأمن القومي والسّياسة الخارجيّة وغيرها.. وهي مواضيع يمكن للشّخص أن يحكي فيها لساعات لو أعطي الوقت الكافي..
عمر منصور.. اِستغلّ المناظرة ليقضي حتّى على القليل من الشّعبيّة الّتي سبق وأن كوّنها سابقا في منصب الوالي للنّاس الّذين لم يكونوا يعرفونه جيّدا..

نبيل القروي المرشّح الذّي لا يزال في السّباق قانونا كان غائبا عن المناظرة بفعل إيقافه بقرار قضائي..
ووفقا لمحاميه فقد رفض القضاء تمكينه من المشاركة بالمناظرة.. ولم تحرص الهيئة العليا المستقلّة للاِنتخابات على تمكين المرشّح القروي من ممارسة حقّه الدّستوري..
ففي الأخير.. وبقطع النّظر عن الشخص والاِتّهامات المنسوبة إليه.. فإنّ المبدأ القانوني أنّ المتّهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة.. في حين أنّ القرار القضائي بإيقاف المرشّح للرئاسة نبيل القروي هو مجرّد قرار إجرائي مؤقّت على ذمّة البحث والتّحقيق لا غير.. ولم يصدر في شأنه حكم نهائيّ أو باتّ.. ولم تثبت التّهم في حقّه حتّى الآن.. وباِعتبار أنّه لا يزال من حقّه البقاء في السّباق الاِنتخابي طبق القانون.. فإنّ حرمانه من الحّضور اليوم.. واِفتراض صدور أحكام بالبراءة في ما يخصّه لاحقا.. سيعتبر حرمانا له من فرصته الاِنتخابيّة بلا وجه حقّ ولا قانون.
وهي مسألة مبدأ لا غير. 

%d مدونون معجبون بهذه: