“شهادة لمن يثق في شهادتي في حقّ الإنسان أنس الحمادي وفي بؤس معارك الأطفال”

مدخل عاطفي

ما أجمل ان نخوض معاركنا الوهمية والحقيقية والعادلة والذّهانية والتّكتيكية والاِستراتجية والخيّرة والشرّيرة وكلّ أصناف المعارك والحروب الّتي نخلقها أو تخلقنا… بشرف ومروؤة… فالحروب والمعارك والتّناقضات هي أدوات ضروريّة لتعبئة فراغنا “الكوسموسي” المطلق وهي تدرّجات ألوان زاهية وحيّة لمجابهة ملل اللّون الرّمادي الّذي يطبع حياتنا..

ولكن…
يخبو إيقاعها وتتوقّف عن ترتيب أثرها “الكلينيكي” المنشود بمجرّد أن تصبح سهلة أو غير متكافئة على النّحو الّذي تفقد معه مزيّة الإثارة… ولا يمكن لحرب أن تكون مثيرة إذا فقدنا أثناءها لذّة اِحترام أنفسنا لحظة الصّراع… ولن نحترم أنفسنا (سرّا) إذا تحايلنا على قواعد اللّعبة… والتجنّي خرق في شكل خطيئة أصلية…

شيء من جوهر الموضوع

السيّدة ليلى بحرية مناضلة حقيقيّة زمن الّذي عزّ فيه الضّراط بصوت عال بحضرة رئيس شعبة من شعب الحزب الحاكم، وهي جديرة بكلّ أسباب الاِحترام مثلها مثل كلّ من ثبت على الموقف واِستحقّ صفة تاريخية يطلق عليها: “عضو الهيئة الشّرعية لجمعيّة القضاة” ومنهم أحمد الرّحموني ونورة حمدي وكلثوم كنّو وحمّادي الرّحماني وفتحي القلاع ووسيلة الكعبي وآسيا العبيدي والمرحوم عبد الباقي كريد وروضة القرافي وتوفيق سويد وعمر الوسلاتي وأيضا أنس الحمادي… وغيرهم كثر… ولكن ما ذكرته السيّدة بحرية في حقّ أنس الحمادي هو مجانب للحقيقة وفنّده شهود عيان من ثقاة من عاشوا محنة الحوض المنجمي وعلى رأسهم أحد قادتها المؤرّخ عبيد الخليفي والقضاة حمادي الرّحماني ومحمّد الخليفي وعمر الوسلاتي وغيرهم.. بل بالعكس تماما… أنس الحمادي كان وراء صدور أحكام مخفّفة ضدّ رموز ثورة الحوض المنجمي وحكم شهير ببطلان الإجراءات… عن نفسي أصمت عندما يتكلّم الفاهم بكدّوس وعبيد الخليفي… قد نختلف مع أنس حول الرّؤى وأدوات تحقيقها ولكن لا يمكننا بأيّ حال من الأحوال أن ننال من خصاله ومن جوهره بسبب بيان لجمعيّة القضاة..

ولكنّ الأمر يتجاوز الحنق على أنس الحمادي ليلحق جمعيّة القضاة
في خضمّ مشاغلنا اليومية في اِفتراس بعضنا البعض، محامون وقضاة وعدول، ننحدر بمعاركنا التّافهة إلى نقاط التّماس مع الهاوية والعدم… والإخصاء الأعمى… فما نذهب إليه جميعنا من حروب اِنفصالية مضحكة يدرّس في أعرق مداس العبث: العقلاء لا ينتظرون إلاّ التّناقض المؤطّر بين هياكل المحامين وهياكل القضاة نظرا لتناقض طبيعة الأدوار والتمثّلات والترسّبات التّاريخية… بالمقابل طبيعة المرحلة ومرارة ماضي الاِستبداد ونجاح فترات الاِلتحام بين المكوّنين الرّئيسيين في إحراج النّظام النّوفمبري وفضح عصاباته واِنحرافات الدّولة المارقة، والفهم العميق لدور العدالة كسلطة وسلطة مضادّة ضرورية لترسيخ المواطنة ودولة القانون، لا زالت تحتّم ضرورة خلق أطر جدّية لتحسين حوكمة الخلافات والحيلولة دون تحقيق مطامع كمبرادور السّلطة… ولكن يبدو أنّنا اِستسهلنا أدوات العوامّ… لننزل إلى أعمق حفر السّباب والشّتيمة…

على هامش هذه المعركة تنعت جمعيّة القضاة بأنّها جمعيّة “القحاب”… هكذا ببساطة… ويدعوها أحد هياكل المحاماة للاِكتفاء بدورها الاِجتماعي والتّرفيهي.!

تذكير لاٍسترجاع شيء من أمانة التّاريخ

أوّل اِصطدام بين نظام بن علي وبين جمعيّة القضاة كان على خلفيّة تصريحات علي الشّاوش الأمين العامّ لحزب التجمّع المنحلّ الّذي شتم القاضي المرحوم المختار اليحياوي إثر رسالته المفتوحة لبن علي حول اِستقلال القضاء والحرّيات وسيادة القانون. وقد وصف بيان الجمعيّة آنذاك المذيّل بامضاء نائب رئيسها أحمد الرّحموني تصريحات علي الشّاوش بكونها تشكّل في جانبه كافّة أركان جريمة القذف العلني… ثمّ ثاني اِصطدام عنيف كان بمناسبة إصدار الجمعيّة لبيان 2 مارس 2005 الشّهير على إثر الاِنتهاكات الّتي لحقت المحامي الأستاذ محمّد عبّو… تذكيرا بأنّ القضاة آنذاك، وفي ذهن بن علي ونظامه، هم مجرّد “خمّاسة ” لا غير…

جمعية القضاة منظّمة وطنية تناضل من أجل اِستقلال القضاء وسيادة القانون والحقّ الأصلي في المحاكمة العادلة في ظلّ دولة مدنية تصون الحقوق والحرّيات، وواهم من يتخيّل أنّه يمكن له أن يرسم مربّع تحرّكها ويختزله في جمعيّة ترفيهيّة أو ما شاكل… وليتذكّر من يرميها بالسّكترية والشّوفينية أنّها توصم لدى معارضيها داخل القضاء بأنّها جمعيّة المحامين لا جمعيّة القضاة…

جمعية القضاة “مش على راسها ريشة” وهي في هذا السّياق خاضعة لرقابة داخليّة صارمة من طرف القضاة حتّى من بين غير منخرطيها وهي أيضا خاضعة لمراقبة ديمقراطية مواطنيّة لأنّها تقدّم نفسها على أنّها منظّمة وطنية…

في المحصلة

. بالقضاة والمحامين أمراض لا تليق بهم ولا بهياكلهم ولا بدولة محترمة ولا بحلم المستضعفين بعدالة لا تعاني أمراض جنسيّة منقولة.
. أنس الحمادي رئيس جمعية القضاة مثال في النّزاهة والاِستقامة والنّضالية.. من حقّك أن تناقش أداءه على رأس جمعيّة القضاة ولكن لا ترمه بما ليس فيه. 
. السّباب والشّتيمة أمور سهلة.. هناك أشياء أصعب… منها إنضاج رؤى حول أجهزة وآليات فضّ المنازعات 
. غدا هناك معارك ستوحّدنا فلنترك مجالا للحدّ الأدنى من الودّ والاِحترام 
. هناك من يسعى لعزل القضاء عن محيطه الطّبيعي لإضعافه والنّيل من اِستقلال قراره وهناك من يسعى للنّيل من المحاماة… ففكّر جيّدا قبل الشّتيمة…

(بقلم القاضي عياض الشّواشي)