شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | قريبا الجولة الرّابعة من مفاوضات “الأليكا”/ حذار من تفكيك الدّولة الوطنية

قريبا الجولة الرّابعة من مفاوضات “الأليكا”/ حذار من تفكيك الدّولة الوطنية

Spread the love
image_pdfimage_print

Résultat de recherche d'images pour "‫اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق‬‎"
L’image contient peut-être : 1 personne, sourit, intérieurفي مناخ اِقتصادي واِجتماعي متوتّر يعكسه تدهور المؤشّرات الاِقتصادية والماليّة من جهة، وتنامي الحراك الاِحتجاجي من جهة ثانية والّذي تقوده المنظّمات المهنيّة والنّقابية من الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل إلى الاِتّحاد التّونسي للفلاحة والصّيد البحري إلى الاِتّحاد التّونسي للصّناعة والتّجارة والصّناعات التّقليدية، تعمل حكومة الشّاهد هذه الأيّام وبكلّ هدوء على تمرير الجولة الرّابعة للمفاوضات الجارية بين الجمهورية التّونسية والاِتّحاد الأوروبي حول مشروع اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق “الأليكا” والّتي ستنطلق في تونس من 29 أفريل الجاري إلى 3 ماي المقبل في ظلّ تعتيم إعلامي مقصود ومغالطات متعمّدة بخصوص حقيقة الميزان التّجاري لتونس مع الاِتّحاد الأوروبي بتواطؤ بينها وأطراف من الاِتّحاد الأوروبي.

وبقطع النّظر عن الجوانب الفنّية للمفاوضات حول تحرير المبادلات التّجارية في قطاعي الفلاحة والخدمات وتحرير الاِستثمار والّتي لم يقدّم بشأنها الجانب التّونسي عروضا واضحة في غياب تفويض من البرلمان التّونسي، مكتفيا بالتّعاطي الاِرتجالي مع العروض الأوروبية المنصوص عليها في لائحة التّفويض الّتي يستند إليها المفاوض الأوروبي بتصميم من البرلمان الأوروبي، تحمل الجولة الرّابعة في طيّاتها تهديدات حقيقيّة وخطيرة لسيادتنا الوطنية ولكلّ تضحيّات الشّعب التّونسي منذ القرن الماضي إلى اليوم.
فخلال هذه الجولة، الأخيرة ربّما، سيهدي الجانب التّونسي ترسانة القوانين الّتي تشكّل الإطار التّشريعي والقانوني لاِتّفاقية التّبادل الحرّ والّتي صادق عليها مجلس نوّاب الشّعب في عهد الشّاهد وحكومته، ليقتصر التّفاوض على تفاصيل فنّية خطيرة لن يجد الجانب الأوروبي صعوبة في الحصول على تنازلات بشأنها من الجانب التّونسي.

لقد مهّدت حكومات ما بعد اِنتخابات سنة 2014 وفي إطار مخرجات قمّة دوفيل الّتي حضرها رئيس الدّولة بصفته رئيسا للحكومة في سنة 2011 للحظّة التّاريخية الخطيرة الّتي تعهّد الشّاهد في بروكسال على “إنجازها” قبل موفّى سنة 2019، وعمل الاِئتلاف الحاكم وكتله البرلمانية على تأمين كلّ شروط الوصول إليها باِتّباع سياسة التّضليل والتّعتيم على الخلفيّات الحقيقيّة للقوانين الّتي سوّق لها ضمن إصلاحات هيكليّة كبرى اِدّعى أنّها ستنقذ البلاد والاِقتصاد في أفق سنة 2020 في إطار منوال تنمية كشفت الثّورة فشله وحدوده، وعملت قمّة دوفيل ووراءه صندوق النّقد الدّولي والاِتّحاد الأوروبي على تكريسه في اِتّجاه:
– تفكيك الدّولة الوطنية وتجفيف كلّ مصادر تمويل ميزانيّة الدّولة ووضعها رهينة لدى المقرضين من الدّاخل والخارج،
– تدمير كلّ مقوّمات الاِقتصاد الوطني وضرب كلّ منظومات الإنتاج،
– توفير الضّمانات القانونية لحماية المستثمر الأجنبي ومصالح الشّركات العالمية في السّوق التّونسية على حساب أولويّاتنا التّنموية واِستحقاقات المرحلة.

لقد تعهّد الباجي قائد السّبسي في قمّة دوفيل على تأمين شروط “اِستمراريّة الدّولة” وذلك بعدم مراجعة الاِتّفاقيات الثّنائية ومتعدّدة الأطراف الّتي أمضتها تونس منذ القرن الماضي، ومواصلة التعهّد بمديونية النّظام السّابق والتمسّك بنظام اِقتصاد السّوق مقابل وعود من قبل دول مجموعة السّبعة وصندوق النّقد الدّولي والاِتّحاد الأوروبي على تشجيع الاِنتقال الدّيمقراطي والاِلتزام بمساعدة تونس على اِسترداد الأموال المهرّبة وإقرار برامج مساعدات ماليّة بشروط ميّسرة.

وقد تجسّد الاِلتزام التّونسي في قمّة دوفيل من خلال:
– اِنخراط حكومة الشّاهد في برنامج الإصلاحات الهيكلية الكبرى لصندوق النّقد الدّولي والّذي يعتبر اِمتدادا لبرنامج الإصلاح الهيكلي للاِقتصاد التّونسي لسنة 1986،
– والاِنخراط في مسار اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق مع الاِتّحاد الأوروبي والّتي تعتبر اِمتدادا لاِتّفاقية الحماية لسنة 1881 واِتّفاقيات الحكم الذّاتي بتاريخ 3 جوان 1955 وبرتوكول الاِستقلال لسنة 1956 واِتّفاق المشاركة مع المجموعة الاِقتصادية الأوروبية في سنة 1969 واِتّفاق التّعاون الشّامل لسنة 1976 واِتّفاقية الشّراكة لسنة 1995.

برنامج الإصلاحات الهيكلية لصندوق النّقد الدّولي، والّذي لم يتغيّر منذ سنة 1986، يقوم على تعزيز دور السّوق وتخلّي الدّولة عن دورها الاِقتصادي لفائدة القطاع الخاصّ وخاصّة القطاع الخاصّ الأجنبي في ظلّ سياسة تقشّفية تستهدف ضرب القطاع العمومي وضرب سياسة الدّعم، وذلك بالتّوازي مع سياسة الاِنفتاح الاِقتصادي الّتي تقوم على تحرير المبادلات التّجارية وإلغاء المعاليم الدّيوانية الّتي كانت تشكّل أهمّ مورد لميزانيّة الدّولة قبل سنة 1995 وتمّ تعويضها بالأداء على القيمة المضافة.

هذه السّياسات، الّتي يدافع عنها صندوق النّقد الدّولي، هي الّتي تقف وراء تفاقم عجز ميزانيّة الدّولة وإضعاف المؤسّسات العمومية وتآكل المرفق العمومي واِرتفاع أسعار الموادّ الأساسية بما في ذلك أسعار المحروقات، ليتعمّق مسار ضرب التّوازنات المالية الدّاخلية بمسار مواز يستهدف ضرب التّوازنات المالية الخارجية بتحرير المبادلات التّجارية في مرحلة أولى، مع اِتّفاقية الشّراكة لسنة 1995، في المجال الصّناعي وبصفة تدريجيّة في القطاعين الفلاحي والخدمات وفي مجال الاِستثمار، ليشمل في مرحلة نهائية كلّ هذه المجالات إن تمّ التّوقيع على اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق.

وعكس ما تدّعيه حكومة الشّاهد، تخفي هذه الخيارات سموم تآكل الدّولة وتفكيكها من خلال إضعاف مؤسّساتها ودورها في إعادة توزيع الثّروة عبر سياسة الدّعم المباشر وغير المباشر، ومن خلال سياساتها الاِجتماعية، ومن خلال أيضا تخلّيها عن دعم منظومات الإنتاج في جميع المجالات عبر توفير الأطر القانونية للمنافسة والتّمويل.

كما عملت هذه الخيارات على ضرب مصادر أخرى لتمويل ميزانية الدّولة من خلال مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي في اِتّجاه منع هذا الأخير من إصدار رقاع خزينة مقابل حصول خزينة الدّولة على تمويل غير تضخّمي وإعطاء هذا الدّور للبنوك المحلّية الّتي أصبحت تتحكّم في ميزانية الدّولة وتثقل أعباءها المالية بتوظيف نسب فائدة مرتفعة على القروض الموجّهة للميزانية من جهة، وحرمان المؤسّسات الاِقتصادية من قروض وتمويلات تساعدها على الاِستمرارية والدّيمومة بما يؤمّن موارد جبائية للميزانية من جهة أخرى.

وبالتّوازي مع ضرب ميزانيّة الدّولة ومنظومات الإنتاج، سعت حكومة الشّاهد إلى توفير كلّ الضّمانات القانونية للمستثمر الأجنبي في تونس والشّركات العالمية على حساب المستثمر الوطني والصّناعي والفلاّح ومسدي الخدمات من خلال قوانين صادق عليها مجلس نوّاب الشّعب بأغلبيّة مريحة تؤمّن له النّفاذ إلى السّوق التّونسية دون حواجز جمركية وغير جمركية اِعتبرها الشّاهد مكبّلات للاِستثمار يعمل على القضاء عليها في مشروع القانون الأفقي للاِستثمار وتحسين مناخ الأعمال المعروض حاليا على مجلس نوّاب الشّعب والّذي يأتي لاِستكمال ترسانة القوانين الّتي تشكّل الإطار القانوني لمشروع اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق والّتي تضمّ قانون المنافسة وقانون الاِستثمار وقانون المؤسّسات المالية والبنوك وقانون الشّراكة بين القطاعين العام والخاصّ وقانون السّلامة الصحّية للموادّ الغذائية وأغذية الحيوانات وقانون البنك المركزي، ترسانة حوّلت الاِقتصاد الوطني إلى هيكل عظميّ سيكون فريسة بين مخالب الشّركات العالمية.

لقد جاء تعهّد الشّاهد في بروكسال بتوقيع تونس على مشروع اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق قبل موفّى السّنة الحالية، رغم الاِنتقادات الشّديدة ورفض الاِتّحاد العامّ التّونسي للشّغل والاِتّحاد التّونسي للفلاحة والصّيد البحري وعمادة المحامين، بناء على يقينه باِستكمال الإطار القانوني لهذه الاِتّفاقية بفضل توافق سياسيّ تمّ توظيفه في مجلس نوّاب الشّعب، ليشكّل التّوقيع محطّة لتثبيت هذه القوانين الّتي تتحوّل في مسار المفاوضات الجارية إلى اِلتزام وتعهّد للدّولة التّونسية لا يمكن تغييرها أو مراجعتها أو تنقيحها دون موافقة الطّرف الأوروبي وذلك حسب مقتضيات اِتّفاقية مرّاكش لإنشاء المنظّمة العالمية للتّجارة.

فعكس الاِتّفاقيات الدّولية الأخرى تكتسي اِتّفاقيات المنظّمة العالمية للتّجارة صبغة إلزامية للدّول الأعضاء الّتي تعمل على مطابقة قوانينها الوطنية لأحكام اِتّفاقيات المنظّمة العالمية للتّجارة، وكلّ تغيير لهذه القوانين، بعد تثبيتها بالتّوقيع على الاِتّفاقية، يعتبر اِنتهاكا لاِلتزاماتها تجاه الدّول الأعضاء تعاقب عليه. ويأخذ هذا العقاب أشكالا مختلفة إمّا في صيغة تعويضات أو إقرار إجراءات حمائيّة ضدّ الدّولة الّتي ألحقت أضرارا بدولة عضو آخر.

ولعلّ أخطر عنصر في اِتّفاقية التّبادل الحرّ، الّتي تستند إلى أحكام المنظّمة العالمية للتّجارة، هو نظام تسوية النّزاعات الّذي يقوم على مذكّرة التّفاهم بشأن القواعد والإجراءات الّتي تحكم تسوية النّزاعات للمنظّمة العالمية للتّجارة والّتي تحظر على الدّولة الوطنية، في صورة إخلالها باِلتزام مثبت، اللّجوء إلى القانون الوطني للدّفاع التّجاري ضدّ عضو آخر. وفي كثير من الأحيان فإنّ الدّول المتقدّمة هي الّتي ترفع شكوى إلى جهاز تسوية النّزاعات بالمنظّمة العالمية للتّجارة ضدّ الدّول النّامية الّتي تحاول حماية أسواقها من الإغراق ومن المنتوجات الّتي تتمتّع بدعم قويّ في الدّول المتقدّمة على غرار المنتوجات الفلاحية الأوروبية الّتي تتمتّع بدعم ضخم من الاِتّحاد الأوروبي في إطار السّياسة الفلاحية الأوروبية المشتركة بما يعطي قدرات تنافسيّة ضخمة لمنتوجاتها تجاه المنتوجات الفلاحيّة التّونسية المهدّدة باِتّفاقية “الأليكا”.

ومن هذا المنطلق فإنّ الدّخول في جولة رابعة من المفاوضات لفتح سوق اِقتصادية تحوّلت إلى هيكل عظمي بعد تدمير كلّ منظومات الإنتاج، هو تأشيرة لحكومة الشّاهد للتّوقيع على اِتّفاقية الحماية لسنة 1881 في نسخة جديدة. إنّ المسؤولية الوطنية تقتضي اليوم من الفاعلين الاِقتصاديّين والمنظّمات المهنيّة والنّقابية التحرّك لإيقاف الجولة الرّابعة ومنع التّوقيع على مشروع اِتّفاقية التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق.   (الأستاذة جنّات بن عبد الله)

%d مدونون معجبون بهذه: