شريط الأخبار
الرئيسية | لحظة أخبار | لحظة ثقافية | آداب وفنون | منجي الفرحاني يكتب: ارتسامات متهتّكة على عتبات الرّداءة

منجي الفرحاني يكتب: ارتسامات متهتّكة على عتبات الرّداءة

14956512_10202263641948171_2178668802961698701_n

صوت تذويب السكّر في القهوة العربيّة بدا لي أكثر أناقة من وقع تذويبه في “اكسبراس” صديقي المصوّر على يميني..
______________________________________________________

منجي الفرحاني*

منجي الفرحاني*

دعوت أصدقائي المصوّر والرسّام والكاتب على فنجان قهوة في يوم ماطر كأنّ السّماء فيه تبكي على حالي بعد أن اشتدّت عليّ غربتي في الوطن وفي بعد الحبيب القريب وفي تفتّت الكبد منّي بين مدن تونسيّة منسيّة مرسومة وشما كالقبل على جبين أمّي وأخرى في بحر الشّمال تركت فيها ولدي يصارع أمواج الشّمال وحده ذات ثورة لن أتوب على عشقها مهما عبث حالها وعدت دونه علّي أبني حلما جميلا مع أبناء شعبي..

اختلط صوت الملاعق تذيب السكّر في فناجين القهوة بصوت فيروز تغنّي

“أنا عندي حنين ما بعرف لمين”
وصخب من في المقهى وخيوط المطر على الرّصيف وعلى أكياس الزّبالة وخطى المارّة على الرّصيف وصمت أصدقائي..
صوت تذويب السكّر في القهوة العربيّة بدا لي أكثر أناقة من وقع تذويبه في اكسبراس صديقي المصوّر على يميني..

بين أكياس الزّبالة على النّاحية المقابلة من الرّصيف يحتمي القطّ الشّريد ويراقب حذرا صورته على الرّصيف المبلّل تقلّده في كلّ في كلّ كبيرة وصغيرة يأتيها..
صاحبة العيون العربيّة العسليّة تمرّ أمامي على الرّصيف لا يراها غيري تحمل حقيبة السّفر وتنتظر رشفتي الأخيرة كي تراقصني كعادتها في قاع الحلم..
نعم أعترف أنّني أحنّ إلى تفاصيلها حتّى في قربها عندما يلاعب شعرها أناملي وتطبق أنفاسها على ملامحي في عينيها..

ها هو الشّيخ محدّب الظّهر والحظّ يمرّ مسرعا.. لم يتوقّف بعربته كعادته عند أكياس الزّبالة ليبحث فيها عن قوارير البلاستيك الخاوية.. أظنّه اقتنع بما جمع في عربته من رزق لعياله وقرّر أن يعود إليهم قبل أن تبلّل خيوط المطر خواطره..

سقطت من تحت إبط أحد المارّة الجريدة.. نظر إليها وهي ملقاة على ظهرها في بركة ماء على الرّصيف.. لعنها ثمّ تركها وواصل طريقه..
هي جريدة شروق الأمس على هذه العاصمة الكئيبة تبشّر قرّاءها بهيلاري كأوّل امرأة رئيس لأعظم دولة في هذا الزّمان الرّديئ ابن الفعلة والحال أنّ خصمها المعتوه المسمّى ترامب هو من فاز لاحقا بعد طبع السّبق الغبيّ للجريدة..
مرّ مجموعة من الشّباب.. قرؤوا الخبر.. امتزج ضحكهم السّاخر بعبث أرجلهم بوجه الجريدة قبل أن يجمع أحدهم أشلاءها ويلقيها بين أكياس الزّبالة..

التفتّ إلى أصدقائي ففاجأني المصوّر بصورة قطّ واسع العينين جريئ يطلّ من بين أكياس زبالة مبلّلة وأخرى لشيخ محدّب الظّهر يجرّ عربة على رصيف ممطر.. أمّا صديقي الرسّام فقد فاجأني بكاريكاتير لامرأة من السّلطة الرّابعة باعت روحها وجسدها لمن يدفع أكثر فاسودّ وجهها..
و أنت يا صديقي، ماذا كتبت؟
– كتبت عن التي تراقصها في الرّشفة الأخيرة من قهوتك العربيّة.. حرّرتكما من قاع الفنجان وصنعت لكما وطنا جميلا من خيوط ثورتنا التي قد تنتكس ولكنّها لا تموت أبدا..

القهوة اليوم معبّرة كالصّورة…

*منجي الفرحاني؛ مخرج وأديب وتشكيلي من تونس

(النّص من مجموعة: في مقهي العبث” للمنجي الفرحاني)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*