شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | السّلفية المدخليّة سلاح الدّكتاتورية العربيّة

السّلفية المدخليّة سلاح الدّكتاتورية العربيّة

Spread the love
image_pdfimage_print

المدخليّة اللّيبيّة

يشير تنامي نفوذ السّلفية المدخلية في العالم العربي عقب الاِنقلابات العسكرية العنيفة على الحراكات الثّورية الاِحتجاجية الّتي اِندلعت في 2011 إلى طبيعة وماهيّة السّلفية المدخلية كجهاز إيديولوجي وسلاح قمعي بيد الأنظمة الدّكتاتورية العسكرية، فالمدخلية تيّار دينيّ مذهبيّ محافظ تقوم إيديولوجيّته على نهج براغماتي شديد الواقعية، ينفر من الثّورة والتّغيير وينشد الاِستقرار والحفاظ على الأمر الواقع، فهي تستند إلى معحم دينيّ هويّاتي سلفيّ إحيائيّ يمجّد طاعة “وليّ الأمر المتغلّب بالقوّة” كسلطة شرعيّة ما دامت توفّر الاِستقرار وتقيم الشّعائر الدّينية الإسلامية الظّاهرة، فالأنظمة العربية الدّكتاتورية تملك شرعيّة دينيّة حتّى لو كانت علمانيّة، وهي تناهض الدّيمقراطية والعمليّة السّياسية والنّظام الحزبي والتّداول السّلمي للسّلطة، وتحارب “الثّورة” باِعتبارها تجسيدا لـ”الفتنة” والفوضى، وتتعامل مع كافّة قوى التّغيير السّياسي في المجتمع كجماعات من “المبتدعة”، وفرق من”الخوارج” المارقين، فشرعيّة الحكم الّتي تحكم سلوك المداخلة تنصّ على أنّ “من اِشتدّت وطأته وجبت طاعته”، وشرعيّة السّلطة تقوم على أنّ “سلطان غشوم خير من فتنة تدوم”.

لم تكن السّلفية المدخلية قبل حرب الخليج الثّانية سوى تيّار هامشي، وسط صعود تيّارات الإسلام السّياسي عموما، وجماعة الإخوان المسلمين خصوصا، وتنامي حضور السّلفية الجهادية والسّلفية الإصلاحية، والسّلفية العلمية، إذ تعود بدايات الظّهور العلنيّ للسّلفية المدخلية إلى زمن حرب الخليج الثّانية 1991 في المملكة العربية السّعودية، وقد ظهر التيّار المدخلي بداية في المدينة المنوّرة علي يد محمّد أمان الجامي (1930- 1996)، ومنه أخذ اِسم “الجامية”، وقد تطوّرت مدرسته بصورته الرّاهنة على يد ربيع بن هادي المدخلي (1931- ) بصورة أساسيّة، وإليه يُنسب التيّار “المدخلي”، وقد برز التيّار المدخلي بداية من خلال مناهضة حركات الإسلام السّياسي والسّلفيات الجهادية والإصلاحيّة والعلميّة عموما، و”دعاة الإسلام الصّحوي” في السّعودية خصوصا؛ أمثال سفر الحوالي، وناصر العمر، وسلمان العودة، ومحمّد سعيد القحطاني، وغيرهم، ممّن اِستنكر وأدان الاِستعانة بالقوّات الأجنبية الّتي تقودها الولايات المتّحدة الأمريكية لمحاربة العراق، حيث أفتى المداخلة بمشروعيّة دخول القوّات الأجنبية إلى السّعودية والاِستعانة بها ضدّ العراق، اِنسجاما مع توجّه علماء المؤسّسة الوهّابية الرّسمية السّعودية.

صبّت السّلفية المدخلية جام غضبها على جماعة الإخوان المسلمين باِعتبارها سندا إيديولوجيّا للسّلفية الحهادية، وصنّفت عشرات الكتب والرّسائل في التّحذير من أفكارها عموما وفكر سيّد قطب خصوصا، وأصدرت منتصف تسعينيات القرن الماضي تقريرا للأجهزة الأمنية بعنوان “التّنظيم السرّي العالمي بين التّخطيط والتّطبيق في المملكة العربية السّعودية”، أوصت فيه “السّلطات السّعودية لا بدّ أن تتحرّك بأسرع وقت ممكن، لوضع حدّ لأنشطة المنظّمة المذكورة”، حيث شنّت السّلطات السّعودية حملة اِعتقالات واسعة على الدّعاة والعلماء المحسوبين على تيّار الصّحوة الإسلامية في المملكة، وحظرت أنشطتهم.

تبنّت السّلطات السّعودية السّلفية المدخلية واِستدخلتها في أجهزتها الإيديولوجية بعد حرب الخليج الثّانية، وتنامت أدوارها وزاد نفوذها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث باتت السّلفية المدخلية أحد أهمّ أركان الجهاز الإيديولوجي للدّولة، وعملت السّعودية على دعم السّلفية المدخلية في كافّة أرجاء العالمين العربي والإسلامي، لمواجهة أطروحات التيّارات الإسلامية السّياسية، وقد مكّنت مقاربة الرّعاية/ الولاء السّلفية المدخلية من التّموضع داخل المؤسّسات التّعليمية والإعلامية والمساجد والمؤسّسات المعنيّة بالشّؤون الدّينية.

شهدت الحراكات الاِحتجاجية الثّورية العربية 2011 الّتي شكّلت تحدّيا لشرعيّة وبنية الدّكتاتوريات العربية تحوّلا نوعيّا في أدوار السّلفية المدخلية، فإلى جانب أدوارها التّقليدية الإيديولوجية استدخلت في إطار الأجهزة القمعية، وشرعت بتأسيس هياكل عسكرية ومليشيات مسلّحة، إذ لم تكتفي بإصدار فتاوى مناهضة للحراكات والمظاهرات والاِحتجاجات الثّورية العربية، حيث أفتى الشّيخ ربيع المدخلي وأتباعه بحرمة الثّورات والاِحتجاجات والمظاهرات، لكنّه سرعان ما دعا إلى الاِنخراط في الأعمال القتالية وتشكيل مليشيات مسلّحة ضدّ حركات الإسلام السّياسي والجهادي باِعتبارهم من الـ”خوارج” و”البغاة” المتمرّدين على سلطة “وليّ الأمر”، وناشري الـ”الفتن”.

سرعان ما اِنتشرت السّلفية المدخلية في معظم البلدان العربية والإسلامية، ففي مصر برز محمّد سعيد رسلان صاحب الفتوى الشّهيرة لجنود السّيسي بوجوب قتل المعارضين من أهالي كرداسة وغيرهم، وظهر أسامة القوصي، ومحمود لطفي عامر، وطلعت زهران، وغيرهم، في فتاوى الولاء للحكم العسكري والبراءة من الإسلام السّياسي، ولم تقتصر حملة السّلفية المدخلية على مناهضة جماعة الإخوان المسلمين، والتيّار الجهادي، بل طالت حركات المقاومة الفلسطينية، لاسيما حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، الّتي نعتها رسلان بـ”خوارج العصر”، اِستنادا إلى فتوى ربيع المدخلي بأنّ “الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلا من أصول الإسلام إلاّ نقضوه”.

في سياق التحوّل من الدّور الإيديولوجي إلى المجال العسكري، شرعت السّلفية المدخلية بتأسيس هياكل عسكرية ومليشيات مسلّحة، في الدّول الّتي تفتقر إلى وجود مؤسّسة عسكرية فاعلة، حيث باتت السّلفية المدخلية تتمتّع بحضور قويّ وبارز في ليبيا واليمن بالتّحالف مع دكتاتوريّات محلّية ناشئة، وبإسناد من السّعودية والإمارات ومصر، فخلال وجودهم في مجموعات مسلّحة رئيسيّة في شرق وغرب البلاد على السّواء حسب “مجموعة الأزمات الدّولية”، فإنّهم يمارسون نفوذا سياسيّا على الحكومتين المتنافستين اللّتين نشأتا بعد العام 2014. إنّ صعودهم داخل القطاع الأمني يتماشى مع نمط شائع لدى الفصائل اللّيبية المتحاربة الأخرى، الإسلامية وغير الإسلامية، الّتي سعت إلى توسيع نفوذها باِختراق الجهاز الأمني وتغيير منظور أفراده للعالم. أمّا الآن، فقد أثارت أجندتهم المعادية للدّيمقراطية ورفضهم للتنوّع الدّيني والثّقافي في ليبيا مخاوف متنامية لدى الكثير من اللّيبيين، وهو ما يتطابق مع الحالة اليمنيّة.

كان ظهور السّلفية المدخلية كمليشيات مسلّحة في اليمن ميسّرا، نظرا لوجود هياكل ناجزة منذ زمن الشّيخ مُقبل بن هادي الوادعي (ت: 2001)، والّذي يعدّ مؤسّس السّلفية المعاصرة في اليمن، وقد خرج من رحم مدرسته تيارات سلفية عديدة، ومنها المدخلية، ومن أبرز رموزها خليفة الوادعي وتلميذه الأقرب يحيى بن علي الحجوري، وذلك بناء على وصيّة الوادعي بأن يخلفه الحجوري على كرسيّه في دار الحديث، واصفا الحجوري في وصيّته بأنّه “ناصح أمين”، والّذي شدّد على وجوب طاعة وليّ الأمر وحرمة الخروج عليه، وقد وقف موقفا صارما ضدّ الثّورة اليمنية في فبراير 2011، وهاجم مَن يطالبون بتنحّي علي عبد الله صالح من العلماء والمتظاهرين، وأكّد أنّ معظم الشّعب يحبّ الرّئيس، وقد تماهى لاحقا مع الأجندة الإماراتية والسّعودية وهاجم قطر وإيران، ونادى بوجوب محاربة الحوثيّين وقاد الحرب بنفسه، مع طلبته، لكن سرعان ما سيطر الحوثيّون على دمّاج مقرّ دار الحديث الّتي يرأسها الحجوري 2014، ويقيم الحجوري اليوم في السّعودية.

ظاهرة السّلفية المدخلية المسلّحة في اليمن سوف تظهر بقوّة مع كتيبة أبي العبّاس، وهو الشّيخ عادل عبده فارع (أبو العبّاس) مؤسّس كتائب أبي العبّاس السّلفية أو “حماة العقيدة” في (تَعْز)، ودرس أبو العبّاس في “دار الحديث” وتتلمذ على يد الوادعي والحجوري، أمّا هاني بن بريك فقد تتلمذ كذلك على يد الوادعي في دار الحديث بدماج، وعيّن وزيرا (أقيل لاحقا) لدوره في قتال الحوثيّين وقوّات صالح بعد اِنقلابه على طاعته، وعلاقاته الوثيقة مع الإمارات، ويقود بريك قوّات “الحزام الأمني”في محافظة عدن، والّتي أسّستها وتدعّمها الإمارات ويجمع تحت قيادته 12 ألف مقاتل.

في ليبيا تمتّع الفكر المدخلي برعاية القذّافي، عن طريق اِبنه السّاعدي، نظرا لمواقفه الصّارمة بحرمة الخروج على وليّ الأمر ووجوب طاعته، ومناهضته لجماعات الإسلام السّياسي والجهادي باِعتبارهم من “الخوارج”، حيث فسح نظام القذّافي للمداخلة المجال واسعا للاِنتشار والتّمكين، ولذلك دعّم التيّار المدخلي القذّافي مع اِنطلاق ثورة 17 فبراير 2011، وعارض الثّورة وأفتى رموزه بحرمة المشاركة فيها، وعقب نضوج الثّورة المضادّة أصبح التيّار المدخلي فاعلا مسلّحا مع تدشين “عمليّة الكرامة” في ليبيا منتصف 2014 بقيادة اللّواء المتقاعد خليفة حفتر، الّذي بات في نظرهم وليّا للأمر تجب له السّمع والطّاعة والقتال تحت رايته.

اِستخدم حفتر التيّار المدخلي كما فعل القذّافي، لمواجهة الجماعات الإسلامية والحركات السّياسية المناهضة له، حيث ظهرت كتائب مدخلية مسلّحة ، ككتيبة 604 مشاة، وكتيبة التّوحيد، وسيطر المداخلة على مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمّة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة، وقد أفتى ربيع المدخلي بقتال الإخوان وغيرهم في ليبيا حيث قال: “وعلى السّلفيين في ليبيا النّصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم؛ فالإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام”.

تمكّن المداخلة تحت ولاية حفتر من تولّي العديد من المناصب في الجيش، كتولّي العقيد ميلود الزوي المدخلي البارز، مهمّة النّاطق باِسم القوّات الخاصّة في بنغازي، والرّائد علي الثّابت ناطقا باِسم قوّات البحرية في بنغازي، والملازم محمد البوعيشي كآمر لقوّة مكافحة الإرهاب في أجدابيا، ومن أبرز الرّموز المدخلية المسلّحة اللّيبية وأكثرهم عنفا محمود الورفلّي، وهو آمر محاور قوّات الصّاعقة، ومطلوب دوليّا من قبل محكمة الجنايات الدّولية لتورّطه في “جرائم حرب”، بعد أن ظهر في عدّة مقاطع مصوّرة وهو يقوم بتصفيّة ميدانيّة بلا محاكمة وخارج القانون لعدّة أشخاص، واصفا ضحاياه بـ”كلاب أهل النّار” و”خوارج العصر”، واِنتشرت مقاطع مماثلة لقيادات بارزة من التيّار المدخلي كعبد الفتّاح غلبون، ومجموعات أخرى تصدر بيانات يدعّمون فيها الورفلّي ويسمّونه بــ”قاهر الخوارج والإخوان والتّكفيريّين”.

رغم شهرة الورفلّي، إلاّ أنّ المداخلة في ليبيا ينتشرون بقوّة من خلال رموز عدّة، أمثال قجة الفاخري، وهو أحد مسلّحي التيّار المدخلي اللّيبي، وشارك في قتال مسلّحي “مجلس شورى بنغازي”، وكلّف بإمرة قوّة سلوق في بنغازي، الّتي يتكوّن أغلب مقاتليها من أتباع التيّار المدخلي، وأشرف الميار وهو رائد بجيش حفتر يعتبر المؤسّس لأولى كتائب السّلفية بقوّات حفتر، والّتي اِشتهرت بكتيبة التّوحيد، ونشرت فروعا لها في بنغازي وأجدابيا. اُشتهر بوصف “مفتي حفتر”، وصاحب الفتوى الشّهيرة بقتل أسرى خصومه بدعوى أنّهم “آمنوا ثمّ كفروا”، ومن القيادات المدخلية أحمد الحاسي آمر فرقة القبض الخاصّة، المشكّلة من قبل قيادة حفتر، اُتّهم من قبل عدد من قيادات حفتر والسّياسيين الموالين له بالتورّط في عمليّات اِختطاف وتصفيّات، وقد قُتل الحاسي في ظروف غامضة، ويعدّ الملازم عبد الرّؤوف كاره، قائد قوّة الرّدع الخاصّة الموجودة فى طرابلس والّتي لم يعد لها منازع في السّيطرة على وسط المدينة، وأغلب الأماكن الحيويّة، من أبرز الوجوه التّابعة للسّلفية المدخلية، وتتّخذ من مطار معيتيقية مقرّا لها، فضلا عن سرّية باب تاجوراء المجاورة، حيث بدأت تدريبات عسكرية في معسكر في عين زارة وفي محميّة طبيعيّة على السّاحل.

خلاصة القول أنّ السّلفية المدخلية تعمل كجهاز إيديولوجي وسلاح قمعيّ بيد الأنظمة الدّكتاتورية العسكرية العربية، فطبيعتها الدّينية المذهبية المحافظة، شكّلت إيديولوجية براغماتية شديدة الواقعية تمجّد القوّة الفجّة بذريعة جلب الاِستقرار، فالمعجم الدّيني الّذي تنهل منه يمتاز بطابع هويّاتي تقوي سلفي إحيائي، يقوم على مسلّمة طاعة “وليّ الأمر المتغلّب بالقوّة”، ويمنحه سلطة شرعيّة ما دام يوفّر الاِستقرار ويقيم الشّعائر الدّينية الإسلامية الظّاهرة، وهي لا تجد حرجا في نقل ولاءها إلى من تتوافر فيه صفة “القوّة والغلبة”، وتكمن خطورتها في إمكانيّة التحوّل من “يوتوبيا” الاِستقرار إلى “دستوبيا” الفوضى، فهي تناهض الدّيمقراطية والعمليّة السّياسية والنّظام الحزبي والتّداول السّلمي للسّلطة، وتحارب “الثّورة” باِعتبارها تجسيدا لـ”الفتنة” والفوضى، وتتعامل مع كافّة قوى التّغيير السّياسي في المجتمع كجماعات من “المبتدعة”، وفرق من”الخوارج” المارقين، و”البغاة” و”المحاربين”، وبهذا يسهل توظيف السّلفية المدخلية، لكن يصعب التّعايش معها. (الأستاذ حسن أبوهنيّة)

%d مدونون معجبون بهذه: