شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | من جديد “في مقهى العبث” للمنجي الفرحاني

من جديد “في مقهى العبث” للمنجي الفرحاني

المطر

المخرج منجي الفرحاني

المخرج منجي الفرحاني

زخّات مطر الخريف على أرصفة المدينة تعكس بنايات قديمة متهالكة الملامح… واجهات محلاّت أبوابها موصدة لأُحد يومها… مارّة قليلون يسرعون الخطى كي لا تتبلّل نواياهم… قطط شريدة تأكل من أكياس الزّبالة هنا وهناك على وجه الرّصيف لا تحاكيها إلاّ أكداس أخرى من روّاد المقاهي الّذين جاؤوا يقتلون يوم راحتهم الأسبوعيّة قهوة وشيشة ولعب ورق وكلاما بذيئا في السّياسة والنّساء والكرة والدّين…
وصلت إلى المقهى مبلّل الخواطر قلقا… اِخترت مكاني في زاوية على حافّة أحد الأكداس وجلست أراقب الرّصيف…
مرّت صاحبة العيون العربيّة العسليّة دون أن تسلّم ولا أنا سلّمت… خلاياها النّائمة من براكين الأنوثة والثّورة الّتي زرعتها في دمي لم تعد تخيفني… كلّ الألوان في لوحتي اليوم رماديّة كغيوم هذا اليوم الخريفيّ… خلتني في لحظة أرسم مرايا تسيل ملامحها على الرّصيف تريني تجاعيد غربتي في الوطن…

– اكسبراس كالعادة صديقي؟
صوت النّادل الّذي أصنّفة من أنكر الأصوات أعاد إليّ سمعي والبصر… زخّات المطر على الرّصيف وأنا على حافّة الكُدس…
– لا… قهوه عربي كالعادة… يا أخي متى تكون نادلا حقيقيّا يعرف شُرب زبائنه؟
رنّ هاتفي رنّة رسالة ميسنتجر فأدركته ولم أبالي بنظرة النّادل إلى خربشاتي على الطّاولة أين رسمت في غفلة منّي رئيسة تحرير أحد الجرائد الصّفراء برأس كلب… من شدّة ديمقراطيّتها تدعو إلى تأجيل أوّل اِنتخابات بلديّة في بلادنا كي لا يربحها حزب بعينه هي تقتات من فتات سبّه…
– حرام عليك… والله حرام عليك… أنت تسيء بهذه الطّريقة للكلاب… علّق النّادل…
لم أعهده على هذا القدر من الاِطّلاع على هموم البلاد…

مرّت شاحنة الزّبالة دون أن تتوقّف لأكداس الزّبالة على الرّصيف المقابل ولكنّها كسّرت المرايا فتناثرت كأوراق الخريف على وجه الرّصيف… لم أعد أراني غير مبال بصاحبة العيون وهي تمرّ على رصيف بالي…
قرأت رسالتها على هاتفي… عصفت بقلبي ولكنّني لم أبالي…
تقول إنّها لن تراقصني كعادتها في الرّشفة الأخيرة من قهوتي العربيّة لبرود فيّ بلون العبث زاد عن حدّه…

ألف قطعة وقطعة من المرايا على الرّصيف بعد مرور الشّاحنة… رأيتني في إحداها بلا رأس أمارس العشق الحرام مع قصيدة ضائعة…
رأيتني في أخرى رأسا على عقب غيمة وفي ثالثة رأيتني قدما تدوس أنفاقا على مؤخّرة إعلاميّ كان بالأمس قوّادا وكاد اليوم لهوان الثّورة على نفسها أن يكون نبيّا…

داست قدم نسويّة القطعة الأولى من المرايا فاِكتملت الصّورة في رأسي…
اِستوقفتها بعد أن غمرتني بأنوثتها وقد بلّلت زخّات المطر تفاصيلها فثارت وربت… قلت سيّدتي: هل تقبلين دعوتي إلى فنجان قهوة عربيّة تراقصينني في الرّشفة الأخيرة منها؟ وافقت على اِستحياء… ربّما لغيمة على سؤالي تريد أن تزيحها كي تراني أو ربّما لأنّها مثلي تريد أن تبحث عنها في قطع المرايا…

لم تكن مجرّد جسد له خوار… كانت ترى العالم أمامها في قطع المرايا…
– هذا العالم المكبّ على وجهه يؤلمني… اُنظر إلى تلك العجوز هناك تأكل من أكياس الزّبالة… اُنظر إلى ذلك الشّاب الوسيم يتنحر بحبل شهائده العلميّة… هناك… هناك… أوليس ذلك المعتوه ترامب يغتصب اِمرأة تشبه أرضنا برضاء خونتها؟
– يا سخطة… لا أريد ضميرا حيّا ولا مستترا… دعيه ينام ولو نسبيّا ويريحني… كوني لي جسدا له خوار…
ركبنا غيمة في قطعة مرايا وأطلقنا العنان للجنون… شربنا قهوتنا في السّماوات العلا على حافّة حلم وليد نراه قريبا قبل أن يصل النّادل ليعلّق على الصّورة…
القهوة اليوم مهشّمة الخواطر كمرايا وجلة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*