أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / مقال تحليلي للخطاب الثّالث لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ليلة السّبت 21 مارس 2020.. حول الخطّة الوطنيّة لحكومته لمجابهة أزمة كورونا

مقال تحليلي للخطاب الثّالث لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ليلة السّبت 21 مارس 2020.. حول الخطّة الوطنيّة لحكومته لمجابهة أزمة كورونا

Spread the love

هل أنّ خطّة الفخفاخ لمواجهة أزمة كورونا هي خطّة لإنقاذ النّاس أم لإنقاذ الاِقتصاد.. أم لحماية اللّوبيّات الاِقتصاديّة الكبرى…؟!

أهمّ الأفكار والعناوين بالمقال

ـ الفخفاخ لم يقدّم أيّ حلول عمليّة لتفادي اِحتمال موت مئات أو آلاف التّونسيّين من فيروس كورونا..!
ـ 80 بالمائة من خطاب إلياس الفخفاخ خصّص للأمور الاِقتصاديّة..!
مقابل 20 بالمائة فقط لجهود مقاومة خطر الاِنتشار الوبائي لعدوى فيروس كورونا..!
ـ الفخفاخ لم يهتمّ بفرض إجراءات اِستثنائيّة وتأمين موارد خاصّة لتوفير المستلزمات والتّجهيزات الطبيّة لمقاومة فيروس كورونا.. والتّرفيع حالاّ في عدد أسرّة الإنعاش وأجهزة التنفّس الاِصطناعي الّتي ستحدّد بمفردها نسب الوفيّات..!!
ـ الاِكتفاء بتخصيص مبلغ 150 مليون دينار لمساعدة محدودي الدّخل والطّبقات الهشّة.. الّذين يبلغ عددهم الملايين..
مقابل تخصيص بين 1000 و2000 مليون دينار للشّركات الكبرى على حساب المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة..!
و300 مليون دينار لمساعدة من سيفقد عمله..
ـ الفخفاخ اَستغلّ فرصة الإجراءات الاِستثنائيّة لأزمة كورونا لتوزيع “هدايا” ماليّة على الطّبقة المحظوظة والمتنفّذة في تونس.. وإقرار عفو جبائي وديواني.. وجدولة الدّيون الجبائيّة على 7 سنوات.. وتعليق التتبعّات في الجرائم الماليّة وإعادة تقييم أصول الشّركات.. وكلّها لا علاقة لها بأضرار الأزمة..!
– ما أقرّه إلياس الفخفاخ فجأة دون موجب أو اِرتباط بالأزمة.. يعكس رغبته في ترضية تلك الطّبقة والنّخبة واللّوبيّات الفاعلة.. إمّا لردّ الجميل.. أو خدمة مسبقة لها لردّ المصعد مستقبلا.. أو اِستجابة لضغوطها واَتّقاء لشرّها..!
ـ عدم تبرير رئيس الحكومة لكيفيّة تعبئة الموارد الماليّة لتنفيذ الخطّة.. يثير شكوكا حول جديّتها وصحّة أرقامها والقدرة على تنفيذها كاملة..!
ـ رئيس الحكومة أعلن “الحرب على الكورونا”.. ثمّ ظهر في حربه وحيدا.. وكأنّه قائد جيش بدون رؤساء أركان وبدون جنرالات بارزين يخوضون معه المعركة..!
ـ طلب الفخفاخ تفعيل الفصل 70 من الدّستور لأخذ سلطات مجلس النوّاب.. يتضارب مع تفعيل رئيس الجمهوريّة للفصل 80.. ويثير الشّكوك حول الغاية منه..!
– العاقل لا يضع كلّ البيض ومصير دولة وشعب كامل في سلّة رجل واحد.. ويعطي إلياس الفخفاخ السّلطة التّشريعية إضافة إلى السّلطة التّنفيذية.. دون أن تتاح الفرصة لمعرفة واَختبار قدرته على رئاسة الحكومة.. وإدارة الأزمة..!

رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ابتدأ خطابه بمقدّمة صغيرة.. حاول فيها وضع أزمة فيروس كورنا في إطارها الوطني والعالمي.. بالتّأكيد على أنّها غير مسبوقة في العالم.. وفي تونس.. وهو أمر صحيح تماما..
وقال بأنّه على تونس التّعويل على نفسها في مواجهة هذه الأزمة.. لأنّ كلّ الدّول الآن مشغولة في نفسها.. وهو صحيح أيضا..
الفخفاخ.. وتوازيا مع بذل الجهد لإعطاء اِنطباع إيجابيّ للشّعب التّونسي.. وتشجيعهم.. وبثّ الأمل فيهم.. وطمأنة مخاوفهم.. عبر تكرار عدّة عبارات وكلمات في الخصوص.. والإصرار على الثّقة في الاِنتصار..
حاول في المقابل أن ينفي عن نفسه الاِتّهامات الّتي وجّهت إليه من كونه أعلى الجانب الاِقتصادي والمالي على الجانب الصحّي والإنساني في التّعامل مع أزمة كورونا في تونس..!
غير أنّ الجميع يعرف تماما بأنّ الفخفاخ تردّد في الكثير من القرارات الجريئة.. لحرصه على الجانب الاِقتصادي والمالي..!
وهو أمر يؤكّده حتّى بعض أعضاء الحكومة في تصريحاتهم الخاصّة.. ويؤكّده الإطار الطبّي والمختصّون في مقاومة فيروس كورونا في وزارة الصحّة.. والّذين أكّدوا توصيتهم مبكّرا بضرورة الإسراع بغلق الحدود.. ووقف رحلات الطّيران من البلدان الموبوءة.. وخاصّة إيطاليا وفرنسا.. والتّخفيف من النّشاط الاِجتماعي داخل البلاد إلى أدنى حدّ ممكن..
لكنّ الفخفاخ لم يغلق الحدود في الوقت المناسب.. إلاّ عندما أعلن الاِتّحاد الأوروبّي نفسه غلق حدوده.. رغم أنّ إيطاليا المجاورة أصبحت بؤرة كبيرة لعدوى الفيروس.. وكذلك فرنسا وبقيّة البلدان الأوروبيّة..!
كما أنّ الفخفاخ تأخّر في البداية في فرض تقييدات على الحركة والنّشاط العامّ والتجمّعات.. وأنّ البلديّات سبقته في إصدار قرارات تقرّ ذلك..
تماما كما أنّ المجلس الأعلى للقضاء أعلن حالة القوّة القاهرة بمفرده بعد أن تلكّأت الحكومة في ذلك.. وعلّق مجلس القضاء بمفرده جميع إجراءات التّقاضي والآجال القانونيّة..
وكذلك فعل البنك المركزي التّونسي تلقائيّا باِستباق عدّة قرارات في القطاع المالي والبنكي.. دون اَنتظار الحكومة الّتي تأخّرت..

تضمّن خطاب رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ عددا من الإجرءات شملت أساسا الجانب الصحّي والاِجتماعي والاِقتصادي..
ولا شكّ أنّ الكثير منها كان إيجابيّا.. ومفيدا.. إن وقع تطبيقه وتفعيله حقّا..
وقد أعلن الفخفاخ أنّ حزمة الإجرءات ستكلّف الدّولة 2500 مليون دينار.. دون أن يوضحّ كيف ستوفّر الدّولة تلك الاِعتمادات الضّخمة.. ومتى..؟
ويطرح التّساؤل نفسه باِعتبار أنّ الفخفاخ كان أعلن سابقا وأنّ موارد الدّولة ضعيفة.. داعيا الشّعب التّونسي ورجال الأعمال والشّركات إلى التبرّع عبر إحداث صندوق 1818 للغرض..
كما أنّ مداخيل الدّولة ستنقص بطبيعتها نتيجة الشّلل الحاصل بالنّشاط الاِقتصادي والمالي والتّجاري.. ونتيجة الاجراءات المعلن عنها بتعليق خلاص الكثير من المعاليم عن خدمات المرافق العامّة.. وتأجيل دفع الجباية ومساهمات الصّندوق الوطني للضّمان الاِجتماعي.. وإعادة جدولة الكثير من الدّيون لفائدة الدّولة على فترة 7 سنوات كاملة.. والتّنازل عن مستحقّات من أموال الدّولة نتيجة العفو الجبائي والدّيواني الّذي ينوي إقراره..

رئيس الحكومة لم يعلن أيضا عن نيّته إقرار.. أو التّفاوض في شأن.. تأجيل دفع بعض أقساط القروض الأجنبيّة الحالّة في الفترة القادمة.. أو التّفاوض في إعادة جدولتها مع الجهات المقرضة.. لتوفير السّيولة الماليّة اللاّزمة لتنفيذ خطّته الطّارئة..
ولم يشر الفخفاخ مثلا إلى إمكانيّة اِستغلال اِنخفاض دعم الدّولة لأسعار المحروقات بالنّظر إلى اَنخفاض أسعار النّفط في السّوق العالميّة في الفترة الفائتة..
وإنّ عدم إعلان رئيس الحكومة عن طرق تعبئة الموارد الماليّة اللاّزمة لتمويل حزمة إجراءاته السخيّة.. يطرح تساؤلات جديّة عن مدى تفعيلها ونيّته الاِلتزام بها.. وإمكانيّة تطبيقها على أرض الواقع.. خاصّة بالنّظر إلى الوضع الاِقتصادي والمالي المتأزّم بطبيعته في تونس منذ ما قبل أزمة الكورونا..!
وكان رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد قد ألمح في كلمته يوم عيد الاِستقلال بإعلانه الإجراءات الاِستثنائيّة الجديدة.. إلى إمكانيّة إعادة جدولة دفع بعض أقساط القروض الأجنبيّة.. وترك للحكومة أن تبادر بذلك.. لكنّ إلياس الفخفاخ لم يفعل.. ولم يبادر.. ولم يعلن حتّى تفكيره أو نيّته في ذلك..

الملاحظة الأولى والكبرى هي أنّ 20 بالمائة فقط من خطاب رئيس الحكومة اِهتمّ بجوهر الأزمة الحاليّة.. وهو خطر اَنتشار وبائي كارثي لعدوى فيروس كورونا على نطاق واسع.. وأقلّ من 20 بالمائة من القرارات كانت موجّهة بالفعل لدعم الجهود الطبيّة والصحيّة..!
مقابل 80 بالمائة من الخطاب والحديث والقرارات موجّهة للنّواحي الاِجتماعيّة والاِقتصاديّة للأزمة.!
في حين أنّ المشكل الأكبر اليوم هو في طرق الوقاية من الفيروس ومعالجة تأثيراته الصحيّة أمام بداية الاِنتشار وتعدّد بؤر العدوى.. وأمام السّيناريوهات الكارثيّة الّتي تعيشها الدّول الأخرى.. وضعف البنية الأساسيّة الاِستشفائيّة والصحيّة في تونس.. وعجزها عن مقاومة ضغط علاج عدد كبير من المرضى بمضاعفات التّعقيدات الخطيرة المحتملة للإصابة بالفيروس..

رئيس الحكومة الّذي أعلن بأنّ البلاد في حالة تشبه حالة الحرب.. وأنّ الحكومة ستخوض المواجهة كما لو كانت تخوض حربا.. وأنّها ستنتصر.. لم يتحدّث عن المعركة الأبرز والأكبر والأخطر في الحرب.. وهي ضرورة توفير أقصى ما يمكن من تجهيزات ومواد وأدوية وفضاءات ومؤسّسات وموارد طبيّة بشريّة وماديّة.. بأكبر قدر ممكن.. في أقصر وقت ممكن..!
كما أنّ رئيس الحكومة لم يعلن في خطابه وبوضوح تخصيص مبالغ محدّدة لاِعتمادات ماليّة ضخمة واَستثنائيّة للقطاع الصحّي والطبّي بمفرده.
غير أنّ الفخفاخ أعلن في المقابل خطّة لإجراء 10 آلاف اِختبار مخبري للتثبّت في مدى اَنتشار عدوى فيروس كورونا.. لمعرفة التوجّهات الكبرى المحتملة ومدى اَنتشار المرض كما قال.. وهي مبادرة إيجابيّة.. خصوصا وأنّه من المشاكل الكبرى اليوم في خطّة محاصرة العدوى واَكتشاف الحالات الإيجابيّة.. هو ضعف عدد الاِختبارات نتيجة ضعف الإمكانيّات.. وإجرائها في حدود معدّل 70 اِختبار يوميّا.. وهو رقم ضعيف للغاية.. ربّما يفسّر بمفرده الأرقام الدّنيا طوال أسابيع للحالات المؤكّدة المعلن عنها رسميّا..!

رئيس الحكومة لم يقدّم في خطابه حلولا واضحة تتعلّق بإمكانيّات الحكومة الّتي تتجاوز اِعتمادات وزارة الصحّة.. في ما يخصّ الزّيادة في أقرب وقت.. خاصّة في عدد أسرّة الإنعاش وأجهزة التنفّس الاِصطناعي.. والّتي ستحدّد بمفردها وأساسا نسبة الوفيّات..
ـ رئيس الحكومة لم يعط حلولا واضحة وملموسة.. في ما يخصّ فشل تجربة “الحجر الذّاتي” للمشتبه في إصابتهم بالفيروس.. والّتي تسبّبت في بداية اِتّساع اِنتشار العدوى ببلادنا.. وتهدّد بالمزيد..
ـ رئيس الحكومة لم يبيّن لماذا لم تفعّل الدّولة حتّى الآن ضرورة تخصيص وحدات اِستشفائيّة مختصّة فقط بمرضى الكورونا في كلّ ولاية أو منطقة بين عدّة ولايات.. لإيواء المصابين الّذين ثبتت إصابتهم بالفيروس عبر التّحاليل المخبريّة.. لأنّ بقاءهم في الحجر الصحّي ببيوتهم ليس مضمونا لعدم القدرة أو لفقدان المهارة في تطبيق قواعد العزل وتوقّي العدوى.. واَحتمال نقلها إلى أفراد العائلة حتّى ولو اِلتزم المريض بالحجر في البيت.
ـ رئيس الحكومة لم يقدّم تفسيرا لغياب الكثير من تجهيزات الوقاية الطبيّة من اِنتقال عدوى الفيروس عن المستشفيات والإطار الطبّي وشبه الطبّي.. بما جعل الكثير منها يرفض اَستقبال حالات فيروس كورونا أو التّعامل معها.. ولم يقدّم إجراءات عمليّة أو تاريخا ثابتا لتوفيرها..
ـ رئيس الحكومة لم يقدّم خطّة واضحة لتوفير عدد أكبر من سيّارات الإسعاف المجهّزة والطّواقم الطبيّة المدرّبة للتّقليل من الزّمن اللاّزم لتدخّل فرق النّجدة الخاصّة بحالات كورونا (الرّقم 190).. والّتي تعاني تأخيرا كبيرا في الاِستجابة إلى الطّلبات والتدخّل تصل إلى ساعات.. وأحيانا إلى عدّة أيّام بشهادة الجميع..
ـ رئيس الحكومة لم يقدّم قرارات صارمة في ما يخصّ تطبيق الحجر الصحّي العام والشّامل.. والّذي بقي في الكثير من الأحيان حبرا على ورق.. وبقيت حالة الشّارع شبه عاديّة.. مع حالة فلتان خطيرة وصلت إلى مواصلة التّلاصق والتّزاحم بالنّقل العمومي والأسواق وتنظيم حفلات الأعراس والتجمّع بالمقاهي وغيرها..
ـ رئيس الحكومة لم يعلن عن خطّة اِستثنائيّة لضمّ بعض المصحّات الخاصّة المنتشرة في عديد ولايات الجمهوريّة إلى المجهود الوطني الصحّي لمجابهة تزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا.. وتوفير الاِعتمادات الماليّة لذلك.. وبدأ إعدادها من الآن لتقبّل المرضى المصابين..

إنّ إعلان الفخفاخ بأنّ الإجراءات ستجعل 1.5 مليون مواطن فقط يعملون لتوفير حاجيات 10 مليون مواطن.. تتعارض في الواقع مع قائمة قطاعات الأنشطة الّتي ستواصل عملها في فترة الحجر الصحّي العام.. والمعلن عنها رسميّا من الحكومة.. والّتي تشمل على الأغلب.. وعلى الأقلّ نظريّا.. في ما عدا حالات الغياب.. ما بين 2 و4 مليون مواطن في القطاعين العامّ والخاصّ.. سيواصلون نشاطهم اليومي المعتاد.!
بل أنّه حتّى الإجراء المعلن عنه من الفخفاخ بتأجيل دفع الأداءات لمدّة 3 أشهر.. قال أنّه سيبتدأ من غرّة أفريل.. بما يعني أنّه على الشّركات والمؤسّسات إيداع تصاريحها الجبائيّة قي الأجل الطّبيعي أي 28 مارس القادم.. وهو ما يتعارض تماما مع الحجر الصحّي العام المعلن عنه من قبله.. باِعتبار أنّ إيداع التّصاريح الجبائيّة سيستلزم عمل المؤسّسات والشّركات الأيّام القادمة لضبط حساباتها وإعدادا تصاريحها وتجهيز المال اللاّزمه للدّفع.. ويستلزم للكثير منها الاِستعانة بخدمات محاسبين وشركات محاسبة وغيرها.. إضافة إلى الايداع بشبابيك القباضات الماليّة الّتي يعرف الجميع شكل الاِزدحام فيها مع حلول أجل التّصريح في كلّ شهر..!

أليست المعركة في الأساس معركة الوقاية من الكورونا والباقي هو تفاصيل للآثار الاِقتصاديّة والماليّة الجانبيّة للحجر الصحّي..؟!
أم أنّ النّواحي الاِقتصاديّة والماليّة هي جوهر الموضوع.. والوضع الطبّي وطرق الوقاية واَنتشار العدوى وعدد الوفيّات هي مجرّد تفاصيل جانبيّة..؟!

في الوقت الّذي يعلن فيه رئيس الحكومة “الحرب على الكورونا”.. فإنّنا لم نلمس فعلا أنّ كلّ الحكومة تشارك بالحرب..!
فالملاحظ أنّه في ما عدا وزير الصحّة بحكم الاِختصاص.. فإنّ أغلب وزراء الحكومة لم يظهروا في المدّة الأخيرة.. ولم يكن لهم دورا يذكر في المجهود الحكومي العام لمجابهة الأزمة خارج اَختصاص وزاراتهم..
كما أنّنا لم نلحظ أنّ إلياس الفخفاخ يقود الحكومة كحكومة حرب فعلا.. أو أنّه كلّف الوزراء بمهام اِستثنائيّة كبرى في نطاق توزيع المهام.. ودعم الجهود.. خارج نطاق وزاراتهم..!
مثلا كنّا نلاحظ في عهود بورقيبة وبن علي.. في أوقات الكوارث الكبرى مثل الفيضانات.. بأنّ الوزراء ينتشرون في مختلف الولايات لتمثيل الدّولة.. وحشد صفوف السّلط الجهويّة وتحفيزهم ومراقبة وتشجيع عملهم.. بقطع النّظر عن المهامّ الفنيّة لوزاراتهم.. باِعتبار أنّ الوضع اَستثنائي..
لكنّ ذلك لم يحدث حتّى اليوم..!
بل أنّ المعلومات تفيد بأنّ رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ اَختار العمل مع فريق عمل مصغّر جدّا من مستشاريه المقرّبين الّذين جاء بهم معه إلى القصبة.. وأنّه لا يستعين كثيرا بكبار المسؤولين والمديرين في الحكومة.. ولا ببقيّة الوزراء..
وأنّ مستشارين برتبة وزراء لدى رئيس الحكومة معيّنين من قبله في حكومته المصادق عليها من البرلمان.. لم يقم بالاِستعانة بهم في أيّ مهامّ حتّى اليوم.. رغم اَستلام مهامّهم وأجورهم رسميّا..!
وقد بدا رئيس الحكومة في حربه المعلنة من قبله.. كقائد جيش بدون رؤساء أركان وبدون جنرالات بارزين يخوضون معه المعركة..
ولم يربح قائد عسكريّ حربا في التّاريخ.. بدون مجموعة من الجنرالات والضبّاط والقادة معه..!

قبل الخوض في الإجراءات الاِقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة.. لعلّ أبرز ما جاء بخطاب إلياس الفخفاخ.. وإن كان أخذ حيّز سطرين فقط في كلمته.. هو إعلانه بأنّه “سيتوجّه إلى مجلس نوّاب الشّعب لتمكين الحكومة من إصدار مراسيم لاِتّخاذ التّدابير المستعجلة لمواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة ببلادنا”.. كما قال حرفيّا.. وذلك طبق الفصل 70 من الدّستور..!!
ويثير ذلك ملاحظة أوّلية قانونيّة ودستوريّة.. إذ ينصّ الفصل 70 على ما يلي:
“يمكن لمجلس نوّاب الشّعب بثلاثة أخماس أعضائه أن يفوّض بقانون لمدّة محدودة لا تتجاوز الشّهرين ولغرض معيّن إلى رئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون تُعرَض حال اَنقضاء المدّة المذكورة على مصادقة المجلس.
يستثنى النّظام الاِنتخابي من مجال المراسيم”.
ويستلزم ذلك مصادقة 130 نائبا على تفويض رئيس الحكومة لممارسة سلطات السّلطة التّشريعيّة وتعويض مجلس النوّاب.. إضافة إلى ممارسته السّلطة التّنفيذيّة..
لكنّ طلب هذا التفويض يتعارض واقعيّا ودستوريّا مع إجراء دستوريّ آخر اتّخذه رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بصفة مسبقة.. وهو اتّخاذ تدابير استثنائيّة طبق الفصل 80 من الدّستور الّذي ينصّ على أنّه:
“لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو اِستقلالها، يتعذّر معه السّير العادي لدواليب الدّولة، أن يتّخذ التّدابير الّتي تحتّمها تلك الحالة الاِستثنائية، وذلك بعد اَستشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نوّاب الشّعب وإعلام رئيس المحكمة الدّستورية، ويُعلِنُ عن التّدابير في بيان إلى الشّعب.
ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نوّاب الشّعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضدّ الحكومة”.
وينصّ الفصل في هذه الحالة على أنّه “ويُعتبر مجلس نوّاب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة”..
أيّ أنّ الفصل 80 يشترط ويوجب أن يبقى مجلس النوّاب قائما.. وبالتّالي فإنّه يتعارض مع تطبيق الفصل 70 من الدّستور الّذي يرغب فيه الفخفاخ.. لكون ذلك سيؤدّي إلى اَنتقال سلطات التّشريع من مجلس النواب إلى رئيس الحكومة.. بشكل لن يبقى معه مجلس النوّاب قائما..

من ناحية أخرى تبدو رغبة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في الاستحواذ على سلطات مجلس نواب الشعب غير مبرّرة واقعا وقانونا.. فحتّى الإجراءات الاستثنائيّة لا تبرّر ذلك.. باعتبار المجلس لا يزال ناشطا.. ولا وجود حتّى اليوم لخطر بالغ يهدّد أداء عمله..!
كما أنّ رئيس الحكومة يملك بين يديه فعليّا وبالدستور.. أغلب السلطات والصلاحيّات والتي يحتاجها لتطبيق حزمة إجراءاته.. والتصرّف بالطريقة اللاّزمة لممارسة العمل الحكومي المطلوب في مواجهة أزمة كورونا..!
إلاّ إذا كان الفخفاخ يريد أن يقطع الطريق على معارضة مجلس نواب الشعب بعض الإجراءات المثيرة للجدل التي جاءت بها خطّته.. والتي لا علاقة لها بجبر الآثار السلبيّة لأزمة كورونا.. وإنّما تستغلّ الفرصة لدسّ بعض الإجراءات “المريبة” لفائدة الكثير من الجهات النافذة واللوبيّات الاقتصاديّة والشخصيّات المؤثّرة والمجمّعات الاقتصاديّة الكبرى..!!

علما وأنّ تركيز كلّ السّلطات التّنفيذيّة والتشريعيّة في يد شخص مستجّد برئاسة الحكومة مثل إلياس الفخفاخ.. لا تاريخ سياسي طويل أو مهمّ له.. ولم يمارس مهامّا قياديّة كبرى سابقا.. ولا أحد يعرف بالتّالي قدراته الحقيقيّة على إدارة الحكومة وتسيير الدّولة في الأوقات العاديّة.. ناهيك عن مواجهة أزمة صحيّة وإنسانيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وربّما مستقبلا أمنيّة.. عاصفة وغير مسبوقة في تاريخ تونس منذ الاستقلال.. تبدو مغامرة غير محسوبة العواقب.. وقد تؤدّي لنتائج كارثيّة.. خصوصا وأنّ الرجل أبدى إلى حدّ الآن صعوبات جمّة في التعامل مع الأزمة بمهارة واقتدار ورباطة جأش.. وبأسلوب قياديّ قويّ وسلس..!
والعاقل لا يضع كلّ البيض ومصير دولة وشعب كامل في سلّة رجل واحد قفز فجأة إلى السّلطة بطريقة غير مستحقّة بعد أن فشل في الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة..!

القرارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي أخذها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ استحوذت على 80 بالمائة من خطابه في الواقع.. من حيث الحيّز الزمني ومن حيث القيمة الماليّة..
ونظريّا فإنّ الكثير من القرارات كانت إيجابيّة.. وعمليّا لا يعرف مدى القدرة على تفعيلها وتنفيذها وإنجاحها على أرض الواقع.. كما أنّ الكثير منها يستلزم التمعّن في خفاياه..
بالإضافة إلى إعلان نيّته لبحث إجراءات إقرار تعليق دفع فواتير استخلاص الماء والكهرباء والغاز والهاتف ونحوه.. لمدّة شهرين.. فقد وعد الفخفاخ بتأمين وصول الغذاء إلى كلّ مواطن.. ومحاولة عدم فقدان أيّ شخص لموطن شغل.. أو إفلاس أيّ مؤسّسة.. وهو تحدّ عال جدّا.. يعتقد الفخفاخ بأنّ تخصيص التمويلات اللاّزمة (إن كان المعلن عنه فعلا كافيا) قادر على ضمانه.. ولا يعرف هل أنّ الإدارة والظرف العام.. والحجر الصحّي العام.. تسمح كلّها بتطبيق مقتضيات ذلك الآن..؟!
مثلا.. الجميع يعرف بأنّ ملايين التونسيّين يشتغلون بطريقة تمكنّهم من الحصول على دخلهم المالي فقط من العمل كلّ يوم..
وأنّ توقّفهم عن العمل.. يعني وجوبا توقّف مداخيلهم وتعطّل موارد رزقهم.. بما سيتعذّر معه قدرتهم على إعالة أنفسهم وعائلاتهم.. من عمّال الحظائر والبنّائين والشغّالين والفلاّحين والحرفيّين.. إلى أصحاب المهن الحرّة والتقنيّين وغيرهم الكثير..

وأعلن رئيس الحكومة تخصيص اعتمادات مالية استثنائية بقيمة 150 مليون دينار لفائدة الفئات الهشّة ومحدودي الدخل والفئات ذات الاحتياجات الخاصّة.. قال أنّها ستعطى في شكل منح.. وأنّ وزارة الشؤون الاجتماعية ستصدر التوضيحات اللاّزمة في هذا المجال..
وهو من ناحية المبدأ إجراء جيّد إن طبّق بفاعليّة.. لكنّ المبلغ يبدو صغيرا جدّا بالنّظر إلى اتّساع شريحة المشمولين به.. وعددهم الكبير الذي قد يشمل الملايين.. لمدّة غير معلومة قد تبلغ أسابيع أو أشهر..
غير أنّه لا يعرف كيف ستعمل الحكومة على صرف مبالغ ماليّة لفائدتهم.. وطبق أيّ معايير.. وبأيّ قاعدة بيانات.. وكيف ستفعل من الناحية اللوجستيّة لتوزيع المال أو الغذاء..؟
كما قرّر الفخفاخ تخصيص خطّ تمويل بقيمة 300 مليون دينار كمساعدات لفائدة العمّال المحالين على البطالة الفنية.. وهو إجراء ممتاز.. باعتبار أنّ القطاع الخاصّ سيضطرّ إلى تسريح الكثير من العملة والموظّفين بالنّظر إلى عدم اِمتلاكه الموارد الماليّة الكافية لخلاص أجورهم بدون نشاط أو إنتاج لفترة طويلة..
وأعلن الفخفاخ تأجيل خلاص أقساط القروض البنكية لمدّة 6 أشهر بالنسبة للأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري ألف دينار.. وهو إجراء وإن كان جيّدا لهذه الفئة.. لكنّه محدود ولا يشمل فئات أخرى بالنّظر إلى السقف الماليّ المتدّني للأجور التي ستتمتّع بها..

بعمليّة حسابيّة بسيطة.. فإنّ الاعتمادات المخصّصة للأفراد من ضعاف ومتوسّطي الدخل والأجراء هي في حدود 450 مليون دينار فقط لا غير.. وهو مبلغ ضعيف جدّا مقارنة بالعدد الكبير من المواطنين المشمولين بهذه القرارات والذي قد يبلغ الملايين بطريقة مباشرة وغير مباشرة..!
في المقابل.. فإنّ ما بين 1000 و 2000 مليون دينار ستوجّه أساسا إلى المجمّعات الاقتصاديّة والشركات والمؤسّسات.. والتي تعدّ بعشرات اللآلاف لا غير..!
وهو ما يجعل المستفيد الأوّل.. وبالنّصيب الأوفر.. من إجراءات الفخفاخ على الأغلب هي شريحة محدودة العدد.. وليس عامّة الشعب.. !

في المقابل.. فإنّ إلياس الفخفاخ خصّص 500 مليون دينار لدعم المخزون الوطني من الغذاء والدواء والمحروقات.. وهو مبلغ لا يشكّل مبدئيّا هبة أو دعما يمكن احتسابها في خانة النفقات.. باعتباره مجرّد مخزون احتياطي سيقع بيعه للمواطنين لاحقا..
كما أنّ الفخفاخ وضع خطّ ضمان بقيمة 500 مليون دينار لتمكين المؤسّسات من قروض جديدة للتصرّف والأشغال.. وهو مبدئيّا ليس تمويلا مباشرا.. أو صندوق مالي على ذمّة الشركات أو البنوك المقرضة.. ولكنّه مجرّد ضمان من الدولة لفائدة الشركات لدى البنوك.. بحيث لا تضطرّ الدولة لصرف المال إلاّ إذا أخلّ المدين بالدّفع.. فتحلّ الدولة محلّه لدى البنك في تسديد القرض الذي ضمنت فيه.. وبالتالي فإنّ المبلغ مبدئيّا هو افتراضيّ ولا يعدّ نفقات..!

كما أقرّ الفخفاخ تأجيل خلاص أقساط الديون البنكية والمؤسّسات المالية لمدة 6 أشهر.. وهو إجراء معقول بالنّظر إلى صعوبة المرحلة والشلل الاقتصادي.. وإن كان البنك المركزي قد سبقه بالمبادرة إلى دعوة البنوك إلى ذلك..
وبالتالي في الإجمال.. فإنّ مبلغ 1000 مليار من الألفين المعلن عنها من الفخفاخ.. ليس في الحقيقة سوى اعتمادات افتراضيّة مؤقّتة ومؤجّلة.. وليست نفقات ماليّة حالّة ومباشرة.. وبالتالي فإنّ إدخال قيمتها في مبلغ القيمة الماليّة الجمليّة لحزمة الإجراءات المعلن عنه.. هو محاولة سياسيّة لتضخيم قيمتها ليس أكثر..!

تبقى الملاحظة البارزة أنّ إلياس الفخفاخ لم يذكر أيّ إجراءات خاصّة لفائدة الفلاّحين أو في مجال الفلاحة.. برغم أنّ هذا القطاع بالذّات هو صاحب قيمة إضافيّة كبيرة.. سواء في توفير الغذاء للتونسيّين.. أو العائد من التصدير.. وقد سبق وأن حقّق للدولة مداخيل ضخمة تفوق بكثير ما قدّمته قطاعات أخرى تحظى بدعم أضخم بكثير من الفلاحة مثل السياحة..!

في المقابل.. فإنّ الإجراءات التي ستشمل الشركات.. يمكن منطقيّا أن تشمل الشركات الفلاحيّة.. لكنّ الجميع يعرف أنّ الغالبيّة العظمى من صغار ومتوسّطي الفلاّحين ينشطون بصفة فرديّة وليس في شكل شركات..
بما يعطي الانطباع بأنّ فئة كبار الفلاّحين فقط من يمكنها التمتّع بالامتيازات والدّعم..!

إجراءات استثنائيّة أخرى أقرّها الفخفاخ.. منها تمكين دافعي الضرائب من استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة في أجل أقصاه شهر.. وهو إجراء ممتاز.. سيحلّ مشاكل السيولة الماليّة للكثير من الشركات التي ستعاني في الأيّام القادمة..
ويحلّ في الأصل مشكلة قديمة تعاني منها المؤسّسات.. وهي بطء استرجاع الفائض في الأداء على القيمة المضافة الذي تدين به الدولة لهم.. بما يجعل العمليّة واقعيّا افتراضيّة وشبه مستحيلة التحصيل..
غير أن سرعة هذا الإجراء.. مع محدوديّة عمل إدارة الجباية في الفترة القادمة ونقص الموارد البشريّة بالنّظر إلى الأزمة.. قد يؤدّي إلى الكثير من التجاوزات.. ومنها إمكانيّة تلاعب الشركات واسترجاع مبالغ ماليّة غير مبرّرة ولا قانونيّة ولا مستحقّة محاسبيّا فعلا..
ذلك أنّ مثل هذه الطلبات كانت إدارة الجباية تتمعّن فيها سابقا.. وتراقب محاسبة الطالب لتمتيعه بها.. بعد التأكّد من صحّة اِستحقاق الفائض في الأداء.. لكنّ السرعة اليوم قد تجعل الإدارة عاجزة عن إجراء رقابتها بالشكل المناسب..!

لعلّ أهمّ إجراء من الناحية الماليّة كان بالتأكيد إحداث صناديق استثمارية بمبلغ جملي قدره 700 م د لهيكلة ورسملة المؤسّسات المتضرّرة.. وهو إجراء يفترض من طبيعته أن لا يشمل المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة.. وإنّما يشمل فقط المؤسّسات الكبرى..
ضخامة المبلغ.. أمام محدوديّة عدد المؤسّسات الكبرى التي يمكن أن تتمتّع به.. يجعل فائدة هذه الصناديق ستكون لصالح طبقة متميّزة من المجموعات الاقتصاديّة الضخمة وكبار رجال الأعمال النافذين في تونس.. والذين يتمتّعون بطبيعتهم بالكثير من الامتيازات والإجراءات التفاضليّة..
يعكس ذلك اتّجاه نيّة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ إلى إرضاء المجموعات والشخصيّات الاقتصاديّة الكبرى بتونس.. والتي تهيمن بطبيعتها على الاقتصاد الوطني منذ عقود.. وتستأثر مثلا بالنسبة الغالبة من القروض البنكيّة الضخمة.. ومن امتيازات الدّولة..!
وتتجسّد هذه النزعة “لتفريق الهدايا” على الطبقة “المفضّلة” أكثر بإجراء آخر غريب.. وهو تمكين الشركات من إعادة تقييم العقارات المبنية وغير المبنية المضمّنة بموازنتها حسب قيمتها الحقيقية.. وهو إجراء سيمكّن أوّلا من تضخيم قيمة أصول الشركات فجأة بشكل ضخم.. وسيحرم الدّولة من مداخيل ماليّة هامّة..!
ويكمن وجه الغرابة في كون هذا الإجراء يبدو مسقطا ولا علاقة له أبدا بالأزمة الحاليّة لا من قريب ولا من بعيد.. ولا يستجيب لاستراتيجيّة جبر ضرر الشركات بفعل أزمة كورونا.. وإنّما يستجيب لمصالح ماليّة اقتصاديّة معيّنة..!
ويتأكّد ذلك أكثر بإعلان الفخفاخ عن النيّة لإقرار عفو جبائي وديواني لفائدة المطالبين بالأداءات المتخلدّة بذمّتهم.. والذي لا يدخل بدوره بتاتا في جبر ضرر المؤسّسات جرّاء أزمة كورونا.. ويعطي هديّة ثمينة جدّا لجميع “المتهرّبين” من الضرائب.. وأيضا لمرتكبي المخالفات الديوانيّة والتي من بينها أساسا التحايل في التصريحات الديوانيّة لعدم دفع المعاليم المستوجبة.. ومخالفات الصّرف.. ويدخل فيها أيضا المخالفات والجرائم الديوانيّة لجماعات السّوق الموازي والتهريب عبر الحدود المعروفة باسم “الكونترا”..!
وتنتهي التورتة الكبيرة المهداة.. بإعادة جدولة الدّيون الجبائيّة على مدّة 7 سنوات كاملة.. وهي مدّة طويلة..!
لا شكّ أنّ القيمية الحقيقيّة لسلّة الإجراءات الثلاثة المذكورة.. وإن كان يصعب تقدير قيمتها الماليّة بخلاف مبلغ الـ700 مليون دينار المذكور.. قد تتجاوز في مجملها بكثير مبلغ 1000 مليون دينار على الأقلّ.. وربّما تصل بمعيّة بقيّة القرارات الأخرى إلى ما قيمته 2000 مليون دينار..

في المجمل يمكن القول بأنّ حزمة الإجراءات الاقتصاديّة التي جاء بها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لم تكن في الواقع موجّهة أساسا لجبر ضرر الشركات الذي سيحصل نتيجة الشلل الاقتصادي بفعل أزمة كورونا.. وإنّما جاء ليقدّم لهم مجموعة من المنافع والامتيازات كهديّة في بعضها أكثر منها ضرورة..
كما أنّ أغلبها موجّه أساسا إلى الشركات الكبرى والمجموعات الاقتصاديّة العملاقة وإلى كبار رجال الأعمال.. وهم بطبيعتم من النخبة المحظوظة المتنفّذة التي تحتفظ بعلاقات تأثير على السّلطة عبر لوبيّات ووسائل مختلفة وعلاقات شخصيّة.. وكذلك عبر المال السياسي وتمويل الأحزاب والحملات الانتخابيّة..!

وإنّ ما أقرّه إلياس الفخفاخ فجأة دون موجب أو ارتباط بالأزمة.. يعكس رغبته في ترضية تلك الطبقة والنخبة واللوبيّات الفاعلة.. إمّا لردّ الجميل.. أو خدمة مسبقة لها لردّ المصعد مستقبلا.. أو استجابة لضغوطها واتّقاء لشرّها..!

وإنّ دعوة رئيس الحكومة المؤسّسات الخاصّة إلى مساعدة الدّولة ودعم جهودها بطريقة تطوعّية حتّى لا تضطرّ إلى الحصول على ما يلزمها بالقوّة.. والذي أعجب الكثير من عامّة الشعب باعتباره حزما ووطنيّة من رئيس الحكومة.. هو مجرّد لعب لدور البطولة شعبيّا.. للتغطية على أنّه قدّم لتلك الجهات الاقتصاديّة باليمين أضعاف النزر القليل الذي قد يأخذه منهم باليسار..!

يمكن تلخيص الوضع.. بأنّ رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لم يحدّد في خطّته لمجابهة أزمة فيروس كورونا إجراءات فعّالة تخصّ مقاومة الفيروس فعلا إلاّ بنسبة 20 بالمائة.. رغم أنّه يفترض أنّ ذلك أهمّ ما في الموضوع اليوم.. مقابل 80 بالمائة من الإجراءت للقطاع الاِقتصادي أساسا.. ونسبة ضعيفة منها للقطاع الاِجتماعي..!
وأنّ 80 بالمائة من تلك الإجراءات الاِجتماعيّة والاِقتصاديّة ستنتفع بها المؤسّسات الكبرى واللّوبيّات الفاعلة الّتي تملك بطبيعتها الموارد اللاّزمة إجمالا لمواجهة الأزمة.. على حساب المؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة الّتي يبلغ عددها بالفعل عشرات أضعاف المؤسّسات الكبرى.. وتوفّر مورد رزق لعدد أكبر بكثير من المواطنين..!
أمّا أغلب الشّعب المهمّش ومحدود الدّخل.. فلن يحصل من خطّة الفخفاخ إلاّ على نسبة صغيرة جدّا من حزمة المساعدات الماليّة الّتي أقرّها.. وربّما فقط ما يكفيهم للأكل لا غير خلال الأزمة.. رغم أنّ عددهم يبلغ الملايين..!