شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | من أنت؟.. ومن تكون؟..

من أنت؟.. ومن تكون؟..

image_pdfimage_print

المخرج أسامة عكنان

عندما لا تتجاوز مساحتك الـ0,4% من مساحة اليابس على سطح كوكب الأرض، ويتعاملون معك مع ذلك وكأنّك أكبر من مجرّة درب التبّانة.. فمن أنت؟!

وعندما لا يتجاوز عدد سكّانك الـ1% من عدد سكّان العالم، ويتفرّج على مأساتك مع ذلك خائفين مذعورين مرتبكين مضطربين، متكالبين أو عاجزين، سكّان الدّنيا والآخرة، الأحياء منهم والأموات.. فمن أنت؟!

وعندما تكون قد مُزِّقْت كلَّ مُمَزَّق، وقُطِّعْتَ ألف قطعة وقطعة، وطُعِنْتَ بكلّ السّيوف المسمومة، وترنَّحْت كي لا تقوم لك قائمة، ويستمرّون في تمزيقك وتقطيع أوصالك مع ذلك حريصين على تحويلك إلى ذرّاتٍ وهباء، رعبا من بقايا خلاياك ونثارات أنفاسك.. فمن أنت؟!

وعندما يحشدون عليك العالم بأسره منذ أكثر من مائة عام، متقدّمِه ومتخلِّفِه، قويِّة وضعيفة، كي يمنعوك من التنفّس، وكي يجعلوك تقتنع بأنّك أصبحت جثّة نافقة لا قيامة لها، ويبقون مع ذلك مصوّبين فوهات بنادقهم ومدافعهم إلى جثّتك المرتعشة وهي تحتضر خشية أن تقوم لهم من مرقدك كقيامة المسيح.. فمن أنت؟!

وعندما يزرعون في جسدك خازوقا بحجم الكون اِستجلبوه من كلِّ الأكاذيب والأساطير، وحقنوه بكلّ الخرافات والخزعبلات في زمن العلم وفي زمن الإنسان، ويصرّون مع ذلك على قبول أن يوصفوا بالأوغاد والحقراء والدجّالين وأسياد الشّعوذة، كي تضيعَ البوصلة عن كلِّ النّاس، وكي تبقى غيرَ قادر على أن يفهم أحد في العالم قضيّتك.. فمن أنت؟!

وعندما يتمّ تصويرك وحدك عدوّا للدّيمقراطية، وعدوّا لحقوق الإنسان، وعدوّا للسّامية، وصانعا للإرهاب، ومحاربا لله وللإنسان، ومدمّرا للأرض وللسّماء، ويصرّون مع ذلك على أنّك لست أهلا للحضارات الّتي كنتَ مهدَها، وعلى أنّك تنكَّرْتَ لقيم العالم الّذي كنت مركزه.. فمن أنت؟!

وعندما تُخَصَّص تسعة أعشار اِجتماعات مجلس الأمن لإصدار قرارات لا تهدف إلاّ لإخماد أنفاسك كلّما رأوا صدرك يضجّ بالحياة من صميم الموت، ولا تجد منظّمات حقوق الإنسان المتهافتة على محنتك من كلّ حدب وصوب، شغلا لها تفعله سوى أشلاء أبنائك، ويعتبرون مع ذلك أنّهم يجتمعون لحماية الكون منك ومن جرائمك ومن كوارثك.. فمن أنت؟!

عندما تتحالف إيران الفارسية مع الشّيطان ضدّك، وعندما تستنفر تركيا كلّ شعوذتها العثمانية ضدّك، وعندما يتجمّع دجّالو الأديان وحملة أسفار السّماء توراة وإنجيلا وقرآنا ضدّك، ويحلفون بالله مع ذلك أنّهم يحرّرون الله من كفرك، والقرآن من إلحادك، والتّاريخ من دمويتك، والحضارة من بدائيتك الّتي لا يستطيعون إنكار أنّك كانت منارة نقلتها لكلّ البشرية.. فمن أنت ومن تكون؟!

عندما يرونك تموت، ويحسّون رغم ذلك بشهقاتك الأخيرة تزلزل كلَّ عروشهم، ويستيقظون مع ذلك فزعين كلّما رأوك في أحلامهم، تعود إلى سابق عهدك.. فمن أنت ومن تكون؟!

عندما يحدث كلّ ذلك، بل وأكثر منه بكثير، فاِعلم أنّك أنت “الهلال الخصيب”!!

ولك وللإنسانية وللتّاريخ وللجغرافيا وللماضي وللحاضر وللمستقبل كلُّ الفخر وكلّ الاِعتزاز بأنّك كنت وما تزال وستبقى الجزء الأهمّ من هذا الكون!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: