شريط الأخبار
الرئيسية | لحظة أخبار | أخبار دولية | مصر: وباء التّعذيب قد يشكّل جريمة ضدّ الإنسانية

مصر: وباء التّعذيب قد يشكّل جريمة ضدّ الإنسانية

مصر

قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير لها إنّ ضبّاط وعناصر الشّرطة و”قطاع الأمن الوطني” في مصر، في عهد الرّئيس عبد الفتّاح السّيسي، يعذّبون المعتقلين السّياسيين بشكل روتيني بأساليب تشمل الضّرب، الصّعق بالكهرباء، وضعيات مجهدة، وأحيانا الاِغتصاب.

قد يرقى التّعذيب الواسع النّطاق والمنهجي من قبل قوّات الأمن إلى جريمة ضدّ الإنسانية، وفقا للتّقرير الصّادر في 44 صفحة، “´هنا نفعل أشياء لا تصدق´: التّعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السّيسي”.  قالت هيومن رايتس ووتش إنّ النّيابة العامّة تتجاهل عادة شكاوى المحتجزين بشأن سوء المعاملة وتهدّدهم في بعض الأحيان بالتّعذيب، ممّا يخلق بيئة من الإفلات شبه التّام من العقاب.

قال جو ستورك، نائب المديرة التّنفيذية لقسم الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “أعطى الرّئيس السّيسي ضبّاط وعناصر الشّرطة والأمن الوطني الضّوء الأخضر لاِستخدام التّعذيب كلّما أرادوا. لم يترك الإفلات من العقاب على التّعذيب المنهجي أيّ أمل للمواطنين في تحقيق العدالة”.

يوثّق التّقرير كيف تستخدم قوّات الأمن، ولا سيما عناصر وضبّاط الأمن الوطني التّابع لوزارة الدّاخلية، التّعذيب لإرغام المشتبه بهم على الاِعتراف أو الإفصاح عن معلومات، أو لمعاقبتهم. اِنتشرت اِدّعاءات التّعذيب بشكل واسع منذ أن أطاح وزير الدّفاع آنذاك، السّيسي، بالرّئيس السّابق محمّد مرسي عام 2013، وبدأ هجوما واسعا على الحقوق الأساسية. لطالما كان التّعذيب متفشّيا في الأطر الأمنية والعدلية في مصر، كما أنّ الاِنتهاكات الواسعة من قبل قوّات الأمن ساعدت على اِنطلاق الثّورة في مختلف أنحاء البلاد عام 2011، الّتي أطاحت بالمخلوع حسني مبارك بعد قرابة 30 عاما في الحكم.

قابلت هيومن رايتس ووتش 19 معتقلا سابقا وأسرة معتقل آخر تعرّضوا للتّعذيب بين عامي 2014 و2016، فضلا عن محامي الدّفاع وحقوقيين مصريين. كما راجعت هيومن رايتس ووتش عشرات التّقارير عن التّعذيب الّتي أصدرتها المنظّمات الحقوقية ووسائل إعلام مصرية. مورست تقنيات التّعذيب الّتي وثّقتها هيومن رايتس ووتش في مراكز الشّرطة ومقرّات الأمن الوطني في جميع أنحاء البلاد، واِستخدمت أساليب متطابقة تقريبا، لسنوات عديدة.

بموجب القانون الدّولي، يُعتبر التّعذيب جريمة تخضع للولاية القضائية العالمية ويمكن مقاضاة مرتكبيه في أيّ بلد. على الدّول توقيف، والتّحقيق مع، أيّ شخص على ترابها يشتبه في تورّطه في التّعذيب، وأن تحاكمه أو تُرحّله لمواجهة العدالة.

منذ الاِنقلاب العسكري عام 2013، اِعتقلت السّلطات المصرية أو اِتهمت 60 ألف شخص على الأقلّ، وأخفت قسرا المئات لعدّة أشهر في وقت واحد، وأصدرت أحكاما أوّلية بالإعدام في حقّ مئات آخرين، وحاكمت آلاف المدنيين في محاكم عسكرية، وأنشأت ما لا يقلّ عن 19 سجنا وحبسا جديدا لاِحتواء هذا التدفّق. وكان الهدف الرّئيس لهذا القمع جماعة “الإخوان المسلمون”، أكبر حركة معارضة في البلاد.

وجدت هيومن رايتس ووتش أنّ وزارة الدّاخلية قد طوّرت سلسلة متكاملة لاِرتكاب الاِنتهاكات الخطيرة لجمع المعلومات عن المشتبه في كونهم معارضين وإعداد قضايا ضدّهم، غالبا ما تكون ملفّقة. ويبدأ ذلك عند الاِعتقال التعسّفي، ويتطوّر إلى التّعذيب، والاِستجواب خلال فترات الاِختفاء القسري، وينتهي بالتّقديم أمام أعضاء النّيابة العامّة الّذين كثيرا ما يضغطون على المشتبه بهم لتأكيد اِعترافاتهم، ويمتنعون بشكل كامل تقريبا عن التّحقيق في الاِنتهاكات.

قال معتقلون سابقون إنّ جلسات التّعذيب تبدأ باِستخدام عناصر الأمن بصعق المشتبه به بالكهرباء وهو معصوب العينين، عار، ومقيّد اليدين بينما يصفعونه، أو يلكمونه، أو يضربونه بالعصيّ والقضبان المعدنية. وإذا لم يمنح المشتبه به العناصر الإجابات الّتي يريدونها، فإنّهم يزيدون قوّة الصّعق بالكهرباء ومدّته، وتقريبا دائما ما يصعقون المشتبه به في أعضائه التّناسلية.

قال معتقلون إنّ العناصر يستخدمون نوعين من وضعيّات الإجهاد لإخضاع المشتبه بهم لألم شديد. في واحدة منها، يعلّقون المشتبه بهم فوق الأرض وأيديهم مرفوعة إلى الوراء، وهي وضعية غير طبيعية تسبّب ألما شديدا في الظّهر والكتفين، وتخلع أحيانا أكتافهم. في الثّانية، وتسمّى “الفرخة” أو “الشواية”، يضع العناصر ركبتي المشتبه فيهم وذراعيهم على الطّرفين المتقابلين للقضيب، بحيث يقع القضيب بين مفصل المرفقين والجزء الخلفي من الرّكبتين، ويربطون أيديهم معا فوق مقدّمة سيقانهم. وعندما يرفع الضبّاط القضيب ويعلّقون المشتبه بهم في الهواء، مثل دجاجة على سيخ الشّواء، يعاني هؤلاء من ألم شديد في الكتفين، الرّكبتين، والذّراعين.

يضع عناصر الأمن المعتقلين في وضعيات الإجهاد هذه لساعات كلّ مرّة، ويستمرّون في ضربهم، صعقهم بالكهرباء، واِستجوابهم.

قال “خالد”، وهو محاسب يبلغ من العمر 29 عاما، لـ “هيومن رايتس ووتش” إنّ عناصر الأمن الوطني في الإسكندرية اِعتقلوه في جانفي 2015، واِقتادوه إلى مديرية الأمن التّابعة لوزارة الدّاخلية بالمدينة. طلبوا منه أن يعترف بالمشاركة في إحراق متعمّد لسيّارات الشّرطة في العام السّابق. وعندما نفى خالد معرفة أيّ شيء عن الهجمات، جرّده أحد العناصر من ملابسه وبدأ يصعقه بأسلاك مكهربة. اِستمرّت عمليات التّعذيب والاِستجواب، والّتي شملت صعقا شديدا بالكهرباء ووضعيات إجهاد، لمدّة 6 أيّام تقريبا، ولم يُسمح خلالها لخالد بالاِتّصال بأقاربه أو محامين. أجبره الضبّاط على قراءة اِعترافات مُعَدَّة وصوّروها، وتقول إنّه أحرق سيّارات الشّرطة بناء على أوامر من الإخوان المسلمين.

بعد 10 أيّام، اِستجوب عدّة أعضاء من النّيابة العامّة خالد وزملاءه المحتجزين. وعندما أخبر خالد أحد أعضاء النّيابة بأنّه تعرّض للتّعذيب، ردّ عليه بأنّ ذلك ليس من اِختصاصه، وأمر خالد بإعادة سرد الاِعتراف المصوّر، وإلاّ فإنّه سيعيده مرّة أخرى للتّعذيب.

يتذكّر خالد: “أنت تحت رحمتهم، ’ستفعل كلّ ما نقوله لك‘. صعقوني بالكهرباء في رأسي، وخصيتيّ، وتحت إبطيّ. كانوا يُسخّنون الماء ويصبّونه عليك. في كلّ مرّة أفقد فيها وعيي، كانوا يصبّونه عليّ”.

يمتدّ تاريخ مصر من التّعذيب إلى أكثر من 3 عقود، سجّلت “هيومن رايتس ووتش” لأوّل مرّة الممارسات الموثّقة في هذا التّقرير منذ عام 1992. مصر هي الدّولة الوحيدة الّتي تخضع لتحقيقين عموميين من قبل “لجنة مناهضة التّعذيب” التّابعة للأمم المتّحدة، والّتي كتبت في جوان 2017 أنّ الوقائع الّتي جمعتها اللّجنة تؤدّي “إلى اِستنتاج لا مفرّ منه وهو أنّ التّعذيب ممارسة منهجية في مصر”.

منذ أن أزاح الجيش الرّئيس السّابق، مرسي، عام 2013، أعادت السّلطات تشكيل وتوسيع الأدوات القمعية الّتي ميّزت حكم مبارك. أدّى اِنتظام التّعذيب والإفلات من العقاب على ممارسته منذ عام 2013 إلى خلق مناخ لا يرى فيه من يتعرّضون للإيذاء أيّ فرصة لمساءلة المسيئين، وكثيرا ما لا يكلّفون أنفسهم عناء حتّى تقديم الشّكاوى إلى النّيابة العامّة.

بين جويلية 2013 وديسمبر 2016، حقّقت النّيابة العامّة رسميا في 40 قضية تعذيب، وهي جزء بسيط من مئات الاِدّعاءات المقدّمة، لكن “هيومن رايتس ووتش” لم تعثر إلاّ على 6 قضايا فازت النّيابة العامّة بأحكام إدانة ضدّ عناصر وضبّاط وزارة الدّاخلية. ولا تزال جميع هذه الأحكام قيد الاِستئناف، وتشمل حالة واحدة فقط ضبّاطا بالأمن الوطني.

قالت “هيومن رايتس ووتش” إنّ على السّيسي تكليف وزارة العدل بإنشاء منصب مدّع خاصّ مستقلّ مكلّف بتفتيش مراكز الاِعتقال، والتّحقيق في الإساءة من قبل الأجهزة الأمنية ومقاضاتها، ونشر سجلّ الإجراءات المتّخذة. وفي حال عدم قيام إدارة السّيسي بجهد جدّي لمواجهة وباء التّعذيب، على الدّول الأعضاء في الأمم المتّحدة التّحقيق ومقاضاة المسؤولين المصريين المتّهمين باِرتكاب التّعذيب، أو الأمر به، أو المساعدة عليه.

قال ستورك: “تسبّب الإفلات من العقاب في الماضي في ضرر كبير لمئات المصريين ومهّد لثورة 2011. السّماح للأجهزة الأمنية باِرتكاب هذه الجريمة الشّنيعة في جميع أنحاء البلاد قد يسبّب موجة أخرى من الاِضطرابات”.

للاِطّلاع على التّقرير كاملا، اُنقر هنا: http://مصر وباء التعذيب قد يشكل جريمة ضد الإنسانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*