شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | ڨتلو: “بجاه ربّي راني باش نموت بالشرّ.. نتعشّى وبعد اضربني..”

ڨتلو: “بجاه ربّي راني باش نموت بالشرّ.. نتعشّى وبعد اضربني..”

image_pdfimage_print

العاملات

المخرج منجي الفرحاني

المخرج منجي الفرحاني

لا شيء يعجب هذا الصّباح.. لا المارّة المسرعون إلى حتفهم المحتوم على الرّصيف، ولا روّاد المقهى السّائلة همومهم على جدران المدينة البالية لولا شقوق السّنين الّتي تعكس قليلا من نور الشّمس فيما يشبه بقايا حلم تبخّر، ولا أكياس الزّبالة الجاثمة على صدر المدينة الّتي تندب حظّها على آلاف من سنين الحضارة مرّت هباء منثورا وهي تنظر إلى غيرها من المدن الّتي ولدت بالأمس القريب تعانق عنان السّماء مدنيّة ونظافة وحريّة..
لم تعد تؤنس هذه المدينة كما قالوا عنها في عقود خلت..
كان أجدادنا من الفلاّڨة يعشقون تونس الوطن.. أمّا تونس المدينة فلم تكن بالنّسبة إلى كثير منهم غير “قالّي وقتلك” و “بَلْدِيَّة” وسلطة مركزيّة وزحام..
حبّهم لتونس جعل الكثير منهم يسمّون بناتهم “تونس” وكذلك فعل المقاوم عبد الرّحمان البوزيديّ الّذي مات مهمّشا في متاهات النّكران..
نظرت في قاع فنجاني فرأيت تونس تبكي دما.. اِختلط دمها بالرّشفة فأدمى ما تبقّى لي من قلب موجوع الخواطر..
“نكلت في الحضيرة كلّ يوم باش نجيبلو حڨّ الدخّان والقهاوي وهو راڨد ما يهمّوا شي.. الأولاد والدّار أنا قايمة بيهم.. يضربني كلّ يوم ويا ويلي كي نوخّر عليه بحڨّ الكريستال..
نهار روّحت جيعانة في حالة باش نموت بالشرّ.. طيّبت شويّة كسكسي وحطّيت باش نتعشّى وهو دخل كالعادة باش يضربني.. “ڨتلو: بجاه ربّي راني باش نموت بالشرّ.. نتعشّى وبعد اضربني..”
دخل صديقي البهلول المشهد وهو يرّدد عبثا شعارات المساواة والتّناصف والحضارة والكاهنة وعلّيسة وأريدو وألفة يوسف وسلوى الشّرفي ونجلاء متاع الحصان والاِستقلال واليسار واليمين والدّين ويغنّي “محلى الثّورة التّونسيّة ومحلا الرّبيع..”
لم تفهم كلامه ولا لماذا يغنّي.. المسكينة لم تدخل مدرسة ولا تفهم لغة المجانين عندما يتحدّثون حديث العقل..
“راني مضحّية على خاطر ولادي وما نجّمتش نحرمهم من بوهم رغم الّي عملو فيّ الكلّ..”
رأيت قاع فنجاني يمتلأ نسوة جئن من كلّ فجّ عميق يتحدّثن عن ذَكَرٍ تونسيّ اِبتلاهنّ به الله، غير مسؤول.. عديم الرّومنسيّة.. يركبهنّ ركوب البهائم..
قلت: ماذا عن الرّجال؟
قلن: إنّ الرّجل التّونسيّ عظيم ولكنّه عملة نادرة في هذا الزّمان..
شربت الرّشفة الأخيرة فصمت النّسوة في فنجاني..
نظرت إلى الرّصيف فلم أرَ من يحملن ملامح “تونس” في ظاهرهنّ النّمطيّ المتمدّن..
أجزم أنّ باطنهنّ “تونس” بكلّ تفاصيلها..
القهوة في عيدكنّ مرّة.. أقدّس تضحيتكنّ..
أمّا حكاية “تونس” فليست من صنع الخيال…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: